مثيانق شريلو - جوبا

لا تزال الخلافات في جنوب السودان تفرض نفسها بقوة عند الحديث عن نخبة المجتمع، إذ يرى البعض أن فئة اجتماعية يمكن أن تسمى بنخبة المجتمع قد تشكلت بشكل أكثر وضوحا عقب انفصال البلاد عن السودان.

إلا أن آخرين يرون أن هذه الفئة كانت حاضرها بمفهومها المعروف خلال الحراك الذي سبق إعلان الاستقلال، وأن الفئة التي تنشط حاليا لا يمكن أن تمثل سوى نخبة القبيلة، بحكم أن التوجهات العرقية هي التي لا تزال تشكل حضورا أكثر من التوجه الوطني.

ومنذ إعلان انفصال جنوب السودان في يوليو/تموز 2011، كانت التحذيرات التي تتعلق بالتحديات التي يمكن أن تواجه الدولة الحديثة تتمثل في النزعة العرقية أو القبلية، وقد أدى الخلاف حول السلطة بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه المقال رياك مشار إلى اندلاع حرب أهلية كانت الأبعاد العرقية مخيمة عليها، تحديدا عند قبيلتي الدينكا والنوير، كبرى قبائل البلاد. 

جنود من جنوب السودان في احتفال بالذكرى السابعة لمقتل جون قرنق الزعيم التاريخي لجنوب السودان (الأوروبية)


ويشير الدكتور عادل أتناسيوس -وهو أستاذ جامعي ووزير للتعليم بولاية غرب بحر الغزال بجنوب السودان- إلى أن مفهوم النخبة لا يزال سائدا وسط مجتمعات جنوب السودان العرقية، وبكل أسف انتقل هذا التفكير والدور من القبيلة إلى الدولة، من دون إعادة صياغة المفهوم من جديد.

وينبه أتناسيوس إلى أن هناك حاجة ملحة لبحث تقييم الخلفيات القبلية في تشكيل القوى السياسية، التي لا تزال تطرح نفسها للحصول على السلطة في الدولة الوليدة. وينهي أتناسيوس حديثه قائلا "كل شيء يحتاج إلى إعادة صياغة، بما في ذلك مفهوم النخبة والسلطة أيضا".

بينما يطرح القيادي في الحركة الشعبية في المعارضة، يوهانس موسى فوك، مفهوما مختلفا بشأن النخبة المثقفة في جنوب السودان، فهو يرى أن التطورات السياسية التي تشكلت عقب انتهاء الحرب في جنوب السودان عام 2005 -بعد التوقيع على اتفاق نيفاشا بين الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان- ألغت طبقة النخبة التي كانت قد تشكلت في تسعينيات القرن الماضي، والتي كانت تتكون من موظفي الحكومة وخريجي الجامعات وكبار السلاطين.

ويضيف فوك أن أحدث دول العالم تعاني من أزمة فقدان نخبة وطنية وفق المفهوم المعهود لدى الأمم والشعوب الأخرى. ويشير إلى أن الطبقة التي تعتبر نفسها الآن نخبوية تتكون من قيادات الأحزاب وأصحاب الوظائف الدستورية، بالإضافة إلى التجار.

رعاة غنم من قبيلة الدينكا يؤدون رقصة تقليدية (رويترز)


وشهدت تسعينيات القرن الماضي موجة من الاغتيالات والتشريد والمضايقات السياسية من قبل حكومة الخرطوم على من يرون في أنفسهم طبقة نخبوية في جنوب السودان، إبان تصاعد موجة الحرب الأهلية، مما دفع بعضهم إلى اختيار حق اللجوء أو الانضواء تحت لواء المشروع الحاضري المطروح من قبل الحركة الإسلامية في جنوب السودان، بينما انضم آخرون لحركة قرنق، ومن ثم تعددت الروايات بشأن وفاتهم.

ويرى الصحفي دينقديت أيوك أن خريجي الجامعات والحاصلين على الدراسات العليا يمكن اعتبارهم من نخبة المجتمع في الدولة الحديثة، ويضيف أيوك أن "هؤلاء الخريجين هم مَن يشكلون طبقة القيادات القائمة على النفوذ القبلي، الذين كلما فقدوا مناصب عليا في الدولة يعودون مرة أخرى لطرح مفاهيم تتعلق بتهميش مجتمعهم القبلي من الحكومة"، وأضاف "هذا ما يجعل تلك النخبة تستنجد بالقبيلة لصالح الحسابات السياسية الضيقة".

وأعادت الحرب الدائرة الآن في جنوب السودان -والتي خلقت انقسامات وسط المجتمعات العرقية فيه- تساؤلات متعددة بشأن إعادة صياغة مفهوم النخبة من جديد، خصوصا أن هذه الحرب دفعت بالكثير من النخب إلى التراجع وإبدال مواقفهم الوطنية بخطابات قبلية لم تكن معهودة بالنسبة للكثيرين الذين رأوا في الوطن الجديد الدواءَ لكل الأمراض التي كانت سائدة قبل الاستقلال عن السودان.

المصدر : الجزيرة