سامر علاوي - كوالالمبور
تنتاب كثير من اللاجئين الروهينغيين مشاعر فقدان الأمل بالعودة لوطنهم ميانمار، دون إيجاد حل لمشكلتهم في وطنهم، وهي العرقية التي صنفتها الأمم المتحدة بأنها الأكثر اضطهادا في العالم.

ورغم ذلك فقد دعمت الأمم المتحدة الإحصاء السكاني الذي استثنى أبناء هذه العرقية من المواطنة، فعزز الإحصاء السكاني حرمان اللاجئين من العودة لديارهم، وهدد بتشتيت من تبقى في إقليم (راخين) كما تطلق عليه حكومة ميانمار ويعرف تاريخيا بــ أراكان.

ففي بلد غير موِّقع على اتفاقية جنيف للاجئين ولا يعترف بحقوقهم، لم يبق لـ نور عالَم أبو فياض سوى الاعتماد على جيرانه في أحد أحياء كوالالمبور الفقيرة لتغطية تكاليف عملية جراحية مقررة له بعد أسابيع، وتبلغ تكلفتها قرابة ألف دولار بعد تخفيض المستشفى الحكومي، نظرا لأنه يحمل بطاقة لجوء من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة حصل عليها عام 1992، وفق ما تؤكده الوثائق التي يحملها.

لكن رب الأسرة المريض الذي يعيل ثمانية أبناء بعد زواج ابنتيه الكبيرتين لم يتمكن من دفع فواتير الكهرباء والماء لعدة أشهر، فقطعت بلدية كوالالمبور المياه عن منزله، وتظهر على الأبناء خاصة الصغار منهم آثار سوء التغذية، وبالكاد يستطيع توفير أجرة المنزل من راتب زوجته التي تعمل بالنظافة في المستشفى، وتتلقى الحد الأدنى من الأجور الذي ينص عليه القانون وهو تسعمائة رينغيت (أقل من ثلاثمائة دولار).
تغير حال شيلا بعد اختفاء زوجها ومقتل زوج ابنتها فباتت لاجئة بعد أن كانت تعيش حياة مستقرة قبل فترة قصيرة(الجزيرة)

وبعد 28 عاما قضاها في المهجر، يبدو أبو فياض (48 عاما) يائسا أكثر من أي وقت مضى من إمكانية العودة إلى موطنه في إقليم راخين/ أراكان، نظرا لعدم شموله في التعداد السكاني الذي أجرته ميانمار في أبريل/ نيسان الماضي واستثنى الروهينغا من بين 135 عرقية تستظل بدستور ميانمار.

أما الوضع في المهجر، فأقل ما يقال فيه إنه ليس واعدا وفق تصريحات عبد الخالق بن عبد الرزاق مسؤول اللاجئين في تحالف المنظمات الروهينغية بماليزيا. وبينما تقدر الحكومة الماليزية عدد اللاجئين من ميانمار بأكثر من 127 ألفا، فإن عبد الخالق يقول إن عددهم يتجاوز ثلاثمائة ألف غالبيتهم الساحقة غير مسجلين ضمن طالبي اللجوء في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة.

لكن الاضطهاد الذي يرويه لاجئو ميانمار في ماليزيا من حكومة الغالبية البوذية في بلادهم يتخطى الروهينغا، فاللاجئون من عرقيات ميانمارية أخرى خاصة المسلمين يروون قصص اضطهاد لا تقل بشاعة عما يواجهه الروهينغيون.

وغير بعيد عن منزل أبي فياض تقيم السيدة شميلا شريف في غرفة واحدة داخل شقة ضيقة تسكنها ثلاث عائلات، وقد وصلت قبل ثلاثة أشهر من إقليم كاشين هربا بابنتها الصغرى وحفيدها من ابنتها الكبرى التي توفيت بعد مقتل زوجها على أيدي قوات حكومية، كما قالت للجزيرة نت.
الأمين العام لمجلس علماء الروهنغيا يأمل في أن تسمح السلطات الماليزية بزيادة الصفوف الدراسية للاجئين الروهنغيين (الجزيرة)


وتضيف شميلا التي تتحدث الإنجليزية بأن حياتها كانت جيدة في إقليم كاشين -يشكل المسلمون فيه نسبة قد لا تصل إلى 15%- إلى أن اختفى زوجها قبل ثلاث سنوات ثم قتل زوج ابنتها قبل عامين ولحقته ابنتها بعد أن أعياها ثلاثي المرض والحسرة والفقر.

فاضطرت شميلا إلى الرحيل وعبرت الحدود مع تايلند ثم إلى ماليزيا في رحلة طويلة علها تجد عملا يمكنها من عيش كريم مع ابنتها الصغرى وحفيدها طفيل ياسين، لكن ابنتها ذات التسع سنوات التي كانت تتعلم في مدرسة عالمية في ميانمار باتت مهددة بمستقبل مظلم لا مكان فيه للتعليم.

وعلى الرغم من أن المدارس التي يشرف عليها مجلس علماء الروهينيا في ماليزيا غير معترف بها من قبل الحكومة، فإن الأمين العام للمجلس محمد كريم أعرب في حديثه للجزيرة نت عن قلقه من "منع السلطات الماليزية مواصلة خدمات التعليم إلى ما بعد المرحلة الابتدائية".

وأضاف "لقد اتصلنا بالسلطات ووسطنا الجمعيات التي تساعدنا من أجل السماح لنا بإضافة صف سابع في مدارسنا، لكن مطالبنا لم تجد قبولا حتى الآن".

بعيدا عن ملاحقة الشرطة للاجئين غير الشرعيين في المدن، زارت الجزيرة مدرسة أقامها مجلس علماء الروهينغا في منزل ريفي بولاية سلانغور، فهي لا تقدم للتلاميذ سوى تعليم ديني أساسي، وتفتقر إلى أبسط الاحتياجات مثل المناهج والكتب والمقاعد.

أما المفارقة فكانت بتلقين أحد المدرسين للتلاميذ قرارات دولية لا يفهمونها تتعلق بحقوق الروهينغا الأساسية وفق المواثيق الدولية وحرمانهم من المواطنة بموجب التعديلات الدستورية في ميانمار، التي لا تعترف بالروهينغا عرقية أصيلة وإنما مهاجرون بنغاليون غير شرعيين.

تلاميذ الروهنغيا في مدارس غير معترف بها وتفتقر إلى الاحتياجات الأساسية (الجزيرة)

وعلى الرغم من أن جمعيات ومنظمات غير حكومية كثيرة تولي اهتماما بمن يوصفون في ماليزيا باللاجئين غير الشرعيين ومنهم الروهينغيون، فإن هذه المنظمات تتحدث عن صعوبات للوصول إليهم، بسبب تجنب اللاجئين الظهور خشية ضبطهم من قبل الشرطة، حيث يقتادون إلى مراكز احتجاز ولا يعرف عدد اللاجئين فيها ولا يسمح للصحافة بدخولها.

وقد اشتكى رئيس المجلس الاستشاري الماليزي للمنظمات الإسلامية (مابيم) عزمي عبد الحميد من إخضاع جميع المساعدات التي تدخل إلى مراكز الاحتجاز لتدقيق صارم من قبل السلطات، وأضاف للجزيرة نت أن "المنظمات الخيرية تضطر لاستصدار تصاريح خاصة لإدخال الاحتياجات الأساسية مثل المستلزمات الصحية للأطفال والنساء".

وكانت الحكومة الماليزية قد تعهدت بعدم إعادة اللاجئين الروهينغيين إلى بلادهم في ظل الأوضاع الحالية، في إشارة إلى الاضطهاد الممنهج ضدهم في ميانمار، وقالت في ردها لاستجواب البرلمان في مارس/ آذار الماضي إنها تغض النظر عما يقدم للاجئين من خدمات صحية وتعليمية، ولا تتعقب العمال من اللاجئين الروهينغيين في ورش عملهم.

غير أن منظمة العفو الدولية انتقدت أكثر من مرة تصرفات الحكومة الماليزية تجاه اللاجئين الروهينغيين، وطالبتها بمنحهم بطاقات لجوء تحول دون ملاحقة الشرطة لهم وتعرضهم للاعتقال التعسفي أو التسفير أو حتى تسليمهم لتجار البشر.

المصدر : الجزيرة