عماد عبد الهادي - الخرطوم


قد تكون مهنة ست الشاي (بيع النساء الشاي والقهوة في الطرقات وأمام بعض المحال التجارية والمؤسسات العامة والخاصة) التي تميز العاصمة السودانية الخرطوم أمرا مألوفا للمجتمع المحلي، لكنها تشكل حالة غريبة ونادرة لغير السودانيين.

وتحولت ما كانت تعرف "بالظاهرة الغريبة" بداية تسعينيات القرن الماضي إلى مهنة دائمة وملمح ثابت في الحياة اليومية بكافة المدن السودانية دون استثناء.

ولم تعد ظاهرة بيع النساء الشاي والقهوة في الحدائق العامة والأرصفة مصدرا مؤقتا للرزق لدى النساء اللائي لجأن إليها لظروف قاهرة، بل تحولت إلى مهنة جاذبة لشرائح نسائية أخرى ولأسباب اجتماعية مختلفة، رغم ما يبذل رسميا لمحاربتها أحيانا.

ست الشاي نادية موسى بررت امتهانها بيع الشاي ببعض الظروف الحياتية التي فرضت عليها العمل من أجل تربية أطفالها "حتى لا يحتاجوا لغيرهم أو يمدوا أيديهم للآخرين".

وأكدت للجزيرة نت عدم امتلاكها أي مهنة، "ولم أتلق أي تدريب يعينني على إيجاد عمل مستقر، لذلك قبلت على الفور اقتراحا من سيدة صديقة ببيع الشاي والقهوة"، مضيفة "أن ما شجعني على دخول عالم هذه المهنة هو قلة رأس المال المطلوب وخبرتي كربة منزل في صنع المشروبات الساخنة".

جلسات ست الشاي يغلب عليها السهر وقضاء الأوقات المرحة بين الأصدقاء (الجزيرة)

وتقول إنه نظرا لعدم ثبات وضآلة العائد اليومي "فإنه يتعين علي الإيفاء بجزء غير يسير من احتياجات أسرة مكونة من تلميذين في المرحلة الأساسية من الدراسة".

وتؤكد نادية أن عمل النساء في مهنة بيع الشاي يحظى باحترام من مختلف فئات المجتمع، لأنه عمل شريف لسيدات وضعتهن الظروف أمام واقع حياتي صعب يجب تقبله والتعامل معه.

لكنها تعود وتقول "إن ما ينغص علينا هو عدم إصدار تراخيص لبائعات الشاي بصورة دائمة، مما يجعلنا بدون سند قانوني ويعرضنا للطرد والمنع في أي لحظة، رغم أننا نخدم قطاعات واسعة من المجتمع تتجه إلينا بغرض الترفيه والتواصل مع بعضها".

وتجتذب مهنة بيع الشاي والقهوة على الأرصفة في شوارع الخرطوم وعلى ضفاف نهر النيل شرائح مختلفة من النساء، البعض منهن أكمل التعليم الجامعي حديثا، والأخريات ما زلن يواصلن تعليمهن لنيل الشهادة، من أجل وضعها في مكان مناسب على جدران المسكن في ظل تفشي البطالة وانعدام فرص العمل، كما تقول صفاء عثمان.

وصفاء التي نالت قدرا من التعليم "لم تحتمل انتظار الحصول على وظيفة لقناعتها بأن الانتظار سيطول في معاناة نفسية ومادية".

وتبدي صفاء للجزيرة نت سعادتها بالعمل في مهنة بيع الشاي والقهوة "رغم طبيعتها المرهقة وعائدها الضئيل"، مشيرة إلى أنها حصلت على فرصة عمل حر ومحترم يعينها على تكاليف الحياة المتزايدة".

وحسب إحصاءات رسمية أصدرتها ولاية الخرطوم، فإن نحو 1998 امرأة تمتهن بيع الشاي والقهوة من السودانيات اللائي تتراوح أعمارهن بين 30 و40 عاما، وأن نحو 1768 من الأجنبيات في الفئة العمرية بين 15 و30" عاما.

وأشارت نتائج دراسة للمجلس القومي لرعاية الطفولة والأمومة إلى أن 76.2% من بائعات الشاي نزحن للخرطوم من ولايات نائية بسبب الجفاف والنزاعات القبلية المختلفة.

وأكدت أن 47% من العاملات في مهنة بيع الشاي والقهوة يسكن بالإيجار في أحياء العاصمة الطرفية، وبينما يملك نحو 29% منهن سكنا خاصا تسكن حوالي 18% مع أهلهن.

وتكشف الدراسة أن 43% من الشريحة المعنية متزوجات، وأن نحو 13.1% منهن من الأرامل، ونحو 24.6% من العازبات.

انتشرت ظاهرة ست الشاي في المجتمع السوداني من سنوات ليست بعيدة (الجزيرة)


وبررت الدراسة التحاق النسوة بالمهنة بمحاولة زيادة الدخول المتدنية أو إيجاد مصدر دخل ثابت بسبب وفاة الزوج أو عجزه عن العمل أو غيابه عن المنزل.

هاشم عبد الله -موظف- يؤكد أهمية الدور الذي تلعبه بائعة الشاي لكافة أفراد المجتمع، منوها إلى أنها أضحت عنوانا ثابتا للقاءات الأصدقاء أو تجمعات الأسر في أيام العطل أو حتى أمسيات رمضان.

ويعتقد أن مهنة ست الشاي نجحت في خلق فضاء ترفيهي واجتماعي أو ثقافي "في ظل ندرة مثل هذه الأماكن في الخرطوم واختفاء المقهى من الشارع السوداني تماما".

بينما يرى المحلل الاقتصادي عبد العظيم المهل -في حديثه للجزيرة نت- أن الجفاف والنزاعات القبيلة والحرب الأهلية بأطراف البلاد، أدت إلى الدفع بعشرات الآلاف من الأسر إلى المدن الرئيسية، دون امتلاك أي مهارات أو تحصيل أكاديمي "فاتجهت السيدات لهذه المهنة من أجل المساعدة في أعباء الحياة".

المصدر : الجزيرة