محمد أمين - لندن

تحتل جمهورية لاوس في جنوب آسيا المرتبة الأولى في العالم من حيث وجود الألغام والقنابل العنقودية فيها. وهي من مخلفات الحرب الأميركية على فيتنام سابقا، وقد أودت وما زالت تودي بحياة الآلاف من المواطنين في هذه الجمهورية.

روبرت ويلان، منتج ومخرج الأفلام الإيرلندي الجنسية، قرر أن يعيش مغامرة فريدة، فحمل كاميرته لينتج فيلما وثائقيا باسم LAOS 13.5, Land of a million bombs، رافق فيه فريق تفكيك ألغام نرويجي خلال عمله في هذه البلاد التي تسمى بلد المليون لغم.

فبين لغم وآخر قصة لمفكك ألغام لقي حتفه، أو طفل كان يلهو بالقرب من لغم انفجر به، أو رجل ذهب هناك للعمل في مزرعة فانتهى ضحية لألغام تحكي قصة حرب طاحنة دارت رحاها في لاوس، قبل أربعين عاما.

قذائف لم تنفجر استخرجها فريق انتزاع الألغام من القرى والأرياف في لاوس (الجزيرة)

مأساة مجهولة
يبدأ ويلان حديثه بالقول إنه أراد من مغامرته هذه توثيق حقيقة أن الآلاف من البشر في هذه البقعة الجغرافية من العالم مازالوا يدفعون ثمن قصف أميركي جنوني حصد مئات الآلاف من الأرواح، ومازالت آثاره تطارد الأحياء.

فالأطراف الصناعية في أجساد ضحايا القصف شاهد يومي على حجم الجريمة اليومية هناك وفق ويلان. ويضيف أن 24 دقيقة -مدة فيلمه- هي حصاد مغامرة استمرت أياما، كان يضع في أحد احتمالاتها أن يكون هو ضحية لهذه الألغام.

فريق انتزاع الألغام يمسح مواقع الألغام والقذائف المدفونة تمهيدا لاستخراجها (الجزيرة)

ويؤكد أنه رغم ذلك فإن كاميرته كانت في تلك اللحظات أهم من روحه، فهي التي ستوثق، وستنقل ما جرى ويجري في مسرح الجريمة كما يحلو له وصف "ألغام لاوس".

يقول ويلان إنه صدم في إحدى رحلاته الآسيوية بقصة "لاوس" وزاد من دهشته أن قليلا من الناس يعرف حقيقة وتاريخ الحرب هناك. فذلك البلد الذي تعرض لأعنف حملة قصف في التاريخ، مع مليوني طن على الأقل من القنابل التي أسقطت على رؤوس الناس، جعله الأكثر قصفا على الأرض.

ويضيف أنه يقدر وجود أكثر من ثمانين مليون قنبلة غير منفجرة لا تزال في لاوس، كل هذا جعله يقرر إنتاج فيلم لاستكشاف آثار "حرب لئيمة" وفق وصفه، لاتزال آثارها مستمرة على الإنسان والأرض والحيوان.

امرأة لاوسية تعمل على استخراج لغم أرضي بطرق بدائية (الجزيرة)

الموت القريب
مرافقة ويلان لفريق عالي التدريب لم تكن كافية لجعله يشعر بالأمان، فرغم أن كثيرا من القنابل من النوع العنقودي الذي يحتاج لضغط أكبر حتى ينفجر، فإنك إذا ركلت حجرا أو مسمارا وارتطم بها فإنك ستفقد حياتك في لحظتها، كما يروي ويلان.

ويضيف المنتج الإيرلندي أنه كان دوما حريصا أين يضع قدميه، وكثيرا ما غامر رغم تحذيرات الفريق المرافق لكي يصور لقطات مقربة للألغام، وكما يقول فإن حجم الكارثة يجعل الفرد يشعر بأن حياته ليست أغلى ممن فقدها هنا، رغم أنه لا ينكر شعوره بالخوف مرارا، خاصة عندما يذهب لالتقاط مشهد، فيبدأ الفريق بالعد التنازلي له حتى يغادر.

ويصف تلك اللحظات بأنها خيط رفيع بين الحياة والموت، وأنه لو تأخر ثانية لانتهت حياته في حينها، لكن ثقته بالفريق النرويجي المحترف الذي رافقه وقناعته بما يوثقه كانا دوما يهدئان من روعه.

مخلفات الحرب من القذائف خطر يتهدد الأطفال الذين يستهويهم اللعب بالقذائف غير المنفجرة (الجزيرة)

"كرة اللغم" بديلا عن القدم
الألفة الشعبية للقنابل والألغام أكثر شيء أثار دهشة واستغراب ويلان، فالناس في لاوس يصنعون تحفا وآثارا من بقايا الألغام ويعلقونها في بيوتهم، وبعضهم يصنع منها ملاعق طعام. والتقط صانع أفلام أسترالي في فيلم له مشاهد لأطفال يلهون ويلعبون كرة القدم ببقايا الألغام والقنابل العنقودية بعد أن صنعوا منها كرة للعب.

الأطراف الصناعية التي باتت جزءا من أجسام كثير من سكان هذا البلد الآسيوي تؤشر على عمق الجريمة التي ارتكبت هنا، وفق ويلان.

ويضيف أن كثيرا من الناس في لاوس من الفقراء رغم أن أرضهم خصبة وزراعية، لأن هذه الألغام قصد بها الأميركيون فيما قصدوا منع الأهالي من زراعة أراضيهم واستثمارها حتى يبقوا فقراء ومعدمين.

ويأمل ويلان أن تكون هذه الدقائق التي قدمها في فيلمه وثيقة تسجل جريمة ارتكبت هناك، ومازالت تحصد مئات الأرواح البريئة.
 

المصدر : الجزيرة