-1/11-

الحدود.. مآس إنسانية

محمد المختار الخليل
مدير تحرير الجزيرة نت

يتطلع البشر للعودة إلى ما قبل قيام الدولة القطرية ووضع الحدود المقدسة المحمية بقوة السلاح والقانون، يحنّون إلى زمان الحدود المفتوحة، أو اللاحدود بين الكيانات السياسية، حيث كانوا يتمتعون بالانتقال ونقل البضائع دون ضرائب أو قيود.

اليوم، تعدّ الحدود واحدة من أعقد قضايا الصراع بين الدول وأطولها أمدا، وعلى خلفية هذه الصراعات والتوترات على الحدود تنشأ أزمات اجتماعية واقتصادية متعددة الأشكال والأبعاد، ويكون لبعض الدول الأطراف مصلحة في نشأة هذه الأزمات.

فضلا عن صراعات الدول على ترسيم الحدود بينها، فإن العديد من الحدود المرسّمة تشهد صراعات من لون آخر، مثل صراعات تهريب البشر أو المخدرات أو البضائع، لإغراق الجوار أو للتخفيف من احتقان ما في الدولة وتوفير مصادر دخل للمواطنين.

وعلى هامش عمليات التهريب بشتى أنواعها تولد متلازمة لا تفارقها وهي استغلال البشر وسحق آدميتهم، سواء في تهريب المخدرات أو البضائع، تحت سطوة المستفيدين الكبار، رسميين كانوا أو عصابات، وتتجلى بشاعة هذا الاستغلال في تهريب البشر، هروبا من جحيم الوطن أو تطلعا لحياة أفضل في دول الرفاه.

ألوان متعددة من المآسي والأزمات لاحقتها مجلة الجزيرة (بنسختها الإنجليزية) من حدود دولية عديدة، لتسليط الضوء على معاناة البشر جراء التعسف في رسم الحدود بين الدول، أو استغلال الحركة عبرها لأسباب إنسانية أو اقتصادية. نستمع إلى ضعاف البشر وفقرائهم، يروون قصصهم الدامية أو الموجعة، التي تصل حد الموت بحثا عن الحياة.

الحدود، ملف كتبه صحفيون تخصصوا في متابعة الأزمات على الحدود في مختلف القارات، ووثقوا مشاهداتهم، والقصص التي يروونها بالصور التي تجسد تلك المآسي، ونفرد لهذه القضية هذا العدد من مجلة الجزيرة لأهمية بعدها الإنساني.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/11-

ملف العدد

ملف العدد
السابق

السابق

التالي

السابق

-3/11-

شارع سوريا.. الفاصل الدموي في طرابلس

شارع سوريا.. الفاصل الدموي في طرابلس

تقرير وصور: ألفونسو مورال

 

بدأ المهندس المعماري البرازيلي أوسكار نيميير عام 1962 إنشاء معرض رشيد كرامي الدولي بمدينة طرابلس في لبنان، والذي أصبح رمزا للقوة الاقتصادية اللبنانية في وقت كانت تشتهر فيه بأنها سويسرا الشرق الأوسط. 

وكان المعرض قد صُمم ليضم قاعة مؤتمرات ودارا للأوبرا وتماثيل مهيبة، ويشغل مساحة 25 ألف هكتار، بهدف تحويل المدينة إلى مركز ترفيهي عصري. وعندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، كان المعرض على وشك الاكتمال، لكنه لم يُفتتح أبدا، ولم تُنظم فيه أي عروض للأوبرا ولم ينعقد فيه أي مؤتمر. وبدأ حلم المدينة يتلاشى.

وانغمست طرابلس -التي تقع شمال البلاد وتبعد 30 كلم فقط عن سوريا- في حرب طائفية بدأت في السبعينيات، وتفاقمت منذ بدء الحرب الأهلية في سوريا المجاورة. وحولت جراح الصراع بين مجتمعي السنة والعلويين في طرابلس إلى نموذج مصغر من الصراع المستمر خلف الحدود.

جنازة في باب التبانة لشاب سني قتل وهو يقاتل في صفوف الجيش السوري الحر في سوريا (الجزيرة)

ويهدف هذا التقرير إلى عرض الحياة اليومية في هذه المدينة المنقسمة، والمشاكل الدائمة التي يواجهها السكان المهددون باستمرار. وقد قُتل منذ بداية الصراع في طرابلس 355 شخصا على الأقل، كما أُصيب أكثر من ألفين.

وفي طرابلس هناك ستون ألفا من العلويين يعيشون في جبل محسن، وهو حي أُقيم على جبل وسط المدينة ويُعتبر من أفقر المناطق في البلاد وأكثرها عزلة. وسكان الحي مؤيدون بشدة للرئيس السوري بشار الأسد ويتبعون طائفته نفسها، وتثبت صور بشار ووالده حافظ الأسد المعلقة على جدران المنازل ولاءهم لهما.

وبينما لا يتمتع هؤلاء إلا بأقل قدر من التواصل مع بقية سكان المدينة؛ ظلت المنازل تحمل آثار الصراع، والثقوب التي أحدثتها القذائف والطلقات تذكر أصحاب هذه المنازل بأن كل ما يحدث في سوريا سيكون له تداعيات هنا.

وجيران سكان جبل محسن في حي باب التبانة هم من الطائفة السُنية التي تشكل ثلث مجموع سكان لبنان. وطرابلس هي معقلهم التي أتى منها أهم رجال الأعمال السنة، ويتركز فيها أكثر رجالات السنة "تشددا". وقد عبر كثير من شباب طرابلس الحدود ليحاربوا في صفوف المعارضة بسوريا.

مقاتل سني في منطقة باب التبانة على تماس مع جبل محسن العلوي (الجزيرة)

من الصعب الآن تخيّل ضاحية باب التبانة -الذي يعني باللغة العربية "الباب الذهبي"- عندما كانت في الستينيات.

آنذاك كانت طرقات الحي مكتظة بالحمامات والقصور والفنادق، كما كان يعج بالبهارات ذات الروائح النفاذة وأسواق الذهب. والآن احتلت تلك الأماكن صور الشهداء وأعلام الثورة السورية. ومن السخرية أن الشارع الذي يفصل بين المجتمعين -السني والعلوي- في هذه المدينة، يُسمى شارع سوريا الذي أصبح الخط الأمامي في الحرب بينهما. هناك، شباب يرتدون الجينز والأزياء الرياضية ويشاركون في الصراع الذي أصبح روتينا يوميا تقريبا.

وضعت السلطات اللبنانية خطة أمنية لطرابلس، وبدأ الجيش اللبناني اعتقال ومحاكمة المتهمين بالوقوف خلف أعمال العنف ومصادرة الأسلحة في كل من باب التبانة وجبل محسن.

قبل عامين، بدأتُ أوثق للحياة في طرابلس، وتعرفت خلال هذه الفترة على المجتمعين السني والعلوي، ورأيتُ الجراح التي لحقت بكل منهما جراء هذه الحرب.

فقدت كثير من الأسر من الجانبين أبناء وأقارب ودُمرت منازلها، لكن رغم تطلعات أغلبية السكان بطرابلس للسلام، فإن سوريا مستمرة في الإلقاء بظلها عليهم.

شارع وسط مدينة طرابلس شمال لبنان حيث تقع الاشتباكات بين المسلحين السنة والعلويين (الجزيرة)

 

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/11-

ملحمة اللاجئين العابرين إلى أوروبا

ملحمة اللاجئين العابرين إلى أوروبا

تقرير وصور: جيورجيس موتافيس

 

ظل المصوّر جيورجس موتافيس يوثق لسنوات مصير اللاجئين الذين يسعون للوصول إلى أوروبا. لكن، ما التكلفة الحقيقية لرحلاتهم؟

ملحمة اللاجئين والمهاجرين مشروع وسائط متعددة استغرق إعداده سنوات، والهدف منه هو توثيق الرحلة الخطرة للاجئين والمهاجرين من آسيا والشرق الأوسط في سعيهم للحصول على مستقبل أفضل في أوروبا، والظروف الصعبة التي تعرضوا لها هناك، فبعضهم دفع حياته ثمنا لتحقيق هذا الهدف.

ملحمة كل لاجئ ترافقه من اللحظة التي يبدأ فيها رحلته؛ فبعد أن يبيع كل شيء يملكه ويغادر منزله وأسرته آخذا معه ذكرياته فقط، تواجهه الأسوار، ودوريات حرس الشواطئ وسياسات الاتحاد الأوروبي المتشددة المعادية للاجئين والمهاجرين.

عندما وصلت إلى مليلة، وهي جيب تديره إسبانيا في أقصى ساحل شمال غرب أفريقيا، وتتشارك حدودا مع المغرب، شاهدتُ مئات اللاجئين يقتحمون سورا في محاولة للوصول للأراضي الأوروبية. وكان القليل منهم قد نجح في اختراق السور المشيد بالأسلاك الشائكة الذي يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار، ويتعرض هؤلاء في بعض الأحيان لعنف مفرط من قبل الشرطة الإسبانية.

والخيار الآخر للمهاجرين واللاجئين القاصدين أوروبا هو عبور البحر المتوسط الذي أصبح مقبرة مائية لآلاف منهم.

ومن يصل من اللاجئين إلى الجزيرة الإيطالية الصغيرة لامبيدوزا وهو على قيد الحياة، يصل منهكا ومصابا بالجفاف. ومعظم من يعبرون المتوسط ليست لهم سابق خبرة بالسباحة في مياه البحر، بل إن بعضهم لم ير مياه البحر من قبل. وفي كثير من الأحيان يفقد اللاجئون أي معرفة أو إحساس بالاتجاهات، وينتهون إلى الطفو أياما فوق مياه البحر.

طرف صناعي بكوراكاس كيب بجزيرة ليسفوس اليونانية (الجزيرة)

وصف لي الشاب النيجيري حسين كيف ظل في المياه أربعة أيام قبل أن يصل إلى شاطئ لامبيدوزا، وقال إنه طلب من قائد القارب أن يستمر في اتجاه سيره عندما رأوا دورية خفر السواحل. كان خائفا من أن يُجبروا على العودة، لأنه ذلك إذا حدث -وفقا لما قال- فسيضيع الجميع.

لقد مات أغلب أصدقائه على متن القارب من العطش، وأعينهم مفتوحة تنظر إلى السماء الأوروبية الزرقاء فوق رؤوسهم؛ إنها صورة قال إنه لن ينساها ما دام على قيد الحياة.

في جزر اليونان تفاقم الوضع وخرج عن السيطرة، مئات اللاجئين من سوريا وأفغانستان والصومال يصلون كل يوم إلى جزر ليسبوس وساموس وكيوس وكاليمنوس، يقذف بهم المهربون قرب الشاطئ يملؤهم الخوف ولا يدرون شيئا عن المكان الذي وصلوا إليه، معظمهم يأملون في الذهاب إلى أثينا بعد أن يكتشفوا أنهم وصلوا إلى إيطاليا.

في جزيرة ليسبوس اليونانية التقيت الشاب السوري ضياء الذي كان يعيش في ألمانيا لسنوات، وقد جاء للجزيرة لاستقبال زوجته. وصلت زوجته مع شقيقها وثمانية سوريين آخرين على قارب مطاطي من تركيا على أمل الوصول للشاطئ اليوناني. 

المرة الأخيرة التي تحدث فيها ضياء مع زوجته كانت حينها لا تزال في عرض البحر، وبعد أيام قليلة من الانتظار المؤلم، دُعي ضياء للتعرف على جثمانها. غرق القارب ولم يترك إلا بطاقة هوية زوجته التي أتلفها ملح البحر.

مياه شاطئ ليسبوس غسلت وثيقة تعود لامرأة صومالية (الجزيرة)

مصير اللاجئين في اليونان ظل منذ وقت طويل تكتنفه المشاكل، لكنه بعد الأزمة الاقتصادية في البلاد تدهور بسرعة كبيرة، وتحولت اليونان إلى بيئة معادية وكارهة للأجانب، ولا تقدم لكثير من اللاجئين شيئا غير العزل والاحتجاز. وخلال العامين الأخيرين، استضافت اليونان أكثر من مليون لاجئ ومهاجر غير نظامي أضافوا للقوة العاملة في البلاد وساهموا في تطورها الاقتصادي والديمغرافي، لكن اليوم أصبح اللاجئون والمهاجرون غير النظاميين من أول الشرائح التي تضررت من التقشف.

كما طغت على الحوار السياسي في البلاد الاتهامات بشأن تأثير الهجرة واللجوء على العمالة المحلية، وبدأت السلطات تدريجيا برفض تجديد الإقامات وتصاريح العمل، تاركة كثيرا من اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين دون وثائق تعينهم على الحصول على الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية التي انخفضت كثيرا، بينما أصبح خطر الاعتقال والاحتجاز والترحيل يهدد الجميع.

اللاجئون والمهاجرون غير النظاميين يمكن أن يُسجنوا لفترة تصل إلى 18 شهرا عند دخولهم البلاد أو محاولتهم المغادرة من أي نقطة خلال توقفهم بها. والاحتجاز الإداري الطويل غير المبرر يُطبق أحيانا حتى على طالبي اللجوء، وتهيمن سياسة الاحتجاز على أجندة الهجرة مما فاقم العداء للأجانب.

كذلك ازدادت النعرة العنصرية كثيرا، وأصبح النطاق والمدى الحقيقي للعنف ضد اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين غير معروف، والحالات المسجلة -التي تشمل ضرب النساء والأطفال والهجمات القاتلة- أصبحت تُعتبر رأس جبل الجليد فقط. وقد قيّدت أعداد متزايدة من اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين حركتهم خوفا من الهجمات، وبدأ آلاف منهم -حتى بعد العيش سنوات في اليونان- يعبرون الحدود مرة أخرى هروبا من البطالة والفقر والعنف.

وأصبحت دول البلقان ممرهم الجديد إلى أوروبا، يعبرون الحدود اليونانية إلى مقدونيا ثم إلى صربيا والمجر، على أمل الوصول لوسط أوروبا وشمالها.

وفي كل السنوات التي قضيتها أوثق مصير اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين، كنت دائم الدهشة جراء حجم الآلام التي يعانون منها. رأيت أمهات فزعات وأطفالا على متن قوارب بلاستيكية يصرخون طلبا للمساعدة في الوقت الذي يقذف بهم المهربون إلى الجزر الصخرية. ورأيت رجالا يتسلقون أسلاكا شائكة، وشاهدت جروحا على أجساد هؤلاء اللاجئين جراء الضرب من قبل الفاشيين الذين يستهجنون حضورهم.

في أحد الصباحات، كنت أسير على شاطئ جزيرة ليسبوس، رأيت جثمان أحد الأفغان وقد قذفته الأمواج إلى الشاطئ. حتى بهذه الطريقة، فكرتُ أن هذا الرجل قد وصل إلى مقصده، لكنني أتساءل عن التكلفة الحقيقية لرحلته إلى أوروبا؟

أسرة أفغانية وصلت لجزيرة ليسبوس أوقفتهم دورية الشرطة اليونانية (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-5/11-

حدود تايلند ميانمار.. 2000 كلم تفصل بين العذاب والموت

حدود تايلند ميانمار.. 2000 كلم تفصل بين العذاب والموت

تقرير وصور: جاك بيكوني

 

عندما التقيت بانيوك كان يجلس خارج كوخه على مقعد مصنوع من أعواد الخيزران السميك. وقد عاش الرجل -وهو أحد أفراد أقلية الكارين بميانمار- بعيدا عن منزله وأهله وشعبه في مخيم (ماي لا) على الحدود مع تايلند منذ أن انفجر فيه لغم أرضي. وقال لي ببساطة "أحب حكي القصص، أنا أجيد ذلك".

وتعود قصة بانيوك إلى ما قبل عشر سنوات حين كان عمره 19 عاما، حيث هاجم جنود الحكومة قريته بولاية كارين في إطار حملة لقمع الأقليات. وقتل الجنود -الذين كانوا بالكاد في عمره- أباه وعمه واغتصبوا أمه. ودمروا محصول الأرز وأشعلوا الحرائق في قريته كلها.

هرب الرجل إلى الأدغال وانضم إلى مسلحي "الجيش الوطني لتحرير كارين" (KNLA). وعن ذلك قال لي "بعد ما شاهدت ما حدث، أيقنت أنه يتوجب عليّ أن أتخذ خطوة لحماية شعبي. بحمل السلاح". وأثناء حربه مع المسلحين اصطاده لغم أرضي زرعه الجيش. وقد أوشك على الموت. ولالتقاط صورة له، وقف بانيوك بفخر معلقا مظلة على ما تبقى من ذراعه اليسرى.

بانيوك، هو أحد ضحايا أطول ديكتاتورية دموية في العالم، يعيش مع 45 ألفا آخرين في مخيم "ماي لا" معظمهم من الكارين الهاربين من بلادهم، وما يصل إلى مليونين من النازحين من مختلف العرقيات بميانمار على الحدود مع تايلند.

ورغم أن جبال ميانمار تقف شامخة وجذابة خلفه مباشرة وهي تسد الأفق، فإنه يشعر أنها بعيدة كأنها على كوكب آخر بسبب حملة التطهير العرقي المستمرة من قبل الحكومة.

وعندما بدأت بتوثيق حياة اللاجئين على الحدود بين ميانمار وتايلند، كنت أرغب في استكشاف حالة أن يكون إنسان لاجئا في المنفى بالقرب من بلاده، ويشعر في الوقت نفسه أنه بعيد عنها بعدا يستحيل معه الوصول إليها. فضلا عن تقصي قصص الهروب من الهجمات المسلحة والانتهاكات مثل العمل القسري والتجنيد الإجباري للأطفال والاغتصاب والتعذيب من قبل الجيش الحكومي، وأثرها على الذين يلجؤون إلى تايلند بعد أن يقاسوا أسابيع أو شهورا من الرحلات الشاقة.

الحدود التي يبلغ طولها ألفي كيلومتر طويلة وواسعة للغاية، تملؤها الغابات الكثيفة والجبال الوعرة والأنهار الممتلئة بالثعابين. ورغم طولها وعرضها، لا يوجد بها منازل أو طرق أو ممرات واضحة أو علامات تدل على حياة بشرية. وعادة ما تقتل الألغام الأرضية والملاريا ونقص الطعام الكثير من اللاجئين قبل وصولهم إلى إحدى نقاط العبور.

وإذا كانت معاناة شعب الروهينغا لا يجد إلا التجاهل من العالم، فإن مصيرهم بعد الهروب من ميانمار يقابله العالم بتجاهل أكبر. وبطبيعة الحال تكون الحدود في المناطق المضطربة مركبا سورياليا من التوتر الرسمي والفوضى التي لا يحكمها قانون، وقد أصبحت استغرب كيف تعمل هذه الأرواح المنفية وتستمر في الحياة في مناطق غريبة مثل الحدود بين ميانمار وتايلند.

معسكر ماي لا يأوي أكثر من 45 ألف شخص معظمهم من عرقية الكارين الروهينغا (الجزيرة)

وتمنح حكومة تايلند حق اللجوء لأقل من 1% من طالبي اللجوء من روهينغا ميانمار. والبقية يرمي بهم وضعهم غير القانوني لحياة على الهوامش بأكثر من المعنى الجغرافي؛ فيسقطون من بين ثقوب المسؤولية السياسية، ويختفون من رادارات منظمات العون الدولي، ويصبحون ضحايا لأرباب العمل التايلنديين منعدمي الضمير ومهربي البشر، والشرطة الفاسدة التي تطلب منهم رشى للسماح لهم بالإقامة.

بعض اللاجئين ينتهي به المطاف في مخيمات حدودية آيلة للسقوط ويحرمون من حرية التنقل. وبعضهم يجدون فرصا للعمل كعمال مهاجرين، يكدون في عمل غير قانوني من أجل البقاء في المصانع التي تستغلهم لأبعد الحدود، وفي حقول الأرز وبيوت الدعارة. وآخرون يعيشون حياة لا تُطاق بمخيمات على ضفاف الأنهار المغطاة بالطين ويبحثون في أماكن رمي القمامة عن لقمة تبقيهم على قيد الحياة. وبمجرد وصولهم، فإنهم يعلقون في شراك لا فكاك منه.

ويبقون بين خياري هذه الحياة المزرية أو العودة لميانمار، هو المصير الذين يخافونه أكثر من أي شيء آخر، فتطاردهم السلطات التايلندية وتقبض عليهم وترحلهم على شاحنات نقل الحيوانات لمواجهة السجن المؤكد أو الإعدام ببلادهم.

في بلدة "ماي سوت" الحدودية وجدتُ بائعة هوى خلف باب بائس يحرسه تايلنديون كسالى. اسمها سو ومحتجزة في غرفة خشبية عديمة التهوية. دخلت المبنى خلسة بعد أن غافلت الحراس، لكن سو لا تستطيع من شدة خوفها الهروب بنفس الطريقة التي دخلت أنا بها. والضحية أم لطفلين وهي واحدة بين حوالي عشرة آلاف امرأة وفتاة من الروهينغا تم بيعهن وإغراؤهن للعمل في بيوت الدعارة التايلندية، وأُجبرن على العمل في ظروف عبودية تماثل عبودية القرون الوسطى.

جاءت سو إلى تايلند عقب هجوم الجيش الحكومي على بلدتها فأجبرت على مغادرة كارين معدمة وخائفة على حياتها. لديها طفلان يتوجب عليها إطعامهما لكنها لا تحصل إلا على جزء بسيط من الـ 3.5 دولارات التي تتقاضاها من كل زبون، إذ يستولي على الباقي وسطاء بيت الدعارة.  

ورغم أنها في الـ18 فإنها تبدو وكأنها قد بلغت منتصف العمر وتتمتع بهدوء ورزانة من تعوّد على البؤس. رغبت بشدة أن التقاط صورة لها رغم احتمال القبض عليها من قبل حراسها. قالت لي "لا أخجل من نفسي. أرغب في أن يرى العالم الكيفية التي أعيش بها. عليّ أن أبيع جسدي لأنني لا أملك خيارا آخر" وأضافت بعصبية "أرجوك لا تظهر وجهي".

كثير من الناس الذين التقيتهم على الحدود والتقطت صورا لهم كانت لديهم نفس المشاعر المزدوجة تجاه الكاميرا، ممزقين بين إقرارهم بأن الصور نوع من التسجيل لوجودهم وللمصاعب التي تواجههم، وبين الخوف من احتمال الاعتقال والترحيل إذا ظهروا على الملأ.

أحيانا أجد نفسي أخطو بمكان خاطئ. ففي أحد الأسابيع ذهبت إلى ضفاف "نهر موي" عند الجسر الذي يحمل اسما لا يتناسب معه وهو "جسر الصداقة" الذي يربط بين "ماي سوت" وميانمار.

في اليوم الأول التقطت صوّرا لأسرة تحتمي تحت الجسر. رب الأسرة يبيع ألعابا نارية الواحدة بدولار واحد، ويستخدم العائد لشراء طعام لأطفاله الثلاثة هزيلي الأجساد. وتأثرت كثيرا عندما دعتني زوجته لمشاركتها طبقا صغيرا من الأرز. وفي اليوم التالي عدتُ لزيارة نفس الأسرة، فقام بائع مفرقعات آخر بتهديدي بسكين وطلب مني المغادرة وعدم العودة.

ملجأ أيتام للأطفال المسلمين في ماي سوت في تايلاند (الجزيرة)

 

يضفي إيقاع الحياة بأحداثها التي لا يمكن التنبؤ بها جوا من الخوف الدائم. فاللاجئون غير النظاميين يقفزون في أماكنهم عندما يفرقع الأطفال ألعابهم النارية، كما أنهم يختبؤون عندما يسمعون أصوات شاحنات الشرطة وهي تزمجر على الطرقات. لا أحد آمن، لكن السلطات تتسامح مع نوع من الأنشطة السرية مثل الاحتطاب غير القانوني، وتهريب اللبان، والعمل بأجور زهيدة، لأنها تعود على تايلند بفوائد اقتصادية ملموسة.

في السابعة صباح كل يوم وقرب جسر الصداقة، تعبر قوارب تزدحم بمئات العاملين غير النظاميين النهر من ميانمار. وعلى الضفة الأخرى يتم شحنها بالبضائع التايلندية المتهربة من الجمارك، إلى ميانمار. إنه تبادل بسيط للبضائع.

وبعيدا عن الجبال التي تغطي ما يُسمى المثلث الذهبي سيئ الصيت، التقيت الراهب "خرو با" راعي معبد "غولدن هورس" الذي يكافح تجارة حدودية أخرى شريرة، وهي تهريب المخدرات. فكثير من آباء الأيتام الذين يأويهم في المعبد قُتلوا على أيدي جيش ميانمار بسبب تهريبهم المخدرات.

يخرج خرو با -الذي يرتدي قماشا من النسيج الموشى- مع الأيتام على الخيول في الأدغال ليشن حربا سلمية على تجارة المخدرات.

المهربون الرئيسيون للمخدرات أفراد قبيلة "وا" من ميانمار التي كانت متمردة على الحكومة المركزية ثم أعادت تشكيل مقاتليها لإنشاء أكبر منظمة لتهريب المخدرات في العالم. يخرج خرو با ورهبانه الجدد ليواجهوا بشجاعة قوافل قبيلة "وا" المحملة بالهيروين لمنع تهريبه.

قال لي خرو با "استخدم قوة إيماني وإقناعي بدلا من السلاح، وأصلي وأطلب من المهربين التفكير في مشاعرهم إذا كان أطفالهم أنفسهم سيموتون من إدمان المخدرات". وأقر الراهب بعدم تيقنه من أن جهوده هذه ستنجح، لكنها بالنسبة إليه نوع من الممارسة الروحية، ومحاولة لمواجهة وحشية الحياة على الحدود والحفاظ على بعض السلم، وهو يحاول تعليم الفتيان الجدد ألا يخشوا المعاناة. ويعد معبده العابق برائحة البخور وبأجراسه وخيوله واحدة من واحات الهدوء النادرة في المنطقة.

في الواقع، الحياة الروحية واحد من أشكال العزاء لكثير من اللاجئين على الحدود الذين ابتعدوا عن ثقافتهم ومجتمعاتهم. فيحاولون قدر الإمكان إقامة الاحتفالات الدينية، وطقوس الأعراس والجنازات بطرقهم التقليدية. وأشار لي البعض بأن مثل هذه المناسبات تساعدهم في الحفاظ على إحساسهم بالتوازن والهوية.

في بلدة "أمفانغ" المنعزلة جنوب "ماي سوت" رأيتُ امرأتين مسنتين من قبيلة الكارين تراقبان عبر ثقوب كوخهما الخشبي مراسم عرس كاريني. في تقاليدهم يجب أن يربط العريس أجراسا بأصابع قدميه لإعلام ضيوف العرس بوجوده، لكن المرأتين المسنتين كانتا تريدان التأكد بنفسيهما من ممارسة هذا الطقس.          

في كل مكان ذهبت إليه هنا، بكل ما يحمله من بؤس واستغلال وعنف من السلطات، أتساءل مندهشا كيف لا يفقد هؤلاء اللاجئون عقولهم أو ينهون حياتهم. فاحتمالات تحسن مصيرهم أو تغيير النظام في ميانمار مجرد أوهام في الوقت الراهن. ومع ذلك، لم أشاهد، إلا نادرا تذمرا عارما من الوضع. واعتقد أن تفسير ذلك يعود جزئيا إلى الثقافة الآسيوية التي تقدس عدم إظهار الضعف أو المشاعر الجياشة..

طفلة من ميانمار تنام في الشارع من أول المساء بعد يوم طويل من البحث عن لقمة العيش في القمامة (الجزيرة)

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/11-

جدار الخوف بين الهند وبنغلاديش

جدار الخوف بين الهند وبنغلاديش

تقرير وصور: غايل توراين

 

مهما كان اسمه "جدار، حاجز، سور" فإن هدفه واحد، وهو تقييد العلاقات الإنسانية بين "نحن" و"هم". ففي 1989، ابتهج العالم بإزالة جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا، في ظل حديث الإعلام ووعود السياسيين بعدم بناء جدر مماثلة مرة أخرى. ومع ذلك، نجد اليوم جدرا وحواجز وأسوارا بين الدول أكثر من أي وقت مضى منذ العصور الوسطى، وقد أنشئ بعضها حديثا وأخرى تم تعزيزها فقط.

في عام 1993، بدأت الهند ببناء جدار يبلغ طوله 3200 كلم على طول حدودها مع بنغلاديش. وقد بنيت بعض أجزائه بالطوب وبعضها الآخر بالأسلاك الشائكة، ويقوم على حراسته جنود من قوات أمن الحدود الهندية.

تُعتبر قوات أمن الحدود الهندية -بعددها البالغ 220 ألف جندي- أكبر قوات حدود في العالم. وقد عمل بعض هذه القوات على الحدود المتوترة وشديدة المراقبة مع باكستان في كشمير، ويشكو كثير من البنغاليين أن الجنود الهنود الذين يعترضونهم عدائيون وعدوانيون.

شاب ينتظر تاجر هندي لتزويده بسلع لبيعها في بنغلاديش وهي مهمة خطرة باعتبارها تهريب غير قانوني (الجزيرة)

من جانبها، تقول الحكومة الهندية إن الجدار والقوات التي تحرسه تقوم بمنع التهريب والهجرة البشرية الكثيفة من بنغلاديش. ومن الصعب تحديد الهجرة غير النظامية من بنغلاديش إلى الهند. فالحكومة البنغالية ترفض أحيانا إعادة أفراد تقول الهند إنهم مهاجرون غير نظاميين، زاعمة أنهم هنود. لكن بعض التقديرات تشير إلى أن هناك حوالي عشرين مليون بنغالي هاجروا بشكل غير منظم إلى الهند منذ 1971، عندما نالت بنغلاديش استقلالها من باكستان.

وظلت نيودلهي تزعم خلال السنوات الأخيرة أيضا أن المقاتلين الانفصاليين في ولاياتها الشمالية يجدون ملاذات في بنغلاديش حيث يعبرون منها إلى الهند لتنفيذ هجمات.

والحدود التي رسمها البريطانيون عام 1947 لا تتضمن كثيرا من المنطق الجغرافي أو الإثني. فهي تقسّم منطقة البنغال وسكانها رغم العلاقات الثقافية واللغوية والدينية والاقتصادية وعلاقات القربى.

بنغاليات يحملن بضائع هندية لبيعها في بنغلاديش ويسرن على طول الجدار الحدودي بمدينة هيلي (الجزيرة)

وعزز تعقيد هذه الحدود المثيرة للجدل وجود 106 جيبا هنديا في بنغلاديش و92 جيبا بنغاليا في الهند، وهي في الأساس عبارة عن مناطق محاطة بالكامل بأراض تعود إلى الدولة الأخرى. ويتوجب على سكان هذه الجيوب استخراج بطاقات هوية وعبور الحدود لدخول بلدانهم. وترافقت هذه الحقيقة مع ظروف المعيشة المزرية مثل ندرة الطرق والمياه والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية، ومعدلات الجريمة المرتفعة، لتنتج حالة من الغضب وسط السكان.

وقبل تشييد الجدار، كان آلاف البنغاليين يعبرون الحدود بشكل غير نظامي كل يوم للعمل في الهند. وبدأت الأسر -التي قسمها الجدار- التحرك بحرية جيئة وذهابا عبر هذا الجدار. وتُعبّر هذه الحركة عن العلاقات الثقافية والاقتصادية والأسرية الوثيقة بين المجتمعين على جانبي الحدود. لكن الجدار تسبب في تغيير كل ذلك مع نتائج كبيرة.

واستمرت محاولات البنغال الذين يهربون من الفقر المدقع والكوارث الطبيعية المتواترة عبور الحدود إلى الهند. لكن المخاطر التي يتعرضون لها كبيرة. ووفقا لإحصائيات نشرتها منظمة أوذيكار لحقوق الإنسان -والتي لم تنفها الهند ولا بنغلاديش- فإن شخصا واحدا لقي حتفه على الحدود كل خمسة أيام خلال السنوات العشر الماضية. وقُتل أغلب الضحايا برصاص قوات أمن الحدود الهندية أثناء محاولة عبور الحدود. كل ذلك جعل هذه الحدود المهملة إحدى المناطق الأكثر دموية في العالم.

مدينة ديناجبور على الحدود بين الهند وبنغلاديش يقسمها سور خرساني ارتفاعه ستة أمتار ويحرسه جنود من الجيش الهندي (الجزيرة)

 

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/11-

كينيا والصومال.. الانقسام غير الطبيعي

كينيا والصومال.. الانقسام غير الطبيعي

تقرير: جاي بهادو

صور: ويل سانسون

 

ليبوي مدينة حدودية منعزلة تقع على بعد خمسمئة كيلومتر شمال شرق العاصمة الكينية نيروبي، وتعصف بها الرياح باستمرار، أصر قائد شرطة محلي على أن يرافقنا خمسة من رجال الشرطة لحراستنا، فبدا مفرطا في حرصه، لكن ما سمعناه عن قطاع الطرق الذين يجوبون الطريق إلى ليبوي جيئة وذهابا كان يشعرنا بالخطر كلما اقتربنا من الحدود الصومالية.

وعقب مقتل قائد تنظيم الشباب الصومالي أحمد غوداني في هجوم أميركي بطائرة دون طيار، اختار التنظيم بسرعة خليفة له وتعهد بالانتقام، وقال قائد الشرطة الكيني لنا إنهم يتوقعون تداعيات.

صعد الشرطي جيمس وهو في العشرينيات من العمر إلى سيارتنا ذات الدفع الرباعي وطلب منا ألا نقلق فالطريق آمن، ثم طلب أن يصلي وأمال رأسه إلى الأسفل بهدوء فوق بندقيته وقال "نتوب من كل خطايانا، أيها الرب احم هذه السيارة ومن عليها، وأوصلنا بسلام....".

مسار السير الرملي يتمايل مع الطريق السريع المموّج غير المعبد الذي يتجه بشكل مستقيم عبر الأحراش. والحافلة الصغيرة التي تحمل بقية مرافقينا من الشرطة تظهر وتختفي في سحب الغبار الذي يغطي سيارتنا أحيانا ويجعل الجو ضبابيا مثل ضباب منتصف النهار، والبدو الرحل يغطون رؤوسهم بشالات تحميهم ويحملون "عبوات" بلاستيكية مملؤءة بالماء ويحاولون إيقافنا.

وعندما مررنا بخزان مياه -جسور رملية شديدة الانحدار مسورة بسور من السلك الشائك- قال لنا جيمس إن هذا المكان شهد مقتل خمسة من رجال الشرطة الكينية وثلاثة مدنيين في كمين أقامه مجهولون.

كان الوقت بعد الظهيرة عندما وصلنا إلى ليبوي، الشارع العام الذي يبدو كساحة رملية أوسع مما تستحقه هذه المدينة الصغيرة وغير المهمة، خال من المارة تقريبا، جنديان كيني وسيراليوني تابعان لمهمة حفظ السلام في الصومال الأفريقية يوقفان سيارتهما ويساومان بشأن سعر بعض المواد بمتجر على جانب الطريق.

النساء في الشارع الرئيسي والأزقة يعرضن حزما من القات (منبه يقع في مصفوفة بين القهوة والكوكايين) في أحواض بلاستيكية، ويُزرع القات في المرتفعات الوارفة بجبل كينيا الذي يبعد بضع مئات الكيلومترات. وهناك زبون يجلس على الأرض على بعد خطوات، محمر العيون ووجهه لا يحمل أي تعابير، وسائل أخضر يسيل أحيانا من زوايا فمه.

قالت خايو مالكة المتجر الصغير "منذ إغلاق الحدود أصبح كل شيء راكدا، عندما كانت مفتوحة مثل هذا المكان سيكون مزدحما بالزبائن يدردشون مع بعضهم"، وشكا مالك متجر صغير آخر اسمه سياد إسحق من الوضع الاقتصادي المنهار بالمدينة قائلا "العمل التجاري هنا ضعيف جدا، عندما يحصل الناس على بضائع من الصومال فإنهم يمرون عبر الأحراش وينقلونها إلى أماكن أخرى، أما هنا فالشرطة تمارس رقابتها".

وأكد أحد كبار المدينة واسمه رشيد أن إغلاق الحدود ضرب ليبوي بقوة، قائلا "البشر يزدهرون عندما يتعاونون، لكن عندما يتفرقون فإن أوضاعهم تصبح صعبة، نحن لا نستطيع نقل بضائعنا إليهم، وهم لا يستطيعون نقل بضائعهم إلينا".

ومع ذلك، فالوضع ليس سيئا تماما، فمنذ دخول القوات الكينية الصومال في 2011 أصبح الأمن مستتبا. وأشار رشيد إلى مبنى مطلي باللون الأحمر قال إن مقاتلي تنظيم الشباب الصومالي أمطروه بطلقات الكلاشنكوف قبل سنوات قليلة، وأضاف "كانوا يبحثون عن بعض الأشخاص، أما الآن فقد أُبعدوا من الحدود، لا يستطيعون عبورها".

دورية لشرطة كينية على الطريق بين داداب والعاصمة الإقليمية غاريسا الذي يتعرض لهجمات متكررة من تنظيم الشباب الصومالي (الجزيرة)

خط وهمي على خريطة
ظلت الحدود الصومالية الكينية مغلقة رسميا لثماني سنوات، وفي الواقع إن هذه الحدود التي يبلغ طولها سبعمئة كيلومتر ليست إلا خطا وهميا اعتاد المقاتلون والمهربون عبورها، وهي معسكرة بكثافة وذلك بانتشار أربع وحدات شرطة منفصلة ووحدة من القوات غير النظامية على طولها، والجيش الكيني الذي غزا الصومال في 2011 يرابط على الجانب الآخر من هذه الحدود.

ومع ذلك، فإن هذه القوة الأمنية الكبيرة لم تفعل إلا القليل لإنهاء التهديد غير المماثل من تنظيم الشباب الصومالي، ففي سبتمبر/أيلول 2013 استولى أربعة مسلحين من التنظيم على سوق "ويستغيت" بنيروبي وضربوا حصارا عليه لثلاثة أيام، وخلف الحصار 67 قتيلا، وقبل أربعة أشهر تسلل مهاجمون إلى كينيا من نقطة ربما تكون قريبة من ليبوي.

وفي الغرب من ليبوي وعلى مسافة مئة كيلومتر، تقع معسكرات داداب للاجئين الصوماليين التي تأوي أكبر عدد من اللاجئين في العالم، وهذه المعسكرات عبارة عن خمسة مجمعات واسعة يقيم بها رسميا 365 ألف لاجئ صومالي، لكن في الواقع ربما يصل العدد إلى نصف مليون.

وخارج عاصمة الإقليم الكيني غاريسا بمسافة قصيرة ينقطع الطريق فجأة ليترك المجال لطريق رملي متسخ يقود إلى هذه المدينة الكبيرة الموجودة وسط فضاء خال، الأمر الذي يذكّر بعزلتها المادية والروحية عن بقية المجتمع الكيني.

رجال شرطة في استراحة بمركز ليبوي للشرطة الذي هاجمه قطاع طرق وقتلوا خمسة من زملائهم (الجزيرة)

السكر مثل الكوكايين
عندما استولت قوات الدفاع الكينية على ميناء كيسمايو في سبتمبر/أيلول 2012، قطعت مصدرا رئيسيا للدخل لتنظيم الشباب، وهي الضرائب التي كان يجبيها من صادرات الفحم النباتي إلى دول الخليج، لكن الجانب الآخر غير المعلوم من تجارة الفحم هو تهريب السكر دون جمارك من الصومال إلى كينيا نتج عنه فرض الحكومة الكينية رسوما باهظة على واردات السكر.

يقول المهرّب السابق محمد محمود حسن الذي يعيش في معسكر داداب إن المعسكر يضم مجموعة صغيرة من بضع عشرات من المستوردين الذين يسيطرون على تجارة السكر وسلع أخرى، ويتواطؤون للحفاظ على سعر السكر في حدود 34 دولارا للكيس سعة خمسين كيلوغراما، لكن عندما تحدث خلافات بين أعضاء هذه المجموعة يمكن أن ينخفض السعر إلى 25 دولارا، وكان حسن قد زار قبل أربعة أيام أحد القادة السابقين لمجموعات التجار الذي قُتل بمعسكر داغاهالي للاجئين الصوماليين.

تصل إلى معسكر داداب كل ليلة شاحنتان أو ثلاث تحمل كل منها 250 كيسا، أي حوالي 1.3 طن من السكر المهرّب، وتتسلم الشرطة عن كل شاحنة حوالي 1120 دولارا، وفي الجانب الآخر من الحدود تحصل قوات الدفاع الكينية أيضا على مبلغ مالي لكنه أقل، وكذلك موظفو الجمارك، وهذه المكاسب المالية لقوات الأمن الكينية مغرية وتؤدي إلى تنافسها للحصول على الرشى، ويتذكر حسن ليلة أوقفته فيها الشرطة الإدارية الكينية وهو يحمل شحنة من السجائر المهرّبة وطلبت منه دفع رشوة.

وقال حسن إنه لم يتفق مع رجال الشرطة على مبلغ محدد لأنهم يطلبون مبلغا كبيرا، ونظرا إلى أن الشرطة الإدارية ليس لديها سلطة اعتقال المهربين أنفسهم، فقد سلمتهم إلى مركز شرطة محلي، وأظهر أفراد شرطة المركز مرونة في التفاوض ووافقوا على مساعدة حسن على تجاوز دورية الشرطة الإدارية التي لا تزال تختبئ على مقربة. وضحك حسن قائلا "لذلك أخذت شرطة المركز شحنة السجائر إلى المعسكر بسيارة أخرى، وعندما استفسرت الشرطة الإدارية عن الشحنة أجابتها شرطة المركز بأن مسؤولي الجمارك احتجزوها".

قال لنا قائد شرطة محلي إن السكر مثل الكوكايين وإن التهريب عبر الحدود من المستحيل إيقافه، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار وجود طرق خدمات كثيرة شيدتها شركات النفط الأمر الذي يسهل على المهربين تجاوز الطرقات الرسمية، لكنه أشار إلى حادثة عندما احتجزت الشرطة 150 كيسا من السكر المهرّب، ويوضح حسن أن حجز المواد المهربة يكون في العادة خلال زيارة المسؤولين في نيروبي للمنطقة، "عليك إظهار أن هناك أناسا يؤدون مهامهم الوظيفية".

أين الصومال؟
يرى "المتشددون" في الحكومة الكينية بقيادة نائب الرئيس وليام روتو أن إغلاق معسكرات داداب ضروري لأمن البلاد على المدى البعيد، ونتيجة لذلك أبرمت حكومتا الصومال وكينيا والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين اتفاقية تضع إطارا لإعادة التوطين الطوعي للاجئين الصوماليين، وبدأت مصلحة شؤون اللاجئين الكينية التوقيع على الوثيقة التي تستهدف إعادة توطين ثمانين ألف لاجئ، ويمثل هذا العدد نصف عدد سكان معسكرات داداب، لكن لم يسجل غير ثلاثة آلاف شخص للعودة الطوعية.

أشار مفوّض مقاطعة غاريسا هارون رشيد خاطور إلى أن معسكرات داداب ظلت مفتوحة للاجئين خلال السنوات الـ 25 الماضية، وأن غالبية سكانها وُلدوا في كينيا "تقول لهم عودوا إلى الصومال، فيقولون لنا أين الصومال؟" 

بالفعل، يشعر كثير من اللاجئين الصوماليين بأنهم كينيون أكثر من كونهم صوماليين، ومع ذلك فإن تردد الحكومة الكينية في منحهم الجنسية الكينية، يعني أن المقيمين في داداب عالقون في النسيان، ويظلون دائما بحاجة إلى إذن للسفر خارج الدائرة المخصصة لاستضافة اللاجئين، وأشار خاطور إلى أنه لا يوجد سياسي يرغب في المخاطرة بتحويل هؤلاء اللاجئين إلى مواطنين، "إنه الخوف من الإرهاب".

إذا اختار حتى قليل من اللاجئين العودة للصومال فإن عودتهم تعني أن الحدود يجب إعادة فتحها لتسهيل الحياة لمن يرغبون في البقاء، وقال ألبرث كيماثي نائب مفوض مقاطعة غاريسا إن الحكومة الكينية ظلت تتحدث عن إعادة التوطين منذ وقت طويل، لكن من الناحية القانونية لا يمكنك أن تتحدث عن إعادة التوطين وتحافظ على إغلاق الحدود في الوقت نفسه.

عائلة صومالية ترحل من بلدة داداب إلى أخرى على الحدود بين كينيا والصومال (الجزيرة)

أهداف سهلة
في مركز الشرطة الإدارية بكولان الواقعة على منتصف الطريق بين ليبوي ودادب، يتكئ ثلاثة من رجال الشرطة في ظل كوخ صغير يشربون الشاي ويمضغون أوراق القات، وعلى مسافة خمسين مترا منهم تتكئ بندقية آلية على سور كوخ آخر يشير إلى مدخل معسكر اللاجئين، رجال الشرطة العشرون الآخرون يسترخون في ثكنة قريبة مشيدة بالأعشاب والخشب.

في هذا المكان، نفذت مجموعة من تنظيم الشباب هجوما وقت الغروب، ورغم أن الشرطة تلقت تحذيرا من بعض من كانوا في الأحراش مع مواشيهم شاهدوا الأجانب وأبلغوا عنهم، وعندما وقع الهجوم كان رجال الشرطة مستعدين داخل خنادقهم، وخلال الهجوم الذي استمر دقيقتين أُصيب شرطيان بجروح طفيفة.

لكن ليس كل الهجمات تنتهي بهذا الشكل، فحتى وقت قريب ظلت نقاط الشرطة المنتشرة على طول الحدود تفتقر إلى العدد الكافي من الشرطة وتعيش في عزلة دون سيارات ودون أجهزة اتصال، ولذلك أصبحت أهدافا سهلة للمهاجمين.

في يونيو/حزيران 2013 تم احتجاز رجلي شرطة في هجومين منفصلين على قرية داماجالي التي تبعد نصف ساعة فقط بالسيارة من كولان، وكانت الاستجابة الحكومية أن يتم تعزيز النقاط الحدودية وتحويلها إلى مراكز أكبر، وعقب التعزيز تبقت ثلاث نقاط فقط من مجموع العشر المنتشرة على الطريق البالغ طوله 150 كيلومترا من ليبوي إلى هولوغو.

في مكان ما بين البلدين
تعيش قرى في المنطقة الحدودية مثل كولان وضعا شاذا، حيث الحياة البدوية هي أسلوب الحياة السائد. مررنا بقافلة جمال وحمير صغيرة على الطريق إلى ليبوي تتجه إلى حفرة مياه، إنه موسم الجفاف، والبدو في تنقل مستمر بحثا عن الكلأ والماء لجمالهم.

ويدفع الجفاف هؤلاء البدو أحيانا إلى عبور الحدود مع قطعانهم، رغم أن بعضهم يحاول تفادي الصومال قدر الإمكان، ويقول أحد البدو الذين التقيناهم على جانب الطريق واسمه يوسف "في الصومال تنظيم الشباب يأخذ جمالك عنوة، يقولون لك إنهم يقاتلون لله وعليك أن تساهم بشيء ما، وإذا فتحت فمك بكلمة سيأخذون المزيد".

تُعتبر الحدود بالنسبة للبدو قيدا وهميا رسمه المستعمرون عندما غزوا القارة، ومثل كل الدول الأفريقية، جرى تقطيع الصومال وتسليم أجزاء منها إلى الدول المجاورة، لهذا السبب نجد أن العلم الصومالي به خمسة نجوم تذكّر كل منها العالم بأحد الأقاليم الصومالية التي تتبع ثلاثة منها حاليا دولا أجنبية. وكان حاكم الصومال السابق سياد بري قد تعهد بإعادة الأقاليم المقتطعة إلى البلاد، وقد حاول ذلك بالفعل، الأمر الذي أدخل الصومال لسنوات في حروب انتهت بإسقاطه من الحكم وانهيار الدولة في 1991.

والآن، يعيش يوسف وأمثاله في نوع من اللادولة لا يشعرون بالأمان في الصومال ويُنظر إليهم بعين الشك وعدم الثقة من قبل الحكومة الكينية، ويقول رشيد "لسنا في الصومال ولسنا في كينيا، نحن في مكان ما بين البلدين".

 
السابق

السابق

التالي

السابق

-8/11-

يواريز المكسيكية.. مدينة الهجرة والموت

يواريز المكسيكية.. مدينة الهجرة والموت

تقرير وصور: ألياندرو سالديفار

 

اللاجئون على ضفاف نهر ريو برافو -الذي يمثل جزءا من الحدود الأميركية المكسيكية- يشبهون الأشباح. وبعد أن كانوا يعبرون الحدود إلى أميركا بسهولة نسبية في السابق، نجدهم الآن يُتركون ليتسكعوا في المدينة، في ظل إهمال السلطات المكسيكية لهم، وتعرضهم لمضايقات من دوريات الحدود الأميركية في منطقة غير مريحة يكتنفها الخطر بين البلدين.

ففي عام 2012 وحده، اعتقلت دوريات حراسة الحدود الأميركية أكثر من 364 ألف شخص خلال محاولتهم دخول الولايات المتحدة بطريقة غير نظامية. وخلال العام الجاري، توفي 55 شخصا من أميركا الوسطى والمكسيك وهم يحاولون الوصول إلى تكساس، وتشير الإحصاءات إلى أنه مقابل كل مهاجر يموت في محاولة العبور يُفقد خمسة أشخاص. ومنذ عام 2009 عثر على 417 جثة للاجئين في مقاطعة بروكس الأميركية وحدها.

خلال تجوّل اللاجئين حول حواف النهر، ظهرت قوات الحدود الأميركية على الجانب الآخر في شاحنة مزوّدة بنظم مراقبة متطورة تضم كاميرات فيديو، ومجسات للتعرف على الحركة، وحتى طائرات دون طيار. وقد أُجبروا على قضاء ليلة أخرى في المكسيك.

 

نصب تذكاري ل شيهواهوا الذي قتل في يواريز (الجزيرة)

يتوجه بعض اللاجئين من أميركا الوسطى الذين قطعوا مسافات تصل إلى خمسة آلاف كيلومتر، وهم يتهربون من رجال الشرطة وعصابات الابتزاز، إلى ألبيساكدور أو "ذا فيشرمان" وهو مبنى وردي اللون شهير يتخذونه ملاذا مؤقتا. وبعض الذين رُحلوا من الولايات المتحدة والمتعاملون في المخدرات من المناطق المجاورة سيتوجهون أيضا إلى ذلك المبنى بحثا عن شيء يأكلونه وملابس نظيفة يرتدونها.

الذين يحاولون العبور بطريقة قانونية إلى الولايات المتحدة، يعبرون عن طريق جسر سانتا في ستريت بريدج، حيث يقف كثيرون لتفحص الكتابات على الجدران على ضفاف النهر. تقول هذه الكتابات بين أشياء أخرى "إن الجدران لا توقف الربيع" و"ضحايا المصانع التي تستغل العمال قد ماتوا".

وعلى الجسر هناك عازف جيتار يغني أغنية شعبية راقصة تقول كلماتها "لأننا غير نظاميين ولا نتكلم الإنجليزية". وعلى الجانب الأميركي من الحدود ربما تكون المراقبة شاملة ودقيقة، لكن هنا في يواريز يمكن لأي شخص أن يعبر النقاط الحدودية الخمس الرئيسية بين البلدين مشيا على الأقدام دون أن يضايقه أحد. فالسلطات المكسيكية تراقب من يعبرون بالسيارات فقط.

سمعة يواريز سيئة لكن الخوف في الضواحي القريبة من الحدود ذائع الصيت، كما يقول نويلا (35 عاما) وهو أحد سكان يواريز ويتقاضى ستين دولارا أسبوعيا من عمله في تركيب المعدات الكهربائية، متحدثا عن تجاربه الشخصية "لقد اعتدنا على قول الجميع إن يواريز خطرة، واعتاد الناس على ذلك أيضا. أحيانا ينتابني الخوف عندما أذهب في الخامسة مساء إلى المصنع، فقبل أيام طاردني شخصان، ومن سوء حظي أني لم أكن أحمل مالا. ولم أفكر حينها إلا في مساعدة الرب لي. كما كانت اثنتان من زميلاتي في العمل قد اغتصبتا، وبجوار منزلي يقومون أحيانا بدفن جثث. فغياب الأمن يخيفني. ولا أحد يثق في السلطات، لكنني أرغب بالعيش في يواريز".

 

ملصقات تطالب الشرطة بالحبث عن نساء فقدن في يواريز (الجزيرة)

وتعبر الحكومة المحلية عن ضيقها من تكرار الحديث عن العنف في المدينة، لذلك تعمد إلى طمس كل الكتابات على الجدران عن العنف برسومات طينية، وفي السابق كان الناس ينصبون صليبا لذكرى من يُقتلون، لكن الآن لا أحد يتذكر الموتى.

وهي تحاول ادعاء عكس ما يعرفه الجميع وهو استمرار العنف في يواريز. فخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة وحدها -وفقا للصحف المحلية- وقعت أكثر من ستين حادثة قتل تتصل بالجريمة المنظمة، وهذه الحصيلة لا تشمل حتى عدد النساء المفقودات الذي لا يحصى.

ووفقا لمحقق جامعة نيومكسيكو "مولي مولوي" كانت هناك 11114 حادثة قتل خلال الفترة من الأول من يناير/كانون الثاني 2007 إلى 21 أكتوبر/تشرين الأول 2012 مسجلة بمدينة يواريز. في الواقع، إذا تم وضع جثث كل المقتولين بالإضافة إلى المفقودين في صف واحد لغطت الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك.

في يواريز، يقوم المهربون من (لا لينيا) -وهي فرع مسلح تابع لاتحاد مهربي يواريز- بإدارة الهجرة غير المنظمة، ويشتبكون مع اتحاد مهربي سينالوا من أجل السيطرة على ممرات المخدرات إلى الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي تستمر فيه الأخيرة في تحصين حدودها، تتكشف النتائج عن وقائع فظيعة في كثير من الأحيان بالنسبة للمكسيكيين واللاجئين من أميركا الوسطى الذين يعيشون كالأشباح على الجانب الآخر من الحدود. 

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/11-

على آثار البنزين بين فنزويلا وكولومبيا

على آثار البنزين بين فنزويلا وكولومبيا

تقرير: أليشيا هيرنانديز

صور: أليخاندرو سيغارا

 

تتلوى الحدود بين فنزويلا وكولومبيا عبر جبال شامخة وأدغال كثيفة، مشهد غني بالجمال لكنه يعج بالتهريب الذي يعد المصدر الوحيد للدخل لكثير من السكان المحليين، خاصة بولايتي زوليا وتاشيرا الفنزويليتين ومناطق "لا غواجيرا" و"سيزار" و"نورت دي سانتاندر" الكولومبية. بضاعتهم البنزين الذي يهربونه من فنزويلا، حيث يكلف خزان الوقود 0.8 دولار في فنزويلا، لكن سعر الكمية نفسها في كولومبيا تصل إلى 55 دولارا.

مسار عمليات التهريب معروفة، يُعبأ خزان سيارة، على سبيل المثال، من كرستوبال بفنزويلا، وتعبر السيارة الحدود إلى كولومبيا عند نقطة سان أنطونيو ثم إلى كوكوتا عاصمة منطقة نورت دي سانتاندر الكولومبية، حيث يبيع السائق صفيحة الجازولين إلى بائع غير نظامي للوقود يُسمى "بمبينيرو" بحوالي 15 دولارا، وهذا بدوره يبيعه بسعر أعلى لكنه أرخص من السعر الذي تبيع به محطات الوقود بكولومبيا.

قبل عام 2010، عندما كثّفت الحكومة الفنزويلية جهودها لمكافحة التهريب، كان المهربون ينقلون صفائح الجازولين المعبأة بعد أن يخبئوها تحت المقاعد، وفي بعض الأحيان يعبئون خزانات مصنوعة من القماش تُسمى "فايكنغز". وقالت نيللي مورا التي عملت مع "بمبينيرو" طوال 18 عاما "يكون الشخص كالجالس على قنبلة زمنية عندما يكون سائقا لهذه الشاحنات".

يقول ماريو أريفالو مدير الجمعية التعاونية للـ "بمبينيرو" -متعددة النشاطات بشمال سانتاندر (كوميلبنورت) التي تعمل في شراء وتوزيع الوقود بشكل قانوني- إنه وفي هذه المنطقة الكولومبية وحدها هناك 2500 بمبينيرو مسجلا، يتبع لهم آخرون غير مسجلين. وتضيف مورا التي تعمل مع الجمعية التعاونية "المشكلة هي عدم وجود عمل، والحكومة الكولومبية لا توفر بدائل عملية لإنهاء هذه التجارة غير القانونية".  

في عام 2010 بدأت الحكومة الفنزويلية العمل بنظام شرائح إلكترونية مماثل لنظام بطاقات الائتمان تحدد عدد اللترات التي تستهلكها السيارة أسبوعيا من البنزين، والكمية التي يمكن لمالكها أن يشتريه اعتمادا على نوع استخدام السيارة للأعمال الخاصة أو الأجرة.

طفل يبيع البنزين المهرب بشوارع مدينة كوكوتا الكولومبية (الجزيرة)

وبعد عام ونصف العام على الأقل من العمل بنظام الشرائح، استمرت السيارات المجهزة بالفايكنغز تعبر الحدود إلى كولومبيا. وأوضح سائق سيارة أجرة -طلب عدم الإفصاح عن اسمه- أنه إلى جانب الحصول على مزيد من الشرائح، فإن السائق إذا دفع رشوة يُسمح له بالعبور دون مشاكل.

لكن في أغسطس 2014 أعلن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حملة ضد تهريب الوقود وكل الأطعمة الاستهلاكية بخطاب أعلن فيه أن الاقتصاد والنظام الاجتماعي للبلاد هو الذي جعل الحليب البودرة يكلف عشرين مرة أقل مما يكلف بالجانب الآخر للحدود (كولومبيا) "والبنزين الفنزويلي يكلف ألف مرة أقل مما في الجانب الآخر من الحدود".

ومن بين التدابير التي أعلنها رئيس قيادة العمليات الإستراتيجية بالقوات المسلحة البوليفارية بفنزويلا الجنرال فلاديمير لوبيز الإغلاق الكامل للحدود بين البلدين من الساعة العاشرة مساء إلى الساعة الخامسة صباحا يوميا، وفرض قيود على جميع البضائع التي تعبر الحدود (ترانزيت) بين السادسة مساء والخامسة صباحا يوميا.

كذلك أصدر لوبيز مرسوما يمنع تصدير المواد الغذائية والأدوية وغيرها من البضائع المستوردة أو المنتجة بفنزويلا والضرورية للحياة الكريمة وللصحة والأمن والسلم الاجتماعي، ولذلك نجد أن كل فرد يسافر بين فنزويلا وكولومبيا حاليا تخضع حقائبه للتفتيش.

ولكن وفقا لما قالته المتحدثة باسم الغرفة التجارية في سان أنطونيو "دل تاشيرا إيزابيل كاستيلو"، فإن هذا الإجراء "لم يأت بأية فوائد"، وأضافت أن هذه الحدود التي كانت يوما ما من أكثر المناطق حيوية في أميركا اللاتينية أصبحت تعاني كثيرا، فقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين في هذه المنطقة عام 1999 سبعة مليارات دولار، والآن لا يزيد عن 35 مليونا.

بالإضافة إلى تقييد تدفق المنتجات عبر الحدود، فقد تسبب الإغلاق والمنع، وفقا لأحد العمال الكولومبيين المهرة، في زيادة معدل البطالة، إذ لم يعد الكولومبيون يعبرون الحدود للعمل في فنزويلا لأن أجورهم أصبحت لا تغطي ضروريات حياتهم. مشيرا إلى أنهم ممنوعون أيضا من نقل أي شيء من الجانب الآخر.

وحسب ما قالته الحكومة الفنزويلية، فإنه وبمساعدة السلطات الكولومبية تم اعتقال ألف شخص بسبب تهريب المواد الغذائية والوقود خلال شهر واحد فقط، كما احتجزت أكثر من 25 ألف طن من المواد الغذائية وأكثر من 53 ألف لتر من البنزين والديزل.

لكن على الجانب الكولومبي من الحدود، يمكن رؤية الجانب الآخر من الموضوع فورا بمتاجر السوق بمدينة "لا بارادا"، حيث نجد منتجات مثل أغذية الرضع والشامبوهات ودقيق القمح، التي يصعب توفرها حتى في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، معروضة على الملأ.

وما يفكر فيه الفنزويليون بشأن هذا الأمر أمر يستعصي على الفهم لأنهم لا يتحدثون عنه بصراحة، وحتى الذين يتحدثون يحذروننا من كثرة طرح الأسئلة، وأن "نكون حذرين من الجيش والعصابات الإجرامية، والقوات النظامية".

طفلة تعلب بمدينة كوكوتا بينما يبيع أهلها البنزين المهرب (الجزيرة)

فيما يلي قصص بعض المهربين:

(ر) سائق سيارة الأجرة

سنطلق عليه اسم "ر"، ربما يكون دانييل، جيرو، آنا أو لوميلي لأن قصة "ر" تكرر الحديث عنها في الحدود دون ذكر العمر أو الجنس. كان يعيش في لندن ولاحقا في باريس، لكنه الآن يقضي كل أيامه في جبال الأنديز عابرا الحدود بين فنزويلا وكولومبيا -يعبئ خزان وقوده من جانب ويفرغه على الجانب الآخر.

قال لي "ر" عندما كان ينتظر "البمبينيرو" ليفرغ خزان سيارته من البنزين في إحدى الصفيحتين أو كليهما "لا تسجل صوتي، ولا تظهر وجهي، يمكنني أن أجيب على أسئلتك، لكن المعلومات لها ثمن". لم يكن على عجلة من أمره، لكنه كان يراقب زبونه بطرف عينه ليتأكد من أنه لا يفرغ بنزينا من السيارة أكثر مما اتفقا عليه.، وأوضح "إنه دخل إضافي أنا بحاجة إليه، وإلا لما أقدمت على هذا العمل".

"ر" لديه بطاقة هوية فنزويلية وأخرى كولومبية، لذلك يستطيع كفنزويلي شراء شريحة تمكنه من تعبئة خزان وقوده بأقل من 0.79 دولار بدلا من دفع 5.07 دولار وهو السعر الرسمي لغير الفنزويليين.

وفي الوقت الذي يأتي معظم دخله من العمل بسيارة الأجرة، فإن عبور الحدود يسمح له بأداء العملين في وقت واحد.

يقوم "ر" بتعبئة خزان سيارته من سان كريستول ويقودها مسافة أربعين كيلومترا عبر الجبال إلى سان أنطونيو، وإذا كان حظه جيدا سيتمكن من العبور بسلاسة من جسر سايمون بوليفار الدولي، أما إذا جرى تفتيش سيارته، فسيأخذون جزءا من البنزين، لكن ذلك لا يحدث إلا نادرا، وعندما يعبر الجسر يكون قد وصل إلى كولومبيا، حيث يقوم بالبحث عن زبائنه (ثلاث نساء) ويبيع لكل منهن سبعة جالونات من البنزين. إنه عمل يجلب له حوالي 47 دولارا في اليوم تقريبا.

ظل يبيع -طلب مني عدم استخدام كلمة تهريب- البنزين لستة أشهر، ومهنة قيادة سيارة الأجرة مهنة قديمة بالنسبة له، حيث قال لي "تفانيت في هذه المهنة في لندن لسنوات، ذهبت إلى هناك مع زوجتي لتغيير حياتنا، لنرى شيئا مختلفا عن فنزويلا".

بعد سنوات قليلة عبر "ر" وزوجته القنال الإنجليزي واستقرا في باريس لفترة، قال لي "كان عليّ أن أبحث عن الحياة"، لكن بعد أن أصبح من الصعب عليه أن يجد عملا في أوروبا، عاد إلى كاراكاس، "ثم طلقت زوجتي، وبدأت طليقتي تطالبني بالمال لرعاية طفلنا البالغ من العمر 11 عاما".

ويواصل حديثه، "أعيش في ضاحية بيتاري وهي أكبر الضواحي في أميركا اللاتينية -إيجار المنازل مكلف جدا، والحياة عبارة عن أكل وخروج للعمل، كما أن الوضع غير آمن، هناك كثير من الجرائم"، لذلك انتقل "ر" إلى سان كريستوبال وعاد إلى مهنته القديمة، وأصبح ينقل ذهبا سائلا، إضافة إلى المسافرين.

نهر تاشيرا كما يشاهد من جسر بوليفار حيث كولومبيا على اليمين وفنزويلا على اليسار (الجزيرة)

البمبينيرا ماتيلدي أوسوريو جيمينيز

الكولومبية ماتيلدي أوسوريو جيمينيز امتلكت متجرا صغيرا بمنزلها عندما بلغت 26 عاما، وعندما أصبحت في الـ 28 اشترى زوجها سيارة وبدأ يعمل سائقا لسيارة أجرة بين سان كريستوبال وكوكوتا.

اغتنم فرصة شراء بعض البضائع لمتجر زوجته من فنزويلا، كما بدأ بجلب البنزين عبر الحدود معه، وعند بلوغها الـ 30 أصبحت ماتيلدي وزوجها موزعين غير نظاميين للوقود، يبيعون 3,250 جالونا في اليوم.

وعندما بلغت الـ 32 احترق منزلها، الذي يُستخدم كمخزن أيضا، بسبب إشعال أحد الزبائن سيجارة ورمى عود الكبريت على الأرض، حيث أشعل البنزين المسكوب على الأرض، كان ذلك عام 2002، حين أضرب العاملون بالوقود في فنزويلا، وتم إغلاق الحدود ولم تعد البضائع تصل إلى كولومبيا. وقالت ماتيلدي "كان منزلنا مزدحم بصفائح البنزين، في ترقب لندرته، ولم تكن لدينا خبرة، لم تكن لدينا حتى مطفأة حريق".

فقدت ماتيلدي وزوجها خوسيه كل شيء، كما أعتقل خوسيه، وانتقلت ماتيلدي وأطفالها الثلاثة (8 و9 و10 أعوام) ووالدة زوجها البالغة من العمر 78 عاما إلى مكان آخر، وعاشوا لثلاثة أشهر بما يحصلون عليه من التسول بمحطة كوكوتا للحافلات. ينامون بالليل في العراء بإحدى الساحات وتحت الأمطار. استمر ذلك إلى أن ساعدها أحد رجال الدين المسيحيين على إعادة بناء منزلها، ونجح محام في إخراج زوجها من السجن، وأعطتها سيدة كانت ماتيلدي تعمل لديها في السابق سيارة. هكذا عاد خوسيه لعمله السابق الذي سبب لهما كل هذه المعاناة.

قالت ماتيلدي "خوسيه يعاني ارتفاع ضغط الدم، والنشاط الزائد لغدته الدرقية، ويزن مئتي كيلوغرام". وكان خوسيه قبل وقت قليل من حريق منزلهم قد تعرض لحادث دراجة نارية أضرت بثمانية فقرات من عموده الفقري.

وهي رافعة عينيها إلى السماء، تتحدث ماتيلدي عن زوجها البالغ من العمر خمسين عاما بالقول "لا أحد يرغب في أن يعمل زوجي معه". وتبدو وهي في الأربعين من عمرها كأنها في الستين بسبب إصابتها بالسرطان، ولا تدري إن كانت هناك علاقة بين عملها وإصابتها بالسرطان، لكنها تقول إن الوحيد الذي يعلم متى يموت الشخص هو الله.

لا تتعاطى ماتيلدي أي أدوية ولا تحصل على أي رعاية طبية، وأحيانا يكون السكر في دمها مرتفعا للغاية إلى حد أنها تعجز عن الإبصار، ولا تستخدم الأدوية التي يوصي بها البمبينيرو الآخرين لتقليل آثار أدخنة البنزين على الجسم، مثل البرتقال واليوسفي والحليب.  

وتقول ماتيلدي إنها ليست خائفة من السرطان أو العصابات الإجرامية الذين يبحثون عن الرشى وهددوا ابنها البالغ من العمر 22، وقرر التوقف عن العمل في بيع البنزين، وأسس بدلا من ذلك مقهى إلكتروني صغير في منزله، وعندما اتصلت به عصابة تطلب رشوة، رفض تلبية طلبها. وفي اليوم التالي أطلقوا الرصاص على منزله، ولم يصب أي شخص بجروح، لكن أجهزة الحواسيب تحطمت وتوجب عليه إغلاق المحل والهرب إلى كوكوتا.

ولاحقا ذهبت ماتيلدي لمقابلة رئيس العصابة، قالت لي "أبلغتهم بأنهم إذا أرادوا استهداف ابني، عليهم أن يستهدفوني أنا، بما أنني مريضة، فلو استهدفوني لفعلوا بي خيرا"، ووافقوا على عودة ابنها مقابل 1500 دولار، "فارتميت باكية، وقلت لقائدهم إنني سأدفع لكن على دفعات قليلة، لأنني لا أملك الكثير من المال، وأظهرت لهم الأوراق الطبية وأوضحت لهم أنني لا أتلقى علاجا لأنني لا أملك مالا".

أخذ الأمر من ماتيلدي ثمانية أشهر لإكمال المبلغ للعصابة، وعندما عاد ابنها في النهاية، تسلقا الجبل معا إلى حيث يقيم رئيس العصابة، "قال ابني لي ماذا لو قتلوني، قلت له اهدأ إنك ذاهب معي، وإذا قتلوا سيقتلوننا معا". وعندما اعتذر ابنها لرئيس العصابة، طلب منه أن يظل هادئا وقال له إن والدته مزعجة.

وقبل أربعة أشهر افتتحت الأسرة مطعما صغيرا يقدم فطورا وغداء ويعمل كمخزن لتجارة البنزين. قالت ماتيلدي "أقمتُ المطعم لكي أظل في الداخل".

تدرك ماتيلدي تماما مشاكل العمل كـ بمبينيرا، لكنها تقول إنه لا توجد أعمال في كوكوتا "ومن لا يستطيع بيع دقائق الاتصال للهواتف النقالة، يذهب ليبيع القهوة السوداء، ومن لا يجد فرصة لبيعها، يبيع البنزين".

متشرد يجلس على الصخور تحت جسر سيمون بوليفار الدولي الذي يربط بين فنزويلا وكولومبيا (الجزيرة)

نيللي.. المتحدثة

"في البداية، يحرق الرصاص جلدك، ويصيبك بجروح وبحروق حول فمك، ثم تعتاد على ذلك. إذا وضعوا لك كوبا من البنزين مع وجبة الغداء، لن تلاحظ حتى طعم البنزين" قالت "كارمن نيللي مورا روجاس" التي ظلت تفرغ السيارات من البنزين طوال 18 عاما وتخزّنه في صفائح "بمبينا" التي جاء منها الاسم الذي أُطلق على المتعاملين في هذه المهنة "بمبينيرا".

تعيش نيللي في كوكوتا بكولومبيا، ويبدأ روتينها اليومي في الخامسة صباحا، حيث تستيقظ لترعى أطفالها الثلاثة، وفي السادسة صباحا تتجه إلى عملها الذي يستمر 24 ساعة، وإذا كانت حسنة الحظ، سيسمح لها شريكها بالذهاب إلى المنزل لترتاح حتى اليوم التالي، وإذا لم يواتها الحظ، ستظل تعمل 48 ساعة متواصلة لأنها إذا تركت عملها ستغلق المحل ولن تحصل على البنزين، وبالتالي لن يأتيها الزبائن وسيذهبون إلى محل آخر.

وقبل أن تصبح نيللي بائعة بنزين، كانت تعمل موظفة بأحد المكاتب حيث تقوم بتنظيم مناسبات البلدية وتسافر كثيرا، لكنها كانت تحصل على أجر زهيد لا يمكنها من رعاية أطفالها، وعندما توفي زوجها كان عمر طفلها الأصغر 15 يوما فقط، لذلك بحثت عن عمل غير نظامي ووجدت هذا العمل الذي يوفر عائدا جيدا، وأصبحت نيللي تجني ما بين 240 و300 دولار يوميا.

ظلت نيللي تتنقل من مكان إلى آخر لممارسة عملها في البنزين، وليس لديها ما تدافع به عن نفسها غير البنزين وعلبة الكبريت، ومع ذلك تم نهبها مرات عدة. وفي عام 2009، بدأت تشارك في نقاشات مائدة مستديرة مع عمدة كوكوتا وحكومة نورت دي سانتاندر، لتأكيد أن البمبينيرز يريدون تغيير أوضاعهم والبحث عن الخيارات القانونية.

لكن عندما تفقد مواردها المالية، تضطر إلى العودة لعملها في البنزين، ولم تتخل عن هذا العمل بشكل نهائي إلا بعدما تعرضت في إحدى الليالي لتهديد بالقتل من أحد أفراد العصابات الإجرامية، حيث شعرت بأن أحدهم يقترب منها من الخلف، قالت "كان عليّ أن أترك المحل كما هو، وقررت أن أتخلى نهائيا عن هذه المهنة في تلك اللحظة، فحياتي لا تقدر بثمن".

لكنها استمرت كمتحدثة باسم البمبينيرز الآخرين، وتتقلد حاليا منصب رئيسة الجمعية التعاونية للبمبينيرز بقسم توزيع الوقود بالجملة بشكل قانوني، والذي يتبرع بجزء من أرباحه لمساعدة من يرغبون بترك العمل غير النظامي في البنزين، ويتركز عملها على الجانب الاجتماعي بشكل رئيسي، إذ تنصح البمبينيرز بأن ما يقومون به لا يساوي المخاطر التي يتعرضون لها "لأنه لا أحد يعمل في هذا النشاط بمنأى عن العصابات الإجرامية التي ظهرت في 2010 عندما بدأت السلطات الفنزويلية حملة ضد تهريب البنزين".

لكن العصابات ليست هي الخطر الوحيد الذي يتعرض له البمبينيرز، "شاهدنا كثيرا من زملائنا يموتون بالأمراض المتعلقة بالمهنة". كما تقول نيللي التي لم تخضع لفحص طبي طوال الـ 18 عاما التي عملت خلالها كـ بمبينيرا، وهي تشعر بالارتياح لعدم تعرضها لأي مشاكل صحية بسبب هذا العمل، لكنها تشير إلى أن الجسم ربما يُصاب بعد سنوات من التسمم البطيء.

وحتى اليوم، فهي تشكر الله على "حياة جميلة أنها باقية على قيد الحياة وتستيقظ كل يوم لترعى أطفالها". ولم تفقد نيللي عادة الاستيقاظ باكرا في الخامسة صباحا، بل تحررت من ثقل الاستعجال للذهاب إلى العمل، ولديها الآن وقت "للتحدث مع أطفالها"، وتقول "أنعم حاليا براحة البال وفرصة للترفيه". كذلك عادت لمواصلة دراستها، وتأمل هذا العام وقد بلغت 44 عاما من العمر أن تتخرج من المدرسة العليا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/11-

أسكتلندا وإنجلترا.. حدود الصراع التاريخي

أسكتلندا وإنجلترا.. حدود الصراع التاريخي
مشجعو فريق برويك رينجرز لكرة القدم يشاهدون فريقهم في مباراة مع فريق بيترهيد في الدوري الأسكتلندي (الجزيرة)

ظلت المناطق المحاذية للحدود بين أسكتلندا وإنجلترا لقرون مسرحا للصراع، والآن يشكل استفتاء الاستقلال لأسكتلندا تحديا جديدا لسكان هذه المناطق؛ يجبرهم على إعادة التفكير في هوياتهم.

صوّت الأسكتلنديون ضد الاستقلال بعد أن أدلى 80% من مجموع السكان بأصواتهم في الاستفتاء.

يتركز الدعم الكبير للوحدة التي استمرت 307 أعوام بين إنجلترا وأسكتلندا في المناطق الحدودية؛ حيث صوّت أكثر من ثلثي الناخبين هناك لصالح الوحدة، ولقرون ظل ولاء سكان هذه المناطق مختلطا. هذه الأرض الحدودية التي لا يحكمها قانون يُشار إليها "بالمارشز"، وظلت تحت سيطرة العشائر التي تغيّر ولاؤها بين العرشين الأسكتلندي والإنجليزي وفقا لمصالحها في ذلك الوقت.

سيولة الحدود التي تسببت في صراعات لقرون بين البلدين جعلت هذه الحدود أرضا خصبة للمجرمين والعشائر، الذين أصبح أسلوب حياتهم يعتمد على النهب.

هذا الماضي الصعب يتم الاحتفال به اليوم "بمراسم ركوب الخيل المشتركة"، حيث يركب الرجال والنساء بقيادة من يعينونه ويتجهون إلى حدود البلدة أو "المارشز" لحماية أرضهم ومنع تجاوزات جيرانهم.

أقر منسق حملة "نعم للاستقلال" كالوم كير في حديثه لي بصعوبة المهمة التي يواجهها فريقه من المتطوعين، حيث يقول كير "من يعيشون على الحدود الأسكتلندية لديهم هوية مميزة ومدعاة لفخرهم". مشيرا إلى التوازن السياسي المختلف في البلاد، حيث نجد حزب المحافظين البريطاني أقوى في هذه المناطق مقارنة بالمناطق الأخرى في أسكتلندا، ولا وجود تقريبا لحزب العمال.

ووفقا لإحصاء عام 2011، فإن عددا أقل من سكان هذه الناطق وُلد في أسكتلندا مقارنة بسكان مناطق البلاد الأخرى، ويضيف كير أن القرب المادي من الحدود يجعل هذه المناطق تقليديا أقل رغبة في الاستقلال.

رجل يتردي شارة تقول الاستقلال لبرويك الإقليم المضطرب وتبعيته تغيرت بين أسكتلندا وإنجلترا 31 مرة (الجزيرة)

وبالفعل، كان سكان هذه المناطق أكثر حرصا على الاهتمام بهذا الاستفتاء المهم في حياتهم، حيث نجد أن العمل والترفيه والتجارة غير مقيدة بالحدود القومية، وعلى مسافة أقل من ثلاثة أميال جنوب حدود أسكتلندا، نجد مدينة "برويك-أبون-تويد" التي تقع في أقصى شمال إنجلترا تحتضن نهر تويد عند مدخله على الساحل الشرقي للجزيرة، وهذه المدينة التي تقع في منطقة نورثمبرلاند غيّرت في الماضي ولاءها بين أسكتلندا وإنجلترا عشرات المرات، قبل أن تتم السيطرة عليها من قبل الإنجليز عام 1482.

وأعاد الحديث عن استقلال أسكتلندا الحوار حول مشاعر من يعيشون شمال إنجلترا، مثل سكان برويك-أبون- تويد تجاه حكومتهم في ويستمنستر، التي تبدو لكثيرين بعيدة أكثر من المعنى الجغرافي، حتى فريق بريوك رينجرز لكرة القدم بالمدينة ظل يلعب في الدوري الأسكتلندي منذ عام 1905.

سمعت أحد سكان برويك يحتج أثناء مراسم ركوب الخيل قائلا "كأنما حدود إنجلترا تنتهي عند موربث"، المركز الإداري للمنطقة، التي تبعد خمسين ميلا إلى الجنوب من الحدود.

تكثر شكاوى المواطنين في المناطق الحدودية من عدم الاستثمارات بمنطقتهم، كما أنهم يشعرون بالغيرة من الخدمات التي تقدمها الحكومة الأسكتلندية مجانا لمواطنيها، مثل العلاج والتعليم الجامعي، وعلى بعد ميلين ونصف الميل فقط منهم.

التقيت الإنجليزي نيك غريغوري وصديقته ماتيلدي من البرتغال على شاطئ "بيس بي" الأسكتلندي الذي يبعد عشرين ميلا من الحدود، كان نيك -الذي يعمل في أدنبرة- مهتما للغاية بالأسئلة حول الاقتصاد، خاصة عدم قدرة حملة "نعم للاستقلال" على إعطاء إجابات واضحة بشأن العملة وعضوية الاتحاد الأوروبي.

حتى الأسبوع الأخير من حملات الدعاية في الاستفتاء كان موضوع الاقتصاد هو السلاح الأقوى بيد من يدعون لـ"لا للاستقلال"، رغم أن الاستقلال الاقتصادي لأسكتلندا كان القوة الدافعة لآخرين للدعوة للاستقلال.

وقالت جاكلين ثومسون -التي تمثل حملة "نعم" بشوارع لودر- "إن لندن تمسك الخيوط المالية، بينما البرلمان الأسكتلندي يمكنه التصرف كما نريد بأموالنا، ويراعي مواطنينا، وصحتهم وتعليمهم ونظام رفاههم الاجتماعي".

لكن هذه القدرة على جعل القضايا الاقتصادية والاجتماعية خيارات بالبلد الذي يُقال إنه غني بموارده لا تقنع أحدا.

التقيت غريغ هندرسون بمدينة آيماوث، وهي ميناء صغير لصيد الأسماك على الحدود الأسكتلندية، وبوصفه مريض بالسكر ومدمن سابق على الهيروين، فإنه بحاجة إلى رعاية صحية منتظمة في أي لحظة.

قال هندرسون -الذي يعتريه القلق مما يسمعه من إشاعات عن أن ميزانية الخدمات الصحية الأسكتلندية ربما تُخفض بواقع مليار جنيه- "سيؤثر هذا على كل فرد بطريقة أو أخرى، دعك من شخص مثلي يعتمد كثيرا على هذه الخدمات، هناك شيء أفكر فيه دائما وهو أنني قد حررت نفسي من الإدمان وبدأت حياة جديدة، هذا ربما ما تحتاجه أسكتلندا، ثم تأتي الحقيقة المرة، وهي أن الأمور تكون في العادة مختلفة تماما عن توقعاتنا".

ولخص هندرسون ما يقلقه بعبارته "لم تنكسر بعد، فلا تحاول إصلاحها".

مشجعو فريق بيترهيد يحتفلون بتسجيل فريقهم هدفا ضد برويك (الجزيرة)
السابق

السابق

التالي

السابق

-11/11-

الهاربون إلى اللجوء.. قصص الأمل واليأس

الهاربون إلى اللجوء.. قصص الأمل واليأس

إيسوف سانفو:
"سأقفز فوق سور مليلة مهما كان الثمن"

عاصفة ترابية وبرق مثل أضواء "النيون" يجتاح ميادين واغادوغو في قلب الساحل (غرب أفريقيا). من هذه الأجواء جاء إيسوف سانفو، وهو شاب ممتلئ بالحيوية والنشاط، إلى حد أن قبضة يده عند المصافحة توشك أن تحطم يد من يصافحه، وعندما نظر إلى الصور في هاتفي بإمعان تساءل: "ما اسم هذا المكان؟"

- "يسمونه ماونت غوروغو، إنه في المغرب على بُعد بضع دقائق من الحدود مع أوروبا".

- "وماذا يفعل إخواني في هذا المكان؟"

- "ينتظرون حتى يتسلقوا السور ليدخلوا إسبانيا، وكثيرون ينتظرون سنوات في هذا المعسكر".

- "لا أفهم! لماذا لا يستطيعون تسلق السور؟"

- "تسلق السور ليس سهلا".

أيسوف (23 عاما) لاعب كرة قدم محترف مع فريق "يونيون سبورتف" بواغادوغو، وتم اختياره في الفريق القومي لبوركينا فاسو.

لكن عودة لموضوع السور، قلت له "السور عبارة عن ثلاثة جدران طول كل منها سبعة أمتار، وبه أسلاك شائكة حادة، والقوات المغربية ستضربك إذا وجدتك تتسلق السور وتبعدك إلى الحدود مع السنغال، وسيفعلون كل ما يمكن لمنعك من تسلق السور".

- "إذا كان هناك آخرون قد تسلقوه فسأفعل ذلك أنا أيضا، سأتسلق السور مهما كان الثمن".

- "كثيرون يموتون خلال الرحلة إيسوف، هل تعلم ذلك؟"

من السهل العثور على شباب يتطلعون لحياة أفضل في أوروبا، وفي عواصم المستعمرات الفرنسية السابقة هناك الآلاف، وأبلغني أحد العاملين بالاتحاد الأوروبي أن هناك لاعب كرة قدم يتصل به أسبوعيا محاولا الحصول على أي نوع من تأشيرات الدخول لأوروبا، لكن جميع الأبواب مغلقة".

قال لي إيسوف "أتطلع لأن أصبح لاعبا عظيما، هنا المستوى متدن جدا".

كان يتخيّل بالفعل رحلة أفريقيا الكبيرة؛ عبور البحر المتوسط تحت الشمس المحرقة ووسط الرياح التي تشعرك بأنهم يقذفونك باللهب. هناك طريقتان للوصول إلى أوروبا: الأولى قانونية، والأخرى غير قانونية. بالطريقة الأولى القانونية تدفع ما يساوي 7700 دولار (ما يساوي راتب طبيب في بوركينا فاسو لمدة عامين) لمافيا نيجيرية تعطيك عقدا مزورا للعمل في إسبانيا مع شركة وهمية وتسلمك أوراق السفر، وعليك أن تشتري تذكرة الطائرة".

حذرته قائلا "لكن هذه الطريقة التي تسميها قانونية، ليست قانونية، إيسوف!"

- "أنت تأتي إلى بلادي في أي وقت ترغب دون مشاكل، بجواز وأوراق سفر، وأنا لا أستطيع فعل ذلك إذا أردتُ السفر لبلادك؛ بالنسبة لنا، خيار أن تكون لديك أوراق لا وجود له".

أما الخيار الثاني -الذي يسميه غير قانوني- هو الخيار الذي اختاره لأنه لا يستطيع اختيار أي شيء آخر. واعترف أنه يستطيع دفع 1900 دولار فقط -كان قد وفرها خلال وقت طويل- لمافيا وريثة لتقاليد العبودية الأفريقية، حيث كانت تلك المافيات تضع العبيد في قوارب متجهة إلى أميركا؛ فالمافيا الحديثة تأخذه إلى نادور التي تبعد ثلاثة آلاف كيلومتر إلى الشمال".

سيعبر الصحراء في شاحنة قديمة، وسيشرب بوله للبقاء على قيد الحياة، وسيتعرض للخداع عدة مرات، وربما يضطر لبيع جواز سفره للحصول على مال.

يقوم المرشدون أحيانا بتزوير هويات لعبور حدود دول: النيجر، ومالي، والجزائر، والمغرب، وسيبيعون أي لاجئ للسلطات إذا سنحت لهم الفرصة، كأنه حيوان.

"الدفع للمافيا هي الطريقة الوحيدة للوصول لمقصدك، لأنك ليست لديك معرفة بطرق السفر أو الوسائل لذلك".

لا جدوى لشرح مخاطر الرحلة، قال إيسوف لي "شاهدت على الإنترنت كيف يعيشون في أوروبا".

لدى إيسوف صديقة في واغادوغو، لكنه غير قلق لفراقها. قال لي "في نهاية الأمر، لا أعتقد بأنها ستقرر المجيء معي، لكنني لا أنوي البقاء في أوروبا طوال حياتي، سأعود بعد أن أحصل على بعض المال لبدء عمل تجاري".

يحصل إيسوف في بلاده على مرتب أساسي شهري يبلغ تسعين دولارا، بالإضافة إلى ثلاثين دولارا لكل مباراة يلعبها فريقه.

"الحياة صعبة هنا؛ لقد مرت خمسة أشهر دون أن أتسلم فرنكا واحدا لأنهم يقولون لا يوجد مال، لا أمل، لستُ ذاهبا لإسبانيا كلص، أنا أحب كرة القدم، وأعطيت لها كل حياتي".

محمد النجار لاجئ سوري في أنطاكيا التركية (إرين نيل) (الجزيرة)

محمد النجار:
"أود أن أشعر بأنني سوري، ليس لاجئا ولا ضيفا"

يجلس محمد النجار بمنزله بمدينة أنطاكيا (جنوب غرب تركيا)، ويستغرق في ذكرياته حول رحلته من سوريا.

يقول "عبور الحدود هو اللحظة الأصعب، لقد ظللت أتطلع لمغادرة سوريا قبل الحرب؛ لكي أبني مستقبلا أفضل، لكنني أغادرها اليوم مكرها، ولا أدري إن كنت سأعود إلى بلادي يوما ما".

النجار، الذي كان يعمل في السابق مترجما للغة الإنجليزية، غادر سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2012، هربا من التجنيد الإجباري والحرب في مدينة حلب.

قال وهو يصف مشاعره لدى مغادرة حلب "عبور الخط الأمامي كابوس حقيقي؛ كان علينا أن نقود سيارتنا بسرعة 180 كيلومترا في الساعة في شوارع مدمرة داخل حلب، في الوقت الذي كانت فيه مروحية تطلق نيرانها فوق رؤوسنا".

قال إنه أُصيب بألم في ظهره فقط، وظل يفتقد كتبه الكثيرة وألبوم صوره، كما يفتقد المدينة القديمة التي قال عنها "لن تعود مرة ثانية إلى ما كانت عليه".

يعيش النجار حاليا بمحافظة هاتاي الحدودية بتركيا، التي تأوي أيضا نحو 250 ألفا من اللاجئين السوريين الآخرين.

حصل النجار على وظيفة معاون اجتماعي مع منظمة عون إنساني عالمية تقدم المساعدة للاجئين السوريين، وقال لي "هذه الوظيفة تمنحني الفرصة لتقديم أقل ما يمكن لشعبي". ورغم أن حياته بدأت تستقر هنا، فإن تركيا ليست المقصد النهائي للنجار، ويقول أيضا "لم أجئ إلى هنا لأنني أرغب في ذلك، بل جئتُ لأنني أُجبرت على مغادرة بلادي، وهذه لن تكون بلادي أبدا ولا أرغب في أن تكون".

يقول النجار "يسموننا ضيوفا، لكن القانون لا يحمي السوريين هنا، وأغلبية الشعب التركي يتصفون بالجهل والطمع عندما يتعلق الأمر بالسوريين".

يأمل النجار العودة إلى سوريا يوما ما، ويقول "آمل لعب دور في مستقبل بلادي وتحقيق بعض ما يصبو له شعبي الذي فقد كل شيء بسبب الحرب".

تيانسي كوليبالي من مالي وهاجر إلى ساو باولو بالبرازيل (بيدرو بايو) (الجزيرة)

تيانسي كوليبالي:
"يمكنني الآن أن أحلم دون خوف"

قبل تسعة أشهر من لقائي به كان تيانسي كوليبالي (22 عاما) في المدرسة العليا في مالي، ويعمل حاليا في صناعة طوب البناء في ساو باولو بالبرازيل.

يتذكر تيانسي "عندما بدأت الحرب الأهلية كانت المدارس مغلقة، وتوقف المدرسون عن التدريس، وكان من المستحيل أن نعيش حياة عادية. قالت لي أمي يجب أن يكون لديك أمل وتغادر البلاد لتبحث لك عن مستقبل أفضل". كان تيانسي يتحدث إليّ في "ساحة براس"، وهي منطقة قديمة وسط ساو باولو تشتهر بكثرة المهاجرين.

يقول تيانسي عن بلاده "الوضع صعب في كل البلاد، لكن البرازيل بلاد تتمتع بالحرية والفرص".

الراتب الشهري الذي يتقاضاه تيانسي ضئيل، ومع ذلك يقول "لا نشعر بالظلم ونستمر في الدراسة أيضا". ورغم أنه لم يعمل من قبل في صناعة الطوب، ولم يكن إلا تلميذا في المدارس فقط، فإنه أعرب عن رغبته في العيش بالبرازيل طوال حياته، ويحصل على وظيفة جيدة، ويساعد أسرته.

يشارك تيانسي عمله هذا بعض أصدقائه؛ أبو تراوري (31 عاما) الذي عمل سائق شاحنة في مالي، ويعمل الآن جزارا في ساو باولو، وتيمان كوليبالي (34 عاما) وهو خبير في علم الاجتماع بمالي، ويعمل حاليا موظفا في أحد المكاتب.

يحاول هؤلاء الشباب معا الحفاظ على تقاليدهم وسط غابة من الإسمنت يسمونها بلادهم، ويمكنهم أن يعثروا فيها على مسجد يصلون فيه كل أسبوع.

"أفتقد والديّ، لكن أستطيع الآن أن أحلم بلا خوف".

نعيم وردك مهندس مدني أفغاني ترك بلدته وردك ويعمل في باميان وسط أفغانستان (آدم فالين ليفنسون) (الجزيرة)

نعيم وردك:
"أنا خائف من طالبان"

يشتق اسم نعيم وردك من اسم بلدته "شاكي وردك" بمحافظة وردك الأفغانية، التي سُميت على اسم إحدى قبائل البشتون، ومع ذلك عاش نعيم معظم حياته في مكان آخر.

التقيته ببلدة تبعد مئتي كيلومتر باتجاه الشمال الشرقي بولاية باميان، وهي بلدة تتمتع بوفرة الموارد أسفل جبال هندوكوش، ودعاني وردك وزملاؤه بالمنزل -عندما كنتُ أتنزه في إحدى الأمسيات- لشرب الشاي معهم.

كان هناك مصباح ضوئي واحد يتدلى من السقف، لكن الغرفة كانت مضاءة جيدا بأشعة الشمس الأخيرة التي تمر عبر قضبان النافذة، كان عددهم سبعة من اللاجئين من الحرب بعد أن عاشوا معظم سنواتهم في باكستان.

ويحمل وردك (27 عاما) شهادة في الهندسة المدنية للطرق من جامعة العلوم التكنولوجية بكابل، ويعمل مع زملائه الآخرين في التشييد، حيث يقومون حاليا ببناء مركز لتدريب القابلات.

تشتهر ولاية باميان بأنها واحة للسلام في أفغانستان، وأنها العاصمة الثقافية لقومية الهزارة الذين كانوا مستهدفين خلال حكم طالبان؛ نظرا لأنهم من الشيعة، ولا تزال الخلافات حتى اليوم واضحة وملموسة بين الهزارة والبشتون التي جاءت منها طالبان بشكل رئيسي.

المشاعر التي تطغى على وردك وزملائه أنهم أقلية وسط أقليات أخرى، إذ إنهم من البشتون وتربوا في بلاد أخرى، ويحاولون خلال عملهم مع الشركة الأميركية أن يفعلوا كل ما يستطيعون لتغيير الصورة الذهنية عند زملائهم غير البشتون، التي تساوي "الإرهابيين".

يقول وردك "الفرس يعتقدون بأن البشتون هم طالبان" (يستخدم وردك كلمة فرس للإشارة إلى جميع الأفغان من غير البشتون) مضيفا "أنا بشتوني وأخاف من طالبان".

المفارقة الدائمة في حياته هي أن كل ما يدل على ثقافة البشتون (الملابس، وشعر الوجه ولون البشرة) يميزهم عن زملائهم غير البشتون، ويرسل صورة محددة عنهم لزملائهم الأفغان والغربيين أيضا، لكن لأنهم بشتون دون لحى جعلهم عرضة للتضييق من طالبان.

عندما سألتُ وردك لأول مرة عن المنطقة التي ينتمي إليها أجابني بأنه من كابل.

السابق

السابق

التالي

السابق