دعاء عبد اللطيف - أسوان

كانوا نياما، وصقيع تلك الليلة زاد من كسل القلة المستيقظة لاستبانة ما وراء صوت خرخرة المياه القريب على غير العادة، ثم إن النيل لا يخون، وإن خان فلن يفعلها معهم، هكذا آمنوا، لكن إيمانهم غرق مع جثثهم.

ولم يستغرق الأمر سوى دقائق، لتصبح خفة تسلق الجبال معيار النجاة ليلتها، فمن انتظر ليحمل متاعه وذكرياته ومن لم تسعفه مرونة جسده سحبته المياه وجرف التيار جثته ليحتجزها خزان أسوان الذي حجز مياه نهر النيل، فارتفع منسوبها وأغرقت قرى النوبة.

وفي صباح العاشر من ديسمبر/كانون الأول 1902، كانت معالم عشر قرى نوبية قد اختفت من ضفاف وجزر نهر النيل، بينما ظهرت أعلام الدول الصديقة ترفرف أعلى الخزان الجديد، تمهيدا لافتتاحه كأول سد مائي بمصر سيحول ري الفيض بها إلى ري حياض ثم دائم، بطول 2141 مترا وعرض تسعة أمتار.

وفي الوقت الذي كانت الضحكات فيه تتعالى بالتبريكات في فندق "كتاركت" الذي بُني خصيصا لاستقبال ضيوف افتتاح الخزان، كان النوبيون يوارون بقايا جثث ذويهم التي نهشتها تماسيح النيل، ويفكرون في العراء الذي ينتظرهم.

 

السد العالي في أسوان (الجزيرة)

الطوفان
كان يتململ من تلك الحكايات التي لا يكف الكبار عن ترديدها، فالصغير لا يعرف منطقا لقصص تعاد على أذنيه كلما سحبه والده للحلاق، حيث يتجمع شيوخ القرى ويسردون قصص الغرق والتهجير والخيانة.

وربما تكرار الحكايات طيلة سنوات الصبا هو ما جعل كل مآسي غرق القرى محفورة في ذهن الشيخ وحيد يونس الذي يطلق عليه النوبيون "مؤرخ النوبة".

"كان نكبة تسببت في ثلاثة فيضانات أغرقت النوبة بأهلها ومن نجا واجه موتا أشد قسوة". هكذا يصف الشيخ السبعيني خزان أسوان الذي تسبب في غرق قرى النوبة ثلاث مرات. أولها عند افتتاحه عام 1902، حيث زاد منسوب النيل 106 أمتار. ثم بعد تعليته الأولى عام 1912 بعدما ارتفع المنسوب 114 مترا لتغرق ثماني قرى. فالتعلية الثانية عام 1933 والتي نتج عنها ارتفاع المياه 122 مترا واختفاء عشر قرى أخرى.

ولم تصدر أي إحصائية بالمتوفين في حوادث الغرق، بل إنه لا إحصائيات لعدد النوبيين أنفسهم في تلك الفترة، وكل المتوفر هو حصر 34.942 نسمة وقت توقيع الاتفاقية الثنائية بين مصر والاحتلال البريطاني عام 1899.

ولم يكن أهل النوبة يتوقعون ما سيحل بهم منذ الشروع في بناء الخزان بداية عام 1898 فهو بناء سيجلب الخير كما قالت حكومة الخديوي عباس حلمي الثاني، وهم صدقوا دعاية الدولة أو "الإقطاعيين" كما يقول العجوز. ويردف "الإقطاعيون كانوا مسيطرين على الأراضي الزراعية، وهم الفئة الوحيدة التي استفادت من بناء الخزان الذي حول نظام الري، مما أدى لزيادة إنتاج أراضيهم".

والموت كان مصيرا أفضل للنوبيين، فمن عاشوا اضطروا لصعود الجبال ليواجهوا مصيرا أكثر قسوة. ويقول العجوز السبعيني "من لجؤوا لسفوح الجبال لدغتهم العقارب وهاجمتهم الذئاب واضطروا لأكل ورق الشجر". وأمام ذلك أجبر الكثيرون للهجرة جنوبا إلى السودان، أو شمالا إلى القاهرة والإسكندرية ومدن قناة السويس.

ولم تهتم الدولة ببناء منازل بديلة للنوبيين رغم معرفتها هندسيا بالكارثة قبل أن تقع، وبعد أيام من افتتاح الخزان انتفض العالم، لكن ليس لغرق النوبة بل لغرق معبد فيلة الأثري، الذي كان يقع بجزيرة خلف الخزان.

وتدريجيا بدأت قلة تعود إلى بعض الأماكن الغارقة، ولكن في مناطق أعلى من منسوب المياه كجزيرة هيسا وقرى الشلال وجرف حسين.

عبد الهادي يحكي مآسي التهجير قبل بناء السد العالي (الجزيرة)

مآسي السد
كان "الصندل" يُبحر في النهر ببطء بعكس سرعة الألم في جسدها، التف المُهجّرون حولها، تؤلمهم صرخاتها، وإن كانوا يغبطون قدرتها على تحويل الألم لصراخ.

ورفض بحار الصندل أن يرسي بمركبه، فالتعليمات أنه لا رأفة مع أحد، حتى وإن كان سيدة تلد، وبإمكانيات بدائية تمكنت سيدتان من إجراء عملية الولادة، لكن الرضيع مات وبعده بساعات لحقت به أمه، ومرة أخرى رفض البحار التوقف للدفن ونصحهم بإلقاء الجثتين في النهر.

"لا أعلم هل كتب علينا أن تلقى جثثنا في النهر؟" بسؤاله الذي ليس له جواب ينهي العجوز عبد الهادي قصة السيدة ورضيعها على أحد الصنادل التي نقلت النوبيين من قراهم إلى منطقة "نصر النوبة" شرقي "كوم أمبو" شمال أسوان، التي حددتها الحكومة أماكن بديلة للنوبيين عام 1963، لاستكمال بناء السد العالي، وهو يبعد عن خزان أسوان نحو عشرة كيلومترات جنوبا.

وحصرت إدارة المعلومات بوزارة الشؤون الاجتماعية عام 1963 أكثر من 48 ألف نسمة في قرى النوبة قبل التهجير، بخلاف 35 ألف مهاجر بشمال مصر والسودان.

عبد الهادي، الذي ترسم المأساة عامه التسعين، صنع السم ثم اجترعه حسبما يصف، إذ شارك في بناء السد العالي، "فرحت عندما حصلت على فرصة عمل بالسد، فبعد غرق قرانا توقفت الزراعة ولم يعد لنا عمل"، لكنه اكتشف أنه صنع الغرق الرابع لقرى النوبة.

يقول الرجل التسعيني "وصل المهجرون إلى نصر النوبة محملين بأوهام حكومية عن جنة سيعيشون بها ليجدوا أنفسهم في صحراء تبتعد عن النيل عشرات الكيلومترات، ولا يوجد بها أي بيوت". وأضاف أن الأهالي اضطروا لشرب المياه التي كانت مخزنة على شكل برك لبناء البيوت بما فيها من طحالب وحيوانات ميتة.

وأدت شدة الحرارة مع المياه الملوثة وقلة الطعام إلى وفاة الرُضع مواليد عام 1964، ودفنوا جميعا في مدافن بمنطقة بلانة. ويدلل عبد الهادي على حديثه "في العام 1970 لم يتقدم تلاميذ للالتحاق بالمدرسة الابتدائية، لأن مواليد 1964 ماتوا جميعهم واضطرت المدرسة لاستقبال أطفال أقل سنا".

ويختم المآسي بنسيان الدولة شق ترعة بنصر النوبة وتذكرها بعد سبع سنوات من التهجير، مما اضطر معظم رجال النوبة للهجرة إلى شمال مصر أو دول الخليج.

الشيخ وحيد يونس يروي لمجلة الجزيرة حكايات التهجير (الجزيرة)

التعويضات
تقول الوثائق إن من هُجروا في العامين 1902 و1912 لم يحصلوا على أي تعويضات، لكن قانونا صدر عام 1933 تنص بنوده على نزع ملكية أهالي النوبة وتقدير التعويضات، رغم وجود قانونين ينظمان عملية نزع الملكيات بشكل عام، وهما قانون 27 لسنة 1906 وقانون 5 لسنة 1907.

وربما أرادت الحكومة وضع قانون خاص للنوبيين لتتفادى التعويضات الكبيرة التي ستدفع لهم، الأمر الذى اتضح في مبالغ التعويض الهزيلة التي حصلوا عليها آنذاك، وفق ما ذكره الدكتور عصام عبد الشافي في مقاله "العبثية المصرية في إدارة الأزمة النوبية".

وبلغ إجمالي مبلغ التعويض 1.7 مليون جنيه، خصم منها بعد ذلك نصف مليون جنيه، في حين يشير أحد التقديرات إلى أن الحد الأدنى للتعويضات بأسعار ذلك الوقت لا يقل عن 3.6 ملايين جنيه.

وفى العام 1962 صدر قانون رقم 67، الخاص بنزع ملكية أراضي النوبة التي ستغمرها مياه السد العالي، كما صدر القرار رقم 106 لسنة 1964 بشأن تعويض وتمليك وإسكان أهالي النوبة.

وقدرت تعويضات النوبيين بستة ملايين جنيه، بواقع قرشين لكل نخلة، و52 جنيها للبيت، وفدان الأرض بـ135 جنيه، ورغم هزال المبالغ لم يصرف غير نصفها.

المصدر : الجزيرة