دعاء عبد اللطيف - أسوان



هل يفعلها النهر ويبعث نسماتها إليه؟ وهل يحدث العكس وتستقبل أشواقه مع جريان المياه؟ ضروري أن يكون للنيل دور في الوصال بعدما كان شريكا في التهجير، ومن ثم رحيل رجُلها إلى الشمال.

ويعاند النهر، فلا تأتي الأشواق ولا تُرسل النسمات، ويبقى الانتظار، كحال آلاف النوبيات اللاتي يعشن بمفردهن أو مع أبنائهن في غياب الزوج، الذي هاجر إلى شمال البلاد أو خارجها بحثا عن عمل، بعدما انقطعت الأشغال عن النوبة عقب غرق قراهم بسبب السدود المائية في القرن الماضي.

وعلى ذلك، باتت المرأة النوبية تقوم بدور رجلها داخل البيت، وهو ما انطبع على تصرفاتها القيادية حتى مع عودة الزوج من الغربة، لتصبح هي "القيادة السرية لبيوت النوبة" كما يعترف الأزواج، لكنها أمام الغريب "تجعله الكل في الكل" كما تقول الزوجات.

وربما هذه القيادة نابعة من عروق تاريخية، فكثير من الملكات اللاتي حكمن مصر والأقاليم الجنوبية كن نوبيات، مثل نفرتاري زوجة رمسيس الثاني أعظم ملوك الأسرة الفرعونية التاسعة عشرة، وشنكر خيتو التي تعتبر أول امرأة تصل إلى عرش مروي -وهو إقليم في النوبة الجنوبية تقع حدوده الآن داخل السودان (62ـ42 قبل الميلاد)- إلى جانب أماني ريناس وأماني شيخوا وهما حكما مروي أيضا.

ترتدي المتقدمات في العمر العباءات السوداء بدلا من الجرجار (الجزيرة)

مرارة الغربة
وغربة الرجل عن بيته مُرة لكن الجوع أمر، وفق تجربة السيدة رمضان -تعيش في جزيرة عواد جنوب خزان أسوان- التي يعمل زوجها بإحدى دول الخليج منذ سبع سنوات. لكنها تعود لتحمد ربها على زيارته لهم كل عام، وتفسر حمدها "بعض الرجال يزورون أسرهم كل عامين أو ثلاثة.. لدينا جار عندما عاد من الخليج لم يعرفه ابنه وفزع منه".

والاعتياد على فراق زوجها يصاحبه تركيز شديد في تربية أبنائها الثلاثة وتفوقهم الدراسي، رغم أنهم يقطعون نحو ساعة ونصف كل صباح للوصول إلى مدارسهم في مدينة أسوان، حيث يأخذهم مركب إلى الشط ثم ينتظرون حافلة صغيرة إلى المدينة.

وقبل أن يسافر زوجها، كانت سيدة تبيع مشغولات صوفية يصنعها زوجها بمنوال قديم ورثه عن والده. أما الآن فهي لا تحتاج إلى العمل، وإن ما زالت تصنع جوارب وطواقي مزركشة لأبنائها وبعض جيرانها دون مقابل.

كانت السيدة النوبية قديما تساعد والدها ثم زوجها في الزارعة وصنع المشغولات اليدوية كالحصير والأطباق من سعف النخيل، ولكن انقطاع الزراعة بعد غرق قرى النوبة، وسفر الرجال للعمل مع تطور الحياة؛ أدى إلى تغير مسار المرأة فالتحقت بالمدارس ثم الجامعات، وأصبحت تشغل مهنا مختلفة، مع استمرار إنتاج المشغولات اليدوية في أوقات الفراغ، كعادة نوبية لا تنقطع.

والتعليم أفاد السيدة النوبية في تربية أطفالها، لذا فقليلات هن الآن من لم يركبن قطار الدراسة، كما تقول هيفاء صديق (25 عاما) -من جماعة الكنوز وتعيش بجزيرة سهيل- التي لم تتزوج إلا بعدما أنهت دراستها وعملت لسنوات بإحدى المتاجر.

سيدات النوبية يتكفلن بتزيين حوائط منزلهن بالرسومات والمشغولات اليدوية (الجزيرة)

النظافة
وسؤال هيفاء عما يميز المرأة النوبية لم يحتج إلى تفكير، فبتلقائية سريعة أجابت "نظافتها الشخصية ونظافة بيتها"، فالنساء يحرصن على استخدام العطور الطبيعية كالدلكة والخُمرة والمسك بشكل يومي، والزيوت العشبية لأجسادهن كل أسبوع، فضلا عن الحناء لشعورهن والرسم على الجلد. وتضيف أن تكلفة تجهيز العطور والزيوت للعروس تصل إلى خمسة آلاف جنيه مصري (650 دولارا).

وتواصل حديثها "يستحيل أن تجدي سيدة لا تتبع نظام النظافة الشخصية المتعارف عليه". ثم تُكمل "ونفس الأمر لنظافة البيت فيجب أن يرتب يوميا". ولا يقتصر الأمر فقط على حيز المنزل، فتخرج نساء النوبة لكنس شوارع القرى، وهو ما يظهر جليا في نظافتها، كما تتكفل برسم النقوش النوبية المميزة على الجدران الداخلية والخارجية للبيت.

والحرص على عادة النظافة لا يقابله تمسك بالزي النوبي التقليدي، فنادرا ما ترتدي المرأة العصرية زيها التقليدي "الجرجار"، إذ بات يقتصر ارتداؤه على حضور مناسبات الزفاف فقط.

والجرجار ثوب خفيف يشف ما تحته بأكمام واسعة ويمتد حد الكعبين من الأمام ويطول تحتهما من الخلف، وأصبحت الفتيات النوبية يرتدين العباءات الملونة، بينما السيدات المتقدمات في العمر يحرصن على العباءات السوداء العادية، "فهي أكثر عملية من الجرجار" حسبما ترى هيفاء.

 

الأسر النوبية تحرص على تعليم بناتها (الجزيرة)

الثقة
وإلى جانب النظافة الشخصية، تتميز المرأة النوبية بالثقة في النفس، كما تؤكد هنية التي تحب أن يناديها الناس باسم "هناء"، وهي من جماعة الفادجا وتعيش في قرية بلانة بمركز نصر النوبة.

وهنية يزعجها استهلاك كلام إنشائي في وصف بشرتها السمراء وأسنانها البيضاء وتقاسيم وجهها الممزوجة بحضارات عدة، فهي ليست لوحة فنية تحتاج إلى مندوب ليُعرّف العالم بها، دون همّ داخلها، تقول "كل صحفي يأتي عندنا يكتب نفس الكلام".

ورغم ذلك الزهد في وصف الجمال الجنوبي، فإن السيدة الفاديجية تحاول أن تخص نساء جماعتها بالحسن عن باقي جماعات النوبة "سيدات الفادجا أجمل كثيرا من نساء الكنوز والعرب اللاتي يملكن ملامح أفريقية، لذا فهنّ يَغرْن منا". ثم "وكذلك المرأة الفاديجية لبقة في الحديث ومنفتحة على باقي المجتمع، بعكس الكنزيات والعربيات".

ولم تدلل السيدة على هذا التفوق الفاديجي في الجمال، لكن وسط حديثها عن تغير مفاهيم مجتمع النوبة بقبوله الطلاق وتعامله مع المطلقة بشكل طبيعي، تقول "زوجي كان متزوجا من سيدة كنزية غير جميلة، ثم طلقها وتزوجني".

وهنية نفسها كانت متزوجة بآخر ثم طُلقت منه قبل عشر سنوات، وهي ما زالت بالجامعة، وتقول "كثير من الفتيات يتزوجن قبل سن العشرين، ولا يكنّ على دراية بمهام الزواج، لذا تزيد حالات الطلاق".

المصدر : الجزيرة