سريلانكا تتمرد بصمت على بقايا الحرب الأهلية

مسلم يتفقد آثار بيته الذي أحرقه متطرفون بوذيون يعرفون بالقوة البوذية  (أسوشيتيد برس)
مسلم يتفقد آثار بيته الذي أحرقه متطرفون بوذيون يعرفون بالقوة البوذية (أسوشيتيد برس)

سامر علاوي – كولومبو

انتهت الحرب الأهلية في سريلانكا لكن السلام والاستقرار لم يتحققا بعد، والسبب في رأي كثيرين هو إخفاق الحكومة في حل كثير من القضايا العالقة، مثل مسألة تقرير المصير والوصول إلى حل سياسي لمشاكل الأقليات والمشردين والمختفين قسريا، وجاءت نتيجة الانتخابات الأخيرة لتعيد صياغة المنظومة السياسية تحت شعار الوحدة الوطنية ودمج الأقليات.

فقد كرِّم أكثر من سبعة وعشرين ألف جندي سريلانكي بنقش أسمائهم في ساحة الجندي المجهول في العاصمة السريلانكية كولومبو، وتحظى أسرهم برعاية كاملة من قبل الدولة.

ومن الطبيعي أن تشكل هذه الإجراءات مصدر جدل في سريلانكا حيث سقط هؤلاء الجنود في حرب أهلية استمرت قرابة 25 عاما، وحسمت بهزيمة منظمة نمور التاميل عام 2009 على أيدي الجيش السريلانكي، وانتهاء مشروع إقامة دولة مستقلة للأقلية الهندوسية المتمركزة في شمالي الجزيرة وشرقيها. لكن ما إن انتهت تلك الحرب المشؤومة بالقوة حتى فتح المجال لأزمات سياسية واجتماعية قد لا تقل خطورة عن الحرب، وثار جدال واسع بشأن ملفات كثيرة خلفتها.

يرى الدكتور محمد شريف أسيس -أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبو- أن أخطر مخلفات الحرب الأهلية السريلانكية قد يكمن في موجة التشدد البوذي التي أعقبتها، وتبلورت على شكل حلف سياسي بين المتشددين البوذيين ومعسكر الرئيس السابق ماهيندرا راجابانغسا، وكانت همزة الوصل بينهما الفساد والمحسوبية والانتقام من الأقليات.

إحدى مناطق الأقلية المسلمة في سريلانكا التي تعرضت لهجمات متشددين بوذيين خلال السنوات الماضية (الجزيرة)

علاوة على أن الانتصار مكن الرئيس السابق راجابانغسا من تعيين نحو ثلاثمئة من أقربائه وذويه في مناصب عليا وحساسة، فقد أطلق أيدي حلفائه المتشددين البوذيين لاستهداف الأقلية المسلمة التي تصل نسبتها إلى 10% من مجموع السكان، البالغ تعدادهم نحو عشرين مليون نسمة، وذلك على الرغم من أن المسلمين السريلانكيين دفعوا ثمنا باهظا بسبب تمسكهم بوحدة البلاد، وتعرضهم لحملة تهجير قسري شملت أكثر من مئات الآلاف منهم، ودخلت البلاد في مرحلة تنذر بحرب جديدة بين الغالبية البوذية (السنهالية العرقية) -التي تشكل نحو 70% من السكان- والأقليات ولا سيما المسلمين والهندوس.

أبرز مظاهر التشدد البوذي تمثلت في الهجوم على القرآن ومحاربة الطعام الحلال والحجاب وشن حملة واسعة ضد رجال الأعمال والتجار المسلمين، وذلك بحسب ما أكده لمجلة الجزيرة وزير التجارة والاقتصاد السريلانكي رشاد بديع الدين، الذي ربط التشدد البوذي في سريلانكا بما يجري في ميانمار من اضطهاد واسع للمسلمين. مشيرا إلى أن التشدد في سريلانكا بلغ ذروته خلال العامين الماضيين بعد إقامة منظمة بودو بابا سينا التي حظي زعيمها غناسارا ثيرو بدعم واسع من قبل حكومة راجابانغسا السابقة، ويستمد أفكاره وتعاليمه المتشددة من الزعيم البوذي المتشدد في ميانمار فيراث أسيثو.

لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن حجم الجرائم التي ارتكبها طرفا النزاع -نمور التاميل والقوات الحكومية- خلال سنوات الحرب الأهلية، لكن الحديث ينصب حاليا على المراحل الأخيرة التي حسمت الحرب لصالح الحكومة.

وعلى الرغم من أن الحكومة شكلت لجنة لاستقراء الدروس المستفادة من الحرب فإنها ما لبثت أن رفضت الاعتراف بالتقرير الصادر عن هذه اللجنة وتطبيق توصياته خاصة ما يتعلق بجرائم حرب، ولا يوجد ما يؤكد أن الحكومة سوف تقبل بنتائج التحقيق الذي أجرته الأمم المتحدة والمتوقع صدوره خلال أسابيع، باستثناء ما قاله رئيس الوزراء الجديد "إن حكومته سوف تدرس التقرير عند صدوره وفق القانون السريلانكي".

أسرة جاويد ما زالت تعيش بعيدا عن موطنها في جفنة رغم انتهاء الحرب (الجزيرة)

وتعتبر جرائم الحرب أحد أبرز الملفات التي ما زالت عالقة من الحرب الأهلية، ويمكن الإشارة هنا إلى عنصرين منها: الأول، قضية المختفين قسريا على أيدي أجهزة الأمن السريلانكية. والثاني، التطهير العرقي الذي اقترفته قوات نمور التاميل، ونعرض لقصتين تشيران إلى حجم المأساة.

فقد اختفت أثار فزلان عندما كان عمره 17 عاما أثناء توجهه لمدرسته الثانوية، وكل ما عرفته أسرته عن حيثيات اختفاء ابنها الوحيد هو أن مجموعة من قوات الأمن اختطفته عند محطة القطار في حافلة صغيرة، ومنذ ذلك الوقت والأسرة تتردد على جميع الهيئات والمسؤولين وجمعيات حقوق الإنسان لمعرفة أي خبر.

وما يزيد من مأساة الأسرة حالة الفقر المدقع الذي تعيشه، وتقول والدته بحسرة لمجلة الجزيرة "لو أنه بيننا كان يمكنه أن يعمل الآن ويعيننا في هذه الحياة"، أما السلطات فلم ترد على الأسرة إلا بوعود بالبحث والسؤال عن مصيره، والاتصال الوحيد الذي تلقته الأسرة بعد اختفائه كان يقول لهم إن له علاقة بفتاة مرتبطة بتنظيم نمور التاميل.

لكن جاويد وزوجته يرويان قصة من نوع آخر، حيث تعرضت أسرتهما لهجوم مباغت من قبل مسلحي نمور التاميل في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وتم إجلاء أكثر من ثمانين ألف أسرة في ثلاثة أيام.

ويتذكر الزوجان كيف أنذر المسلحون أسرتيهما بالرحيل في غضون ثلاث ساعات، وقد تزوجا وأنجبا ثلاثة أطفال في المهجر، لكنها بعد نحو ست سنوات من انتهاء الحرب تشكو الأسرة ومعها عشرات آلاف المشردين المسلمين من التمييز ضدهم، في برامج إعادة التوطين بعد انتهاء الحرب، ولم يحصلوا على تعويض كغيرهم من متضرري الحرب.

وزير التجارة والاقتصاد السريلانكي التشدد البوذي مستورد من ميانمار (الجزيرة)

وصفت الانتخابات البرلمانية السريلانكية الأخيرة بأنها ثورة صامتة، ليس فقط لأنها حالت دون عودة الرئيس السابق ماهيندرا راجابانغسا لسدة الحكم رئيسا للوزراء عن طريق الانتخابات البرلمانية، وإنما كذلك للإطاحة بتيار بوذي متطرف مؤيد له، وشكلت نتيجة الانتخابات البرلمانية استمرارا للانتخابات الرئاسية التي عقدت في يناير/كانون الثاني 2015، والتي أعلن خلالها الرئيس الحالي إصلاحات سياسية واقتصادية واسعة أبرزها دمج الأقليات واستيعابها والانفتاح الاقتصادي على الغرب والشرق الأوسط.

لعل أبرز دلالة لنتيجة الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 17 أغسطس/آب 2015هي نبذ المجتمع السريلانكي التطرف الديني والعرقي، الذي نما بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، ولا سيما بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 2009، فقد اندحر حلف راجابانغسا والمتطرفين في الانتخابات الأخيرة، وحالت دون تغولهم معتمدين على شعار تمكين العرقية السنهالية ذات الغالبية في البلاد، وانتصر أنصار التغيير والوحدة الوطنية.

وبرأي كثير من المراقبين السريلانكيين فإن الفساد والمحسوبية التي عمت حكم راجابانغسا شكلتا سببا رئيسيا بهزيمة معسكره في الانتخابات التشريعية والرئاسية. واليوم يستشعر كثير من السريلانكيين الحاجة إلى برنامج للحقيقة والعدالة على غرار ما جرى في جنوب أفريقيا، لكن جراحهم قد لا تندمل، نظرا إلى استمرار وجود مغيبين لا يُعرف مصيرهم، وإفلات مجرمي الحرب من العدالة، على الأقل حتى الساعة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قالت وزارة الصحة في سريلانكا إنها أطلقت تحقيقا بمزاعم عن تورط مجموعة من الجراحين في عصابة للاتجار بكلى البشر، وذلك بعد أيام من تعليق السلطات كل عمليات زراعة الكلى للأجانب.

دعت منظمة ألمانية سريلانكا إلى توفير حماية أفضل لمسلميها بعد تزايد الاعتداءات عليهم، وطالبتها باتخاذ إجراءات رادعة ضد تحريض ديني منظم تمارسه منظمات "بوذية متطرفة" مسؤولة عن هذا الاعتداءات.

أسقط حزب تاميلي رئيسي مطالبه بمنح الاستقلال لشمال وشرق سريلانكا، وهو استقلال خاض من أجله تمرد تاميلي صراعا انتهى بهزيمته. وقبل التحالف الوطني التاميلي الحكم الذاتي للشمال والشرق مع سلطات حقيقية. وكان ينظر إلى هذا التحالف على أنه وكيل سياسي للتمرد التاميلي.

المزيد من المعرفة
الأكثر قراءة