-1/17-

18 ربيعا مكلفا

  محمد المختار الخليل  
مدير تحرير موقع الجزيرة نت

في مثل هذا اليوم، الأول من نوفمبر، قبل 18 عاما، صدحت قناة الجزيرة في فضاء الإعلام العربي، كأول قناة فضائية إخبارية عربية، وكانت بذلك منعطفا في صناعة الإعلام العربي، ولا تزال نموذجا يقتدى به في هذه الصنعة. ولأنها غردت خارج سرب الإعلام الرسمي العربي استفزت منظومة "استقبلَ وودّعَ".

 

ولأن الجزيرة كانت -ولا تزال- حاضرة حيثما حضر الحدث الساخن، فقد اصطدمت -بمصداقيتها ومهنيتها- مع قوى خارج الإطار العربي، فاستهدفتها قوى "ديمقراطية"، كما ضيقت عليها دول عربية "شمولية"، وتماهت الحدود بين المنظومتين أمام حرية الصحافة التي تلتزم بالمهنية ولا تحابي أحدا أمام الحقيقة.

 

وعلى مدى 18 عاما، منعت الجزيرة -ولا تزال- من العمل في العديد من الدول العربية وغير العربية، واستشهد زملاء أثناء أدائهم واجبهم المهني، واعتقل آخرون، ولا يزال ثلاثة من الزملاء في الجزيرة الإنجليزية قيد الاعتقال التعسفي في مصر.

 

وفي هذا العدد من مجلة الجزيرة شهادة للزميل عبد الله الشامي، الذي اعتقل أكثر من عشرة أشهر في سجون النظام المصري أثناء تغطيته اعتصام ميدان رابعة العدوية الذي انتهى بمجزرة والانقلاب على الشرعية السياسية. وانتزع الشامي حريته بعد معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها لشهور.

 

وشهادة أخرى يسجلها مراسل الجزيرة نت في سوريا المثنى الحارثي، الذي عاش تجربة الاعتقال والتعذيب في سجون النظام السوري بتهمة الانتماء لجماعة "السلطة الرابعة" التي تعد جريمة في عرف النظام.

 

هذه الشهادات هي أحدث الصفحات في سجل الشرف للجزيرة، وهي بالتأكيد لن تكون الأخيرة، فما دامت الجزيرة ماضية على مدارج المهنية والمصداقية التي ارتضتها لنفسها منذ اليوم الأول لانطلاقتها، فإنها حتما ستصطدم بقوى ألفت العمل في الظلام ويؤذيها نور الحقيقة.

 

18 ربيعا قضتها الجزيرة في ريادة الإعلام العربي، وزاحمت فيها كبرى المؤسسات الإعلامية العالمية على صدارة المشهد، والقدرة على التأثير في الواقع، دفعت في سبيلها كلفة عالية، ولا تزال.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/17-

ملف العدد

ملف العدد

 

بعد مسار طويل من التوتر في أكثر من بقعة في اليمن، وانفضاض مؤتمر الحوار الوطني الذي استبشر اليمنيون بحصاده التوافقي، انعطفت الأحداث بشكل حاد بما شكّل صدمة للمجتمع اليمني، تماما كما صُدم المحيط العربي إثر سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء وتداعي محافظات ومدن أخرى بيد أنصار الله بشكل يصعب فهمه.

 

ملف اليمن بعد هذا المنعطف يستحق التوقف لفهم مجريات الأحداث ووجهات النظر المختلفة في تفسيره، نفتتحه بسجلٍ لأهم الأحداث التي عايشها اليمن في الأشهر الأخيرة، وتعريف بجماعة أنصار الله (الحوثيين) لفهم خلفيات الطرف الذي أثار هذه الأزمة في اليمن، قبل عرض القراءات المختلفة للأحداث.

 

فهناك مقال يفسر سر غياب التجمع اليمني للإصلاح عن مشهد الاجتياح الحوثي للعاصمة ومدن أخرى، وهو الذي كان يتصدى لهذه الجماعة سابقا. ويقرأ مقال آخر المأزق اليمني وتداخل اللاعبين المؤثرين فيه. بينما يعتقد كاتب أن الحوثي يحاول بالتطورات الأخيرة أن يجد لنفسه حاضنة شعبية تبرر توسعه جغرافيا.

 

ومن الجانب الحوثي، يكشف كاتب -مقرب من الجماعة- أن ما جرى هو تحالف لقوى يمنية متعددة لمواجهة تنظيم القاعدة في اليمن، بينما يعبر مستشار الرئيس اليمني عن قناعات المؤسسة الرسمية وتفسيرها لما جرى ويجري على الساحة اليمنية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/17-

اليمن.. سجل زمني للأحداث المتسارعة

اليمن.. سجل زمني للأحداث المتسارعة
 
ياسر حسن - عدن
 
 
تسارعت وتيرة الأحداث في اليمن خلال الأشهر الماضية، حيث شهد تحولات كبيرة وأوضاعاً صعبة لم تكن في حسبان اليمنيين ولم يتوقعها أي محلل أو مراقب للأوضاع في البلد الذي يمر بمرحلة انتقالية منذ العام 2011، وقد مثّل سقوط مدينة عمران بيد جماعة الحوثيين في يوليو/تموز الماضي حدثاً فارقاً، توالت بعده الأحداث سريعاً في ظل انفلات أمني كبير تعيشه البلاد.

 

وكان الحدث الأبرز بين تلك الأحداث هو السقوط الكامل للعاصمة صنعاء بيد جماعة الحوثيين يوم 21 سبتمبر/أيلول الماضي، الذي تمكنت بعده الجماعة المسلحة القادمة من محافظة صعدة من التمدد والسيطرة على مناطق ومحافظات أخرى شمال البلاد.

 

وفيما يلي رصد لأبرز الأحداث التي شهدها اليمن خلال الأشهر القليلة الماضية منذ سقوط عمران:

 

مسلحون حوثيون على متن سيارة للجيش في صنعاء الجزيرة نت (الجزيرة)

8 يوليو/تموز

استولى الحوثيون على محافظة عمران شمالي اليمن، وسيطروا على اللواء 310، وقتلوا قائده العميد حميد القشيبي بعد قتال أدى لنزوح آلاف اليمنيين.

23 يوليو/تموز

الرئيس عبد ربه منصور هادي يزور عمران بعد سيطرة الحوثيين عليها، ويعلن أن المحافظة تحت السيطرة، وكان ذلك في اليوم الذي شيع فيه جثمان العميد القشيبي.

29 يوليو/تموز

الحكومة تقر رفع الدعم عن المشتقات النفطية، وهو ما تسبب في ارتفاع أسعار الوقود، وتجدد المعارك المسلحة بين الحوثيين والجيش المدعوم باللجان الشعبية في محافظة الجوف.

30 يوليو/تموز

مظاهرات وصدامات في شوارع صنعاء وعدد من المدن احتجاجاً على رفع الدعم عن المشتقات النفطية.

17 أغسطس/آب

الحوثيون يتظاهرون في صنعاء احتجاجاً على أسعار الوقود، ويطالبون بإسقاط الحكومة وتطبيق قرارات الحوار الوطني، وانتشار لمسلحي الحوثي في أوساط المتظاهرين، ومصادمات بين المتظاهرين وبعض المواطنين الرافضين الانضمام للمظاهرات.

18 أغسطس/آب

الحوثيون يقيمون مخيمات اعتصام بمحيط العاصمة صنعاء بمشاركة عشرات المسلحين، والدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية تعبر عن قلقها من التصريحات التي أطلقها زعيم الحوثيين.

20 أغسطس/آب

الرئيس هادي يشكل لجنة من كل القوى السياسية للقاء زعيم الحوثيين لحثه على التراجع عن تهديداته بمحاصرة صنعاء.

 

أسر كثيرة نزحت من مناطق النزاع بصنعاء الجزيرة نت (الجزيرة)

21 أغسطس/آب

الحوثي يدعو اتباعه لبدء المرحلة الثانية من الاحتجاجات بعد انتهاء المهلة التي حددها للرئيس والحكومة لتنفيذ مطالبه بعد ساعات من لقائه اللجنة الرئاسية في صعدة.

22 أغسطس/آب

الرئيس هادي يجتمع مع مجلس الدفاع واللجنة الأمنية، ويأمر برفع حالة التأهب للجيش والأمن، ومجلس التعاون الخليجي يعبر عن رفضه أي محاولات لتقويض العملية الانتقالية في اليمن.

24 أغسطس/آب

فشل المفاوضات بين الوفد الرئاسي والحوثيين في صعدة، والرئيس هادي يتهم الحوثيين بتنفيذ أجندات خفية ومشبوهة والسعي لتقويض مخرجات الحوار.

5 سبتمبر/أيلول

مظاهرات حاشدة من مؤيدي الحوثي ومعارضيه في العاصمة صنعاء وعدد من عواصم المدن، في وقت واصل الحوثيون إغلاق الطريق المؤدي إلى مطار صنعاء ونصبوا عدداً من الخيام في محيط وزارات ومصالح حكومية.

8 سبتمبر/أيلول

أغلق الحوثيون كل مداخل صنعاء ومنعوا السيارات من الدخول إليها أو الخروج منها، وتعهدوا بالرد على أي هجمات جديدة على المعتصمين.

9 سبتمبر/أيلول

هدد عبد الملك الحوثي بخيارات إستراتيجية في مواجهة الحكومة، ودعا أتباعه للاحتشاد في ساحة التغيير بصنعاء، بعد مقتل سبعة متظاهرين على يد قوات الأمن إثر اشتباكات مع متظاهرين حوثيين أمام مجلس الوزراء.

15 سبتمبر/أيلول

أوقف الحوثيون مفاوضاتهم مع الحكومة اليمنية بسبب ما قالوا إنها تدخلات خارجية، واتهامات للحوثيين بمحاولة السيطرة على الدولة بقوة السلاح تحت غطاء المطالب الشعبية.

19 سبتمبر/أيلول

الجيش اليمني يقصف مواقع الحوثيين على مداخل صنعاء، واندلاع اشتباكات عنيفة بين المسلحين الحوثيين وقوات الجيش في محيط معسكر الفرقة المدرعة الأولى سابقاً وجامعة الإيمان ومقر التلفزيون الرسمي.

20 سبتمبر/أيلول

مسلحو الحوثي يسيطرون على معظم أجزاء العاصمة صنعاء، وعلى مقر رئاسة الوزراء ووزارة الإعلام والتلفزيون الرسمي، والسلطات اليمنية تفرض حظراً للتجوال شمال العاصمة صنعاء في ظل استمرار الاشتباكات بين المسلحين الحوثيين وقوات الجيش، والتوقيع على اتفاق مصالحة بين الحكومة والحوثيين يتضمن إنهاء الاعتصامات وتشكيل حكومة وفاق وطني وخفض أسعار الوقود.

 

يمنيات يدعين للمشاركة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لاجتياز المرحلة الانتقالية للثورة اليمنية (الأوروبية)

21 سبتمبر/أيلول

الحوثيون يحكمون سيطرتهم على العاصمة بشكل كامل، وانهيار سريع للجيش والأمن في المدينة، وسط حديث عن خيانة وتواطؤ من قيادات عليا في الدولة.

22 سبتمبر/أيلول

عشرات القتلى والجرحى من الحوثيين في انفجار سيارة ملغمة استهدفت منفذاً حدودياً بين اليمن والسعودية.

26 سبتمبر/أيلول

آلاف الحوثيين يحتفلون في العاصمة صنعاء ويقيمون صلاة الجمعة التي أسموها جمعة النصر، ومسلحون حوثيون يقتحمون مساجد بصنعاء ويفرضون خطباء وأئمة بالقوة.

27 سبتمبر/أيلول

الحوثيون يوقعون على المحلق الأمني لاتفاق السلم والشراكة، ومسلحو الجماعة يهاجمون منزل رئيس جهاز الأمن القومي.

29 سبتمبر/أيلول

احتجاجات ضد وجود مليشيات الحوثي المسلحة في صنعاء، والحوثيون يرفعون عدداً من مخيماتهم من ساحة التغيير، ويواصلون نقل المعدات والآليات العسكرية من صنعاء إلى صعدة، ووزارة الصحة تقول إن حصيلة قتلى المواجهات في العاصمة بلغت 274 قتيلاً وأكثر من 470 جريحا.

7 أكتوبر/ تشرين الأول

الأحزاب اليمنية تتفق على تعيين مدير مكتب الرئاسة أحمد عوض بن مبارك رئيساً للوزراء، والحوثيون يرفضون.

8 أكتوبر/تشرين الأول

أحمد بن مبارك يعتذر عن تولي رئاسة الوزراء، ومقتل 9 جنود و7 من عناصر القاعدة في الهجوم الذي استهدف مقار أمنية وحكومية في البيضاء.

9 أكتوبر/تشرين الأول

مقتل 47 شخصاً وجرح 75 آخرين على الأقل في تفجير انتحاري للقاعدة استهدف تجمعاً للحوثيين بصنعاء، ومقتل 20 جندياً بسيارة مفخخة في حضرموت.

نساء مؤيدات للحكومة يصلين الجمعة في صنعاء دعما للجيش في معاركة مع المسلحين الحوثيين (رويترز)



13 أكتوبر/تشرين الأول

الرئيس هادي يكلف خالد بحاح بتشكيل الحكومة، والحوثيون يرحبون.

14 أكتوبر/تشرين الأول

فعالية كبرى للحراك الجنوبي في عدن احتفاء بذكرى ثورة 14 أكتوبر، وفتح اعتصام دائم للمطالبة بالانفصال.

15 أكتوبر/تشرين الأول

الحوثيون يسيطرون على ميناء الحديدة، ويتقدمون لمعاقل القاعدة وسط البلاد.

17 أكتوبر/تشرين الأول

مسلحون حوثيون يسيطرون على منفذ حرض الحدودي مع السعودية.

18 أكتوبر/تشرين الأول

مقتل 25 شخصا في اشتباكات بين الحوثيين وقبليين في إب، ومواجهات بين الحوثيين والقاعدة في رداع بالبيضاء.

19 أكتوبر/تشرين الأول

مقتل أكثر من 30 يمنيا على الأقل في هجمات للقاعدة ضد الحوثيين في محافظة البيضاء.

22 أكتوبر/تشرين الأول

جماعة الحوثي تعلن عدم مشاركتها في الحكومة رافضة ما أسمتها "المحاصّة والمقاسمة". واللقاء المشترك يرفض المشاركة في أي حكومة دون إشراك جميع الموقعين على اتفاق السلم والشراكة.

23 أكتوبر/تشرين الأول

فريق خبراء لجنة العقوبات الدولية يصل عدن لاستكمال جمع الأدلة ضد معرقلي التسوية السياسية.

24 أكتوبر/تشرين الأول

مقتل عشرة من القاعدة والقبائل بطائرة أميركية من دون طيار في رداع والحوثيون يتقدمون، والحراك الجنوبي يعلن مرحلة التصعيد الثوري من عدن.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/17-

من هم أنصار الله (الحوثيون)؟

من هم أنصار الله (الحوثيون)؟

 

عبده عايش - صنعاء

 

جماعة الحوثيين في اليمن هي حركة شيعية مسلحة، تطلق على نفسها اسم "أنصار الله"، معقلها في محافظة صعدة شمالي البلاد. توسعت عسكريا إلى محافظة عمران ووصلت حتى العاصمة صنعاء التي سيطرت عليها يوم 21 سبتمبر/أيلول 2014، وخاضت حرب تمرد في صعدة ضد الدولة منذ العام 2004، وتتهم بالارتباط بإيران.

 

مظاهرة للحوثيين في صنعاء للتضامن مع نظام بشار الاسد وحزب الله (رويترز)

القيادة والفكر

 

* يتزعم الجماعة المسلحة عبد الملك الحوثي (ولد في مدينة ضحيان في محافظة صعدة عام 1979)، وهو الابن الأصغر للزعيم الروحي للجماعة بدرالدين بن أمير الدين الحوثي.

 

* لا يعرف عن عبد الملك الحوثي أنه نال أي شهادة تعليمية سواء المرحلة الأساسية أو الثانوية أو الجامعية.

 

* أجازه والده في تلقيه العلوم الدينية التي درسها على يديه وهو في الثامنة عشر من عمره، ويذكر أنه عرف بملازمته والده في كل حلقات دروسه الفقهية عن المذهب الزيدي  والاثني عشري.

 

* والده بدرالدين الحوثي من مواليد عام 1926، وتوفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2010 بانفجار سيارة مفخخة استهدفت تجمعا للحوثيين في صعدة، وأعلن حينها تنظيم القاعدة بجزيرة العرب فرع اليمن تبنيه للعملية.

 

* يعد بدرالدين الحوثي من أبرز المراجع الفقهية في المذهب الزيدي باليمن، لكنه تحوّل إلى المذهب الجارودي القريب من المذهب الاثني عشري بعد إقامته في إيران بين عامي 1994 و2002.

 

* ورث عبد الملك الحوثي قيادة الجماعة بدعم من والده عقب مقتل قائدها ومؤسسها شقيقه الأكبر حسين بدرالدين الحوثي الذي قتل يوم 10 سبتمبر/أيلول 2004 خلال أول حرب خاضتها الجماعة ضد قوات الجيش اليمني أثناء حكم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.

 

* عقب مقتل شقيقه مؤسس الجماعة حسين الحوثي في عام 2004 نشب خلاف وانقسام داخل الجماعة بشأن من يتولى قيادتها، خاصة في ظل بروز صيت القائد الميداني ذلك الوقت عبد الله الرزامي الأكثر خبرة في الحروب والقتال، لكن وقع الاختيار على عبد الملك، الأصغر سنا والأقل خبرة، قائدا للجماعة رضوخا لرغبة والده.

 

* بدأ يتردد اسمه قائدا للجماعة خلال جولات الحرب في صعدة مع القوات الحكومية التي تواصلت على فترات متقطعة حتى العام 2010.

 

عبد الملك الحوثي يقلد حسن نصر الله في شكليات الخطابات في المناسبات الدينية (رويترز)

التشبه بنصرالله

 

* برز عبد الملك الحوثي خطيبا على قناته "المسيرة" التي تبث من العاصمة اللبنانية بيروت خلال شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2014، يتوعد بكلمات قاسية الدولة والحكومة إن لم تستجب لمطالبه بإسقاط الحكومة وزيادة الأسعار وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني.

 

* من خلال خطابات عبد الملك الحوثي المتلفزة حاول الظهور بطريقة تشابه الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله من ناحية الخطاب اللغوي والحركة الجسدية والإشارة بالأصبع، وأيضا الخلفية الزرقاء التي يجلس أمامها والشعار المطبوع عليها. فضلا عن التشابه بالاسم: "حزب الله" و"أنصار الله".

 

* يحمل الحوثيون نفس شعارات حزب الله، ويرتدي مسلحو الحوثي زيا عسكريا يشبه زي قوات الحرس الثوري الإيراني، كما يرفعون ويتوحدون في شعار الموت لأميركا وإسرائيل الذي يطلقونه في المظاهرات والمساجد مع رفع قبضة اليد اليمنى.

 

* عقب سقوط صنعاء تحت سيطرة مسلحي الحوثيين يوم 21 سبتمبر/أيلول 2014، بطريقة غريبة أثارت الشارع اليمني، حيث وجهت الاتهامات للرئيس هادي ووزير دفاعه اللواء محمد ناصر الحسني بـ"الخيانة" وتسليم العاصمة للحوثيين، خرج هادي أمام اليمنيين قائلا بوجود "مؤامرة كبيرة محلية وخارجية" وراء سيطرة الحوثيين على صنعاء. 

 

مشيعون في جنازة الجنرال حميد القشيبي الذي قتل في معركة للجيش مع الحوثيين (رويترز)

توسع السيطرة

 

* شارك الحوثيون في الاعتصام والتظاهر في عام 2011 في الثورة الشعبية السلمية التي أطاحت بحكم الرئيس علي عبد الله صالح، وأتيح للحوثيين في هذا العام إحكام السيطرة على محافظة صعدة، وأصبحت بذلك أول محافظة تسقط تحت سيطرتهم.

 

* عيّن الحوثيون محافظا جديدا لصعدة هو تاجر السلاح فارس منّاع بعيدا عن السلطة المركزية في صنعاء، وباتت صعدة تدار من قبل الحوثيين وتتسلم موازنتها المالية السنوية من الحكومة اليمنية، كما تجبي أموال الزكاة للجماعة وليس للدولة، وأيضا تحصّل أموالا أخرى من المواطنين والمزارعين والتجار باسم "الخُمس".

 

* شارك الحوثيون بـ35 مقعدا في مؤتمر الحوار الوطني الذي انطلق يوم 18 مارس/آذار2013 وانتهى رسميا يوم 25 يناير/كانون الثاني 2014، والتزموا بتنفيذ مخرجاته كاملة، وبينها بنود تنص على نزع سلاح الجماعات المسلحة، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط للدولة، وبسط الدولة سيادتها على كافة أراضي البلاد بما فيها محافظة صعدة.

 

*شن الحوثيون في أكتوبر/تشرين الأول 2013 حربا على جماعة السلفيين في منطقة دمّاج بمحافظة صعدة، حيث كانت تستقر منذ 40 عاما، وسقط في الحرب مئات القتلى والجرحى بينهم طلاب عرب وأجانب يدرسون بمركز الحديث السلفي في دماّج. واستمرت الحرب عدة أشهر انتهت باتفاق رعاه الرئيس الانتقالي عبد ربه منصور هادي، قضى بإجلاء أهالي وطلاب المنطقة من صعدة إلى صنعاء، وكان يقدر عددهم بنحو 15 ألفا.

 

فتى في مظاهرة للحوثيين احتجاجا على الفساد (أسوشيتدبرس)

إسقاط عمران

 

* في أعقاب طرد السلفيين من صعدة، بدأ الحوثيون حربا على آل الأحمر في منطقة حاشد بمحافظة عمران، وتمكنوا من دخول معقل آل الأحمر بعد مواجهات ضارية مع قبيلة العصيمات، وفجروا منزل زعيم قبيلة حاشد ورئيس البرلمان اليمني السابق الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر.

 

* في فبراير/شباط 2014 قام الحوثيون وباتفاقات قبلية وسياسية بحصار مدينة عمران التي تبعد عن العاصمة صنعاء بنحو 50 كيلومترا، وخاضوا حربا ضارية لمدة ستة أشهر ضد قوات اللواء 310 التي أظهرت استبسالا في صد هجوم الحوثيين، إلا أنه جرى إسقاط مقر اللواء من داخل مدينة عمران في 8 يوليو/تموز 2014 أثناء هدنة بين الطرفين وخلال دخول لجنة وساطة كلفت من الرئاسة إلى مقر اللواء، انتهت بمقتل قائد اللواء العميد حميد القشيبي، وأعقب ذلك سيطرة المسلحين الحوثيين على مدينة عمران ومحيطها، وسحبت بعدها بأوامر وزارة الدفاع والرئاسة كتائب اللواء 310 من كافة المواقع وخاصة من فوق جبل ضين الإستراتيجي، وعادت إلى مقر الفرقة الأولى مدرع في صنعاء.

 

* عقب سيطرة الحوثيين على عمران بدؤوا في نشر مسلحيهم بمحيط العاصمة صنعاء خصوصا في منطقة همدان بشمال وغرب صنعاء، في ظل تحذير من مخطط الحوثي لإسقاط صنعاء، إلا أن الرئاسة اليمنية ووزارة الدفاع لم تأبه لذلك.

 

* في 17 أغسطس/آب 2014 بدأ الحوثيون ما أسموها "ثورة" لإسقاط حكومة الوفاق الوطني، وإسقاط الزيادة على أسعار المشتقات النفطية التي أقرتها الحكومة يوم 30 يوليو/تموز 2014. وتحت هذا المبرر بدؤوا بحشد المسلحين إلى مداخل العاصمة صنعاء من الجهات الأربع، وحفروا الخنادق وأقاموا مخيمات كبيرة تؤوي مسلحيهم، وجلبوا أسلحتهم الثقيلة، وبدؤوا بتنفيذ مظاهرات ومسيرات بهدف إسقاط الحكومة.

 

أنصار الحوثي يحرقون مجسما لطائرة أميركية احتجاجا على التدخل الاميركي في شئون اليمن (أسوشيتدبرس)

إسقاط صنعاء

 

* في 21 سبتمبر/أيلول 2014 سقطت صنعاء تحت سيطرة المسلحين الحوثيين بطريقة غير متوقعة أثارت الصدمة لدى اليمنيين، وذلك بعد أسبوع واحد من معارك شنها الحوثيون ابتداء من قرية القابل غرب صنعاء، ثم دخولهم لشارع شملان وحي مذبح وحي الأعناب وشارعي الثلاثين والستين، وأعقبه هجوم عنيف استمر أربعة أيام على مقر التلفزيون الحكومي، والذي صاحبه الهجوم على مقر معسكر الفرقة أولى مدرع، وجامعة الإيمان بحي النهضة.

 

* قام الحوثيين بأعمال نهب واسعة للأسلحة الثقيلة والمتوسطة والآليات العسكرية من معسكر الفرقة واللواء الرابع حماية رئاسية، ومن المرافق الحيوية والحكومية وحتى المؤسسات الأهلية والمرافق الخاصة ومنازل المواطنين التي جرى اقتحامها ونهب محتوياتها.

 

* انسحب اللواء علي محسن الأحمر من معسكر الفرقة استجابة لأوامر من الرئيس هادي، الذي كان دفعه لقيادة المعارك ضد هجوم الحوثيين، وأثناء المعركة لم يجد اللواء الأحمر أي دعم أو إمداد من الوحدات العسكرية وألوية الاحتياط، أو حتى الطيران، بل تردد أن هادي هدد بضرب الفرقة إذا واصلت قتال الحوثيين، وأعقب ذلك سيطرتهم على كافة مقار مؤسسات الدولة العسكرية، التي سلمت لهم دون مقاومة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/17-

لماذا غاب "الإصلاح" عن مشهد الاجتياح الحوثي؟

لماذا غاب "الإصلاح" عن مشهد الاجتياح الحوثي؟
ياسين التميمي
كاتب ومحلل سياسي يمني

 

 منذ انطلاق ثورة 11 فبراير/شباط 2011 في اليمن، ساد التوتر وحالة من التعايش الثوري الحذر بين الجماعة الحوثية المسلحة والتجمع اليمني للإصلاح، مع الإقرار بأن ثمة فارقا هائلا في الحضور والتأثير بين المكونين في ساحات الحرية والتغيير، وهو فارق محسوم لمصلحة الإصلاح.

 

مثّل هذا التوتر بين المكونين مؤشرا على استحالة التعايش بينهما، في سياق الفعل الثوري، ناهيك عن التعايش في الصيغة السياسية المحتملة التي يفترض أن الثورة ستنتجها، وذلك لأسباب تتصل بالمشروع السياسي الخفي، للجماعة الحوثية، الذي لا يقبل القسمة إلا على واحد (الحوثيين).

 

ذلك أن المشروع الحوثي جرى تأسيسه منذ البداية بإشراف إيراني مباشر، وفي صيغة حركية تستلهم النموذج الإيراني، لكنها تحتفظ بقدرٍ كافٍ من الخصوصية المحلية المتصلة بتعاليم المذهب الزيدي، وبالزيدية السياسية، وهو مفهوم يتجاوز الحالة الأصولية والفقهية والعقدية للمذهب الزيدي، إلى تقديم تصورٍ خاصٍ بشأن الحكم، ومن له الحق في أن يحكم.

 

تصور يستند إلى نظرية الحق الإلهي في الحكم، وهو تصور يجعل من الحوثيين -باعتبارهم النموذج الصارخ للزيدية السياسية- ضداً لمبدأ الشراكة السياسية، ومانعا قويا من موانع قيام الدولة المدنية الحديثة، القائمة على مبادئ الحرية والمساواة وسيادة القانون، والديمقراطية والسيادة الشعبية.

 

البوابة الرئيسية لمدينة صنعاء بعد يوم من تفجير انتحاري أسقط العشرات من القتلى (الأوروبية)

سيناريو إجهاض الثورة

دخل الحوثيون مع رئيس النظام المخلوع علي عبد الله صالح في تحالف مبكر تأسس على الوعي بالهوية الجهوية والمذهبية، التي ساعدت الطرفين على التحشيد في المحيط القبلي لصنعاء، ضد قوى الثورة، وفي مقدمتها حزب الإصلاح والقيادات القبلية والعسكرية الداعمة للثورة.

 

بقي الحوثيون والرئيس المخلوع صالح متأهبين لاحتواء الثورة وتصفية تركتها، وضرب أركانها السياسية، من قوى سياسية وفعاليات مجتمع مدني وناشطين وإعلاميين، مستعينين بالقوات المسلحة والأمن اللذين بقيا عملياً تحت نفوذ الرئيس المخلوع وأتباع الحركة الحوثية.

 

وحتى عندما اتخذت خطوات باتجاه إعادة هيكلة القوات المسلحة، سرعان ما اتصل القادة العسكريون الموالون لصالح -الذين فقدوا مناصبهم- بغرفة عمليات إقليمية، كانت للتو تدير عملية مماثلة للإطاحة بالنظام الذي أفرزته ثورة 25 يناير/كانون الثاني المصرية، وثورة 17 فبراير/شباط الليبية، وللإطاحة بأم ثورات الربيع العربي الثورة التونسية.

 

وارتبط أبرز مساعدي الرئيس المخلوع وأبناؤه بهذه الغرفة التي قررت دعم ثورة مضادة في اليمن، عبر تمكين مليشيا الحوثي ومنحها صلاحيات لا محدودة لتفجير الصراع مع نقائضها السياسية والأيديولوجية، وعلى نحو يقوض الحوامل المتينة لثورة الـ11 من فبراير/شباط 2011، ويصفي تركة التغيير، ويسمح بتأسيس مرحلة طويلة الأمد من الصراع السياسي والعقائدي والجهوي، مع خلط مقصود للأهداف، ولقائمة المستهدفين من هذا الصراع، استناداً إلى أجندات اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين.

 

بدأت عملية الإطاحة بالثورة اليمنية، من محافظة صعدة، في أكتوبر/تشرين الأول 2013، مستهدفة معهد الحديث بمنطقة دماج، الذي يعد أحد أهم المدارس الإسلامية في مجال علم الحديث، في وقت كان اليمنيون يشارفون على إنجاز تجربة حوار وطني، كان أبرز طرفين معيقين لنجاح هذه التجربة، هما الحوثيين وجناح الرئيس المخلوع في المؤتمر الشعبي العام.

 

وكان لافتاً أن يقدم الحوثيون على محاصرة منطقة دماج وقصفها بكل أنواع الأسلحة وقتل المئات من المعلمين والدارسين وأسرهم في المنطقة، دون أن يحرك ذلك ساكناً لدى بقية الأطراف السياسية، والدول الراعية للتسوية السياسية، خصوصاً الجار الشمالي، المملكة العربية السعودية.

 

حينها برز دور الرئاسة اليمنية، وسيطاً وميسراً لعملية انتقال غير متوقعة لسكان منطقة دماج وإنهاء دور معهد الحديث فيها، وسط ذهول اليمنيين. في الواقع لم يكن لسلفيي دماج شأن بالتجاذبات السياسية الدائرة في الساحة اليمنية، لما عُرف عنهم من عدم انشغال بالسياسة، ولهذا كان خروجهم من دماج مجحفاً، وقُرئ على أنه رسالة للتجمع اليمني للإصلاح، وللقوى القبلية والاجتماعية التي دعمت ثورة التغيير، وتمثل خصماً سياسياً ومذهبياً للحوثيين.

 

وفي إطار سيناريو إجهاض الثورة، بدأ الحوثيون التقدم باتجاه مناطق حاشد بمحافظة عمران، وكان الهدف، هو إنهاء نفوذ قادة حاشد التاريخيين من آل الأحمر. كان الحوثيون يقاتلون بإمكانيات الدولة، وبرجال الحرس الجمهوري المنحل، وتحت أنظار الرئاسة اليمنية، التي قبلت بسيناريو إنهاء قوى الثورة، انطلاقاً من قناعة بدأت تروجها، وهي أن الرئاسة مقيدة بنفوذ قادة حاشد وقادة المعسكرات الموالية للثورة، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، مع إضافة الرئيس المخلوع وأحد الزعماء الجنوبيين هو علي سالم البيض أيضاً لمزيد من تعويم الهدف الحقيقي لهذا السيناريو.

 

عناصر من التيار الحوثي يتابع على شاشة تلفاز خطابا لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي (أسوشيتدبرس)

اقتحام الحوثيين لمعقل قبيلة حاشد تم أيضاً بتواطؤ عدد من وجهاء حاشد الذين شاع على نطاق واسع، أنهم استلموا ثمن موقفهم أموالاً طائلة. وبعد سقوط حاشد وهي جزء من محافظة عمران اتجهت المليشيات الحوثية، إلى مدينة عمران التي يغلب عليها نفوذ الإصلاح.

 

كانت معركة إسقاط عمران فاصلة، وسيتبين كيف أثَّرتْ بعمق في إنجاز بقية سيناريو الإجهاز على الثورة، فقد تعرضت المدينة لحصار دام، وشهدت معارك عنيفة، خلال الفترة فبراير/شباط إلى يوليو/تموز 2014، كان طرفها الآخر هو اللواء 310 بقيادة العميد حميد القشيبي، الذي وقف إلى جانب ثورة التغيير، وبإسناد من القبائل وسكان المدينة المحسوبين على التجمع اليمني للإصلاح.

 

وقد اعتبر هذا الإسناد من قبل خصوم الإصلاح والمتربصين به، دليلاً على دخوله على خط المواجهة المباشرة مع الحوثيين. وسقط المئات من المسلحين الحوثيين في معركة عمران بسبب صمود وكفاءة مقاتلي اللواء 310، واستماتة القبائل المناوئة للحوثيين، قبل أن يتم تعزيز الحوثيين بالأسلحة الحديثة وبموجات جديدة من مقاتلي الحرس الجمهوري، وبعد أن تم شراء ولاء الزعامات القبلية في المدينة، بالإضافة إلى الدور اللوجستي التي قامت به لجنة الوساطة الرئاسية واللجان المتفرعة عنها، لصالح المجهود الحربي الحوثي.

 

في هذه اللحظة الفارقة من المواجهة بين ثورة التغيير والثورة المضادة، التي يقودها الرئيس المخلوع والحوثيين، أدرك حزب الإصلاح أنه يُستدرج إلى فخ من المواجهات طويلة الأمد مع الحوثيين وحلفائهم، نصبته بإحكام قوى دولية وإقليمية نافذة، فقرروا على الفور الإيعاز لأنصارهم، بتجنب مواجهة الحوثيين في مدينة عمران، وعلى إثر ذلك سقط مقر قيادة اللواء 310 وقتل قائده، وصُدم العالم بأن الذي كُسر في معركة إسقاط عمران، هو الدولة اليمنية وجيشها وليس التجمع اليمني للإصلاح.

 

وفي اعتقادي أن الإصلاح كحزب، بات أكثر قناعة بأنه هو المستهدف من وراء الحرب الحوثية العبثية، خصوصاً بعد الزيارة المفاجئة للرئيس عبد ربه منصور هادي إلى محافظة عمران، وإظهار أن الأمور اعتيادية على الرغم مما خلفته المعارك من ندوب غائرة، وما أحدثته من توتر في بيئة التعايش بين المكونات الاجتماعية والسياسية والمذهبية لسكان محافظة عمران وعاصمتها، بعد أن أصبحت محافظة عمران مصادرة بالكامل من جانب الحوثيين.

 

وكان لافتاً أيضاً القرارات العسكرية التي اتخذها الرئيس هادي، وأقصى بموجبها قيادات عسكرية موالية لثورة التغيير، وتعيين قيادات عسكرية قريبة من النظام السابق، وعُرف عنها تعاونها مع المليشيا الحوثية.

 

لهذا لم يكن الإصلاح ليحتاج وقتاً من التفكير لاتخاذ قراره الحكيم بتجنب خوض مواجهات مع الحوثيين الذين دخلوا صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول، دخولاً مسرحياً، حيث تساقطت أمام المليشيا المؤسسات السيادية في العاصمة، في الوقت الذي كان الرئيس ومعه المبعوث الأممي إلى اليمن، جمال بن عمر، وممثلو الأحزاب السياسية، في انتظار قدوم ممثلي الحوثيين للتوقيع على اتفاق "السلم والشراكة الوطنية"، الذي صُمم ليكون بديلاً عن المرجعيات الأساسية للعملية السياسية، وهي المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وقرارات مجلس الأمن بما فيها القرار رقم 2140، بشأن معرقلي التسوية السياسية، والذي صدر تحت الفصل السابع.

 

الموقف الذي اتخذه الإصلاح من المواجهة في صنعاء، هو الذي اتخذه القائد العسكري البارز، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون العسكرية والأمنية، اللواء علي محسن الأحمر، بعد تكليفه -كما أُعلن حينها- بالإشراف على عملية عسكرية كانت تهدف إلى دحر الحوثيين لكنها لم تكن تستهدف سوى إنهاء دور اللواء الأحمر كثمن مناسب للحوثيين.

 

أنصار جماعة الحوثي يحتفلون بعيد الغدير وفق المذهب الشيعي في معقلهم بمحافظة صعدة (رويترز)

تحديات الشراكة الوطنية

لقد بدا واضحاً أن اتفاق السلم والشراكة، وملحقه الأمني الذي يقضي بانسحاب الحوثيين من المحافظات، وتسليمهم السلاح الثقيل والمتوسط للدولة، يواجه اليوم صعوبة في التطبيق على أرض الواقع، بعد أن قرر الحوثيون فرض سيطرتهم الأمنية على العاصمة، وتخلي الجيش والأمن عن مسؤوليتهما القانونية في حفظ الأمن بالعاصمة.

 

وسيطرة الحوثيين الأمنية على العاصمة شكلت تغطية مكشوفة لعملية تصفية رموز ثورة التغيير والتضييق على القيادات السياسية المحسوبة على الإصلاح، والقيام بعملية استئصال طائفي للتواجد السني في المدينة، على نحو ما رأينا في جامعة الإيمان، والسيطرة على المساجد والجمعيات الخيرية والتعليمية.

 

وقد بدا واضحاً أن التعنت الذي أظهره الحوثيون وحليفهم الرئيس المخلوع صالح، في مسألة تسمية رئيس الوزراء، والتي تأخرت ما يقارب الشهر من التوقيع على اتفاق السلم والشراكة، لم تكن سوى جزء من خطة لتعطيل الاتفاق، وتقويضه، كشفها التمدد الحوثي في المحافظات، في سياق عملية للإسقاط الرمزي للدولة في المحافظات كما في المركز، بما يتيح لهذا الحلف فرصة استعادة السلطة، وتأمين غطاء مناسب لتفكيك الدولة عبر نشاط الحراك الجنوبي، والدخول في معارك مع تنظيم القاعدة.

 

هذه الحزمة من الأهداف -التي يخدم بعضها أجندات خارجية- أحالت اتفاق السلم والشراكة، إلى اتفاق لتسليم الدولة للحوثيين وحليفهم صالح، وأبقت قوى الثورة والتغيير أهدافاً مباشرة للتمدد المليشياوي الحوثي، بل وبررت استمرار التفويض الممنوح للحوثيين وحليفهم، في اجتراح فوضى المواجهات المسلحة وإشاعة الفوضى في أرجاء اليمن.

 

وهذا بالتحديد ما يجعل من إمكانية اتفاق الإصلاحيين والحوثيين على إدارة شؤون الدولة -تأسيساً على اتفاق السلم والشراكة- أمراً مستبعداً، خصوصاً وأن الحوثيين يظهرون ميلاً لعدم الدخول في الحكومة، بعد أن أطمأنوا إلى قدرتهم في التحكم والتأثير من خارج الحكومة، التي يبدو أن الأحزاب السياسية الرئيسية قد تنأى بنفسها عن الدخول في حكومة مسخ تتحكم بها مليشيا مسلحة مطلقة السراح.

 

أنصار جماعة الحوثي يشيعون قتلى من الجماعة قتلوا في تفجير انتحاري استهدف نقطة تفتيش تابعة لهم في وسط صنعاء (أسوشيتدبرس)

اللعب في هامش خطر

بلغ التمدد الحوثي في المحافظات -بغطاء رئاسي وبمباركة ملحوظة، من الدول الراعية المؤثرة في عملية التسوية السياسية- حدود محافظة تعز في جنوبي غربي البلاد، وهي المحافظة التي أعلنت -عبر سلطتها المحلية وحاميتها العسكرية، ووجهائها وأحزابها- رفضها دخول المليشيا الحوثية إليها، ودخلت المليشيا ذاتها في مواجهات شرسة في محافظتي إب والبيضاء.

 

تكتل أحزاب اللقاء المشترك أصدر بياناً قوياً -بعد التمدد المليشياوي للحوثيين وحليفهم صالح في المحافظات- دلّ على استعادة هذا التكتل السياسي لتوازنه، بعد الأحداث الدراماتيكية التي أعقبت سقوط صنعاء. هذا البيان حمل الحوثيين والنظام السابق المسؤولية الكاملة عن نتائج التمدد في المحافظات وما يرافقها من أعمال عنف، وطالب بسرعة تشكيل الحكومة.

 

وبيان كهذا يوجه رسائل قوية للدول الراعية وللرئاسة ويفضح تواطؤها مع الفوضى التي يشيعها الحوثيون والنظام السابق، ولم يعد أمام الرئاسة والراعيين الدوليين والإقليميين للتسوية السياسية، سوى إعادة التسوية إلى مسارها.

 

وكان موقف مدينة تعز الرافض للمليشيات المسلحة، قد أحدث تحولاً عكسياً في مشروع التمدد الحوثي، في حين مثلت المواجهات المحتدمة بين المليشيا الحوثية والقبائل وعناصر من أنصار الشريعة في محافظة البيضاء، مؤشراً على المآلات المفتوحة على أسوأ الاحتمالات.

 

ومن بين هذه الاحتمالات تراجع وربما انتهاء نفوذ المليشيا الحوثية، وفشل مشروع استعادة السلطة الذي تنفذه المليشيا الحوثية بالتعاون مع الرئيس المخلوع، واندلاع حرب أهلية على أساس طائفي قد تقوض أسس العيش المشترك في البلاد، وتعيق بقوة من قدرة اليمنيين على العودة إلى خط التسوية السياسية، وإنجاز استحقاق الانتقال السياسي، والتحول الديمقراطي، على نحو ما نصت عليه مرجعيات التسوية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل الذي اختتم في يناير/كانون الثاني الماضي.

 

وعلينا أن ننتظر الإجراءات التي ستتخذها الدولة بدعم مفترض من الراعين الدوليين والإقليميين، بعد تشكيل حكومة المهندس خالد محفوظ بحاح، وعما إذا كانت ستمثل حدثاً مفصلياً في مسار الأحداث، وعامل تحول إيجابي نحو السلم وخيار الدولة، أم إنها ستضاف إلى الأعباء الملقاة على كاهل اليمنيين؟

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/17-

في عمق المأزق اليمني الراهن

في عمق المأزق اليمني الراهن
نبيل البكيري
كاتب وباحث يمني

 52 عاما مضت بتمامها حتى 26 سبتمبر/أيلول الماضي، هي عمر الجمهورية والدولة "المشلولة" في اليمن، منذ قيام ثورة الـ26 من سبتمبر 1962، التي قضت على واحدة من أسوأ الأفكار الكهنوتية ليس في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي فحسب بل والبشري أيضا.

 

لا أدري أهي مصادفة أم قدر أم مؤامرة -لا فرق- تلك التي تسوق اليمن وشعبها إلى هذا المصير "المجهول" حيث يتم الإجهاز الآن على أعظم ثوراتهم على الإطلاق ثورة سبتمبر، وفي ذات التوقيت زمانا ومكانا لكن بعد 52 عاما من ذكراها الأولى.

 

لتستمر المفارقة في أن ثورة 26 سبتمبر، الثورة الأم في ذكراها الـ52، تجابه نفس من ثارت عليهم بالأمس، محاولين الانقضاض عليها اليوم، مع فارق أن خصمها اليوم هو نفسه بالأمس ولكن باسم جديد وبالمضمون "الكهنوتي" القديم نفسه.

 

نصف قرن هو تاريخ جمهورية اليمنيين، التي ظلوا في صراع دائم لتكريسها واقعا على الأرض، لكنهم وطيلة كل تلك العقود الطويلة من السنوات، لم يكونوا يصارعون سوى مخلفات سلوك وذهنيات تلك الفكرة الكهنوتية الإمامية السلالية، المغلفة بردائها المذهبي  الصارخ.

 

تلك الفكرة التي ظلت عالقة وحاضرة في سلوكيات ولا شعور جل النخبة الحاكمة وبعض المثقفين في جغرافيا المذهب التاريخية، باعتبارهم أصحاب حق إلهي مقدس في حكم اليمن والتصرف به كما يريدون وفقا لصك تمليك سماوي تحت لافتة  "الإمامة والبطنين" الهادوية.

 

نقطة تفتيش أقامتها جماعة الحوثي لمصلى عيد الأضحى في صنعاء (رويترز)

للأسف ما جرى يوم 21 سبتمبر 2014 من أحداث دراماتيكية تمثيلية لم يكن في عمقها الكبير وحقيقتها المدركة لدى نخبة عريضة سوى انقلاب كبير ليس على نضال 52 عاما من الجمهورية فحسب، بل ربما -إذا لم يصح اليمنيون من غفوتهم الراهنة- هو انقلاب ضد نضالاتهم الثقافية والفكرية والسياسية على مدى 1200 عام من نضال اليمنيين ضد كهنوتية هذه الفكرة الثيوقراطية.

 

عنصرية هذه الفكرة "الطائفية" تجاه كل ما هو إنساني فضلا عما هو يمني حميري، كانت سببا رئيسيا لاندفاع عدد من رواد اليمن وأعلامها الكبار كأبي الحسن الهمداني وعلي بن الفضل الحميري حينها إلى خوض صراع مبكر ضدها منذ لحظة مجيء مؤسسها الإمام يحيى بن الحسين الرسي عام 284 هجرية إلى اليمن قادما من الحجاز واستمرار وتيرة ذلك الصراع حتى هذه اللحظة الذي عبر عنه سقوط صنعاء الدراماتيكي وإعادة اليمن نصف قرن إلى الوراء.

 

ليس تشاؤما ما أقوله هنا، لكنها الحقيقة المرة التي يجب أن تقال، وبكل صراحة ووضوح، فواقعية ما أقوله تنطلق من حقيقة ماثلة أمامنا اليوم كواقع لا يمكن تجاوزه، عدا محاولة تسطيحه، بالنظر إلى ما نشاهده على الأرض.

 

حيث تفرض جماعة مذهبية مسلحة ومتمردة كالحوثيين واقعا جديدا بقوة السلاح، ذلك الواقع الذي سيتشكل من تصورها الماضوي المتخلف لكل شيء، ابتداء من عدم إيمانها بالدولة الحديثة أي عدم إيمانها بكل ما تعنيه الدولة فكرة ووجودا وممارسة، فضلا عن عدم إيمانها وقطيعتها مع حداثة هذه اللحظة البشرية جملة وتفصيلا.

 

إننا أمام كارثة حقيقية قد لا يدركها الكثير من المتابعين للمشهد اليمني من بعيد أو غير ذي اطلاع عميق لحقيقة الصراع الدائر حاليا في اليمن، حيث قد يقف البعض عند حدود الحديث عن أن ما تم كان عبارة عن انقلاب عسكري يقع ضمن أجندة الثورات المضادة التي تعيشها دول ما يسمى بالربيع العربي.

 

معارضون لجماعة الحوثي يؤدون صلاة الجمعة في صنعاء احتجاجا على الاجتياح الحوثي للعاصمة (رويترز)

مثل هذا التفسير هو تفسير حقيقي وواقعي إلى حد كبير، باعتباره الجزء الظاهري والفوقي من الحدث، لكن يبقى للحدث بعده الرئيسي والمركزي، ذلك البعد الذي تمثل جوهره بأجندة الفكرة الأم للأصولية "الحوثية" كامتداد فكري وسلوكي لهرطقة "الحق الإلهي" المزعوم للزيدية الهادوية، في حكم الناس واستعبادهم، وهو ما تتبناه هذه الجماعة عقيدة ومذهبا.

 

هذه هي الحقيقة لا سواها لما يجري في اليمن من تحولات دراماتيكية قد تعيد  تخليق معادلة سياسية كهنوتية، كان قد تخلص منها اليمنيون منذ ما يقارب نصف قرن بفعل ثورة 26 سبتمبر 1962، تلك الصيغة الطائفية للحكم التي رزح تحت سطوتها اليمنيون قرونا في صراع دائم ومعارك لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.

 

ما يحدث اليوم وترزح تحته عاصمة اليمنيين صنعاء وفي القرن الواحد والعشرين، من أعمال وتصرفات مشينة ومهينة، تعود بالذاكرة إلى عصر ما قبل الدولة، تُنتهك من خلالها حرمات الناس وخصوصياتهم وتسفك دماءهم، وتُنهب حقوقهم وممتلكاتهم، وقبل هذا كله التدمير الممنهج لصورة الدولة ونسفها من أذهان مواطنيها.

 

بيد أن الأخطر من ذلك كله هو ما تتعرض له مؤسسات الدولة المختلفة عسكرية وأمنية ومدنية من نهب وسلب وتدمير، تقوم به مليشيا جماعة الحوثي التي بدت وكأنها تمارس ثأرا تاريخيا مع اليمنيين.

 

كل هذا الذي يجري والناس في حالة من الذهول مصدومون من هول فاجعة السقوط المريب لعاصمتهم التي سقطت بصورة مثيرة، تكشف عن عمق الأزمة ومدى خطورة التداعيات التي ستليها، عاجلا وآجلا ليس على اليمن فحسب بل على المنطقة كلها.

 

متظاهرون في مدينة عدن الجنوبية يرفعون علم اليمن الجنوبي أثناء الانفصال (رويترز)

فما حدث لا يمكن تصوره، كحدث عابر ومفاجئ للمراقبين عن قرب، ولا يمكن عزل ما جرى ويجري عن  مختلف أبعاده تاريخيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا أيضا كأبعاد متشابكة ومعقدة، لا يمكن نظمها باتجاه واحد، لولا عمق التأثير الخارجي الخليجي غيابا وتواطؤا والإيراني الأمريكي فاعلية وحضورا.

 

لذا ليس من السهولة أن يلجأ البعض إلى تسطيح ما حدث على أنه نتاج أزمة اقتصادية آنية، اتخذت الجماعة من ذلك شعارا ومطلبا لما سمي بأزمة رفع الدعم عن المشتقات النفطية، فيما هذه ليست سوى القشة التي قصمت ظهر بعير اليمنيين، باتخاذها مبررا وشعارا جاهزا لتجنيد وحشد الأنصار والبسطاء.   

 

فلما حدث يمنيا تفسير جدلي يتشابك فيه الديني والسياسي، لا يخطئه  الرائي من هذه الزاوية، بعكس الرائي من أي زاوية أخرى، كالبعد الاجتماعي الذي كان هو الآخر عاملا أكثر تفسيرا لما حدث بعيدا عن المنظور والبعد الديالكتيكي للأحداث.

 

إجمالا، جهود عدة تكالبت وساهمت في تفجير الأزمة وتمظهرها بما رأيناه من أحداث عبثية، كانت وحدها نظرية المؤامرة على هشاشتها الأقدر على تفسير ما جرى بشكل أكثر تبسيطا ووضوحا، يصعب فهمه من قبل قطاع عريض من الناس من غير هذه الزاوية الأقرب إلى المنظور الآني والمشاهد.

 

حيث تفسر لنا تلك النظرية أن سقوط صنعاء كان هدفه شبه المعلن هو تنفيذ المخطط الإقليمي خليجيا وإيرانيا والدولي أميركيا وغربيا، المتمثل بضرب تنظيم الإخوان المسلمين ممثلا بحزب التجمع اليمني للإصلاح، بواسطة العصا الإيرانية ممثلة بجماعة الحوثي.

 

مصلون في صلاة الجمعة بالعاصمة صنعاء معارضون لانتشار الحوثيين في المدينة (أسوشيتدبرس)

لكن الإصلاحيين، وفي اللحظات الأخيرة من بدء تنفيذ المخطط، تمكنوا من كشفه وإفشاله، وهو ما أربك جميع الخصوم، مما أدى بجماعة الحوثي إلى الاجتهاد خارج المتفق عليه خليجيا وأميركيا، بلجوئها مباشرة لتنفيذ النص الإيراني، المتمثل بإسقاط صنعاء وفقا لما رُسم هناك، وأكده مندوب طهران في البرلمان الإيراني علي رضى زكاني، وبهذا تمكنت طهران من سحب الملف اليمني من بين يدي المملكة والخليج، وربما بدعم وغض الطرف الأميركي.

 

ومثل هذا التحليل هو ما تفسره بوضوح تداعياته، داخليا وخارجيا، حيث حدث بحجم ما جرى من سقوط عاصمة دولة بيد مليشيا بطريقة تراجيدية كهذه، تتكشف خباياه وكواليسه، بالنظر إلى ردود الفعل من حوله، فسقوط صنعاء على ضخامته وهوله للأسف لم يلق ذلك الصدى من خطابات الإدانة والاستنكار، لا من قريب ولا من بعيد، وكأن شيئا لم يحدث.

 

وبالتالي ما نراه ورأيناه لا يعني سوى أحد أمرين، فإما أن ما جرى حدث طبيعي عابر، وهو هنا من منظور المنطق السياسي ليس كذلك، وبالتالي وراء الأكمة ما وراءها من صفقات الكواليس السياسية وطبخاتها.

 

الأمر الثاني، وهو هنا الأهم، أن ما حدث لصنعاء من سقوط عُقدت على أنقاضه اتفاقية "هزلية ومهينة" كانت أشبه بعقد استلام وتسليم، ولا تفسير لذلك غير هذا، وبالتالي كان الصمت الدولي هو علامة الرضى والمباركة لما تم، وتداعيات ما حدث، تكرس واقعية مثل هذا الافتراض ومنطقيته، شئنا أم أبينا.

 

يمني يؤدي رقصة تقليدية بالقرب من بيت الحجر قرب صنعاء (الأوروبية)

وبالتالي ما جرى لم يكن سوى كارثة مدوية حلت باليمنيين، إيذانا بإنهاء مرحلة وبدء أخرى تقتضيها توجهات دولية وتحولات إقليمية دراماتيكية للأحداث قد تدفع باليمنيين خمسين عاما إلى الوراء إن لم يكن أكثر.

 

تخوف كهذا يعززه إعلان أحد قيادات الجماعة الحوثية وناطقها الرسمي مؤخرا محمد عبد السلام من أن المبادرة الخليجية صارت جزءا من الماضي، مما يعني أن ما عرفت باتفاقية السلم والشراكة الوطنية الموقعة عشية سقوط صنعاء ستحل مرجعية للمرحلة وعقدها الاجتماعي، حتى إشعار آخر، حسب زعيم الجماعة في أحد خطاباته الأخيرة.

 

وما قامت به جماعة الحوثي من إسقاط لمؤسسات الدولة ونهب مقدراتها المختلفة لتفرض بذلك واقعا سياسيا محكومة بغلبة القوة، ليس سوى المقدمة التأسيسية للمرحلة القادمة التي ستغيب فيها كل أشكال العمل السياسي المدني، وسيخضع الجميع لصوت واحد ولون واحد من التفكير والتأطير المجتمعي الذي ستفرضه هذه الجماعة بقوة السلاح.

 

معادلة سياسية كهذه وواقع سياسي وثقافي مغاير بل مناقض أيضا لما أمله اليمنيون لا شك أنه يشكل انتكاسة كبيرة لطموحاتهم التي قامت من أجلها ثوراتهم من فبراير/شباط 1948 حتى فبراير/شباط 2011، بكونه واقعا سيئا يعكس حجم الخيانات والمؤامرات التي سيبقى واقع ثوراتهم مرهونا لها ولأجندات الفاعلين الرئيسيين التي تقف بالضد من ثورات اليمنيين وطموحاتهم المشروعة حتى إشعار آخر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/17-

الحوثي.. البحث عن حاضنة شعبية

الحوثي.. البحث عن حاضنة شعبية

 

عارف أبو حاتم
كاتب وصحفي يمني

ربما كانت حرب الحوثيين (أنصار الله) على قرية دماج الصغيرة في الأشهر الأخيرة من العام الماضي نموذجاً مصغراً لاختبار قابليتهم في المجتمع اليمني، فدماج -القرية الصغيرة والمركز الرئيسي لطلاب العلم الشرعي السلفي- صمدت وقاومت، بل كادت تنتصر، وتسجل ملحمة استثنائية بهزيمتها لجماعة مسلحة تمتلك عتادا عسكريا ضخما، وخبرات إيرانية كبيرة في قتال العصابات وحروب الشوارع.

 

ورغم الحسابات الخاطئة لشيخ السلفيين يحيى الحجوري الذي رفض التسويق الإعلامي لقضيتهم، ومنع تصوير جثث الضحايا بحجة حرمته، وتمكّن الحوثي من التقاط الفرصة وتصوير جثث خصومه ونقلها للرأي العام على أنها لأنصاره الذين قتلهم السلفيون، رغم ذلك تعاطف الشارع اليمني مع أهالي دماج وساندهم وأمدهم بالمال والسلاح، وفرضت القبائل المجاورة حصاراً خانقاً على محافظة صعدة، معقل الحوثيين.

 

لتكون المفاجئة النهائية أن الحوثي ينتصر، بينما السلفيون لم يهزموا فقط، بل تم تهجيرهم من ديارهم في حادثة هي الأولى من نوعها، هندس لها وأدارها الرئيس هادي، مبرراً ذلك بضغط دولي "غربي-خليجي" فُرِضَ عليه للتخلص من الجماعة السلفية التي توفر بيئة خصبة لنمو الجماعات الإرهابية.

 

تلك الحرب كانت "ترمومترا" لقياس مزاج الشارع اليمني ومدى تقبله لجماعة باتت تجاهر بتشيعها لإيران.

 

تظاهرة في صنعاء منددة باجتياح الحوثيين للعاصمة بالقوة المسلحة (أسوشيتيد برس)

الجبل يحكم الوادي

حروب الجماعة الحوثية المشتعلة منذ مطلع الشهر الجاري في محافظات الحديدة، وإب، والبيضاء، والتهديد باقتحام محافظتي مأرب وتعز، هي أولى حروب الجماعة ضد مناطق المذهب الشافعي، حيث تنحصر مناطق المذهب الزيدي في محافظات إقليم آزال (ذمار، صنعاء، عمران، صعدة) ومحافظة حجة من إقليم تهامة، ما عدا ذلك فاليمن كله شافعي. وتجب الإشارة إلى أن مناطق الزيدية لم تعد كلها متمسكة بمذهبها، بسبب تمدد الفكر السلفي الوهابي، ودور المعاهد العلمية التي أسسها الإخوان المسلمون واستمرت تعمل في مناطق الزيدية أكثر من 25 عاما.

 

ومثلت البطالة والفقر رافعتين أخذتا الناس إلى عربات الحروب الحوثية، ودفعتا بهم إلى القتال، ليس لأجل الانتصار، ولكن لأجل لقمة العيش. ولو لم تدفع الحركة الحوثية بسخاء لمقاتليها لما بقي أحد في صفوفها، فضلاً عن توزيعهم ضمن مجاميع شعبية، تتكون كل مجموعة من مقاتلين ينتمون إلى مناطق شتى، حتى لا يشعروا برهبة الموت عند فقدان بعضهم، فالجندي في الجيش النظامي يشعر بالحزن على رفيق دربه إذا قتل، لكن في حروب العصابات يكون التعارف عابراً.

 

وغياب الحاضنة الشعبية للجماعة الحوثية في المناطق الشافعية هو ما يفسر وجود المقاومة الشرسة ضدها في تلك المناطق، وتاريخياً كل الحروب التي شهدها اليمن كانت تنزل من الجبال والمرتفعات الزيدية إلى بطون الأودية والسهول في المناطق الشافعية، وجميع الذين تعاقبوا على حكم اليمن في العصرين القديم والحديث كانوا من سكان المناطق الجبلية، وكأننا أمام نظرية "الجبل يحكم الوادي".

 

ولا تزال ذاكرة الناس تتوارث مشاهد الظلم والعبودية والإذلال التي مارسها حكام الأئمة ضد اليمنيين في كل اليمن، مما جعل تلك الذاكرة السوداء تقف عائقاً كبيراً أمام التمدد الحوثي، أو التفكير بالعودة إلى الحكم.

 

قوات من الحرس الرئاسي اليمني في استعراض بحفل تخرجهم (غيتي)

صالح يربك المشهد

برغبة المنتقم، قدّم الرئيس السابق رجاله وماله وثقله للعضلة الحوثية العمياء، ليضرب بها خصومه السياسيين الذين أطاحوا بعرشه عام 2011، خاصة حزب الإصلاح واللواء محسن وأبناء الأحمر.

 

وربما يستفيد صالح من هذا التحالف التكتيكي مع الحوثيين في إضعاف خصومه أولاً، ورفع معدلات كراهية الشارع اليمني للحوثيين ثانياً، وثالثاً زيادة احتقان المواطنين تجاه الرئيس هادي الذي لم يرونه منذ سقوط العاصمة يوم 21 سبتمبر/أيلول الماضي، ثم يظهر صالح كبطل ومنقذ من كل هذا الدمار.

 

صحيح أن هذا السيناريو بعيد لكنه وارد، فالقوة التي يقاتل بها الحوثي الآن أكثر من ثلثيها هم من المنتسبين إلى الحرس الجمهوري الذي كان يقوده العميد أحمد نجل الرئيس صالح، فضلاً عن دور متعاظم لقيادات حزب صالح (المؤتمر) في إسقاط المحافظات.

 

وقد ظل استقرار اليمن طيلة أربعة عقود مرهونا بتحالف صالح والإصلاح، ومنذ أن انشق تحالفهما قويت الكيانات المسلحة الضعيفة كالقاعدة والحوثيين، وإن كان تيار صالح ليس مبرّأ من دعمها.

 

وأتوقع عودة هذا التحالف تكتيكياً، فالإصلاح مضطرٌ له لكسر قوة الحوثيين وتحجيم نفوذهم المتسارع، وصالح محتاج إلى التحالف قبل أن تسيطر القوة الحوثية وتتجه نحوه، وهو يعرف يقيناً أن الحوثيين سيأخذون بثأرهم منه، فهو من وجه بقتل الزعيم المؤسس حسين بدر الدين الحوثي وعدد من أفراد أسرته.

 

والحديث عن عودة التحالفات القديمة أو قوة الجماعات المسلحة سببه غياب شخصية الرئيس هادي وسوء إدارته، وسماحه للفساد بالتغول، والحضور الكثيف لسلفه صالح في أغلب مؤسسات الدولة، ومنح هادي الثقة المطلقة لوزير الدفاع اللواء محمد ناصر أحمد، وهو الذي لا يختلف اثنان عن تسليمه لمعسكرات الدولة ومخازن الدفاع للجماعة الحوثية.

 

وهناك روايات متواترة لكبار الضباط الذين انصاعوا أو رفضوا بأن وزير الدفاع وجههم بالتسليم الكلي للحوثيين. وفي كل مرة لا ينسى التأكيد أنه ينفذ توجيهات "القائد الأعلى رئيس الجمهورية"، مما يثبت أن هادي نفسه أداة تنفيذية للمشروع الأميركي الإيراني، وأنه قبل بذلك الدور منذ زيارته لولاية كليفلاند يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 2011، أي قبل أربعة أشهر من رئاسة البلاد.

جنود الجيش اليمني يتلقون الورود من المواطنين قبل ذهابهم لمعارك مع الحوثيين في صعدة (الأوروبية)

"القاعدة" تهدد المستقبل

كل المؤشرات تقول إن شتاء اليمن سيكون ساخناً نتيجة الحروب التي تشتعل وسط البلاد، ودخول تنظيم القاعدة على خط المواجهة بين مليشيات الحوثي المسلحة واللجان الشعبية في محافظتي إب والبيضاء ينذر بحرب أهلية طويلة المدى تهدد مستقبل اليمنيين.

 

فالنفوس عندما تتشرب العنف والدماء، وتتجه نحو التنفيذ والقتل باسم الله وفي سبيل الله وابتغاء مرضاة الله، لا يمكن لها أن تتمدن وتعود إلى طبيعتها السوية، إلا بعد جلسات تشذيب نفسية ومراجعات ومناصحات فكرية عميقة، وهو ما يشير إليه الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون بقوله "لا أستطيع الدخول إلى عقل شاب مستعد أن يفجر نفسه آلاف القطع دفاعاً عن معتقده".

 

واليوم، الولايات المتحدة بكل ثقلها العسكري والاستخباراتي، ومن خلفها المجتمع الدولي، تحاصر مائة شاب جهادي في جزيرة معزولة بخليج غوانتانامو، لأنها تعتقد أن هؤلاء القلة يمثلون خطراً على كل العالم، فكيف لدولة ذات بنية هشة كاليمن أن تقبل بتشكل جماعات إرهابية تستثمر غضب الناس ونقمتهم تجاه الحوثيين، وتحشد في صفوفها المتدينين الذين يعتقدون "بكفر الحوثيين الروافض".

 

وقبل الحشد لقتال الحوثيين يتساءل الناس: ماذا جاء برجال الحوثي من صعدة البعيدة (500 كلم شمال إب) إلى هنا؟ ومما جاؤوا يحرروننا؟ لماذا بعد كل عملية تفجير لمنازلنا يصرخون "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل؟"، هل نحن في معتقدهم صهاينة وجب قتالنا، أم هو تنفيذ عملي لأكبر عملية عسكرية أميركية إيرانية تحمل الاسم الفارسي "شخم زدن زمين"، أي "حرث الأرض". والآن يؤدي الحوثي دور المقاول، فيحرث الأرض ويرهب أهلها، وغداً سيزرعها وفقاً للرؤية الإيرانية التي تعادي أميركا إعلامياً فقط.

 

شاب يمني يحتفل بالذكرى الثالثة للثورة اليمنية على طريقته (الأوروبية)

مأرب.. عصب الحياة

ظهيرة يوم الثلاثاء 21 أكتوبر/تشرين الأول الجاري رفضت قبائل مأرب وجهة قبلية قادتها قبائل خولان لرفع النقاط الأمنية عن مداخل المحافظة والسماح للحوثيين بالدخول، ووصفت قبائل مأرب الحوثي بالعدو الذي يريد نهب واحتلال محافظتهم كما فعل بغيرها.

 

والحقيقة التي لا شك فيها أن رغبة الحوثيين في السيطرة على مأرب أمر محسوم منذ وقت مبكر، وسبق للقيادي الحوثي حسين العزي أن قال للرئيس هادي على هامش إحدى جلسات مؤتمر الحوار "نريد محافظة فيها نفط وأخرى فيها ميناء"، فرد هادي بأن نأن "تقسيم الأقاليم جاء حسب رؤية خبراء ولا يمكن مخالفة رؤيتهم"، فرد العزي "إذاً سنتوسع بطريقتنا، وبعدين تعالوا راجعونا".

 

فقد كان الحوثي يطمح إلى ضم محافظات شمال الشمال الواقعة على شريط الحدود الجنوبية للسعودية (مأرب والجوف وصعدة وحجة) في إقليم واحد، وهي محافظات فيها ثروات هائلة، حيث تمثل مأرب الشريان الاقتصادي لليمن، ومنها يأتي 45% من النفط و95% من الغاز، وفيها الكهرباء الغازية التي تغطي تسع محافظات بينها العاصمة. وفي الجوف ثروة غازية هائلة وقليل من النفط، فضلاً عن احتوائها نصف آثار اليمن. أما صعدة فأرض خصبة تغذي اليمن بمنتجاتها من البرتقال والتفاح والرمان، بينما تضم حجة ميناء ميدي البحري، ومزارع مانجو شاسعة، ومنفذ حرض الحدودي مع السعودية.

 

تشييع جثمان حسين الحوثي زعيم جماعة الحوثيين الذي قتل في تفجير عام 2013 (رويترز)

شماعة الوحدة

يوم الأربعاء 22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري غادرت لجنة صياغة الدستور إلى الإمارات في رحلة عنوانها الاستفادة من تجربة الإماراتيين في النظام الاتحادي، أما في حقيقتها فهي السعي لإيجاد مواد دستورية تضمن إرضاء الجنوبيين بصلاحيات مستقلة في إطار الدولة الاتحادية، ووضع البلاد في إقليمين فقط بدلاً عن ستة، وفقاً للحدود الشطرية السابقة.

 

يأتي هذا خاصة بعد أن لوح الجنوبيون بعصا الانفصال وأمهلوا أبناء الشمال العسكريين والمدنيين لمغادرة الجنوب قبل إعلان الاستقلال من جانب واحد نهاية نوفمبر/تشرين الثاني القادم، وهو الشهر المزمع إعلان الاستقلال في الثلاثين منه، كما أعلن الاستقلال عن الاستعمار البريطاني في ذات التوقيت من عام 1967.

 

والتفكير الجدي بالانفصال يعني دخول الجنوب في زوبعة حرب أهلية لن تخمد نيرانها على المدى البعيد، نتيجة عدم وجود شخصية جنوبية جامعة، وتصارع عدد من الأقطاب المسنودة من الخارج على تولي الزعامة، فضلاً عن مخزون تجارب دموي ومتوحش، بعضه لا يزال في جدران المدن إلى اليوم.

 

أما موقف القوى السياسية الداخلية من فك الارتباط فهو شبه محسوم لصالح بقاء الوحدة، وتشعر دول الخليج بالخوف من وجود يمن ممزق بشرعيتين وحكومتين وسفارتين في كل قُطر، وهو ما تؤكد عليه الدول الغربية وقرارات مجلس الأمن، مما يعني أن شرعية الانفصال مخذولة، ولن تحظى بسند أو دعم محلي أو خارجي.

 

وحين أعلن الحراك الجنوبي الشعبي يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري رغبته في الانفصال وأحرق علم دولة الوحدة، كان لافتاً إحراق شعارات وصور زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، في تأكيد مبكر أن الجنوب لن يكون حاضناً شعبياً لفكر جماعة تبكي على الحسين وتبحث عن حقها الإلهي في الحكم، ليكون الرد الحوثي على الجنوبيين برفع شعار "الوحدة أو الموت".

 

ومثلما تخلق الجماعة الحوثية مبرراً سياسياً لقتالها في المحافظات، ربما يكون الدفاع عن الوحدة هو عنوان قتالها في الجنوب، رغم أنه مستبعد في الوقت الراهن، ذلك أن التحرك الإيراني يمكنه إسقاط الجنوب سياسياً عبر شراء ولاءات القيادات الجنوبية المتواجدة حالياً في بيروت وأبو ظبي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/17-

التحالف اليمني ضد "القاعدة"

التحالف اليمني ضد "القاعدة"

 

نصر الدين عامر
كاتب صحفي يمني

لا يحق لأحد أن يسمي ما تقوم به اللجان الشعبية (أو أنصار الله أو جماعة الحوثي) من تحرك في المناطق الوسطى -حتى لو وصل الحال إلى التحرك في المناطق الجنوبية- تدخلاً أو توسعاً أو غير ذلك، خاصة أن الطيران الأجنبي يعربد في سماء اليمن بذريعة مكافحة الإرهاب، واتضح لمعظم أبناء الشعب اليمني أن تلك العناصر "الإرهابية" ما هي إلا ذريعة لاحتلال البلاد، وهي نفسها من وفرت الذرائع لاحتلال أفغانستان والعراق، واليوم توفر ذرائع جديدة في اليمن وليبيا وسوريا.

 

وما تقوم به هذه العناصر "الإرهابية" في اليمن لا يختلف عما تقوم به تلك العناصر في سوريا والعراق من ذبح وسيطرة على نطاق جغرافي واسع, وهو ما كان سيحدث في اليمن لو لم تتدخل اللجان الشعبية في أكثر من محافظة يمنية.

 

ولا يمكن لأحد القول بأن ذلك صعب الحدوث أو مجرد ادعاء طالما شاهدنا محافظة أبين وهي تسقط تحت سيطرة ما تسمى القاعدة, وشاهدنا الذبح في حضرموت للجنود بالطريقة المقززة التي انتهجتها تلك العناصر في كل مكان وجدت فيه، إضافة إلى جرائم عديدة مثل اقتحام مقرات مناطق عسكرية ووزارة الدفاع وذبح مرضى مستشفى العرضي وغيرها من المخططات التي كانت ستكون أبشع، وسيتم استخدامها كذريعة لقبول التدخل الأميركي العسكري على غرار العراق وسوريا.

 

وهنا يمكننا القول بأن اللجان الشعبية أنقذت اليمن من تدخل أميركي دولي على غرار ما يحدث في العراق وسوريا تحت ذريعة محاربة القاعدة, فكان التدخل يمنيا خالصا، وتحالفا يمنيا محلي الصنع والإرادة, وبهذا فإن اللجان الشعبية أنقذت ما تبقى من السيادة اليمنية المنتهكة أصلاً بذريعة القاعدة.

 

رقصة شعبية يؤديها أبناء القبائل في محافظة صعدة معقل الحوثيين (الأوروبية) 

دور الجيش

قد يقول قائل إن الجيش هو المخول بهذه المهمة وليس "أنصار الله" أو اللجان الشعبية, وهنا بإمكاننا أن نقول: هذا صحيح، ولكن عندما يكون الجيش نفسه غير مخترق من قبل القاعدة, وهذا ما لا ينكره أحد حتى الجيش نفسه, بل إنه وصل الحال بالجيش إلى أن يكون الضحية الأولى لتلك العناصر الإجرامية, وقد شاهد الجميع كيف تم التنكيل بمنتسبي الأمن والجيش بالاغتيالات اليومية والقتل والذبح المتلفز والمصور, ناهيك عن عامة أبناء الشعب بمختلف مشاربهم السياسية والمذهبية بدون استثناء.

 

وفي مثل هذه الحالة كان لزاماً على كل يمني أن يكون له موقف، وأن يتدخل على وجه السرعة ليقف في وجه هذا العبث بكل شيء في اليمن، حتى بالأرواح, وهنا لا ينبغي أن نفصل بين أبناء الشعب من عسكريين ومدنيين، خاصة أن منتسبي اللجان الشعبية من المدنيين والعسكريين، والفرق بينهم وبين الجيش بتركيبته العسكرية الرسمية أن اللجان الشعبية تملك قرارها الجاد في مكافحة العناصر الإجرامية المسماة بالقاعدة. كما أن اللجان ليست مخترقة من قبل تلك العناصر, بينما الجيش والأمن لا يملكون القرار السياسي الحقيقي الذي يعطيهم الغطاء الكامل لحسم المعركة, بالإضافة إلى حالة الاختراق التي يعاني منها الجيش على مستوى القيادة العليا من قبل تلك العناصر.

 

ولهذا فإننا نلمس النتائج القوية لتحرك اللجان الشعبية التي تتحرك اليوم بالتنسيق والتعاون مع بعض وحدات الجيش على الواقع وليس في الإعلام, وعدم مواجهة الجيش للجان الشعبية يثبت ذلك, وإن كان يروق للبعض وصف هذا التعاون بالخيانة, ولكنه في النهاية دليل تعاون بين الجيش واللجان الشعبية.

 

عناصر من الحوثيين يتلقون درسا دينيا في مقرات الجماعة (الأوروبية)

التفرد بالحكم

أما بالنسبة للحكومة التي لم تولد بعد, فإن المهمة ستكون أمامها صعبة, وما تقوم به اللجان اليوم يخفف عنها من الأعباء التي تنتظرها. ومن وجهة نظري، لا علاقة لما يجري اليوم باختبار نوايا الحكومة التي لم توجد بعد لتختبر نواياها.

 

ومما يحسب لأنصار الله ويعزز من الثقة الشعبية فيهم كقيادة مناسبة للثورة, هو عدم انجرارهم إلى المحاصصة التي كان يراد لهم أن يدخلوها، كما تورطت فيها قيادة ثورة 2011 التي لم يكن أنصار الله حينها في الصدارة رغم مشاركتهم في فعالياتها.

 

ويؤكد هذا الموقف تمسكهم بعدم المشاركة في الحكومة التي هي نتاج ثورة هم المحرك لها رغم كل الإغراءات, وهو موقف يثبت عكس ما كان يشاع ويقال من قبل البعض بأنهم يسعون للتفرد بالحكم بقوة السلاح, وهو ما لم يحدث.

 

فالرئيس هادي ما يزال هو الرئيس رغم عدم مشاركتهم في الانتخابات التي أوصلته إلى الحكم كمرشح وحيد, وما إن أطاح الثوار بفرقة علي محسن الأحمر حتى سارع أنصار الله إلى التوقيع على اتفاق السلم والشراكة الذي كان معداً من قبل إسقاط الفرقة, وما زال أنصار الله يتمسكون بعدم المشاركة في الحكومة خلال هذه الفترة ليثبتوا أنهم ليسوا أصحاب تفرد بالسلطة، حتى وإن كانوا الأقوى وأصحاب الشرعية الثورية.

يذهب البعض كالعادة إلى الحديث عن التحالف بين أنصار الله وبين صالح, وهذا الحديث القديم الجديد لم يكن مقبولا قبل سقوط الفرقة, لأن الإصلاح والمؤتمر هم من كانوا يتقاسمون الوزارات في الحكومة مع بعض الفتات لبقية الأحزاب المتحالفة مع الطرفين، في حين لم يشارك أنصار الله في الحكومة على الإطلاق.

 

ولكن ما يجعل البعض يصدق مثل هذا الكلام اليوم، أن اللجان الشعبية التي يقودها أنصار الله لم تتعرض لصالح وأولاده وأفراد عائلته أثناء اقتحامها للفرقة ونصب النقاط العسكرية لها في صنعاء. وبينما يعتبر البعض ذلك دليلا على وجود تحالف ما، يعتبره الكثيرون دليلا على صدق نوايا أنصار الله في التغيير الحقيقي، بعيداً عن النزعة الانتقامية التي كان يعتقد البعض أنهم سيمارسونها ضد صالح، لكونه الرئيس الذي خاض ضدهم ست حروب طاحنة هو ومحسن الأحمر.

عنصر من تنظيم القاعدة يرفع علم التنظيم في محكمة أمن الدولة بصنعاء (أسوشيتيدبرس)

ولعل الفرق بين تعاطيهم مع صالح وتعاطيهم مع محسن أن الأخير تزعم مواجهة الثورة الأخيرة، بالإضافة إلى تزعمه لكل الحروب والعمليات التي كانت تستهدف أنصار الله من بعد ثورة 2011 التي كان يتمنى أنصار الله أن تكون بداية صفحة جديدة يحاولون من بعدها تناسي جراح الماضي. إلا أن محسن لم يغتنم تلك الفرصة وظل يتزعم الجبهة ضد أنصار الله والقوى التي لم تخضع لرغباته.

 

وفي ذات الوقت فإن أنصار الله لم يمنحوا صالح أو غيره الحصانة, بل صرح ناطقهم الرسمي بأن العدالة هي من تقرر مصير صالح وليس أنصار الله، وهذا دليل جديتهم في بناء دولة.

 

ولكن في نفس الوقت لو مارس صالح أي أعمال من شأنها إعاقة الثورة أو العبث بالملف الأمني الذي يعتبر صالح محترفا في اللعب به, فإن الثورة سيكون لها موقف حازم تجاهه وتجاه أي تحرك من هذا النوع، لصالح أو لغيره.

 

لا يستطيع أحد أن ينكر أن ما تقوم به وسائل الإعلام المحرضة ضد أنصار الله من محاولة إثبات التحالف بين أنصار الله وصالح، قد دفع بأنصار الرئيس السابق إلى أحضان أنصار الله وإلى ساحاتهم.

 

كما أن التوسع الكبير لأنصار الله -الذي لم يقتصر على قواعد صالح بل طال حتى قواعد الاشتراكي والناصري وغيرها من الأحزاب، حتى وصل إلى قواعد الإصلاح في بعض المناطق- جعل البعض يشك بأن هناك تحالفا بين صالح وأنصار الله. والحقيقة أن أنصار الله توسعت قاعدتهم الشعبية على حساب الجميع، وبالأخص على حساب المؤتمر.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/17-

مستشار الرئيس اليمني: الحوثيون أيقظوا النزعات الانفصالية باليمن

مستشار الرئيس اليمني: الحوثيون أيقظوا النزعات الانفصالية باليمن

 

حاوره/  سمير حسن - صنعاء

 

أثارت سيطرة مسلحي جماعة أنصار الله (الحوثيون) على المناطق والمدن اليمنية واحدة تلو الأخرى، وتسليم الجيش قواعد ومقار عسكرية للحوثيين دون أي مقاومة، أسئلة عديدة عن أبعاد التوسع الحوثي وأسباب سقوط المدن والمعسكرات بيد الحوثيين، نناقشها في هذا الحوار مع الدكتور فارس السقاف مستشار الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي:

 

إلى أين تمضي الأوضاع باليمن؟

ربما لا يستطيع أحد أن يتنبأ بالتأكيد إلى أين يمضي اليمن، ولكن أعتقد أن البلد يتجه إلى مفترق طريقين إما أن يمضي بسلاسة في إطار تنفيذ السلم والشراكة الوطنية، وإما أن يصبح هناك انسداد سياسي وينفتح على أبواب سيناريوهات الحرب والتقسيم والتشظي، وهو وضع أشبه بسيناريو العراق مثلا لا سمح الله.

 

والأمر كله مرهون بما سيقدم عليه أنصار الله (الحوثيون)، وهم الآن في الظاهر من يحددون هذا المستقبل.

 

الواقع على الأرض يشير إلى أن الحوثيين بصدد ابتلاع الدولة اليمنية، هل نحن أمام تشكل خريطة جديدة للحكم في اليمن؟

 

لا أعتقد بأن الحوثيين سينفردون بالحكم, أو أن بإمكانهم السيطرة على جميع المحافظات اليمنية، فهذا أمر مستبعد لأن هناك تعقيدات كثيرة, وسيقف أمامهم الجنوب بكامله.

 

هم الآن سيطروا على خريطة جغرافية ربما هي حاضنة لهم إلى حد ما، أما في الجنوب وفي تعز فهناك تعقيدات ومستوى آخر من التعامل، لن يكون بنفس الآلية التي تمت بها في تلك المناطق.

 

أعتقد أن الحوثيين لن يصلوا إلى أكثر مما وصلوا إليه الآن من المكاسب السياسية والميدانية على الأرض. وأنهم سيكتفون بهذا القدر ويكرسون أنفسهم في العملية السياسية، وبعد سنوات ربما يلجؤون إلى حركة أخرى تحقق لهم مكاسب جديدة. لكن الآن لا أعتقد ذلك لأن في طريقهم عقبات كبيرة.

 

عنصر من الأمن اليمني موالي لجماعة الحوثي في مظاهرة احتجاجية أمام رئاسة الحكومة (الفرنسية)

يلاحظ أن معسكرات الجيش ومقار عسكرية تسلم دون مقاومة رسمية، وأن مدنا يمنية تفتح أبوابها وشوارعها لمسلحي جماعة "أنصار الله"، فهل تعاون نظام الرئيس هادي مع الحوثيين لفرض سيطرتهم وإفشال الثورة وإفرازاتها؟

 

التوصيف قد لا يكون بهذه البساطة، ولا ينطبق على القول بأن سقوط صنعاء أو المعسكرات، أو تداعي الجيش وانهياره، كان خيانة أو مؤامرة. كل هذه التسميات والألفاظ تعبيرات غير صحيحة.

 

إذاً كيف نفسر هذا التهاوي المريع للمدن والمعسكرات وسقوط العاصمة صنعاء بيد الحوثيين؟

 

ما حدث هو أن الحوثيين استغلوا هذا الظرف القائم بجيش متعدد الولاءات في اليمن، وأيضا هم انتقلوا من منطقة إلى أخرى بأبناء تلك المناطق من أصحاب النفوذ من المشايخ والقيادات العسكرية.

 

والصحيح أنه قد حصل تواصل مبكر مع هذه القيادات التي ما إن دخلت قوات الحوثيين صنعاء -بعد أن بقيت قرابة الشهر على منافذ العاصمة- حتى سلمت لها ولم تقاوم، ولهذا سيطرت على الأمر وفرضت الأمر الواقع الموجود الآن، ثم تعاملت معه الدولة ووزير الدفاع ووزير الداخلية على اعتبار أنهم يتعاونون مع هؤلاء وينسقون معهم، بحيث ألا يتغول هؤلاء على الدولة ويبقوا عليها ولو شكلياً ثم بعد ذلك ينخرطون في تنفيذ اتفاق سلم وشراكة وطنية، لاسيما في ملحقه الأمني والعسكري وبعد ذلك تستعيد الدولة اعتبارها وسيطرتها على البلاد.

 

والآن يجب أن نستدرج الحوثيين إلى تنفيذ اتفاق السلم حتى يتحولوا إلى حزب سياسي، وحتى يكون لديهم خطاب سياسي وبرنامج سياسي، ويتخلوا عن السلاح ويسلموه في جدول زمني متواز مع بقية الجماعات المسلحة.

 

لكن في حال أن الحوثيين استمرؤوا هذا الأمر وهذا التوسع وبقوة السلاح وبقيت قضية مخرجات الحوار والعمل السياسي السلمي مؤجلة، فأعتقد أنهم سيوقعون أنفسهم في فخ، وهم الذين سيسقطون حتماً، وعمّا قريب، إذا استمروا على هذا المنوال.

 

على الصعيد الإقليمي والدولي، هل تعتقد بوجود دور داعم لتحركات الحوثيين؟

 

لا نستطيع أن ننفي أن هناك صلة إقليمية ودولية بهذا الموضوع، فالدور الإقليمي ربما استمزج التخلص من قيادات ورموز إخوانية في حزب تجمع الإصلاح التابع للإخوان المسلمين بأجنحته العسكرية والقبلية والدينية التي سيطرت بشكل أو بآخر على المشهد، وهذه الرموز وتلك الأجنحة تهاوت وتم إخراجها من المشهد السياسي.

 

في المقابل يحارب المجتمع الدولي القاعدة، فقام الحوثيون برفع هذه اللافتة، ورأى المجتمع الدولي والإقليمي في جماعة الحوثي أداة للتخلص من القاعدة، في سياق حربه الآن على تنظيم الدولة الإسلامية، وقد توفرت وتهيأت كثير من الظروف وساعدت الحوثيين على التقدم في ظل هشاشة الدولة والنظام.

 

من آثار قصف الحوثيين لمدرسة في عمران (رويترز)

تدهور الأوضاع الأمنية إلى مستويات غير مسبوقة في الشمال، أحيا النزعة الانفصالية لدى الجنوبيين، هل اليمن مقبل على حالة تشظ؟

 

أعتقد أن الحوثيين لا يشجعون الانفصال، لكنهم أيقظوا تلك الآمال والمشاعر بالانفصال وأصبحت حقيقية. والجنوبيون يرون أن الوقت مناسب لطرح قضيتهم بقوة، وحتى أصبح بعضهم يصرح بأنه إذا أردت تحقيق مطالبك فعليك اللجوء إلى القوة والعنف كما فعل الحوثيين، بينما القضية الجنوبية سياقاتها مختلفة، ولا يمكن أن يقبل الجنوبيون باللجوء إلى السلاح لأن هذا سيقضي على القضية الجنوبية العادلة.

 

الآن أمامنا اختبار وتحد كبيران، إذا استمرت العملية السياسية ونجح اتفاق السلم والشراكة أعتقد أن الجنوب سيؤجل مشروع الانفصال ليحقق في هذه المرحلة المتقدمة مطالبه من خلال مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، التي ضمنت له ما لا يقدر على تحقيقه ولو قضى ردحاً من الزمن.

 

ما حقيقة تحالف الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح مع الحوثيين؟

 

هذا التحالف بدا واضحاً ولم يعد يحتاج إلى أدلة، والرئيس صالح بقي في الحكم فترة طويلة امتدت نحو 33 عاما، وهي فترة جيل بأكمله، كما أنه لا يزال موجوداً في تفاصيل البنية القبلية والاجتماعية والقوات المسلحة والأمن، وحتى من خلال حزب المؤتمر الشعبي العام.

 

وربما كان الخطأ الذي أصاب العملية السياسية في مقتل أن القوى المنتصرة في ثورة فبراير/شباط 2011 أعطته الحصانة وجعلته شريكا في الحكم بالمناصفة، ومع أنه يأخذ النصف في الحكومة اليمنية كان النصف الآخر أيضا معه بالغالبية.

 

وفي طريقنا إلى التحول كانت هناك العراقيل والعوائق التي ينثرها في طريق التسوية السياسية، ولهذا فهو استغل تلك الإمكانات كلها (في الجانب العسكري والأمني والقبلي والاجتماعي والسياسي).

 

ما طبيعة وأهداف هذا التحالف؟

 

الحوثيون وجدوا في صالح حليفاً تكتيكياً واستفادوا من وجوده ونفوذه، وربما تحاشوا أن يفتحوا معه جبهة وهادنوه، لكن لا أعتقد أن هذا التحالف إستراتيجي وطويل الأمد.

 

الحوثي يستفيد من تلك الإمكانات ولا يريد أن يفتح جبهة، وفي المقابل الرئيس السابق علي صالح ليس لديه مشروع، وربما فقد الأمل في عودته أو إعادة نجله إلى الحكم، واكتفى الآن من وراء هذا التحالف بالانتقام، وهو انتقام ذاتي من خصومه السياسيين، الذين أطاحوا به من على سدة الحكم في ثورة فبراير/شباط 2011.

 

مقر التجمع اليمني للإصلاح إثر قصفه من قبل الحوثيين في عمران (الأوروبية)

الآن بعد تسمية فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات الخاصة باليمن صالح ونجله أحمد وزعيم جماعة الحوثي وشقيقه وأبو علي الحاكم بوصفهم متهمين بعرقلة التسوية السياسية في البلاد، هل تفلح هذه العقوبات في استقرار الوضع؟

 

هناك من يقول إن اللجنة الأممية ستفرض عقوبات، وهناك من يرى أن هذا الأمر صعب جدا ويحتاج إلى وقت، وأعتقد أن العملية السياسية في اليمن خذلها المجتمع الدولي من هذه الناحية طويلاً، فلا هو دعم اليمن دعماً حقيقياً ولا حتى ألزم المعرقلين ومنعهم من الاستمرار في إعاقة العملية السياسية. بينما كان قادرا على فعل ذلك ولكن ليست هناك من إرادة سياسية.

 

ربما الآن هناك مخاوف من توسع الحوثيين الذين بدؤوا عملياً بالتحرك من صنعاء إلى البحر غرباً، وتعزيز وجودهم على طول الشريط الساحلي باتجاه مضيق باب المندب الحيوي، هل يأخذ الصراع بعدا إقليميا؟

 

عندما يقال باب المندب قد يكون من باب المبالغة، لكنه أمر قد لا يكون مستبعداً، والآن قضية اليمن أصبحت في الطريق للأقلمة والتدويل أيضا. والآن الإقليم استيقظ وصحا من نومه على هذه القوة وكان يفترض أن يراها وهي تنمو وتتطور وتقوى، وقد سمعنا من دول الخليج وهي تقول لن نقف مكتوفي الأيدي.

 

وسمعنا من باحثين ومراكز دراسات خليجية من يطالب بالتدخل، وحتى التدخل العسكري بمظلة الجامعة العربية، ومن يقول نتدخل تدخلا اقتصاديا وعسكريا متوازيا.

 

من يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأمور في اليمن؟

 

اليمن يعاني من مشكلة اقتصادية كبيرة وجمود لعدم تحرك عجلة التنمية، وكان لا يستطيع دفع رواتب العسكريين والمدنيين، والمسؤولية ليست مسؤولية الرئيس هادي، فهو تسلم السلطة في وقت مطلوب منه أن ينجز العملية الانتقالية، ومحكوم بمبادرة خليجية، وآلية تنفيذية وقرارات مجلس، أي أنه وضع كرئيس دولة في وضع غير طبيعي.

 

وماذا عن حكومة الوفاق وبقية القوى السياسية؟

 

الأحزاب السياسية والقيادات العسكرية والقبلية هؤلاء كانت في يدهم دولة وكان في يدهم مشروع بناء دولة متكاملة يؤيده المجتمع الدولي، ولديهم كل مقومات النجاح, لكنهم ضيعوا هذه الفرصة، وانشغلوا بالمحاصصة والمكاسب السياسية والمالية والعسكرية والإقصاء، ونسوا الثورة وأعادوا إنتاج النظام السابق.

 

هل ما زال بالإمكان تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني أم إن التطورات على الأرض قد تجاوزت هذا الأمر؟

 

التطورات العسكرية والأمنية إذا استمرت على ما هي عليه لا يمكن أن يتم تحقيق أي من مخرجات الحوار الوطني. وأنا أعتقد أن الأمر مرهون بجماعة أنصار الله، وهؤلاء ينبغي أن يلتزموا الآن باتفاق السلم والشراكة الوطنية. وينبغي أن تشكل الحكومة الآن بسرعة والالتزام بعد ذلك بالملحق الأمني والعسكري والأمور الأخرى.

 

عندما نعطي فرصة للسياسة ستختفي هذه المظاهر المسلحة والعمليات العسكرية والانفلات الأمني. وأعتقد أن مخرجات الحوار ستطبق لأن الجميع مقر بها وخاصة فيما يتعلق بالقضية الجنوبية، وحتى تسليم السلاح وتحول الحوثيين إلى حزب سياسي.

 

كل شيء ممكن، لكن في ظل التوافق والأمن والاستقرار. أما إذا استمرت هذه الأوضاع، فهناك مسافة بعيدة بيننا وبين تحقيق مخرجات الحوار.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/17-

تقارير منوعة

تقارير منوعة

 

وخارج الملف اليمني، نعيش مع احتجاجات هونغ كونغ التي امتدت لأسابيع، في قراءة تحليلية لهذا التحرك، وهل هي بحث صادق عن الديمقراطية أم استفزاز للتنين الصيني؟ ومن أوكرانيا يضعنا تقرير أمام تتار القرم المسلمين وموقفهم من الأزمة السياسية في أوكرانيا وتطلعهم للمستقبل.

 

ويطلعنا تقرير ميداني على تجربة إذاعية للمسلمين في أوغندا، كما يروي لنا تقرير آخر من تركيا قصة فتاة تمسكت بقناعاتها بارتداء الحجاب وعانت في سبيل ذلك كثيرا، إلى أن تغيرت القوانين بما يخدم قضيتها.

 

ومن الساحة السورية المشتعلة منذ سنوات، نحاور العقيد رياض الأسعد قائد الجيش السوري الحر حول قضايا الساعة في سوريا.

 

وفي ذكرى انطلاقة الجزيرة الـ18، ننقل شهادة مراسلين عاشوا تجربة الاعتقال في مصر وسوريا، كنموذجين قريبين من الثمن الذي ما زالت الجزيرة تدفعه في سبيل تمسكها بالمهنية والمصداقية على مدى رحلتها الإعلامية.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/17-

احتجاجات هونغ كونغ ..ديمقراطية أم ابتزاز؟

احتجاجات هونغ كونغ  ..ديمقراطية أم ابتزاز؟

 

سامر علاوي - هونغ كونغ

فجرت الإصلاحات التي أدخلتها الصين على النظام السياسي في هونغ كونغ موجة احتجاجات بدأت طلابية ثم ما لبثت في الأسبوع الأخير من سبتمبر/أيلول الماضي أن كسبت زخما كبيرا بإعلان منظمات وحركات سياسية عن حركة أطلقت عليها "احتلوا مركز المدينة" (Occupy Central)، وهو حي التجارة والأعمال في هونغ كونغ، لدعم مطالب الطلاب الديمقراطية.

 

وكان المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني أقر يوم 31 أغسطس/آب الماضي إجراء تعديلات دستورية وقانونية، أبرز ما شملته اعتماد النظام الانتخابي (صوت واحد لكل ناخب)، واختيار لجنة صينية موسعة مرشحيْن أو ثلاثة مرشحين لمنصب رئيس السلطة التنفيذية بدلا من تعيين اللجنة رأس السلطة في هونغ كونغ، وفق النظام المعمول به منذ عودة المستعمرة السابقة إلى السيادة الصينية عام 1997. لكن الطلاب الذين رفضوا الإصلاحات الصينية، ومعهم أساتذة جامعيون وسياسيون مخضرمون، يطالبون بنظام انتخابي حر دون وصاية من بكين.

 

الحراك في هونغ كونغ قاده الطلاب وعززته المنظمات السياسية المؤيدة للديمقراطية (الجزيرة)

بلد واحد ونظامان

يرى البعض أن المشكلة تتعلق بعدم فهم الجيل الجديد سياسة بلد واحد ونظامين سياسيين مختلفين للصين وهونغ كونغ، وهو ما يصفه المحتجون بالوعود التي قطعتها الصين لهونغ كونغ، في إشارة إلى اتفاقية 1993 بين الصين وبريطانيا التي تضمن بقاء هونغ كونغ ديمقراطية ورأسمالية بعد عودة السيادة عليها للصين.

 

ويتفق كثير من الخبراء السياسيين في هونغ كونغ على أن القرارات الصينية بتقييد النظام الانتخابي لا تلبي رغبات سكان هونغ كونغ، لكنهم يختلفون في كيفية التعامل معها ومعالجة تداعياتها، حيث إن القرار الذي أعلن عنه يوم 31 أغسطس/آب الماضي صادر عن أعلى هيئة تشريعية في البلاد، هو المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، وقراراته غير قابلة للنقض.

 

وفي المقابل فإن سقف مطالب المحتجين، ويتقدمهم الطلاب، يبدو مرتفعا جدا ولا يمكن تحقيقه، ومن هنا كانت التنازلات، فقد اشترطوا بداية لفض اعتصامهم استقالة رئيس السلطة التنفيذية وسحب الصين قراراتها واعتذارها لشعب هونغ كونغ. وهي مطالب جوبهت برفض من قبل الصين وحكومة هونغ كونغ، ثم عاد المحتجون وتبنوا شروطا بديلة للحوار، وهي أن تكون المحادثات على نفس المستوى بين الطلاب والحكومة وأن تعترف الصين بنتيجة المحادثات وتلتزم حكومة هونغ كونغ بتنفيذها.

ثورة المظلات تسمية أخذت اسمها من الاحتماء بالمظلات في مواجهة قذائف الفلف الحار والغازات المسيلة للدموع (الجزيرة)


حمل العصا من الوسط

تبدو المشكلة من وجهة نظر أستاذ الاتصال الجماهيري تشيز تشوي شو نابعة من شعور عام بتهميش شعب هونغ كونغ بسبب عدم مشاركته في وضع النظام الانتخابي لعام 2017. وأدت هذه الحالة إلى تراجع الثقة ليس فقط بين المتظاهرين والحكومة، وإنما كذلك بين أطياف المجتمع، مما يهدد بانقسام حاد من الصعب توقع عواقبه، وبذلك تبلورت ثلاثة مواقف تجاه أزمة هونغ كونغ:

 


الأول: حمل العصا من الوسط، وعبر عنه تشوي شو في حديثه للجزيرة نت أن النظام المقترح بالاختيار من بين اثنين أو ثلاثة مرشحين أفضل من التعيين المعمول به حاليا، وإن كان الإطار المقترح لا يمثل ديمقراطية كاملة، وأن شريحة واسعة تعتقد أنه تعيين للمرشحين من قبل بكين.

 

ويشاركه الرأي المحلل السياسي روبرت تشو يونغ الذي تبنى موقف الصين بضرورة أن يكون رأس السلطة في هونغ كونغ وطنيا صينيا، وهو الإطار الذي وضعته بكين لانتخاب رئيس السلطة التنفيذية، ويرى يونغ أن يكون الحوار ضمن هذا الإطار لبناء تفاهم وطني يفضي إلى مصالحة إن لم يكن إجماعا وطنيا، وأن تتم عملية الإصلاح بالتدريج.

 

الثاني: يعتبر أن حكومة هونغ كونغ ناقصة الشرعية، وأن بكين لم تقدم أية بادرة حسن نية لخفض التوتر وتقليل درجة الاحتقان، وعبر عن هذا الموقف منسق التحالف من أجل الديمقراطية جوزيف تشين، وهو أحد ثلاثة أساتذة جامعيين يقفون وراء حملة "احتلوا وسط المدينة". ويقول إن الشباب يطالبون بالعدالة والديمقراطية معا، وإن الأزمة لن تحل إلا باستجابة الصين وسلطات هونغ كونغ لمطالبهم، مشبها "ثورة المظلات" بثورات الربيع العربي، وأن تدخل الشرطة والأمن لإجلاء المعتصمين لن يشكل حلا لأنهم سيعودون بموجة تلو أخرى من الاعتصامات حتى تتحقق مطالبهم.

 

ويؤكد هذا الموقف مارتين لي عضو المجلس التشريعي السابق في هونغ كونغ الذي شبه الإطار الانتخابي المقر لهونغ كونغ بالنظام الإيراني وفيتو تشخيص مصلحة النظام وولاية الفقيه، وقال إن الحل يكمن في أن تثق بكين بشعب هونغ كونغ وتفي بوعودها التي تأجلت أكثر من عشر سنوات.

 

الثالث: يرى أن المحتجين لن يحققوا أيا من مطالبهم، وأن ما يسمى بالتحرك الديمقراطي مدفوع من الخارج، وأن هونغ كونغ ليست بحاجة إلى ثورة وإنما تنمية وإصلاح، وهي وجهة نظر رسمية عبرت عنها رئيسة معهد سافانتاس لدراسة السياسات. وتقول ريجينا لاو سوك يي في تصريحات للجزيرة نت إن هونغ كونغ لا يمكن أن تحكم بتحريك الجماهير وتجمعات غير قانونية.

 

وتصف المحتجين بأنهم أقلية بين مجتمع يزيد تعداده عن سبعة ملايين نسمة، وتضيف وزيرة الأمن الداخلي سابقا أن المحتجين أبلغوا صوتهم وأن عليهم اللجوء للحوار إذا ما كانوا جادين في حل المشاكل العميقة في هونغ كونغ، وتطالبهم بالالتزام بالديمقراطية في الإطار الذي يقره الدستور، معتبرة أنهم سيصلون إلى قناعة بأن مطالبهم غير واقعية.

الصلوات المسيحية لم تتوقف حتى وصفها البعض بالثورة الإنجيلية (الجزيرة)



ثورة دينية

يشكل البعد الديني أحد الأبعاد اللافتة في احتجاجات هونغ كونغ، فرغم أن الصلوات المسيحية لا تكاد تتوقف في ساحات الاعتصام حتى وصفها البعض بالثورة الإنجيلية، فإن الإعلام الغربي تجاهل هذا البعد وركز على رمزية المظلة والمطالب الديمقراطية التي تتبناها. وهو ما أثارته بوضوح النسخة الآسيوية من صحيفة وول ستريت جورنال في أحد تقاريرها، وقالت إن كثيرا من قادة المظاهرات هم مسيحيون رغم أن غالبية السكان لا دينية أو بوذية.

 

فمحرك المظاهرات جوشوا ونغ (17 عاما) هو إنجيلي بروتستانتي، واثنان من قادة احتلوا مركز هونغ كونغ التجاري كاثوليكيان، والمطران راعي كنيسة هونغ كونغ السابق يناصر الاحتجاجات، وأضافت الصحيفة أن الكنسية ضالعة إلى حد الكبير في مجتمع هونغ كونغ، بينما يرى الحزب الاشتراكي الصيني أن المسيحية تشكل تحديا مستقبليا في كسب ولاء المواطنين الصينيين.



هناك من يربط بين توقيت احتجاجات هونغ كونغ وقمة التعاون الاقتصادي الآسيوي الباسيفيكي (آبيك) المرتقبة في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والتي من المقرر أن يحضرها الرئيس الأميركي باراك أوباما، حيث كانت مسألة حقوق الإنسان حاضرة في جميع المحادثات الصينية الأميركية منذ مظاهرات تيانامين في بكين عام 1989.

 

ولم يستبعد محللون سياسيون أن تكون أحداث هونغ كونغ محاولة للضغط على الصين في ملفات خارجية مثل الملف النووي الإيراني قبل قمة آبيك، لكن يبدو أن الصين حسمت موقفها بالتأكيد المتكرر على أن احتجاجات هونغ كونغ شأن صيني داخلي.

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/17-

تتار القرم.. أقلية تنشد ماضيها في المستقبل

تتار القرم.. أقلية تنشد ماضيها في المستقبل

 

محمد صفوان جولاق - كييف

 تؤكد كتب التاريخ أن إقليم شبه جزيرة القرم كان ولاية تتبع لدولة الخلافة العثمانية في أجزائها الشمالية، وكان يعيش فيها نحو 4 ملايين نسمة من التتار المسلمين.

 

لكل أعداد التتار تراجعت بحدة بعد سيطرة القيصرية الروسية على الإقليم أواخر القرن الثامن عشر، ثم بعد قيام الاتحاد السوفيتي، الذي هجر جميع التتار قسرا إلى دول آسيا الوسطى وشمال روسيا في العام 1944م بحجة الخيانة خلال الحرب العالمية الثانية.

 

ويشير د. أمين القاسم الباحث في تاريخ القرم والمنطقة إلى أن التهجير تم في عربات قطارات مخصصة لنقل الحيوانات، وفي ظل برد شديد أدى إلى مصرع  وفقد ما لا يقل عن 300 ألف منهم.

 

ثم صادر الاتحاد بيوتهم وأراضيهم ليوزعها على فئة "العمال الكادحين" الذين قدم معظمهم للعيش في القرم من روسيا، كما هدم وأحرق معظم مدارسهم ومساجدهم، أو حولها إلى مقرات حكومية ومتاحف.

 

من تظاهرة العام الماضي في ذكرى التهجير - طالب التتار خلالها بحقوقهم المؤجلة منذ استقلال أوكرانيا وعودتهم (الجزيرة)

ما بعد العودة

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال أوكرانيا عام 1991، بدأ مشوار عودة من بقي على قيد الحياة من التتار، ليواجهون تحديات تتعلق بإثبات الجنسية، وقضايا تتعلق باستعادة الأراضي والممتلكات والمدارس والمساجد، إضافة إلى قضايا إنقاذ وحفظ اللغة والهوية.

 

سيران عريفوف رئيس الهيئة التشريعية في اتحاد المنظمات الاجتماعية "الرائد" -أكبر مؤسسة تعنى بالمسلمين في أوكرانيا- حدث الجزيرة نت عن هذه القضايا، فقال إن السلطات المتعاقبة لم تستطع إلا حل قضية الجنسية، لكنها أخفقت بإيجاد حلول لجميع القضايا الأخرى.

 

وأوضح عريفوف أن معظم التتار ينتمون إلى طبقة الفقر، ويسكنون القرى النائية البعيدة أو القريبة من بيوتهم وأراضيهم التي سلبت منهم أو من أجدادهم، والسلطات المتعاقبة لم تعد إليهم الممتلكات، ولم تقدم لهم أي تعويض.

 

وفي سياق آخر، أشار عريفوف إلى أن شريحة واسعة من التتار "ذابت سلبا في مجتمع المهجر والمجتمع الأوكراني"، ففقدت لغتها وجوانب عديدة من هويتها وعاداتها وتقاليدها التترية الإسلامية، الأمر الذي يعتبر من أكبر التحديات التي يواجهها التتار كأقلية لا يزيد تعدادها اليوم عن 500 ألف نسمة من أصل نحو 2.5 مليونا في الإقليم.

 

يبلغ تعداد تتار القرم نحو نصف مليون نسمة (الجزيرة)

معايير الغرب

لم تفلح أعوام الاستقلال الأربع والعشرون بإيجاد حلول لقضايا التتار، وبقي معظمها معلقا بآمال تبعث عند كل تغير سياسي تشهده البلاد، ورهن وعود وتعهدات لم تتحقق.

 

وجد التتار في مساعي تطبيق المعايير الاجتماعية الأوروبية خيرا، فأيد معظمهم تقارب البلاد مع الغرب بعدا عن روسيا، وكانوا من أنصار الثورة البرتقالية 2004، ومن مؤيدي الأحزاب والقوى الموالية للغرب عند كل انتخابات، كما أيدوا احتجاجات الـ"يوروميدان" في ميدان الاستقلال وسط العاصمة كييف وغيرها من المدن.

 

للجزيرة نت قال علي حمزين رئيس قسم العلاقات الخارجية في مجلس شعب تتار القرم -أبرز مؤسسة تترية ذات طابع سياسي- قال إن التتار نشدوا استعادة حقوقهم بتطبيق معايير دول الاتحاد الأوروبي، فضمان حقوق الأقليات من أبرز شروط الاتحاد للتقارب مع أوكرانيا، كما يقول.

 

أطفال ينشدون لجداتهم في حفل تكريمي لأنهن حفظن جزئا من الهوية (الجزيرة)

صفعة واضطهاد

ضم القرم إلى روسيا أواسط شهر آذار/مارس، بعد استفتاء مثير للجدل لم تعترف به معظم دول العالم، وشكل صفعة قوية للتتار، بخرت آمالهم باستعادة الحقوق والأمجاد.

 

حمزين أشار إلى أن الأنظمة الموالية لروسيا، ومنها نظام الرئيس المعزول فيكتور يانوكوفيتش، لم تكن معنية بقضايا التتار، لأن روسيا عارضت أي حلول قد تحملها أعباء اجتماعية واقتصادية كوريثة رئيسية للاتحاد السوفييتي.

 

واعتبر أن روسيا عرقلت بنفوذها وضغوطها أي إرادة ومساعي للحل من قبل نظام الحكم البرتقالي الموالي للغرب 2005-2010، والسلطات القرمية التابعة لها حاليا تعادي التتار وتمارس الاضطهاد ضدهم، لأنهم وقفوا ضد الانفصال عن روسيا، ومع وحدة وسيادة أراضي أوكرانيا.

 

اضطهاد يرى التتار أنه بدأ بحظر قائمة طويلة من الكتب الإسلامية بحجة محاربة التطرف والإرهاب، مرورا بحملات دهم وتفتيش لعدة بيوت ومساجد ومراكز دينية، وانتهى مؤخرا بمصادرة مجلس شعب تتار القرم.

 

ويلمح مصطفى جميلوف رئيس المجلس السابق إلى سعي روسي لإجبار التتار على الهجرة مجددا، لكن يؤكد أن التتار لن يتركوا وطنهم الذي ضاقوا مرارة البعد عنه في السابق.

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/17-

"بال" إذاعة المسلمين للمسلمين في أوغندا

"بال" إذاعة المسلمين للمسلمين في أوغندا

 

عبد الفتاح نور - كمبالا / أوغندا

 

تعمل إذاعة "بال" الإسلامية بأوغندا التي تأسست عام 2011 في أوضاع مهنية صعبة للغاية، فهي ضمن أربع محطات إذاعية على تردد "إف إم"  تحمل الهوية الإسلامية في بلدٍ يمتاز بالتنوع العرقي والديني، ولا تتلقى الإذاعة دعماً مالياً كافياً لمزاولة عملها الإعلامي.

 

وقامت إذاعة "بال" التي تعني "اللؤلؤة" استجابةً لرغبة جمهور المسلمين في العاصمة الأوغندية، بعد أن لاحظوا وجود إذاعات معادية تعمل على نشر معتقداتها وسط الأوغنديين، وهو ما عجّل  بتأسيس إذاعة  "بال" التي تمتاز بالوسطية، حسب مسؤولي الإذاعة.

 

تمتاز إذاعة بال بالوسطية في تناولها للقضايا، ومعالجتها أيضا للأمور في منظور ديني لا يثير الفتن، أو يحتقر الآخر الذي يخالفهم في المعتقد، كما يقول القائمون عليها، وهو ما منح الإذاعة احترام المسلمين، حسب مراقبين.

 

وتواجه إذاعة "بال الإسلامية" العديد من التحديات، يأتي في مقدمتها شح التمويل، وغياب جهة ممولة، كما تعد نشاطات الإذاعات المعادية من أكبر تحدياتهم.

 

برامج ثقافي لإذاعة بال الإسلامية في أوغندا (الجزيرة)

غياب التمويل

ويقول عبد الكريم كاليسا مالك المحطة لمراسل الجزيرة نت إن غياب التمويل يؤثر على رسالة الإذاعة بصورة أساسية، "لأننا نعمل في بيئة تتطلب امتلاك كل المقومات من أجل التأثير على الرأي العام".

 

وأضاف كاليسا أن مصادر التمويل الحالي للإذاعة تنحصر في الإعلانات التجارية والدعايات، وهما مصدران لا يكفيان لتسيير عمل الإذاعة ما لم توجد جهة رسمية تنفق على المحطة، وتقدم لها كل الإمكانيات الممكنة من أجل نشر الفكر الإسلامي وتعزيز الهوية الأفريقية والعربية.

 

ودعا كاليسا إلى تشجيع الإعلام الهادف الذي يعزز الهوية ويحافظ على تماسك المجتمع المسلم في أوغندا، وفي حال توقفت المحطات الإسلامية عن العمل، ستخلو الساحة لمن يمتلك مقومات وإمكانيات ضخمة لنشر أفكاره المعادية.

 

ولتفادي ذلك اقترح كاليسا تخصيص ميزانية لتأسيس شركات وقفية لمسلمي أوغندا، حتى يصرف ريعها في أوجه الخير المختلفة، ويأتي الإعلام الهادف في مقدمة المشاريع الضرورية لمسلمي أوغندا، لأهمية الإعلام في الدفاع عن الإسلام.

 

وأضاف قائلا "لا يمكن أن تستمر إذاعتنا في ظل غياب التمويل الذي نعاني منه، وأعرف جيدا أن الإعلام لا يستغني عن جهة ممولة، خذ مثلا جريدة "الرسالة" التي كنت أتولى رئاسة تحريرها فقد توقفت عن الصدور بسبب غياب التمويل".

 

مشاركون في برنامج مسابقة شهر رمضان الذي تذيعه بال في كل يوم الشهر الفضيل (الجزيرة)

تميّز وتفرد

ويعمل في إذاعة بال الإسلامية 40 إعلاميا وإعلامية يشتغل معظمهم مذيعين ومذيعات للأخبار، ومقدمي برامج دينية كالتفسير والحديث والوعظ الديني، مع طاقم من المراسلين منتشرين في معظم أقاليم أوغندا.

 

ويقول المدير التنفيذي للمحطة أبو بكر كيسمبو إن برامج الإذاعة يطغى عليها الجانب الديني، ويشترطون للإعلامي الذي يتعاقد معهم أن يكون ملما بالشرع بالقدر الذي يستطيع به إيصال رسالة الإسلام إلى عامة الأوغنديين.

 

وأشار كيسمبو إلى أن إذاعتهم تعمل على مدار الساعة، وتبث برامجها باللغة الأوغندية المحلية والسواحلية والإنجليزية والعربية، ولها جمهور عريض من المستمعين في برامجها الدينية المتخصصة.

 

وأوضح كيسمبو للجزيرة نت أن التميز والتفرد في نقل الأخبار وتناول البرامج الدينية هو سر استمرارهم ونجاحهم رغم قلة الدعم، لأنهم كما قال كيسمبو ينافسون 220 محطة إذاعية مختلفة هي مجموع الإذاعات التي تعمل في أوغندا.

 

مشاركة في برنامج مسابقة شهر رمضان المبارك (الجزيرة)

برامج باللغة العربية

وتخصص إذاعة بال ساعات من بثها الأسبوعي لتعليم العربية للناطقين بغيرها، ويعمل في هذا القسم إعلاميون تخرجوا في الجامعات العربية في كل من السودان ومصر والسعودية، مع طاقم من مدرسي العربية بالجامعة الإسلامية بأوغندا.

 

إمام أحمد كييوتي شاب أوغندي درس اللغة العربية في أوغندا، ويعمل مع الإذاعة مذيعا للبرامج العربية، يتحدث كييوتي العربية بطلاقة، ويقول للجزيرة نت إن القسم العربي بالإذاعة حديث النشأة، وتهدف إدارة الإذاعة إلى تعليم الأوغنديين أساسيات اللغة العربية، "لأن ذلك يعينهم على فهم دينهم وممارسة شعائرهم الإسلامية".

 

وذكر كييوتي أن عددا من الإعلاميين الأوغنديين يساعدونه في تقديم برنامجه الشهير "تعلم اللغة العربية عبر إذاعة بال". ويستضيف كل أسبوع أحد محاضري قسم اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بأوغندا.

 

ويقول كييوتي إن هذا البرنامج يحظى بإقبال الأوغنديين ويتفاعلون معه، خاصة أنهم يسمحون للمستمع بالاتصال مع ضيوف البرنامج والتحدث معهم بالعربية، ويقوم الضيف بتصحيح الأخطاء الشائعة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/17-

"حجاب كارامان".. صراع الهوية بتركيا

"حجاب كارامان".. صراع الهوية بتركيا

      خليل مبروك - إسطنبول

 

 بين تراثها الإسلامي وواقعها العلماني الذي ثبت النظام الجمهوري أركانه باللوائح والقوانين، ما زالت تركيا تفتش عن هويتها بين حجاب ترتديه فتاة في المرحلة الثانوية، وتاريخ تدرّسه أكاديمية أمضت 14 عاما في رحلة البحث عن شهادتها الجامعية.

 

تلك هي حكاية فكرية كارامان، مدرّسة التاريخ في جامعة إسطنبول شهير التي ما كانت تدرك في طفولتها أن انجذابها لقراءة الكتب الدينية سيحدد شكل مستقبلها، ويحولها إلى باحثة عن الحرية في رحلة بحثها عن فرص التعليم.

 

ولدت كارامان لعائلة مسلمة غير محافظة في مدينة أدرنة ذات الطابع العلماني، وبدأت تقرأ عن الإسلام بمحض الصدفة أثناء دراستها في المرحلة الثانوية، فأقبلت على الصلاة وتلاوة القرآن الكريم وأخذت ترتاد المكتبة لتلاوته لعدم وجود المصحف الشريف في بيتها.

 

تقول كارامان للجزيرة نت "كلما كنت أقرأ كنت أزداد معرفة بالدين وتمسكا به، أدركت شيئا فشيئا أن الربا وشرب الكحول والعلاقات بين الجنسين خارج إطار الزواج أمور محرمة في الإسلام".

 

فكرية كارامان تمسكت بهويتها وقناعتها بالحجاب حتى عدلت حكومة العدالة والتنمية القانون (الجزيرة)

صدام الهوية

دخلت كارامان مرحلة "صدام الهوية" مع مجتمعها حين ارتدت الحجاب لأول مرةٍ وهي في السنة الرابعة من دراستها الثانوية "طاعة لأمر الله"، ولأنها أرادت أن تبدو بهويتها الجديدة، لكن تنفيذ هذه الرغبة لم يكن بالأمر السهل في أدرنة بسبب البيئة والعائلة والمجتمع الرافضين للفكرة.

 

انتقلت كارامان إلى مدينة كوتاهية المحافظة حيث كانت إدارات المدارس والجامعات هناك تتجاوز عن قانون منع ارتداء الحجاب المعمول به في تركيا منذ قيام الجمهورية، لكن معارضة عائلتها لارتدائها الحجاب تصاعدت مع التحاقها بالجامعة عام 1997.

 

تتذكر كارامان جيدا كيف تجاوزت تلك المرحلة من مسيرتها بقولها "أجبرت على الخروج دون حجاب، فأصبت بمرض جراء الضغط النفسي، واضطرت عائلتي لتليين موقفها من حجابي خشية على سلامتي".

 

كانت فكرية قد أنهت عامين من الدراسة في جامعة كوتاهية بعد انقلاب 28/2/1997، لكن التضييق زاد على المحجبات عام 1999، وأصبحن يمنعن من دخول بوابات الجامعة، فاضطرت لترك الدراسة دون أن تفهم وهي ذات الثمانية عشر ربيعا علاقة الانقلابات العسكرية والشؤون السياسية بحريتها في اختيار لباسها.

 

وتتحدث كارامان عن الصدام الأول بين قناعاتها وتحولات السياسة بقولها "لم يكن لدي وقتذاك أي معرفة بالسياسة أو احتكاك بقضاياها، وكانت كل حياتي واهتماماتي محصورة بالفن والأدب والشعر، ولكن بعد الانقلاب وجدت نفسي في مواجهة مباشرة مع إدارة الدولة التي أرادت منعي من الظهور بالمظهر الذي أريده".

 

طالبات في إحدى الفصول الدراسية بجامعة إسطنبول شهير (الجزيرة)

الخيارات المرة

كانت كارامان تشعر بضغط نفسي واجتماعي كبيرين لتركها الجامعة، ولم تخبر عائلتها بالأمر طوال سنة كاملة، وأخذت تبحث عن عمل حتى حصلت على وظيفة الإشراف على سكن للطالبات الجدد في ذات الجامعة التي طردت منها.

 

تسرد فكرية تفاصيل تلك التجربة بالقول "كنت أعيش مع طالبات أصغر مني بسنتين فقط يدرسن في الجامعة واخترن خلع الحجاب لمتابعة الدراسة، وأراهن يذهبن للجامعة وبينما أبقى في السكن للعمل".

 

بحثت كارامان عن فرص جديدة للتعليم، واختارت الهجرة للدراسة في جامعات البوسنة والهرسك، وتمكنت من جمع تكاليف السفر أواخر العام 2003، فغادرت رغم معارضة عائلتها التي رفضت مساعدتها ماليا.

 

اصطدمت كارامان بمشكلتي اللغة وتدني المستوى الأكاديمي، فعادت الأدراج في نيسان 2004، واختارت الإقامة في إسطنبول على العودة إلى مدينتها لتجنب مزيد من الضغوط، فعملت في كثير من المهن لتأمين لقمة عيشها واحتياجاتها.

 

النساء المحجبات يشاركن بفاعلية في المظاهرات الاحتجاجية في تركيا (الأوروبية)

إلى آسيا

حصلت كارامان على وظيفة مع بعثة هيئة الإغاثة التركية إلى كشمير عقب زلزال 2005، فاتجه تفكيرها إلى دول آسيا، وقبلت للدراسة في باكستان عام 2006، لكن حلمها تبخر على أبواب السفارة الباكستانية في أنقرة التي رفضت منحها تأشيرة الطالب، قائلة إن الحكومة التركية تمنع مواطنيها من الدراسة في باكستان.

 

عملت لمدة عام في بلدية إسطنبول، فتعرفت زميلتها عائشة، خريجة الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، والتي نصحتها وساعدتها على الالتحاق بتلك الجامعة لتسافر إليها في يوليو/تموز 2007.

 

كان مجلس التعليم العالي التركي قد قرر بعد الانقلاب إلغاء الاعتراف بشهادات الجامعة الإسلامية في ماليزيا والجامعة الإسلامية في باكستان وجامعة الأزهر، باعتبار هذه الجامعات ذات طابع إسلامي واضح يجعلها غير ملائمة للمنهج الغربي في التعليم المتبع في تركيا.

 

لكن فكرية لم تكن تملك خيارا سوى مواصلة الدراسة هناك حتى حصلت عام 2011 على شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع والعلوم السياسية بمرتبة الشرف العليا ولقب أفضل طالب للعام 2011، ونالت جائزة ابن خلدون في علم الاجتماع، وهي الطالبة التركية الوحيدة التي نالت الجائزة في تاريخ الجامعة.

 

وتتحدث كارامان عن دراستها في ماليزيا فتقول "كانت مرحلة جيدة، لأن الناس كانوا يحترمون قناعاتي ومظهري ولا ينبذونني لأجل فكري الذي أحمله".

 

طالبات محجبات في جامعة إسطنبول شهير (الجزيرة)

العودة

ما أن أنهت دراستها حتى قررت كارامان العودة لتركيا التي أعادت الاعتراف بشهادات الجامعات الإسلامية، وحصلت على وظيفة للتدريس في إحدى الجامعات بسبب تفوقها في دراسة البكالوريوس، لكن العرض تطلب منها أن تخلع حجابها بشكل كامل، فرفضت مجددا.

 

حصلت كارامان على منحة تفوق لدراسة الماجستير في تخصص التاريخ بجامعة إسطنبول شهير، ثم عملت في جامعة صكاريا لسنة واحدة مساعدة باحث، ثم التحقت ببرنامج الدكتوراه في إسطنبول شهير في تخصص التاريخ وهي تدرس بعض المواد في الجامعة.

 

وتبدي كارامان ارتياحا كبيرا لرفع الحكومة التركية الشهر الماضي قرار حظر ارتداء الحجاب في المدارس المتوسطة بعد رفعه عن طالبات الجامعات، وتعتقد أن في ذلك نقلة كبيرة لمفهوم الحرية الشخصية في تركيا وإنجازا كبيرا يسمح لكل فتاة أن تحدد ما يناسبها ويعبر عن هويتها الاجتماعية والثقافية في المجتمع.

 

وتخلص إلى القول "لم تكن كل هذه المسيرة المعقدة بما فيها من مصاعب وصراعات لمجرد التجربة أو الاستمتاع بالحياة، بل لتمسكي بحجابي الذي يعبر عن قناعاتي".

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/17-

العقيد رياض الأسعد: الظلم والقهر أوجدا تنظيم الدولة الإسلامية

العقيد رياض الأسعد: الظلم والقهر أوجدا تنظيم الدولة الإسلامية

 

حاوره عمر أبو خليل


 

أكد قائد الجيش السوري الحر العقيد رياض الأسعد أن التحالف الدولي يشن "حربا عالمية ثالثة" على الشعبين السوري والعراقي، تحت اسم مكافحة الإرهاب، وأضاف أن الظلم والقهر أوجدا تنظيم الدولة.
وتساءل -في حوار خاص مع الجزيرة نت- عن أسباب عدم إنقاذ دمشق وباقي المدن والمناطق التي سقطت في يد تنظيم الدولة فيما تحرك العالم لإنقاذ مدينة تسيطر عليها فصائل كردية تساند النظام السوري.


تاليا نص الحوار:

 


أين يقف الجيش السوري الحر من التحالف الدولي؟

 

 


- التحالف جاء نتيجة وصف بعض الفصائل الإسلامية بالإرهابية، وساهم بعض أعضاء الائتلاف الوطني المعارض بتعزيز هذه التوصيفات، وتم استدعاء التحالف الدولي من قبل من بعض الفصائل السورية، والجميع يعلم كيف طالبت هيئة الأركان والائتلاف بالتدخل الدولي، وكان مطلوبا منهم كذلك.

 

 


وتشكل التحالف الدولي، وشن الحرب العالمية الثالثة على الشعبين السوري والعراقي، تحت مسمى مكافحة الإرهاب، وأتساءل لماذا لم ينقذوا دمشق؟، والآن، يتحدث الجميع عن عين العرب وكأنه لم تسقط غير عين العرب، ولم يضرب النظام الشعب السوري، بالصواريخ والبراميل وكل أنواع الأسلحة.

 


هل قضيتنا فقط عين العرب؟ عين العرب كانت فيها فصائل تساند النظام وتقاتل السوريين معه، ومنها حزب العمال الكردستاني الذي اختطف الكثير من الضباط وسلمهم للنظام، وقتل الكثير من الجيش الحر، التحالف الدولي تدخل لإنقاذ هذا الفصيل، ولم يتدخل لإنقاذ القامشلي أو المالكية عندما قتل الأكراد ومن بينهم مشعل تمو، هذا التحالف أتى لمساعدة بشار الأسد، وكل من وقف مع هذا التحالف يقف مع بشار، الذي يتقدم في العديد من المواقع، ويسترجعها بعدما كلفنا تحريرها العديد من الشهداء.

 

عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية يستعرضون قوتهم في مدينة الرقة شمال سوريا قبل إطلاق التحالف الدولي حملتهم العسكرية عليهم (أسوشيتدبرس)


كيف تنظرون إلى تنظيم الدولة الإسلامية؟



- لم يأت تنظيم الدولة إلا نتيجة الفراغ الذي أحدثته بعض الدول وبعض السياسيين، والمال السياسي الذي أفرغ الثورة من مضمونها، ولم يتبق للثورة مشروع موحد، فكان من الطبيعي أن يأتي التنظيم ويملأ هذا الفراغ.

 


وُجد التنظيم بعدما وصل الشعب السوري إلى مرحلة متقدمة من الظلم والقهر، وحدث الأمر نفسه في العراق، عندما قامت أميركا واحتلت العراق، ودفعت المليشيات الشيعية لارتكاب المجازر بحق السنة هناك، فظهرت الدولة الإسلامية.

 


كيف توصّف علاقة رياض الأسعد والجيش الحر مع الائتلاف؟



- عمل الائتلاف منذ اللحظة الأولى لقتل الروح النضالية عند رياض الأسعد والشباب السوري، الذين وقفوا ضد هذا النظام المجرم، وحاولوا تهميش الجيش السوري الحر، كما عمل المكتب التنفيذي في المجلس الوطني على تشكيل قوى وكيانات عسكرية خارج الجيش الحر.

 


جرت حوارات مع المجلس الوطني، واتضح أن هناك رغبة بتشكيل فصائل عسكرية تتبع لبعض الشخصيات، وتابع الائتلاف بنفس الطريق، وكنا نأمل أن يسير في الاتجاه الصحيح، لكنه لم يخرج عن توجه المجلس الوطني بل زاد الانحراف والفرقة.

 


وزاد تشكيل هيئة الأركان الخلافات أكثر وأكثر، لأنه لم يكن باسم الجيش السوري الحر بل تحت مسمى هيئة الأركان للقوى العسكرية الثورية والمعارضة السورية. وعمل الائتلاف بطريقة النظام وبث الفرقة بين الفصائل المقاتلة، وهمش الجيش السوري الحر، وقطع عنه كل سبل الدعم، وكان ذلك سببا في خسارة الكثير من المواقع التي حررها الثوار بدمائهم وتضحياتهم.

 


كيف ترى عمل الحكومة السورية المؤقتة؟



- أراه مشابها لعمل الائتلاف ونفس منهجه، لم نجد لديها جديدا أو خطة عمل واضحة، حتى الموظفين كانوا يعينون بنفس طريقة النظام، عبارة عن حصص تتقاسمها الكتل المكونة للائتلاف.

 

مواطنون سوريون يتابعون طائرات التحالف الدولي التي تقصف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في عين العرب كوباني شمال سوريا (الأوروبية)


كيف تصف علاقة الجيش السوري الحر بوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة والأركان؟



- لم يكن هناك أي اتصال معهم، وعملوا على تهميش كل القيادات العسكرية، فلم نجد ضابطا واحدا ممن انشقوا في السنوات الأولى ضمن هذه المنظومة، بل كانت وزارة الدفاع تشمل الأشخاص الذين انشقوا في السنة الثانية، وعملت على ضرب الجيش الحر من خلال إحداث مؤسسة الأركان.

 


ما رأيك بالغرفة العسكرية التي تشكلت مؤخرا تحت اسم "الموك"؟



" -الموك" تابعة للاستخبارات الأميركية، حاولت استقطاب بعض الفصائل للعمل بإمرتها، انتقت بعض الفصائل والقادة بعد دراسة كاملة عنهم، وتم ضمهم ودعمهم، واستبعدت الفصائل التي لم تقبل الانصياع لأوامر الغرفة.

 


ما موقفكم من تدخل حزب الله وإيران ضد الثورة السورية؟



- يأتي تدخل حزب الله في سوريا ضمن مخطط إيراني صهيوني، الجميع يعلم أنه ذراع عسكرية لإيران، قتل الشعب اللبناني قبل الشعب السوري، كما حدث في أيار بيروت، والمجازر التي قام بها تجاه اللبنانيين، ونستغرب صمت اللبنانيين عن تصرفاته.

 


سيحاسب الحزب على ما ارتكبه من جرائم بحق الشعب السوري، لم يفعل العالم ما يجب تجاه هذه "المنظمة الإرهابية"، بل أعطاها الضوء الأخضر للاستمرار بهجماتها، مستعينة بالفصائل الشيعية التي أتت من العراق وإيران.

 


نقول للبنانيين: اضغطوا على هذه "المنظمة الإرهابية"، وندعوكم لمحاربتها بالقوة، لأنها لا تفهم إلا هذه اللغة، إن ما تقوم به تجاهكم وتجاه السوريين اللاجئين في لبنان عار كبير، حزب الله يقابلنا بالقتل وحرق الخيام والاغتصاب.

 


القيادة في إيران تعادي الشعب السوري وتحاربه، لكن الشعب الإيراني إخوة لنا، سوف نتجه لاحقا للمؤسسات العالمية لمحاسبة النظام الإيراني، وعلى رأسه المرشد العام للثورة الإيرانية علي خامنئي، الذي أجرم بحق الشعب السوري.

 

الجيش السوري الحر يطلق صواريخ على مطار حماة العسكري الذي يسيطر عليه النظام السوري (رويترز)


أين أصبح الجيش السوري الحر اليوم؟



- الجيش السوري الحر موجود، لكنه محاصر من الجميع، بدأت محاصرته منذ السنة الأولى، مع تحقيق الانتصارات السريعة، حيث شعر العالم بأن النظام بدأ يترنح، وتدخلت الأيدي الخارجية في الثورة السورية، ولعب المال السياسي فيها، فتم تشكيل قيادات أخرى.

 


تشكلت كيانات سياسية للثورة السورية، وفرضت القيود على الجيش السوري الحر، ورسمت حدودا لعمله، وتمت محاصرته، وانقطع عنه كل الدعم، وحوصر في المجال الإعلامي.

 


الجيش السوري الحر بات تاريخا في عقل كل طفل سوري، وفي كل عقل ثائر في الوطن العربي والعالم، الجيش الحر صفحة ناصعة في تاريخ الثورة السورية، لكن للأسف هناك من عمل على تشويه هذه الصورة، ويجب الإشارة إلى أن هناك بعض الفصائل أساءت للشعب السوري والثورة السورية باسم الجيش السوري الحر.

 

هناك من يقول إن العقيد رياض أضعف الجيش السوري الحر بتحالفه مع التيار الإسلامي مما حجب عنه الدعم الدولي، ما حقيقة ذلك؟



- تعرضت لاتهامات كثيرة، منها الانتماء تارة إلى الإخوان، وتارة إلى السلفيين، وتارة إلى الدولة الإسلامية، وأقول بكل صدق إنه لم يتم تهميشي إلا لأنني لم أرض الانتماء إلا للوطن، ولم أقبل الانتماء لأي فصيل سياسي رغم كل الضغوط.

 


كيف تمت محاولة اغتيالك، ومن يقف وراءها، ولأية غاية؟



- كنت أعمل في الداخل على جمع الفصائل تحت لواء الجيش الحر، وأسعى لتوحيد الجهود الإدارية والمالية والعسكرية، وقد قطعت شوطا مهما في هذا الطريق، لكن ذلك لم يرق للبعض.

 


يقف النظام بالاتفاق مع بعض القوى العسكرية، وبعض العناصر من الائتلاف، وبتوجيه خارجي، وراء محاولة اغتيالي، بلغني قرار الاغتيال من قبل جهة ذات مصداقية، لكن توحيد الفصائل المقاتلة يستحق التضحية، وسوف نكشف الأسماء المتورطة والتفاصيل المتعلقة بالعملية الإجرامية.

 


كيف يمكن إعادة البريق للثورة السورية؟



استعادة الثورة لن يتم إلا عن طريق اجتماع كل الشخصيات التي خرجت في البداية، والتي كان لها صوت مدو، وقامت بالمظاهرات، وترتيب الأمور الإعلامية بشكل صحيح، واستعادة ثقافة وروح الثورة السورية، لن يعيد الثقة للثورة السورية إلا هؤلاء الأشخاص الذين خرجوا بملء إرادتهم، وعن قناعة وإيمان بالثورة السورية، ولم يخرجوا تحت الضغوط أو لأنه تم اعتقالهم من قبل الثوار، أو سقطت مناطقهم أو كانوا في الخارج.

 


ما رؤيتكم للمستقبل والدولة السورية المقبلة؟



نتمنى أن تكون الدولة المقبلة دولة العدل والكرامة والحرية، يتمتع السوري فيها بحقوق المواطنة، تحقق طموحات الشباب الذين ضحوا من أجل الحرية، تُكرم الشهداء الذين كانوا مشعل نور في هذه الثورة، تهتم بالجرحى والمعاقين وحقوق الناس الذين تكبدوا خسائر كثيرة في فترة الثورة وما قبل الثورة، ونتمنى أن يعود الأمن والأمان والاستقرار والعدل في هذا البلد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/17-

تجربة فارقة في حياتي ومهنتي

تجربة فارقة في حياتي ومهنتي

 

عبد الله الشامي
مراسل الجزيرة الذي اعتقل في مصر عشرة شهور

 

 

في مساء يوم 30 يونيو/حزيران من العام الماضي، وبينما كانت الشوارع في مصر تعج بالاضطرابات السياسية، كنت أسير مع زوجتي في أحد شوارع أبوجا النيجيرية نستشرف القادم من أيامنا وظننا حينها لوهلة أننا قاب قوسين أو أدنى من الاستقرار.

 

وأضاء فجأة هاتفي بإشعار وصول بريد إلكتروني، لم يكن من المعتاد بالنسبة لي أن أتلقى بريدًا من العمل بالقرب من منتصف الليل.

 

خلاصة الحدث أنني وجدت نفسي صباح اليوم التالي على طائرة متجهة إلى القاهرة. وخلال الاثنى عشر شهرًا التي تلت، كانت حياتي على وشك أن تتغير، وإلى الأبد.



بعد ستة أسابيع كنت في سيارة وإلى جانبي خمسون شخصًا في طريقنا إلى السجن، لقد اعتُقلنا للتو، تعرضنا للضرب وسوء المعاملة اللفظية والجسدية من قبل قوات الأمن المصرية. كانت شوارع القاهرة تمتلئ حينها بالفوضى والطلقات والدماء, بالمقارنة بمصراتة 2011 حيث كنت إبان الثورة الليبية, لم تكن هناك مقارنة حينها مع ميدان رابعة، حيث كان الأمر أسوأ بكثير.

 

الزميل عبد الله الشامي لحظة الإفراج عنه مع زوجته (الفرنسية)


يعجبني بيت الشعر هذا: وما حب الديار سكن قلبي .. ولكن حب من سكن الديار. حينها, ووقتها فقط, قررت أنني أريد من أحب خارج هذه الديار, لكي لا أفجع فيهم, ولكي لا أصبح على حقيقة أنني سأقضي بقية عمري في هذا المكان.


بين أربعة سجون، وتجربة خمسة أشهر من الإضراب عن الطعام، بدأت رحلتي الطويلة لانتزاع حريتي مرة أخرى، خلال أعوامي الثلاثة في العمل كصحفي، كنت أوقن أن عبء الاعتقال سيأتي مسرعًا في يوم ما، لكني لم أفكر أبدًا أن ذلك سيحدث في بلدي.

 

وحين أغلق باب الزنزانة علينا في أول يوم أحسست أن حياتي انتهت, وأنني سأقضي هنا على الأقل ربع قرن من الزمان, وتزاحمت الخواطر في رأسي, حاولت أن أحاربها لكي أستطيع الاستمرار.



مر الوقت ببطء شديد في الأيام الأولى من الاعتقال، لقد كنت أجاهد نفسي ألا أعتاد على ذلك، أن تكون صحفيًا في مصر ليس شيئًا سعيدًا، خاصة عندما يُهزم صوت العقل، وما زاد الأمور سوءا هو عملي لصالح شبكة أخبار لم يكن مرحبًا بها في البلاد أثناء اعتقالي التعسفي، الضباط والمحققون والقضاة لم يصدقوني على الإطلاق حينما حاولت أن أشرح لهم الفارق بين قناتي "الجزيرة مباشر مصر" وقناة "الجزيرة العربية" حيث أعمل، كانوا يظنون أنهما نفس القناة.


الحياة في السجون المصرية هي عالم منفصل تمامًا، يجب أن تبني علاقات غريبة لكي تستطيع إنجاز أمورك، يجب أن تمتلك هذه العلاقات كي تحصل على حقوقك الأساسية، كي تحصل على الغذاء أو أن يُسمح لك بإجراء الفحوصات الطبية، وحتى تلك العلاقات لا تصلح دائمًا.

 

حملة تضامن مع الزميل عبد الله الشامي وحرية الصحافة (أسوشيتدبرس)

العملة الموحدة في السجن هي السجائر، فعلبة واحدة من السجائر قد تسمح لك بالتنقل بين العنابر المختلفة، أو رؤية أحد الأصدقاء، أو غض الطرف عن بعض تجاوزاتك، لكن مهما يكن ما يستطيع أحدنا فعله لتحسين وضعه داخل السجن، يبقى توقنا للحرية مع كل شهيق نتنفسه.


كانت أسوأ مخاوفي بينما كنت أقرر الدخول في إضرابي عن الطعام، وبينما كان يتم نقلي لاحقًا إلى سجن مشدد الحراسة ألا أستطيع رؤية عائلتي قبل أن أموت، هكذا كنت أعتقد.

 

في الليلة الأخيرة لسجني, كنت انساناً في أزمة نفسية شديدة, وقد مضى علي حينها خمسة أسابيع من الحبس الانفرادي، ولم يكن هناك أي أمل. كثيراً ما كنت أحادث نفسي وأصنع من خيالاتي مواقف أطمئن بها نفسي, كنت على وشك أن أفقد عقلي , أو هكذا بدا الأمر.


كانت تجربة الاعتقال ثم خوض معركة الأمعاء الخاوية تجربة فارقة في حياتي. تلك الأوقات الطويلة سأتذكرها في كل لحظة أشعر فيها بعدم قدرتي على الاستمرار، أو حين أفكر في التراجع عما رسمته للمستقبل، تلك التجربة جعلت مني ومن زوجتي ومن عائلتي أشخاصًا أقوى.

موظفو شبكة الجزيرة في وقفة تضامنية مع الزميل عبد الله الشامي أثناء إضرابه عن الطعام (الجزيرة )

كل واحد منا وجد معنى جديدًا للحياة، ولن يكون الأمر مثلما كان من قبل لأي منا بعد الآن، ستكون حياتنا أفضل -ذلك صحيح- لكن أكثر مشقة لكوني ربما سأضطر لأعيش كمنفي في القريب العاجل على الأقل.


كثيرًا ما أسأل نفسي عما إذا كنت أفتقد مصر حقًا، على الرغم من أنني لم أولد أو أكبر هناك، إلا أنني لم استطع أن أتجاهل ذلك الألم في صدري، بينما تختفي القاهرة بين السحب حينما أقلعت بالطائرة وأنا على علم أنه سيكون من الصعوبة بمكانٍ أن أعود في أي وقت قريب.


أنا أعتقد أن الحرية تستحق أكثر من ذلك. الحرية ليست منحة ولا هبة من أحد, ليست قابلة للمساومة.

 

 منذ الآن، ولحياة قادمة سأكرس وقتي وجهدي وإرادتي للدفاع عن حق الصحفيين للعمل في عالم حر، حيث لا أحد له الحق في منع الكلمة من أن تخرج للناس. يحدوني الأمل بأنه عما قريب سنعيش في عالم لا يقبع فيه صحفي وراء القضبان.

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/17-

رحلة في "قوقعة" دمشق

رحلة في "قوقعة" دمشق

 

المثنى الحارثي - حماة

 

من قرأ رواية "القوقعة" لمصطفى خليفة، المسيحي الذي قضى في سجون النظام السوري 13 عاما بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين في خضم صراع الجماعة مع النظام في حماة عام 1982، وسجل فيها صورا تقشعر لها الأبدان من الامتهان والتعذيب والقتل.

 

من قرأ هذه الرواية يمكن أن يتخيل شهادة مراسل الجزيرة نت في حماة  المثنى الحارثي في ذات السجون، وعلى يد ذات النظام بعد 32 عاما. والتهمة هذه المرة الانتماء لجماعة السلطة الرابعة. فالقوقعة ذاتها مع اختلاف في التفاصيل. (الرجاء إبراز هذه المقدمة)

 

الساعة الخامسة والنصف عصراً، الباب يقرع بشدة، فتحت وإذا بالعديد من العناصر يدخلون منزلي. سألوني عن اسمي، وما إن أجبتهم حتى انهالوا علي بالضرب واقتادوني معهم.

 

لم أنس حتى اللحظة نظرات الرعب في أوجه أولادي الصغار وصراخ زوجتي وبكاءها، نزلت إلى الشارع وأصوات تكسير الأثاث في منزلي ترافقني، وقبل أن ينهوا مهمتهم الوطنية ويقتادوني إلى السيارة صاروا يقذفوني كالكرة بين بعضهم، فهذا يصفعني وذاك يركلني، حتى نزل الضابط ومعه عناصره المحملين بما سرقوه.

 

وضعوني على أرضية السيارة المثبت عليها رشاش الدوشكا، وداس علي عنصر بقدميه، وطوال الطريق كان يضربني كلما اشتهى حقده ذلك.

 

وصلت إلى فرع الأمن العسكري بحماة. فتح السجان الباب ورمى بي داخل غرفة مظلمة فيها 25 معتقلا ومساحتها لا تزيد عن 6 أمتار مربع. أحسست بالتعب فنمت.

 

يمضي كل يوم وأنت تأمل أن يبدأ التحقيق وفي الوقت نفسه يصيبك الرعب من أن يبدأ. فأنت ترى من يخرج للتحقيق كيف يعود كالخرقة البالية لا يستطيع الكلام ولا الحراك لساعات.

 

بعد ثلاثة أيام بدأ التحقيق معي، وكنا في الشتاء نقف بلا ثياب لساعات في البرد، وكل مرة يأتي السجان لا ليطمئن عليك بل ليلقي علي دلوا من الماء البارد أو ليكوي جسدي بضربات بالكابل أو الجنزير حتى يقرر المحقق استدعائي.

 

رسم توضيحي لازدحام الزنزانة بالمعتقلين (رسم الزميل شجاعت علي-خاص بالجزيرة نت)

دخلت معصوب العينين وأنا في قمة التوتر، يبدأ المحقق استقباله بالضربات واللكمات والإهانات قبل أن يبدأ حتى يطمئن أني أصبحت بحالة انهيار نفسي وجسدي تقريباُ، فإن ذلك أدعى لأعترف بكل ما يريد توجيهه لي من تهم.

 

اتهمني بإيواء المسلحين في منزلي وشراء السلاح لهم وإعطائهم المال ولذويهم، بالإضافة إلى الانتماء للتنسيقيات والتواصل مع القنوات كقناة الجزيرة.. إلخ.

 

قلت للمحقق: لو أردت تعذيبي حتى اعترف بما لم أفعل فلا تتعب نفسك ولا تتعبني، ولكن لو أحببت قلت لك الحقيقة فقال: هات ما عندك، قلت له: أنا عملت في المجال الإغاثي وقدمت المساعدات لأهل الحي فقط. ولحسن حظي اقتنع بكلامي هذا وبدأ يسألني عن تفاصيل الأمر، ثم قال: أنت شخص متعاون وسوف أسوي لك وضعك وأخرجك.

 

بعد شهر أخذوني إلى زنزانة التحويل. جاء الصباح شدونا بالجنازير كالخراف، ركبنا الحافلة ونحن نتحسس الاتجاهات وفي دقائق وصلنا إلى مكان ما. نزلنا فإذا هو مقر الشرطة العسكرية.

 

دخلت للزنزانة وسألت الناس أي سيذهبون بنا، فقالوا لي سيأخذوننا إلى دمشق لكن لا نعرف إلى أين. جلست في تلك الليلة أفكر أين سأذهب؟ ماذا سيحل بي وما مصيري؟

 

في الصباح التالي أخذونا إلى سجن الشرطة العسكرية في حمص (البالونة) بقيت هناك 35 يوماُ أنتظر تحويلي لدمشق، ركبنا الحافلة وذهبت بنا إلى دمشق فوصلنا إلى مكان يبدو أنه فرع أمني.

 

وقفنا في ممر يجلس في آخره سجان على طاولته متوعدا إيانا. لما وصلنا بدأ يوزعنا على الزنزانات. جاء دوري.. إلى المنفردة رقم 14، ضربني ثم اقتادني أحدهم، فتح الباب ورمى بي في مكان مظلم، غرفة طولها 2.5 متر وعرضها 1.5 متر وفيها 15 شخصاً.

 

ألقيت السلام وسألت أين نحن؟ قالوا لي: أنت في فرع فلسطين (فرع الموت)، نظرت في تلك الظلمة ورأيت في الزاوية عدداً من القناني في بعضها بول وفي بعضها غائط وفي بعضها الآخر ماء، لم أعرف لماذا وضعت فيها؟

 

في الصباح عرفت أن النظام هنا يقضي بالخروج إلى الحمامات مرة صباحاُ ومرة مساءً, يقف السجان وبيده العصا. ويعد إلى العشرين يجب عليك خلالها قضاء حاجتك وملأ الماء وغسل الأواني المتسخة وأن تغتسل.

 

وقتها عرفت لماذا رأيت في الزاوية تلك القناني، هناك لا تعرف الليل من النهار إلا من وجبات الطعام الهزيلة.  كنا ننام على "ورديات", ينام البعض طاوين أرجلهم، ويجلس الباقي.

 

الفراش كان البلاط، والمخدة الحذاء، وقد تكون بلا ملابس. تنتشر هناك أمراض جلدية لم أر مثلها، فتارة ترى أقداما متورمة بشكل كبير، وتارة ترى رضوضا في الجسم تكون مليئة بالقيح، ونصيب الكل العدوى فنحن ننام ملتصقين.

 

أما المرض القاتل فهو الإسهال، فالدواء محرم علينا والجرثومة في الماء, تصاب بالإسهال وتصبح أمام خيارين إما أن تشرب الماء ويزيد المرض وإما أن تمتنع فيجف الجسم. وفي الأخير تكون النهاية الموت.

 

كل يومين أو ثلاثة لابد أن يموت أحدنا، هناك تعتاد أن ترى إنساناُ يموت أمامك وأنت عاجز أن تفعل له أي شيء سوى أن تخبر السجان الذي قال لنا ذات مرة: إذا لم يكن الكلب ميتاً لا تدقوا الباب وتقولوا لي إنه مريض أو تعب.

 

قيمة الإنسان هناك لا تساوي شيئاً، يموت أحدهم تاركاً خلفه أباً وأماً أو زوجة وأطفالاً قد يكونون يحلمون بعودة أبيهم كل يوم. حتى إن أهله لا يعرفون بموته، نودع أحدهم ويأتي غيره.

 

بعد شهر استدعيت للتحقيق، وجه لي المحقق نفس التهم، اعترفت كي أتحاشى التعذيب. نجوت من التحقيق، ولكن المرض بدأ يتسلل إلى جسمي حتى إني لم أعد أستطيع الحراك تقريبا، والألم في كل مفاصلي ما عدا الرضوض والالتهابات.

 

بعد 15 يوما استدعيت كي أخرج، ظننت أنه حظي الجميل لكني عرفت بعدما خرجت أن أهلي قد دفعوا مبلغ 500 ألف ليرة سورية كي أخرج من هناك.

 

آثار التعذيب في سوريا (ناشطون)

 

نقلت إلى السجن المركزي في عدرا، وصلت هناك وأنا فرح بأني سوف أسجن،  فالفرق عندنا في سوريا كبير بين أن تكون معتقلاً أو سجيناُ، ففي السجن تستطيع النوم والأكل والشرب والتواصل مع أهلك، أما المعتقل ففي الظلمة ينتظر الموت.

 

كان وزني قد أصبح 40 كلغ بعد أن كان بحدود 90 كلغ. قال لي أحدهم بعد فترة: بصراحة لم أكن أتوقع أن تبقى حياً ولكن الله سلم. وكلت محام وبعد 15 يوماً تم تحويلي للقاضي, وقفت أمامه ووجه لي تلك التهم فأنكرتها وقلت إنني اعترفت بها تحت التعذيب، فقرر إخلاء سبيلي.

 

اعتقدت أني محظوظ وأن القاضي عادل، لكن ما عرفته فيما بعد أن أهلي قد دفعوا مبلغ 400 ألف ليرة كي أخرج. عدت إلى السجن وأنا فرح لم أنم ليلتها منتظراُ صباح الفرج.

 

في الصباح سلمنا أمانتنا وإذا بشرطي يقول لي: قد أخلي سبيلك ولكنك مطلوب لفرع السياسة في دمشق، كان خبره كالصاعقة علي، فبعد الأمل سوف أعود إلى الآلام وإلى المجهول.

 

وصلت وأنا أسأل نفسي: ما معنى أن يخلي القاضي سبيلي ثم أعود إلى فرع أمني؟ والجواب أن سلطة الأفرع الأمنية فوق كل سلطة في سوريا. هذه المرة كانت الزنزانة فوق الأرض وفيها متسع للنوم، بالإضافة إلى حمام بداخلها، إنه قسم العربية في فرع السياسة.

 

جلست كالعادة منتظراً مصيري، مرت الأيام ولم أستدع، وسألت السجان عن ذلك فقال إن اسمي مع "مصالحة برزة"، وأنا هنا موضوع كأمانات حتى يتم إخراجي. سأله أحدهم متى سيفرج عن جماعة المصالحة فأجابه بأنه لا يعرف، ولكن هاتفاُ سيأتيهم في أي لحظة يأمرهم بإخراجنا.

 

وجاءت الانتخابات الرئاسية وقالوا لنا إن من حقنا الانتخاب الحر. خرجنا لغرفة فيها ثلاثة ضباط، تقف ويقول لك الضابط وقع هنا، أي تحت صورة بشار الأسد هذه هي الانتخابات الحرة.

 

وعندما نجح حسب زعمهم، فُتح الباب وقالوا لنا: اهتفوا بالروح بالدم نفديك يا بشار, لم أستطع سوى البكاء من شدة قهري، فكيف أهتف لمن سجنني واعتقلني وأهانني وضربني، بل أفديه بدمي هذا هو الظلم بعينه.

 

مضت خمسة شهور، فتح السجان الباب ونادى بأسمائنا، لقد جاء الهاتف أخيراً صرنا نقفز ونضحك ونبكي من فرحنا. أوصلتنا الحافلة إلى ساحة في برزة، ركض الناس إلى أبنائهم وآبائهم وأصدقائهم، وأنا واقف أتفرج فلست من برزة ولا أهلي فيها، ولكن اسمي كان معهم حيث عرفت أن أهلي قد دفعوا المال كي أضم للمصالحة.

 

استضافني أحدهم، لم أستطع النوم تلك الليلة من فرحي، لم أصدق أني حر في اليوم التالي، أحد معارفي استطاع أن يؤمن لي ضابطاً في الجيش كي يوصلني إلى حماة بسيارته. إذ كنت أخشى أن اعتقل مرة أخرى على أحد الحواجز، دفعنا له 50 ألف ليرة كي يوصلني إلى حماة، ولكنها لم تعد مأمني، فحماة مستباحة من قبل الجيش والأمن ولا أضمن أن يعتقلني فرع آخر، أو يعود نفس الفرع ليعتقلني.

 

سلمت على أهلي، لملمت أغراضي على عجل وخرجت من حماة. نلت حريتي وخسرت منزلي ووظيفتي وبلدي، خرجت ومعي حريتي فقط وأنا مثقل بالهم والدين والمرض، ولكن بعد محنتي عرفت أنه ليس هناك شيء أثمن من الحرية.

السابق

السابق

التالي

السابق