-1/17-

سحق الإنسان وثقافته

محمد المختار الخليل
 مدير تحرير موقع الجزيرة نت

الحديث عن سكان أستراليا الأصليين (الأبوريجينيز) يستدعي إلى الذهن حكاية الاستعمار القديم المتجدد، وقابلية بعض الشعوب للاستعمار، في حين قاومت شعوب أخرى تحولها إلى "أبوريغينز" أخرى.

 

لا شك أن شعوبا مثل سكان أستراليا، والهنود الحمر في أميركا الشمالية، كانت بدائية قبل نحو ثلاثمئة إلى أربعمئة عام، وأرهبها الأوروبيون بأسلحة القتل، التي كانت متطورة في ذلك الحين، وسهلت إبادة شعوب مثل الهنود الحمر، وإخضاع الأبوريغينز لسطوة السجناء المنفيين من أوروبا.

 

فأوروبا -بامتداداتها في أميركا وأستراليا- بنت حضارتها في أصقاع الأرض على إبادة بشرية تفوق ما اقترفته من قتل ودمار في حربيها العالميتين، لأنها أبادت -أو كادت- شعوبا بأكملها، بثقافتها وهويتها وطقوسها الدينية والاجتماعية.

 

أما في عصر التحضر والتعايش المجتمعي، فقد باتت بقايا هذه الشعوب في أميركا وأستراليا ديكورا اجتماعيا، يستدعى في الاحتفالات والمناسبات الوطنية، ويشغل زوايا في المتاحف، لعرض الأزياء والموسيقى والرسومات الخاصة بهذه الشعوب، ليس أكثر، لكنها تظل في الحياة اليومية معزولة في محميات اجتماعية لحفظها من الانقراض.

 

في ملف "الأبوريجينيز. الحياة المسروقة" في هذا العدد نعرّف القارئ بسكان أستراليا الأصليين من زوايا مختلفة: تاريخهم، وفنونهم، ومعتقداتهم، واحتجاجهم على محاولات عزلهم واضطهادهم، وتمسكهم بثقافتهم التي تبدو بدائية، لكنها ما زالت تمثل خصوصية لهم وإرثا يستحق التوريث.

 

الأبوريجينيز الذين استوطنوا قارة أستراليا قبل ستين ألف سنة، ودخلوا في عصر الاستعمار الأوروبي قبل ثلاثمئة عام، يختزلون حكاية قهر الإنسان للإنسان، وسحق ثقافة لأخرى.

السابق

السابق

التالي

السابق

-2/17-

ملف العدد..

ملف العدد..
خالد العبيد- كانبيرا / أستراليا
 
سكان أستراليا الأصليون -أو كما يطلق عليهم "الأبوريغينز"- من أقدم الشعوب التي سكنت الأرض، ولا تزال تحتفظ بثقافتها الخاصة، ومنذ أن اكتشف الأوروبيون أستراليا واستوطنوها مارسوا ضد سكانها الأصليين ألوانا من الاضطهاد وسحق الهوية والثقافة.
 

ملف " الأبوريغينز.. الحياة المسروقة" -الذي أعده الزميل خالد العبيد من أستراليا- يستعرض بعض معالم الشخصية الأبوريغينية، وتاريخ هذا الشعب وما تعرض له، وعزلته على مدى ستين ألف عام، وكيف مارس الأوروبيون سرقة أطفال الأبوريغينز لدمجهم في الحياة الجديدة.

وفي سبيل مطالبة السكان الأصليين بحقوقهم بوصفهم أصحاب الأرض، نصبوا خيامهم أمام البرلمان الأسترالي قبل أكثر من أربعين عاما كسفارة لهم في وطنهم، ولا تزال.

وللأبوريغينز -رغم حياتهم البدائية- ثقافة وفنون وفن تشكيلي، وهو ما تستعرضه تقارير عن ثقافتهم وفنونهم الخاصة، وهذا ما تحرص أستراليا على استعراضه في المناسبات الوطنية وفي المتاحف.

ولا يزال السكان الأصليون يمارسون طقوسهم ومعتقداتهم الوثنية رغم دخول الحضارة الغربية عليهم منذ أكثر من ثلاثمئة عام.

السابق

السابق

التالي

السابق

-3/17-

الأبوريجينيز .. السكان الأصليون لأستراليا

الأبوريجينيز .. السكان الأصليون لأستراليا
السكان الأصليون لأستراليا (الأبوريجينيز ) والجزر المحيطة، يعدون وفق دراسة وراثية قام بها باحثون من سبع دول من أقدم الشعوب الإنسانية التي سكنت الأرض. ولم يكتشف الأوروبيون وتحديدا الهولنديين ثم الإنجليز أرض أستراليا إلا في القرن السابع عشر، وضمتها الإمبراطورية البريطانية لعرشها عام 1770.

 

اعتبر علماء التاريخ أن رسومات الأبورجنيز في كهوف وتلال جنوب أستراليا أقدم من الرسومات التي وجدت في كهوف أوروبية بـ16 ألف عام. وتميزت حضارتهم وموروثهم التاريخي عن سائر الحضارات بانعزالهم عن العالم.

 

وذكر المؤرخون أن الأبوريجينيز  تتشكل من قبائل "توريس" الذين قدموا من جزيرة تسمانيا في الشرق، ومن "ماكاسانس" الذي قدموا من الشمال من جهة إندونيسيا، ومن "سترايت" الذين وصلوا عن طريق الإنتاركاتكا. وجمعيهم استوطنوا أستراليا -وفق ما دلت عليه آثارهم بنهر سوان بمنطقة سيدني وغيرها- منذ قرابة ستين ألف عام.

 

واعتبرت دراسة وراثية تاريخية، قام بها باحثون من سبع دول غربية، منها فرنسا والصين وألمانيا وأميركا، ونشرت في مجلة "ياينس" الفرنسية، أن سكان أستراليا الأصليين يعدون من أقدم شعوب الإنسانية. وعاش السكان الأستراليون في الفترة من 62 ألف عام إلى 75 ألف عام، بينما عاش الإنسان الأفريقي الأول في الفترة من 45 ألف عام إلى 50 ألف عام.

 

كان السكان الأصليون لأستراليا حين اكتشفها الأوروبيون 126 مجموعة قبلية مقسمة إلى حوالي خمس مجموعات إثنية. ولا توجد أرقام دقيقة رسمية لعددهم اليوم، وذكرت بعض المصادر الإعلامية أن عددهم حتى العام 2008 بلغ 455 ألف نسمة. أي بما يقدر بـ2% من عموم سكان أستراليا (21 مليون نسمة). وذكر باحثون أن أحد أسباب قلة عدد الأبورجينز كونهم لا يتوالدون إلا في شهور بعينها (فصل الربيع) في السنة وفقا لمعتقداتهم.

 

تعبير عن اضطهاد الأبوريجينيز في موطنهم الأصلي من قبل البيض الطارئين على البلاد (رويترز)

حياتهم

يسكن غالبية السكان الأصليين لأستراليا (القارة الدولة) بعيدا عن المدن، في مناطق نائية، ويفضلون مجتمعات خاصة بهم، لأنهم لم يتخلصوا من نمط العيش القبلي، حيث لزعيم القبيلة سلطة كبيرة. وقد قامت حياتهم على الصيد وقطف ثمار الأشجار. وليس للمرأة دور كبير في مجتمعهم غير الإنجاب والاعتناء بالأولاد والدواجن.

 

للصيد في البحر عندهم طقوس، وتطورت حياتهم قليلا، فاعتمدوا المقايضة بين المجموعات القبلية أو العرقية، من قبيل الحصول على آلات الصيد الحجرية بحصيلة الصيد والثمار.

 

كانت قبائل الأبوريجينيز تتحدث 250 لغة عندما اكتشف الأوروبيون أستراليا ودخلوها، لكن أغلبية تلك اللغات انقرضت ولم يبق منها إلا قرابة 15 لغة. اشتهروا بالتعبير عن معتقداتهم وحياتهم وحياة أجدادهم وكيفية بدء الكون. بالرسم الرمزي، ووجد الكثير من الرسوم في عدد من الكهوف الرملية بأماكن مختلفة بأستراليا.

 

يعتقد الأبوريجينيز أن أصلهم ينحدر من مخلوقات جاءت من عوالم أخرى، وثنيون يستمدون معتقداتهم مباشرة من الأرض والطبيعة، لكن مع دخول الأوروبيين وبعد عقود طويلة تحول غالبيتهم إلى المسيحية. فيما اعتنقت قليل منهم الديانة الإسلامية قبل 150 سنة. وذكرت إحصائية تعود للعام 2006 أن عدد المسلمين في جميع أستراليا وصل لـ340 ألف مسلم، منهم 1011 من الأبورجنيز.

مظاهرات حاشدة شارك فيها الأستراليون تنديدا بنية الحكومة إغلاق تجمعات سكنية للسكان الأصليين (غيتي)

معاناتهم

عانى السكان الأصليون لأستراليا بعد اكتشاف الأوروبيين لبلادهم واحتلالها، وحولتها الإمبراطورية البريطانية في القرن الثامن عشر إلى سجن ومنفى لعتاة المجرمين، حيث أرسلت إليها في السنوات الأولى لاحتلالها حوالي أربعين ألف مجرم.

 

هاجر إليها الأوروبيون وغيرهم، واستثمروا الأراضي الشاسعة وموارد أستراليا الطبيعية، وضيقوا على السكان الأصليين وشنوا عليهم حملات اضطهاد دفعتهم للعيش بمناطق نائية، ودفعت بعضهم لتغيير أسلوب حياتهم والتكيف مع نمط عيش الغزاة. وألف الأسترالي "كليف نيل" كتابا بعنوان "حرب قذرة" تحدث فيه عن إبادة السكان الأصليين وقتل لغاتهم وثقافتهم من طرف المستعمر الإنجليزي إبان احتلاله لجزيرة تسمانيا.

 

وحتى بعد تشكل الدولة الأسترالية بعد العام 1901، عانت شريحة كبيرة من الأبوريجينيز من الفقر والتهميش والاضطهاد، حيث انتزع عشرات الآلاف من أبناء السكان الأصليين من أسرهم بالقوة بين 1910 وسبعينيات القرن العشرين، لوضعهم في بيوت أخرى ومؤسسات بهدف إدماجهم في الحياة المعاصرة والمجتمع الأسترالي المختلط.

 

حاولت الحكومة الأسترالية في العقود الأخيرة عصرنة حياة السكان الأصليين، واعتماد نظام تعليمي مزدوج اللغات، والسعي لإبراز فنانيهم وتراثهم وتأسيس منظمات اجتماعية للدفاع عنهم، وبنت قرى نموذجية لعلها تخرجهم من كهوفهم، وبموازاة ذلك بنت كنائس لنشر المسيحية بينهم.

عازف موسيقى أبوريجيني يعزف موسيقى تقليدية في حضرة الزعيم الروحي للتيبت الدلاي لاما (رويترز)

اعتذار رسمي

وبعد أكثر من قرنين من الزمان قدم رئيس الوزراء الأسترالي كيفن رود يوم 13 فبراير/شباط 2008 اعتذارا رسميا للسكان الأصليين عما لحقهم من ظلم واضطهاد لقرنين، ووعد بالتصالح معهم باعتبارهم الفئة الأكثر معاناة من التهميش والفقر.

 

وقال رود في خطاب أمام البرلمان "نقدم اعتذارنا عن القوانين وسياسات البرلمانات والحكومات المتعاقبة، التي ألحقت المعاناة وتسببت بخسائر فادحة لمواطنينا الأستراليين". وأضاف "نطلب الصفح عن الآلام والمعاناة التي لحقت بهذه الأجيال وأحفادهم وعائلاتهم، ومن الأمهات والآباء، والإخوة والأخوات الذين انفصلوا عن عائلاتهم، نطلب الصفح عن الإساءة إلى الكرامة الإنسانية والإذلال الذي لحق بشعب يفتخر بنفسه وبثقافته .

 

وفتح اعتذار كيفن باسم الدولة والحكومة الأسترالية صفحة جديدة في العلاقة مع السكان الأصليين لقوته وصراحته، وتوصيفه للآلام التي عانها الأبورجنيز، فكان بذلك أقوى أثرا فيهم من اعتذار قدمه رئيس الوزراء السابق جون هوارد (1996-2007) عام 1997 باسمه الشخصي فقط.

السابق

السابق

التالي

السابق

-4/17-

ستون ألف عام من العزلة

ستون ألف عام من العزلة
في قديم الزمان كان الناس يتحدثون عن وجود قارة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، ولم يكن يتخيل أحد أن يكون في تلك البقاع البعيدة والمنعزلة أثر للحياة. حتى وصلها البحارة الهولنديون عام 1606، ورست أول سفينة لهم على الشواطئ الشمالية لأستراليا.  

 

ثم بعد قرن من الزمان قام البحار والمكتشف البريطاني جيمس كوك بثلاث رحلات في المحيط الهادي، الأولى، في الفترة ما بين عامي 1768 و1771. والثانية، في الفترة ما بين عامي 1772 و1774. والثالثة، في عام 1776، ورسم العديد من الخرائط، ووصل إلى أطراف آلاسكا في المحيط المتجمد الشمالي، وحقق العديد من الاكتشافات منها: اكتشاف جزر هاواي ونيوزيلندا والساحل الشرقي لأستراليا.

 

أقيمت أول مستعمرة بريطانية في هذه القارة في مدينة سيدني. وأصبحت القارة لاحقا منفى لمجرمي الإمبراطورية البريطانية العظمى، حيث وصل إليها أربعون ألف مجرم منفي خلال الثماني سنوات الأولى لاستيطان أستراليا .

 

بذلك أصبح كوك أول أوروبي يزور الساحل الشرقي لأستراليا. وأعلن استيلاء بريطانيا على تلك الأراضي وسمّاها نيوساوث ويلز. وأصبحت أستراليا مستعمرة بريطانية منذ عام 1788، وبرغم استقلالها  فإنها  حتى الآن تحت التاج البريطاني.

واحدة من رسومات الأبوريجينيز الأثرية على صخور أستراليا  (رويترز )

ما إن وطئت أقدام الأوروبيين الشواطئ الأسترالية حتى شاهدوا سكانها الأصليين (الأبوريجينيز) بلونهم الأسود يسيرون كالعراة، ما يرتدونه لا يكاد يغطي شيئا من أجسادهم، ويستخدمون أدوات بدائية في معيشتهم، وكانوا يفلحون الأرض ويشعلون النار لتطهيرها من الآفات لتتمكن الحشائش من النمو ولجذب حيوان الكنغر، الذي ألفوه منذ فترات مبكرة، وأصبح يشكل أحد المصادر الرئيسية لغذائهم.

 

وتتحدث المصادر التاريخية بأن السكان الأوائل من شعب الأبوريجينيز هاجر لهذه القارة منذ ستين  ألف سنة، عندما كانت المياه حولها ضحلة وتسمح بالترحال إليها بحرا، وبمرور الزمن ارتفعت المياه المحيطة  بالقارة وأصبحوا معزولين داخل قارتهم الجديدة.

 

تشمل كلمة السكان الأصليين في أستراليا سكان الجزر المحيطة خاصة سكان جزر مضيق توريس، وهي المنطقة الواقعة بين أستراليا وبابوا غينيا الجديدة، كذلك للإشارة إلى السكان الذين يعيشون في البر الرئيسي من أستراليا وتسمانيا وبعض الجزر الأخرى المجاورة. وهناك من وصل إليها عن طريق القطب المتجمد الجنوبي ويسمون سترايت. وتدل آثار الأبوريجينيز على أنهم استوطنوا القارة بمجموعاتهم المختلفة منذ حوالي خمسين ألف سنة.

 

وأجمع علماء التاريخ على أن رسوماتهم الموجودة في كهوف وتلال جنوب أستراليا تعد الأقدم حتى من تلك الموجودة في الكهوف الأوروبية، ولا توجد حضارة في العالم تشبه إرثهم لأنهم ظلوا معزولين ولم يمتزجوا حتى وقت قريب بالحضارة الإنسانية المعروفة.

 

علم الأوريجينيز في إحدى فعاليات التضامن مع سكان أستراليا الأصليين (غيتي)

كما يعتقد علماء الأجناس أنهم أتوا بشكل ما تحملهم طوافات خشبية عبر جزر الأرخبيل الأسترالي من جنوب شبه القارة الهندية عبر مراحل وتاريخ موغل في القدم، ووصلوا إلى جنوب أستراليا الحالي والذي يعتبر موطنهم الجغرافي الأصلي.

 

قدر الأوروبيون عند اكتشاف أستراليا عدد السكان الأصليين بنحو خمسة وثلاثين ألف نسمة مقسمين على 126 مجموعة قبلية يسمون "الأدناموتنا" ومعناها سكان التلال والصخور، مقسمين إلى نحو خمس مجموعات عرقية، تجمع بينها قواسم مشتركة، ولكن المصطلح يدل عليهم جميعا.



ويعتبر الشكل الروائي الذي يوثق تاريخهم هو الأقدم على سطح الأرض، حيث أوجد الأبوريجينيز تحفا قصصية تكاد تنبض بالحياة، تعرف حديثا بوقت الأحلام، وهي تحكي عن كائنات يعتقدون أنها أسطورية، وأنهم ينتمون إليها.

 

كان يقدر عدد الأبوريجينيز بـ410 آلاف نسمة أي 2.2 من تعداد السكان عام 2001, مرتفعا عما كان عليه عام 1976 وهو 116 ألف نسمة. وفي عام 2006 قُدر عددهم بـ517 ألفا، ينتشرون في جميع الولايات الأسترالية. ويشكل الأبوريجينيز حاليا ما نسبته 2.4% من مجموع سكان أستراليا. ولا يزالون يحتفظون بثقافتهم وعاداتهم المميزة، وأكثر ما اشتهروا به الرسم الرمزي الذي يروي قصة أجدادهم ومعتقداتهم عن كيفية بدء الكون.

السابق

السابق

التالي

السابق

-5/17-

الأجيال المسروقة في أستراليا

الأجيال المسروقة في أستراليا
بكلمات في غاية الدقة وصف أحد الأطفال المسروقين من أسرته ما جرى له ولرفاقه في عام 1935 قائلا "كنت في مكتب البريد برفقة أمي وخالتي وابن خالتي، هجم علينا بعض الرجال البيض

 

ووضعونا في سيارة الشرطة، وأخبرونا أنهم سيأخذوننا إلى مدينة بروم، ومعنا أمهاتنا في نفس العربة عندما قطعنا مسافة عشرة أميال تقريبا، توقفوا وألقوا بأمهاتنا خارج السيارة، فقفزنا على ظهور أمهاتنا، كنا نبكي ونحاول أن لا نذهب بعيدا عنهن، لكن رجال الشرطة سحبونا إلى السيارة ودفعوا بأمهاتنا بعيدا ومضوا".

 

ويضيف "حاولت أمهاتنا أن يلحقن بالسيارة، كن يبكين ويجرين خلفنا ونحن نصرخ في صندوق السيارة الخلفي، عندما وصلنا إلى بروم، وضعوني وابن خالتي في السجن، كنا نبلغ من العمر عشرة أعوام فقط، مكثنا في السجن لمدة يومين ننتظر قاربا لينقلنا إلى مدينة بيرث".

 

العنابر التي كان يوضع فيها الأطفال الأبوريجينيز المخطوفين -من الأرشيف الوطني الأسترالي (الجزيرة)

عن تاريخ تلك الفترة الرهيبة في حياة السكان الأصليين تحدثنا إلى الناشط الأبوريجيني فالنتين نونج، الذي أكد ما جرى في تلك السنوات قائلا "ما بين عام 1909 و1969 اختطفت منظمات حكومية وبعثات كنسية في أستراليا ما يصل إلى مئة ألف طفل من أهلهم بهدف تنشئتهم على قيم السكان البيض.

 

ويضيف نونج "كانوا يظنون أن الاختطاف سيحقق لهم إمكانية القضاء على الأبوريجينيز، وحتى  رئيس مجلس حماية السكان الأصليين أونيفيل كتب لصحيفة غرب أستراليا عام 1930 "اقضوا على نقاء العرق الأسود، واسمحوا باختلاط العرق الأبيض بنصف الطوائف، ففي النهاية سيكون العرق أبيض خالصا".

 

بعد أن يبلغ الأطفال سن الثامنة عشرة، تتيح لهم الحكومة الاطلاع على سجلاتهم. وفي شهادته قال أحد الضحايا "لقد دعيت للحضور إلى مكتب الشمس المشرقة للرعاية، استغرق الأمر مع كبير الموظفين حوالي عشرين دقيقة، بعد ذلك صارحني بأمري الذي طالما وددت أن أعرفه. قال "إني أنتمي إلى السكان الأصليين، وإن لي أسرة كاملة، أم وأب وثلاثة إخوة وأخت، وأنهم جميعا على قيد الحياة، ووضع أمامي 368 صفحة من حياتي، تضم رسائل وصور وبطاقات أعياد ميلاد، وأخبرني أن اسم عائلتي سيتم تغييره إلى عائلة أمي، ثم أطلقوا سراحي".

 

كلمات كثيرة  بينها مسروق كانت تستخدم للحديث عن هؤلاء الأطفال وذكر مقال في أحد الصحف "قد تبدو كلمة سرق غير محتملة، لكن بعد أن سمعنا قصص بعض الأمهات المفجوعات تأكدنا أن هذه الكلمة مناسبة".

أطفال أبوريجينيز تمت سرقتهم وتربيتهم في محاضن خاصة - من الأرشيف الوطني الأسترالي (الجزيرة)

عضو البرلمان الأسترالي هون بي ماكغري هو أول من وصف هذه السياسة "بسرقة الأطفال" واعترض على قانون عام 1915 الخاص بحماية السكان الأصليين، الذي مكن من انتزاع الأطفال من أهليهم، وطالب بتعديله. وصدر تقرير من المجلس الوطني الذي حمل عنوان "أعيدوهم إلى الوطن" نشر عام 1997، فزاد الوعي بمصطلح الأجيال المسروقة الذي توج بصدور اعتذار رسمي.

 

بتاريخ الأربعاء 13 فبراير/شباط 2008 وبحضور ما يزيد عن الألف من الأبوريجينيز قدمت أستراليا للسكان الأصليين وعلى لسان رئيس وزرائها كيفن رود الاعتذار الذي انتظروه طويلا، لكنهم قالوا إنه لا يكفي.

 

قال رود في الاعتذار "نقول نحن آسفون للألم والمعاناة التي سببتها هذه السياسات لهذه الأجيال الضائعة ولأطفالهم وذويهم، نقول نحن آسفون للأمهات والآباء، والإخوة والأخوات، ولتدمير عوائل ومجتمعات بأسرها، نقول نحن آسفون لكل الإذلال والمهانة، التي تسببنا بها لشعب عزيز ذي حضارة يعتز بها. إن استراليا تأسف للألم الجسدي الذي عانوه وللجوع العاطفي والبرد وغياب الحب والحنان.



نأسف لأنكم في طفولتكم أخذتم من عائلاتكم، ووضعتم في مؤسسات غالبا ما تعرضتم لسوء المعاملة فيها. إن جزءا من تاريخ أستراليا مدموغ بالعار، وكأمة علينا أن نفكر في الأشخاص الذين لم يحظوا برعاية ملائمة.

أطفال أبوريجينيز تمت سرقتهم من أهليهم - صورة من الأرشيف الوطني الأسترالي (الجزيرة)

نقدم اعتذارنا عن القوانين وسياسات البرلمانات والحكومات المتعاقبة، التي ألحقت المعاناة وتسببت في الخسائر لمواطنينا الأستراليين، عن الآلام والمعاناة التي لحقت بهذه الأجيال وأحفادهم وعائلاتهم، نطلب الصفح من الأمهات والآباء، والإخوة والأخوات الذين انفصلوا عن عائلاتهم.

 

نطلب الصفح عن الإساءة والإذلال الذي لحق بشعب يفتخر بنفسه وبثقافته، مظالم الماضي يجب ألا  تتكرر. من أجل المستقبل، نتعهد ونقرر أن هذه الصفحة الجديدة من تاريخ قارتنا الكبيرة يمكن الآن أن تكتب. نقوم اليوم بهذه الخطوة الأولى من خلال الاعتراف بأخطاء الماضي والمضي نحو مستقبل يشمل جميع الأستراليين".

 

أما الشاعرة السياسية أودجيرو نونوكال فقد كتبت قصيدتها "نحن ذاهبون" وتحكي فيها سيطرة البيض.

جاؤوا إلى القرية الصغيرة زمرة شبه عارية، جاؤوا مقهورين وصامتين 

هم كل ما بقي من قبيلتهم، جاؤوا إلى هنا، إلى موقع ميدان البور القديم

حيث يتراكض الآن كالنمل، الرجال البيض الكثيرون

نحن الآن كالغرباء

 القبيلة البيضاء هم الغرباء

 إننا ننتمي إلى هنا، نحن أصحاب العادات القديمة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-6/17-

سفارة الأبوريجينيز بوطنهم.. 43 عاما في خيمة

سفارة الأبوريجينيز بوطنهم.. 43 عاما في خيمة

هنا وفي هذا المكان وقبل ثلاثة وأربعين عاما ، قام أربعة من السكان الأصليين بنصب خيمة أمام البرلمان الأسترالي في قلب مدينة كانبرا، كمقر دائم لهم يقيمون فيه بصورة مستمرة ويتبادلون حراستها والإقامة فيها وفق جدول زمني.

 

فما قصة هذه الخيمة ولماذا يطلقون عليها سفارة؟

التقينا داخل السفارة بوالتر مارك نكليز  -وهو أحد الناشطين من السكان الأصليين-  وحدثنا عن تاريخ السفارة قائلا:

 منذ سنوات طويلة طالب أهلنا بحقهم في ملكية الأراضي الأسترالية التي عاش فيها أجدادنا منذ مئات السنين، باعتبار أن حقوق الملكية مفتاح للاستقلال الاقتصادي والاستفادة من الموارد الطبيعية، وإيجاد فرص العمل للسكان الأصليين.

برلمان أستراليا القديم يظهر خلف سفارة السكان الأصليين (الجزيرة)

ووقعت الصدمة بعد أن حكمت المحكمة العليا ضد مطلبنا العادل، ولم تعترف الحكومة آنذاك بحقنا في امتلاك الأرض. وفي عام 1972 تأسست هذه السفارة الخيمة احتجاجا على قرار الحكومة في عهد رئيس الوزراء مكماهون الذي رفض المقترح الذي قدمناه. ولم يستسلم الوفد لقرار المحكمة   وتواصلت المطالبات بحق الأبوريجينيز في إدارة أراضيهم والاستفادة من عمليات التعدين وأن تعاد إليهم الأرض بمجرد الانتهاء من عمليات التعدين.

 

وختم  والتر حديثه قائلا: بالرغم من أن هذه السفارة تمثل النضال السياسي لجميع السكان الأصليين، فإنها لم تسلم من الهجمات، وأصبحت عرضة للإزالة من قبل الشرطة ففي عام 2003 مثلا تعرضت للحرق، وأعيد بناؤها مرة أخرى، كذلك لم تسلم من العنف اللفظي، فقد وصفها بعض السياسيين  بأن مظهرها غير ملائم أمام البرلمان، ووجهوا دعوات لنقلها إلى مكان آخر خارج كانبرا، لكنها بقيت هنا.

 

ثم سألنا الناشطة روزانا عن سبب تسمية هذه الخيمة بالسفارة فقالت بكل ثقة وهدوء "نحن الدولة الوحيدة في العالم التي يوجد لأهلها سفارة على أرضهم"، وواصلت حديثها، ذلك لأننا نشعر بأننا أجانب في وطننا، هذه أرض أجدادنا، ولكن نشعر بأننا غرباء إننا بحاجة إلى سفارة لإسماع صوتنا  ،ونحن ندين بالجميل لأربعة من الشجعان الذين تصدوا لإنشاء هذه السفارة في هذا المكان، وهم مايكل أندرسون وبيلي كرايجي وبيرتي وليامز وتوني.

 

وتضيف، ولا بد أن أذكر أنه وفي ذلك الوقت أصبح مايكل أندرسون أول سفير يمثلنا هنا، وهو الذي  صاغ مصطلح السفارة. وعن جدوى السفارة تقول "منذ إنشاء السفارة وحتى الآن فهي مكان للاحتجاج السلمي وليس مكانا للعنف والعنصرية، وهنا نحكي للزائرين عن تاريخنا".

خيمة سفارة الأبوريجينيز على أرضهم (الجزيرة)

في 20 يوليو/تموز عام 1972 وبتهم تتعلق بالتعدي على أراضي الكومنولث عدلت الحكومة قوانينها، وتدخلت الشرطة وأزالت السفارة في صباح اليوم التالي بقرار من المحكمة العليا في كانبرا. لكنهم كانوا مصممين على البقاء وأعادوا إنشاء السفارة مرة أخرى في 1974 وبقي فيها الناشط تشارلز بيركنز للتفاوض في انتظار سن قانون حقوق الأرض للسكان الأصليين. كما تم إنشاء مواقع وخيم أخرى نصبت في عدة مواقع أخرى حول كانبرا، وعادت السفارة مرة أخرى لتكون بؤرة انطلاق  للمطالبة بحقهم.

 

لعبت سفارة السكان من هذا المكان دورا كبيرا لنيل كافة الحقوق خاصة الحق في امتلاك الأرض  في كل أنحاء القارة الأسترالية بصفتها جزءا لا يتجزأ من الإنسان الأبوريجيني. وفي يوم 26 يناير/كانون الثاني 2012، احتفلت السفارة بعيدها الأربعين من النضال والعمل السياسي. في هذا اليوم خاطب الناشط الأبوريجيني كاثي إيتوك في احتفالية سياسية من أرض السفارة قائلا "لقد لعبت سفارتنا دورا كبيرا ليعود لنا الحق في امتلاك أرضنا المسروقة ومن أجل وضع حد للتمييز العنصري في هذا البلد". وأكد "أن هذه السفارة رمز دولي لكل السكان الأصليين وغير الأصليين على حد سواء".

 

أصبحت سفارة السكان الأصليين في كانبرا هي الأولى، تبعتها سفارات أخرى في جميع أنحاء أستراليا، نذكر منها على سبيل المثال إنشاء سفارات مماثلة في بريسبين بتاريخ 13 مارس/آذار 2012 وفي سيدني في 27 مايو/أيار 2012 وفي بيرث في 12 فبراير/شباط 2012 وفي فكتوريا بتاريخ 8 فبراير/شباط 2012 .

 

صادف اليوم الوطني الأسترالي  بتاريخ 26 يناير/كانون الثاني عام 2012 الذكرى الأربعين لبناء السفارة وشهد مكان الاحتفال احتجاجات تسبب فيها زعيم المعارضة في تلك الفترة -توني أبوت- الذي حضر الاحتفال مع رئيسة الوزراء السابقة، جوليا غيلارد. وفي ذاك اليوم دعا أبوت إلى إزالة السفارة وتساءل خلال مقابلة تلفزيونية، عن جدوى بقاء مخيم السفارة في ظل الخطط الجديدة للاعتراف بالسكان الأصليين في دستور الدولة. وهنا اتهم الناشط مايكل أندرسون، أبوت بإثارة أعمال شغب عنصرية.

جانب من سفارة الأبوريجينيز على أرض وطنهم (الجزيرة) 

ونشبت ثورة من الغضب في مكان الاحتفال اضطرت الشرطة إلى التدخل لإخراج رئيسة الوزراء من المطعم، بعدما أحاط  بها المتظاهرون الغاضبون. وبينما كان الحارس الشخصي لرئيسة الوزراء يدفعها باتجاه سيارة كانت تنتظرها في الخارج، تعثرت غيلارد وفقدت إحدى فردتي حذائها، وهي مهرولة وتمكن الناشط الأبوريجيني بات إيتوك من أخذها وقال إنه لن يعيدها إليها مرة أخرى، وتم عرضها للبيع مقابل استعادة أرضهم المسروقة.

 

ومثلما قال والتر بقيت السفارة في مكانها بالرغم مما تعرضت له من تحطيم وحرق وإزالة، وفي 9 أبريل/نيسان عام 1995 سجلت لجنة التراث الأسترالي موقع السفارة كموقع وطني. وبعد أن كانت السفارة هدفا لقوات الشرطة لتدميرها وحرقها إلا أنه وبمرور الوقت وإصرار السكان الأصليين أصبحت رمزا للوحدة بين جميع السكان.

السابق

السابق

التالي

السابق

-7/17-

حفظ الثقافة والتاريخ بالفن التشكيلي

حفظ الثقافة والتاريخ بالفن التشكيلي
يقول السكان الأصليون في أستراليا (الأبوريجينيز) "إذا أردنا أن نقول أو أن نكتب المياه نرسم الأمواج. وإذا أردنا أن نشير إلى رجل نرسم جسدا في وضعية الجلوس".


ليس في الأمر سحر أو شعوذة، فهذه نظرتهم إلى الحياة، لأنهم يرتبطون بعضهم ببعض، فالأجداد يتواصلون روحانيا مع الأجيال الجديدة، لكن الأهم من هذا كله أنهم يرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من الأرض والغيم والمطر والضوء والألوان.


تمتد فنون الشعب الأبوريجيني لآلاف السنين، فقد وجد الباحثون لوحات رمزية في غاية القدم منحوتة في الكهوف الرملية القريبة من السواحل وأماكن المياه الموسمية وأودية الأنهار، وقد عمق هذا القدم ارتباطهم بالأرض، التي برعوا في رسم كائناتها من طيور وحيوانات برية، وبرعوا كذلك في رسم الدروع والسلال، وكلاهما مرتبط بشكل الحياة التي يعيشونها، وتتمحور كلها حول قناعتهم بحقهم الأساسي بأهلية الأرض بحكم كونهم الورثة الشرعيين لها جسديا وفنيا وروحانيا.


ويشتهر الأبوريجينز بأنهم مهرة في التعبير عن حياتهم ومعتقداتهم عن طريق الرسم الرمزي حيث
لا توجد مجسمات مرسومة بالكامل تظهر أيا من أشكال الحياة، مقارنة بالفنون عند الحضارات القديمة. حيث لا توجد حضارة في العالم تشبه إرثهم، لأنهم ظلوا معزولين تماما، ولم يدخلوا فيما عرف بتمازج الحضارات. وقد أجمع علماء التاريخ على أن رسوماتهم الموجودة في الكهوف والتلال من أقدم الحضارات العالمية.

لوحات لفنانين أوبورجينيز في معرض الفن التشكيلي (الجزيرة)


وينتشر فن الرسم الأبوريجيني انتشارا واسعا في جميع المدن، ويطالعك في كل مكان تزوره، فهنا يتعلم الزوار والسياح أن شعبية هذه الفنون ليست طارئة أو حديثة، إنما هي جزء أساسي من التاريخ يرتبط بالشعب الأصلي لهذه البلاد.


وفي السنوات الأخيرة بدأ تأثير الفن التشكيلي ينطلق إلى جميع أنحاء العالم، وصار أصحاب المجموعات التشكيلية في العالم يتهافتون على شراء أعمالهم، حتى إن لوحة واحدة بيعت في مزاد علني بنحو نصف مليون دولار.


كما أن معارض وصالات فن الرسم عند السكان الأصليين انتشرت في كل مكان، وتتوفر اللوحات الفنية المرسومة على الورق والقماش والخشب والحجر. كما تجدها في أماكن السياح وفي التجمعات السكنية المتنقلة التي تعتمد على مواسم الأمطار.

إحدى ساحات معرض الفن التشكيلي عند الأبوريجينيز (الجزيرة)


التقينا الشاب الأبوريجيني أليكس فولي، وسألناه عن الفنون التي يمارسها أهله، فابتدر حديثه بعفوية قائلا "قد لا تصدقون أن الألوان التي يستخدمها الأبوريجينز في أعمالهم ألوان طبيعية خالصة، وهي مستخرجة من التراب وجذور الأشجار ونشارة الخشب المحروق والمَحار وعظام الحيوانات المطحونة.

 

 وتمزج بالزيت أحيانا وبالماء أحيانا أخرى، ليحصل الرسام على الكثافة اللونية، حسب مزاجه الخاص.
وعن مشاركة هؤلاء الفنانين في المعارض، أكد فولي أن "العديد منهم خرجوا من العزلة وأصبحوا يعرضون أعمالهم في العديد من الصالات في المدن داخل وخارج أستراليا، لكن بالطبع ما زالت هنالك مجموعات من الفنانين في حالة ترحال وتنقل داخل الصحراء الأسترالية، رغبة منهم في البقاء على اتصال بمعتقداتهم الروحانية، ويرسمون على جنبات الطرق الوعرة في الغابات، فما لا تتمكن من رؤيته في المعارض تشاهده في الطبيعة على الصخر وجدران الكهوف".


ويضيف فولي "أروع مثال على هؤلاء المبدعين هي الفنانة سوندا التي تتميز بأسلوب فريد في اتباع النمط التقليدي، الذي لا يرتكز على رسم خطوط أو دوائر أو تموجات، واشتهرت بلوحتها التي تظهر تمساحا محاطا بالنمل، وعلى عشرات آلاف من النقاط المتناهية الصغر، ومن على البُعد تبدو هذه النقاط كأنها خطوط ترسم الفكرة، لكن عن القرب وبعدَ تمحيص هذا الأسلوب الفريد تكتشف النقاط. وتعتبر سوندا أن هذه الطريقة ساعدت على إبقاء شعلة شعبها وتاريخه ومعتقداته على قيد الحياة.

لوحات تشكيلية تعبر عن ثقافة الأوبوريجينيز الخاصة (الجزيرة)


وفي جولة داخل المعرض الوطني نشاهد لوحات فنية في غاية الدقة تترجم ببساطة الأفكار المرتبطة بالأرض ورمزية عناصرها وحيواناتها وغاباتها ومياهها بأسلوب التنقيط على القماش، فهؤلاء الفنانون لا يمكن الوصول إلى قلوبهم إلا من خلال الحديث معهم حول معتقداتهم وأفكارهم الروحانية، التي يصورونها في أعمالهم الفنية من خلال رسم على جدار أو قطعة قماش يسكب فيها حنينه وتمسكه بالأرض.


لقد أكسبتهم فلسفة الأحلام رؤى تجاوزت ما يصفه الأبوريجينيز باضطهاد المستعمر الأبيض من مجازر وقتل ومحاولات التخلص كليا من العرق الأسود، واستعباده وطمس معالم هويته على مدى قرنين من الزمن.


ولكل هذا وذاك فهم حين يقررون الرسم أو ممارسة أي نوع من الفنون يتمسكون بمعتقدات وتقاليد يؤمنون بها إيمانا قاطعا، ويرون روحهم تتجسد في تلك الأمكنة التي عاش فيها الأجداد وتصير كلها مع الوقت ينابيع ماء.

وحيث مشوا تمشي معهم الأنهار.

وحيث ماتوا ودفنوا.. تنبت الأشجار.

وحيث سالت دماؤهم .. تجمعت البحيرات.

السابق

السابق

التالي

السابق

-8/17-

فنون وثقافة تقاوم الانقراض

فنون وثقافة تقاوم الانقراض

يبدو ان  الرسام العالمي  بيكاسو  كان على حق حين قال إن الرسم طريقة أخرى لكتابة المذكرات. والشاهد يقول إن الفن عند الأبوريجينيز لم يكتب مذكرات وحسب، بل كتب تاريخا رائعا منذ آلاف السنين، سجل فيه قصصا تتمحور حول قناعتهم بحقهم الأساسي بأهلية الأرض لأنهم الورثة الشرعيون للقارة.

واستطاع وجدانيا وروحيا أن يترجم عبر الفنون مواضيع شتى من خلال التجول في الطبيعة،  والتمعن في جمالها والتواصل مع معتقداتهم وأفكارهم الروحانية، التي صوروها في أعمالهم الفنية من موسيقي ورقص ولوحات تشكيلية.

 

إن أكثر ما يلفت النظر هو الانتشار الواسع لفن الرسم الأبوريجيني حيث يطالعك في كل مكان تزوره  فممارسة هذا النمط من حياتهم ليس هواية طارئة، إنما هي جزء أساسي من تاريخ المنطقة وارتباطها بالشعب الأصلي للبلاد، تمثل في ازدهار فن داخلي أنيق.

 

وتعتبر صخرة "إيرز" العملاقة واحدة من أهم المزارات الروحانية لهم، وتوجد في وسط المنطقة الصحراوية الجافة حول "اليس سبرينق" التي تحولت بفضلها إلى مدينة يأتيها السياح بسبب قربها من هذه الصخرة، التي تعتبر معجزة طبيعية.

 

مواطنون أبوريجينيز يؤدون رقصة تقليدية بالثياب التقليدية في مناسبة خاصة بالسكان الأصليين (رويترز)

كما تكثر معارض وصالات فن الرسم في قلب العاصمة داروين وعند استراحات السياح ومحبي السير في الغابات الاستوائية وفي التجمعات السكنية المتنقلة التي تعتمد على مواسم الأمطار، وتزخر  بلوحات فنية رائعة مرسومة على الورق والقماش والخشب والحجر.

 

عيد الألوان واحد من أهم احتفالاتهم وهو مرتبط بموسم الزواج في الربيع والشكل الاحتفالي للأبوريجينيز يكاد يكون سريا، فالأفراح والأتراح عندهم تؤدى في أماكن مغلقة، وقد تكون داخل كهف أو ما شابه ذلك.

 

ويعرف عنهم استعمال آلة الالديدجريدو الموسيقية المقدسة المصنوعة من قطعة واحدة من الخشب، والتي يعدها البعض الرمز الوطني لأستراليا. هذه الآلة الطويلة تمنع النساء من العزف عليها حيث يعتقد أن المرأة  قد تحمل طفلا لو نفخت في الآلة.

 

أما العازف الأبوريجيني فهو يعين منذ نعومة أظافره ويتولى تدريبه ساحر القبيلة الأوندانجو ويطلقون على اللحن في حالة الفرح "ييداكي" وعند المآتم يسمى "ييداكيمي"، وتتميز ألحانهم بالحزن وتسمى "البيلم" وهي في غالبها تقليد لأصوات بعض الحيوانات وبعض مكونات الطبيعة، حيث يعتقدون أنها أصوات آلهة. 

محتجون يؤدون رقصة أبوريجينية تقليدية في مظاهرة تأييد للسكان الأصليين (غيتي)

وتقول الأسطورة: أنا كنغر، أنا ثعبان، أنا سمكة، وأنا إنسان. لكننا نرتبط ببعضنا البعض،  فالاعتقاد السائد أن الأجداد في هذه الأرض يتواصلون روحيا مع الأجيال الجديدة، فهل تحققت رؤى وفلسفة هذه الأحلام عبر هذا الحيوان الوديع، الذي يسميه الأصليون "روز".  

 

والكنغر يوجد بكثرة في أستراليا يوجد منه حوالي تسعين نوعا، ويعيش بين الأشجار والغابات على شكل جماعات وأسراب ترعى أثناء الليل وتستريح في الظل نهارا. وقد ظل سكان أستراليا الأصليون يعيشون على صيد الكنغر على مدى مئات السنين، ويحاكون حركته وقفزاته في رقصاتهم التقليدية وفنهم التصويري، ولأنه لا يعرف أن يسير إلى الوراء، تم وضعه في العلم الأسترالي تفاؤلا بالتقدم والنهضة.

 

تحاول الحكومات الأسترالية المتعاقبة أن تكسب رضا السكان الأصليين بمختلف الأشكال، وفي السنوات الأخيرة أصبح هنالك نشاط ملحوظ لتنظيم حياتهم، بإدخال برامج تعليمية تحاول جاهدة أن تضفي عليهم مظاهر المدنية الحديثة، والدفاع عن تراثهم، وإقامة منظمات لحمايتهم والدفاع عنهم، لكن حتى الآن استعصت هذه القبائل البدائية عليهم. وحتى الذين فضلوا الخروج من المساكن البدائية بعد جهد جهيد تمركزوا حول قرى نموذجية بعيدة عن المدن حول السهول في أماكن قصية.

مواطن أسترالي أصلي يختبر العزف على بآلة الديجريجو الموسيقية تقليدية في ثقافة الأبوريجينيز (أسوشيتد برس)

وتم بناء مراكز خاصة للاعتناء بهم من كافة الجوانب فالأغلبية العظمى منهم، وحتى الآن أسرى الكحول والمخدرات والجهل والأمية، ولهم مدارس خاصة في الأصقاع البعيدة، ومراكز علاج متنقلة تجوب الفيافي تبحث عن المدمنين لعلاجهم وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية.

 

كما أن لهم مؤسسات خاصة لتأهيلهم في وظائف تناسبهم، وحتى لا يتعرض الأبوريجينيز وغيرهم من الإثنيات للتهميش أو التفرقة حرصت الحكومة عام2011  بتطوير إستراتيجية وطنية لمناهضة العنصرية، تهدف إلى تعزيز وتحسين وضع الأقليات، وتم تطويرها إلى شراكة ضمت أعضاءً من مؤسسات تعمل في شؤون السكان الأصليين.

 

وللاحتفاظ بتراثهم وتطويره أطلق مجموعة من الباحثين الأستراليين مشروعا لاكتشاف لغات السكان الأصليين المنقرضة في أستراليا، فقد كان هنالك نحو 250 لغة من اللغات التي يتحدثها السكان الأصليون عام 1788، أي قبل الاستعمار البريطاني. إلا أن دراسة أجرتها الحكومة عام 2004 أشارت إلى وجود 145 لغة، ما زال التحدث بها قائما في أستراليا، وتحذر الدراسة من أن  110 منها مهددة بالانقراض.

السابق

السابق

التالي

السابق

-9/17-

معتقدات وأساطير وثنية حية بأستراليا

معتقدات وأساطير وثنية حية بأستراليا

السواد الأعظم من الأبوريجينيز وثنيون ويعتقدون بأن نسلهم ينحدر من مخلوقات أتت من عوالم أخرى، كما يعتقدون أن الكائن الحي -أساسا- موجود في أحلام تلك المخلوقات التي أوجدت أشكال الكائنات الحالية من إنسان وحيوان.

 

ويستخدمون مصطلح وقت الأحلام الذي يعتبر الأهم لديهم، حيث يتحدثون عن خرافات وأساطير فيما يتعلق بنشأة الإنسان. ويستمدون معرفتهم ومعتقداتهم من الأرض مباشرة. كما يعتقدون أن الجبال -ويسمونها اليورو- تكمن خلفها أرض الأجداد حيث يتزاوجون ويوزعون الرزق.

 

كما يؤمن الأبوريجينيز بأن الكائنات الحية الحالية قد انفصلت عن مصدر حياتها الأول، وأن بدايتها جميعا كانت على شكل سمكة أو حيوان الكنغر، ويسمون مرحلة الانفصال هذه بالتوتمز.

 

غناء ورقص تقليدي أبوريجيني على أحد شواطيء مدينة سيدني (رويترز)

ويعتبر نهر موراي من أحب الأنهار إلى الأبوريجينيز، ويؤمنون أنه جاء إلى الدنيا بعد أن تدفق من فم حيوان أسطوري اسمه الانجروندري، ومن نفحات هذا الحيوان تكونت البحيرات الموجودة في أستراليا، ويحكون عن موراي قصصا أقرب إلى الأساطير اليونانية وملحمة الأوديسا، وأن منحدرات هذا النهر العظيم أتت من هز ذيل ذلك الحيوان الأسطوري.

 

وعند ذهاب الأبوريجينيز إلى صيد الأسماك فهم يستخدمون الحراب المدببة ويسمونها البوسيني، حيث يقف الفرد يحدق في الماء ويتمتم فيما معناه استئذان انجروندري، فإن أصاب الهدف  جثا على ركبتيه، ثم يأخذ الصيد الثمين بين أحضانه إلى مكان الطهو، والأبوريجينيز لا يأكل طيور البحر إذ يعتبرها روحا شريرة.

 

كما يعتقد السكان الأصليون أنه إذا تراجعت أعداد الحيوانات المتوفرة للصيد أمامهم، فإن ذلك ليس بسبب كثرة حملات الصيد التي يقومون بها، بل بسبب عدم قيامهم بالصيد. وكان العلماء يعتقدون أن هذا الاعتقاد مجرد أسطورة مبنية على أساس ديني ليس له خلفية واقعية، إلا أن بعضهم رأى أن هذا الاعتقاد قد يكون صحيحا، وله تفسير منطقي في الطبيعة.  

لا يزال الأبوريجينيز يتمسكون بأساطيرهم وثقافتهم القديمة رغم معايشتهم للحضارة والمدنية الحديثة  (رويترز)

وأن صحة هذا المعتقد ربما تعود إلى أن السكان الأصليين يحتاجون لإشعال نار صغيرة في كل مرة يصطادون فيها، وأن هذه النيران تبعد السحالي من جحورها، ومع مرور السنين يتحول مكانها إلى رماد، مما يؤدي إلى تنوع التربة، لأن تلك الحيوانات لا تحتاج فقط لأماكن خضراء لتعيش فيها، بل تحتاج أيضاً إلى أماكن جرداء تلجأ إليها هربا من أعدائها، والتنوع في التربة يؤدي بالضرورة إلى تنوع الحيوانات في المنطقة.

 

يعتقد الشعب الأصلي أن الثعبان رمز للقوة وينافس الشمس في هيبتها وقوتها وهو المسؤول الأول الذي أوجد القنوات التي تتجمع عندها مياه الأمطار، وأن هذا الثعبان يشكل جزءا رئيسيا في قصّةِ خَلْقهمِ، لذلك يرقصون رقصة ثعبان قوس قزح باعتبارها مصدر الرزق  والماء، وأنهم بهذه الرقصة يحمون الثعبان من الناس.

السابق

السابق

التالي

السابق

-10/17-

تقارير منوعة

تقارير منوعة
وفي التقارير المنوعة، يقدم العدد ملفا مختصرا من شمال المغرب، حيث قرى ومعالم كان لها دور بارز في مقاومة الاستعمار الإسباني ودحره، لكنها دخلت اليوم في دائرة الإهمال.

 

فيعرفنا تقرير بمنطقة "أنوال" التي تسمى اليوم "تاليت"، وإرث المناضل ابن عبد الكريم الخطابي الذي طواه الزمن في الريف المغربي. بينما يعرفنا تقرير آخر بأمراء النكور بإقليم الدريوش شمال شرق المغرب، ودور الأمراء الأربعة في نشر الإسلام في تلك المنطقة. في حين يعيدنا تقرير ثالث إلى فندق الإسلام بالناظور، الذي أقامت فيه رموز حركات التحرر في شمال أفريقيا ضد الاستعمار الأوروبي.

 

ومن حي الحسين في القاهرة، نتعرف على هذه البقعة الغنية بالإرث التاريخي، من المساجد والأسواق والمقاهي، ومن أبرزها خان الخليلي، التي اجتذبت على الدوام السياح الأجانب لتلمس التاريخ المصري على مرّ القرون.

 

وإلى أذربيجان، التي تعيش التنوع المتناغم، بين علمانيتها السياسية وتاريخها الإسلامي، وبين مذاهبها المعاصرة، وتستغل موقعها الإستراتيجي بوصفها معبرا بين الشرق والغرب، دون أن تتصارع هذه الهويات.

 

أما من سريلانكا، فنعيش مرحلة انعتاق البلاد من الحرب الأهلية وتمردها عليها، لتفتح صفحة وطنية جديدة تتعايش فيها الأديان ونسيان التاريخ الدموي.

 

وختاما من أميركا اللاتينية، حيث نجح نادي فلسطين الرياضي (بالستينو) في حمل هموم القضية الفلسطينية إلى مجتمع تشيلي، فعرّف بالقضية منذ تأسيسه قبل قرابة مئة عام، وحقق نجاحات كروية، فبات من أهم أندية البلاد.

السابق

السابق

التالي

السابق

-11/17-

إرث الخطابي في أنوال.. إهمال التاريخ

إرث الخطابي في أنوال.. إهمال التاريخ
فاطمة سلام - أنوال/شمال المغرب

"جبال الريف يا أم الفرسان، يا ما نبتو من أرضك شجعان، جبال الخير والهمة والشان، شهدت لكتب وايام زمان" هذه الكلمات من أغنية سعيدة فكري، تقول إن جبال الريف الخيرة في المغرب، تنبت الفرسان والشجعان وذوي الهمة، وتشهد بذلك الكتب وأحداث الزمن الماضي.

 

كانت تدور مقاطعها كالرحى في بالي وأنا أقطع المسافة بين مدينة الحسيمة والناظور وتقدر بـ140 كيلومترا، ثم ما يقارب الـ170 كيلومترا أخرى من الناظور إلى دوار أنوال، الذي تحمل اسمه الموقعة الشهيرة سنة 1921، بين الجيش الإسباني -المستعمر حينئذ لريف المغرب- وجيش الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، قائد ثورة الريف.

 

أصل الحكاية

جبال الريف كانت دائما صامدة وما زالت إلى اليوم تبدو مترابطة في تراصها، تحيط بالسهول من عل، حتى أنها تبدو كاليد الواحدة، مستعدة للإطباق على الغرباء متى ما قصدوا الأذية. وهذا يذكر بتكتيك معركة أنوال، حين جرّت حنكة ابن عبد الكريم الخطابي الجيش الإسباني، وقوامه ثلاثون ألف جندي، إلى سهل تحيطه الجبال، ثم طوقه رجاله، وعددهم لا يتجاوز الثلاثمئة مجاهد، كعصف لم يبق أو يذر، محققين نصرا تاريخيا يسمى إلى اليوم في إسبانيا بكارثة أنوال "Desastre de Annual".

 

مقدرة محمد بن عبد الكريم الخطابي الحربية والسياسية، وضعت أسسا لما يعرف تاريخيا باسم "جمهورية الريف" (بين 1921-1926) لكن المصادر التاريخية أيضا تورد أنها لم تؤسس لتستقل بالحكم عن المغرب، أو تهدد ملك السلطان محمد الخامس. حيث نقل عن الخطابي قوله "أنا لا أريد أن أكون أميرا ولا حاكما، وإنما أريد أن أكون حرا في بلد حر، ولا أطيق سلب حريتي أو كرامتي"، وقوله "لا أريدها سلطنة ولا إمارة ولا جمهورية ولا محمية، أريدها عدالة اجتماعية ونظاما عادلا يستمد روحه من تراثنا". وهو ما أضيف إلى رصيد الخطابي، وجعله في مقدمة ملهمي الحركات التحررية عبر العالم.

 

ما يصطلح عليه بالنصب الرسمي وقد محي عنه اسم المنصوري بن علي (الجزيرة)

إرث الخطابي لمن يعود؟ 

التاريخ السياسي والإنساني الكبير لابن عبد الكريم الخطابي، يترك إلى اليوم وبعد نصف قرن على رحيله، صفحة إرثه مفتوحة. أبناء الريف الذين سيفتخرون دائما بكونهم أحفاد المجاهدين، يرون في شهادات استقتها مجلة الجزيرة من أنوال، أن لهم في مغرب اليوم حقوقا كثيرة لم تستوف بعد "تنمويا وسياسيا وللإنصاف التاريخي".

 

فيما يتمادى بعضهم "على قلتهم القليلة إلى إعلاء طرح انفصالي"، كما يقول مصدر - رفض ذكر اسمه- من أبناء الريف مقرب من "المطالبين بالانفصال". ويضيف "ضمن حاملي الطرح الانفصالي، يبرز تيار يدعو إلى حكم ذاتي للمنطقة بدل الانفصال عن المغرب". تصبح أنوال منبرا للإعلان عن المطلبين كلما حلت ذكرى المعركة في 21 يوليو/تموز من كل سنة.

 

حسب الشهادات التي استقتها مجلة الجزيرة، فأنوال تشهد خلال الاحتفالات بالذكرى، إنزالا أمنيا كبيرا من قبل السلطات المغربية، وفيما يحضر مسؤولو عمالة الدريوش التابع لها ترابيا أنوال، ورؤساء جماعة "تاليلت" المنضوي تحت اسمها كواحد من دواويرها، ويحضر المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يحضر أيضا "أربعة إلى خمسة أفراد ليسوا من أبناء أنوال، يمثلون الطرح الانفصالي، يتبادلون الرشق بالحجارة مع الأمن، ويتحول الاحتفال إلى مواجهة مهزلة" يقول يوسف بلك، الرئيس السابق لجمعية أبناء الريف لمجلة الجزيرة. 

 

عدم انضمام أبناء أنوال للمواجهات "لا يعني أنه ليس بينهم من يحس بالغبن" كما يقول أحد شباب الدوار -رفض ذكر اسمه- لمجلة الجزيرة. مضيفا "سكان أنوال يعانون مما هو أفظع من التهميش. نحن نعامل على أننا جزء من التاريخ، بينما نحن من صنع تاريخ المنطقة".

 

في أنوال أيضا يعرف يونس (12 سنة) أنه واحد من أحفاد الخطابي، يشعر بالفخر لذلك كما يقول، لكن المفاجئ أنه يردف "كل سنة نجري معركة هنا، ليس بالسيوف، لكن يأتي رجال السيمي (من قوات الأمن المغربية) ويمنعوننا من دخول مبنى الجماعة، يفعلون ذلك لأنهم يأخذون الأموال التي ترك ابن عبد الكريم الخطابي".

 

يرد يوسف بلك على تصريح كهذا من طفل سيكون رجل الغد بالقول "الطفل مغسول دماغه وللأسف قد يكبر وهو مؤمن بالعنف، فهناك من يعمد إلى أن يغرس في نفوس الأطفال أن المخزن (الاسم التاريخي للقصر في المغرب) يسرق ويضرب. لكن تؤاخذ أيضا السلطات المعنية على أنها كل احتفال بذكرى أنوال، تكرم المناضلين الأشباح المحسوبين على الريف، والذين لا ينتمون لمنطقة أنوال، بدل أن تكرم أحفاد المقاومين".

 

نقطة ثانية تثير الغبن لدى شاب أنوال، يؤازره فيها يوسف بلك، هي تسمية جماعة المنطقة بـ"تاليلت" بدلا عن أنوال. يسمي بلك ذلك بـ"الطمس الممنهج لاسم أنوال" فيما يسميه الشاب بـ"مسح اسم أنوال من القاموس".

 

اليزيد الرويش الباحث في تاريخ الريف المغربي (الجزيرة)

عند إجراء التقسيم الإداري في المغرب، بنيت جماعة "تاليلت" وهو دوار يبعد ستة كيلومترات عن دوار أنوال. وبعد مرور عامين نقل مقر الجماعة من تاليلت إلى أنوال محتفظة بذات الاسم، ما يعني أن الدوار سيوسم رسميا بجماعة تاليلت في الوثائق الإدارية إلى اليوم.

 

هذه الوثائق تشمل البطاقات الوطنية للمواطنين حسب بلك. يقول إنه "لا يكتب في بطاقة التعريف الوطنية اسم أنوال كمسقط رأس لأبنائها. الحالة الوحيدة التي يتم فيها ذلك، هي عندما يلجأ المواطن للاحتجاج عند الدرك، وهناك مواطنون من أنوال واعون بأهمية الأمر ويحتجون لأجله".

 

أمر آخر يدخل ضمن "الطمس" الذي يتحدث عنه بلك، يتعلق بأنه "لا يكتب في اللوحات التوجيهية على جنبات الطرق اسم أنوال، لا إشارة توجه إلى هذا المكان كما توجه إلى غيره".

 

هذا السياق طرحته مجلة الجزيرة على الكاتب السياسي المغربي، عبد الإله سخير. فيقول "اختزال مشكلة الريف بتهميشه لعقود، خطاب غير دقيق، ويحمل بين طياته قراءة سياسية مغلوطة، هدفها الركوب على مشاكل الريف لتحقيق مكاسب ظرفية لا تخدم المنطقة بالضرورة".

 

من جهته يقول البرلماني عن دائرة الناظور عن حزب العدالة والتنمية نور الدين البركاني، إن "صون التاريخ والتراث الريفي يحظى برعاية ملكية. وعندما اتخذ المغرب خطوة الإنصاف والمصالحة (مبادرة لإنصاف وتعويض المعتقلين السياسيين وضحايا سنوات الرصاص في المغرب) أنصف متضررين من أبناء الريف، يستفيدون حاليا من التعويض المالي والتغطية الصحية".

 

ويؤكد البركاني لمجلة الجزيرة "على أن لا ضرورة للتخوف من منطقة الريف". مضيفا "أنا مع من يؤيدون إعادة رفات ابن عبد الكريم الخطابي للمغرب ودفنه في العاصمة الرباط، لكونه بطلا مغربيا".

 

في حديث يوسف بلك والشاب من أنوال عن "الطمس" و"المسح" يتفق الاثنان بالنهاية على أن "أبناء أنوال لا يطالبون بالتحرر، بل يريدون ببساطة إصلاح البنى التحتية، والاستفادة من الخدمات العادية المستحقة لكل مواطن مغربي، وهم مواطنون مغاربة".

 

واجهة للمدرسة الكولونيالية المهملة (الجزيرة)

وزر غياب التنمية

في ثلاثة لقاءات متوالية، حضرها يوسف بلك، وتم عقدها بين مواطنين من أنوال مع عامل إقليم الدريوش، قدم طلب "إعادة الاعتبار لاسم أنوال" رد العامل بشأنه حسب تصريح بلك "كان إيجابيا، ووعدنا بتخصيص جماعة لأنوال، أو إضافة الاسم إلى جانب تاليلت فتصبح جماعة أنوال تاليلت. لكن إلى الآن لا تطبيق".

 

اللقاءات تطرقت إلى مواضيع أخرى، على رأسها إصلاح البنية التحتية "هشاشتها تحول الطرق إلى حفر كل الأيام، وشتاء إلى مغطس أوحال. إصلاحها سينعكس على نواح أخرى من حياة السكان، تبدأ من إمكانية ربط البيوت بالمياه إلى الكهرباء، وصولا إلى المشافي ومدارس الأطفال".

 

يقول الكاتب السياسي عبد الإله سخير "لا يمكن الحديث عن تهميش منطقة معينة بالمغرب، طالما أن غالبية مناطق المغرب عانت من الخصاص" لكن الخطير في الحديث عن "غياب التنمية أو تأخر تحقيقيها بأنوال" هو تصريحات كالتي يقول فيها بلك "نحن نتحمل وزر المواجهات التي تقع في أنوال، ربما ما نعانيه هو رد فعل أو عقاب".

 

يرد البركاني بالقول إن "عناية الملك محمد السادس بمنطقة الريف واضحة ولا نقاش فيها، لقد أطلق مشاريعا كبرى تخدم كل المنطقة وهي على طريق الإنجاز. أما على مستوى الجماعات المحلية، ولا أتكلم عن أنوال فقط، فهناك خلل في تسيير النخب المحلية لها، ما يراهن على تغييره حاليا عبر إفراز نخب جديدة تخدم الصالح العام لا مصلحتها الشخصية، وعبر ورش الجهوية المتقدمة".

 

مواجهات بين الأمن المغربي ونشطاء في أنوال (الجزيرة)

نصبان وأثر وأغنية

عند الفاصل الحدودي بين قيادة "تمسان" وقيادة "بني وليشك" التي تنتمي لها أنوال، يقبع السهل الذي وقعت فيه المعركة الشهيرة. وعلى ناصية تطل عليه، بني نصب تذكاري يخلدها. وقعته الجمعية الثقافية والاجتماعية لحوض البحر الأبيض بتاريخ 11 يوليو/تموز 1979. لكن التوقيع كان بارزا باسم رئيس الجمعية المنصوري بن علي.

 

يقول الباحث في تاريخ الريف اليزيد الدريوش لمجلة الجزيرة "ردا على هذا النصب الذي اعتبره الريفيون يمثل السلطات الرسمية، أقاموا نصبا شعبيا غرس في تربة الموقعة" كان هناك كما عاينا وقد رسم عليه وجه ابن عبد الكريم الخطابي وحمل اسما وحيدا "أنوال".

 

الاختصار للكلمات المؤثرة التي كتبت على "النصب الرسمي" والتمييز بينه وبين "النصب الشعبي" يصفه يوسف بلك "برد سكان أنوال على استفزاز مشاعرهم وركوب أشخاص كالمنصوري بن علي على تاريخ الخطابي، ولا أحد بإمكانه الركوب على اسمه أو اسم أنوال". وهذا يفسر كما تظهر الصور التي التقطنا لما شطب على اسم "المنصوري بن علي" بـ"النصب الرسمي".

 

التاريخ مكتوب في أنوال أيضا بأجزاء من الدوار. بين بيوته الإسمنتية الزاحف عدد منها إلى طابقين وثلاث، هناك ما يشبه الخرائب في ظاهره، بينما يعود لواحدة من بين أولى المدارس الكولونيالية التي بناها الاستعمار الإسباني بعد إخماد ثورة الريف سنة 1926، حسب الدريوش.

 

أنشأ الاستعمار المدرسة لتعليم أبناء المغاربة بالريف اللغة والعلوم، بهندسة كولونيالية بادية للعيان ما إن تتجاوز أكوام القمامة التي تغمر أبوابها ونوافذها المقوسة.

 

إلى جانبها بمسافة غير بعيدة، هناك ما يمكن أن تسميه ردما، لكنه في الحقيقة مبنى مسجد، بني على طريقة أهل الريف البسطاء، يسمى "مسجد آيت بوزيان" أو المسجد العتيق. وحسب روايات شفوية سمعها يوسف بلك من شيوخ الدوار، وينقلها اليزيد الدريوش، فالأمير ابن عبد الكريم الخطابي، صلى فيه ركعتي الشكر لله بعد دخوله وجيش مجاهديه منتصرين من معركة أنوال.

 

سألنا السكان والأطفال الذين تحلقوا حول تكتكات الكاميرا بموقع المسجد والمدرسة، عن إن كانوا يعرفون شيئا عن المكانين؟ لكن الإجابات كانت بالنفي وعلامات الحيرة تقول إنها أنقاض وفقط. الأمر مبك للذاكرة، بالأخص وأن المآثر تمتد إلى مواقع أخرى في المنطقة، كـ"كرانخا" وتعني المزرعة بالإسبانية، وصممها المستعمر لإدارة شؤون المنطقة منها.

 

وموقع "ظهر أوشرقي" الذي يعني تل الحراسة بالريفية، وهو من بقايا القلعة التي كان يستجوب فيها المستعمر الريفيين المشتبه بحملهم السلاح مع الخطابي. كذلك "ثغروط" أو "كهوف المجاهدين" التي حفروها للاختباء من قذائف القوات الإسبانية.

 

وسط هذا "التاريخ المهمل" عادت أغنية سعيدة فكري لتصدح بالقول "يا جبال الريف أنا شفتك تبكي، ودموعك ذايقة المرارة، تكتمي همك ولا تشكي، من لونك بان البرهان".

السابق

السابق

التالي

السابق

-12/17-

أمراء النكور.. منفيو التاريخ في المغرب

أمراء النكور.. منفيو التاريخ في المغرب

فاطمة سلام -الدريوش/شمال المغرب

 

في قيادة تمسمان التابعة لإقليم الدريوش في الشمال الشرقي من المغرب، تقبع أربعة قبور لأربعة من أمراء "النكور" الإمارة التي تقول المراجع التاريخية إنها حملت الإسلام السني إلى المغرب الأقصى، ويعود لها الفضل في اتباع المغرب إلى اليوم مذهب الإمام مالك بن أنس.

 

ثلاثة قبور يبدو وصف "مهملة ومغتربة" ضئيلا أمام حالها. بينما من التقتهم "مجلة الجزيرة" من سكان الجماعة القروية بني مرغنين التي تحتضنها، لا يعرفون بالمرة شيئا عن تاريخ من يرقدون بها.

 

هذا التاريخ يمكن أن نتصور أهميته، عندما نعرف أن الإمارة امتد وجودها حسب المصادر على مدى ثلاثة قرون وخمسين سنة، أي منذ تأسيسها سنة 81 هجرية/699 ميلادية إلى 410 هجرية/1019 ميلادية، وهو الوجود السابق على دولة الأدارسة أولى ممالك المغرب (172 هجرية). وعندما يحصي مؤرخ كأبي عبيد البكري، رقعتها الجغرافية في كتابه "المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب" بمسيرة عشرة أيام.

 

قبر الأمير سعيد أقوى حكام إمارة النكور على حافة طريق وتقول الروايات أن الجثة نهبت (الجزيرة)

15 أميرا تعاقب على إرساء حكم النكور، أربعة منهم ما زالت قبورهم موجودة بريف المغرب، ويصف البكري في مؤلفه واحدا منهم وهو مؤسس الإمارة صالح بن منصور بالقول "صالح المعروف بالعبد الصالح هو الذي افتتحها زمن الوليد بن عبد الملك، ودخل أرض المغرب في الافتتاح الأول، فنزل مرسى تمسمان، وعلى يديه أسلم بربرها وهم صنهاجة وغمارة.  ثم ارتد أكثرهم لما ثقلت عليهم شرائع الإسلام وقدموا على أنفسهم رجلا يسمى داود ويعرف بالرندي وكان من نفزة، وأخرجوا صالحا من البلد ثم تولاهم الله بهداه وتابوا من شركهم وقتلوا الرندي واستردوا صالحا فبقي هنالك إلى أن مات بتمسمان".

 

الأبرز في تاريخ صالح بن منصور، الخدمة العظيمة التي قدم للمغرب الأقصى، عندما أنهى تمذهب سكانه بمذهب الخوارج الصفرية، الذي كانت تتبناه أيضا إمارتا برغواطة وبنو مدرار. وأسس لجمع أمراء النكور بين السلطة الدينية والسياسية، فكانوا متفقهين في الإسلام  يخطبون في الناس ويسوسون أمورهم، بالأخص وأن المؤسس الأمير صالح، تفقه بالقيروان ومنها تحرك بداية إلى الريف في مهمة إدماجه بنفزة، بتوجيه من حسان بن نعمان الغساني، القائد العسكري بأفريقيا زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وأبنائه، كما يذكر الزياني في الترجمانة الكبرى.

 

ما سلف لا ينصف بأي حال أمراء النكور، بالأخص صالح بن منصور (81-132 هجرية) وابنه إدريس بن صالح (132-134 هجرية) والحفيد سعيد بن إدريس (134-180 هجرية) أقوى ثلاثة حكام للإمارة، كبرت في عهودهم وصمدت في وجه حكم بني أمية وهجومات الفايكينغ النورمانديين، ومحاولة العبيديين الفاطميين بأفريقيا السيطرة عليها. كما باتت على أيديهم منارة ثقافة وأدب اقتبست منه الأندلس وأوفدت إليها من رجالاتها،  كما عمر حواضر العلماء الذين خرجهم جامع النكور، وتقول المصادر إنه بني على غرار جامع الإسكندرية.

قرية سيدي إدريس  (الجزيرة)

اليوم بعد قرون من انقضاء حكم إمارة النكور، تقف القبور الأربعة شواهد وفاة حقيقية عنوانها الإهمال. تمكنا كغيرنا وكأي عابر سبيل أو أي ذي صفة من أن نلج ضريح صالح بن منصور غير المحروسة حرمته، فإذ تبدو تسمية ضريح دالة على الفخامة والأهمية، إنما تحاول فقط التخفيف من إجحاف الوضع الذي عليه مقام "الرجل الصالح". في غرفة حول ما بالإمكان أن يزخرفها الزليج ترقد جثته، بينما دفن في غرفة مجاورة بقبر متواضع، ابنه المعتصم الذي حكم بعده ثلاثة أشهر فقط وتوفي.

 

يقول اليزيد الدريوش -الباحث في تاريخ الريف- لمجلة الجزيرة، إن الحياة تبعث في الضريح ليلة الـ27 من رمضان، حيث تقام احتفالات دينية داخل غرفه الفارغة "لكن تركه دون حراسة وفي وضع مأساوي، تهدمت فيه أجزاء منه وكثرت حفر الضريح وصدئت الأبواب وتعددت فيه أعمال الشعوذة، كما تركه دون أي إشارة تشير إلى هوية ساكنه، أو زيارة تفقدية من المسؤولين له أو اهتمام به، يعكس عدم التقدير لمؤسس إمارة النكور وعدم الاحتفاء بتاريخه".

 

لا بد لمن يغادر القرية أن يتوقف كيلومترات قليلة خارجها، بالتحديد عند مكان يبدو أقرب إلى خرائب ترابية منه إلى قبر. على ناصية الطريق العمومية القريبة لا تحدد ماهيته، هو في قبر الأمير الحفيد، سعيد بن إدريس بن صالح، الذي تقول المراجع التاريخية إن النكور عرفت عصرها الذهبي على يديه، وغدت فيه محطة للدعوة والجهاد.

 

ضريح الأمير إدريس الذي أخذت القرية عنه اسمه (الجزيرة)

يقول عنه اليزيد الدريوش نقلا عن روايات محلية، إن جثة الأمير بداخله نهبت من قبل الباحثين عن الكنوز المدفونة. ولا يبدو الأمر بعيدا عن التصديق، بالنظر إلى وضع القبر كما توضح الصور التي التقطناها، هو على الهامش لينسى، لا شاهد ولا حرمة.

 

غير بعيد عن "زاوية سيدي صالح وقبر سيدي سعيد" كما يعرف سكان المنطقة المكان دون إضافات، حسب شهادات استقتها المجلة. في تمسمان أيضا، بقرية يتداول اسمها على أنها قرية "سيدي إدريس" بينما تحمل اسم "آيت تيار" ضريح الأمير إدريس بن صالح. هو الآخر دون اسم إلا شفوي أو إشارة تقود إليه، وكما وقفت على ذلك المجلة (بالصور) دون حراسة ومفتوحة الغرف الملحقة به لكل الوافدين، بالأخص لإقامة عابري السبيل وعمال البناء والفلاحة المرور بالمنطقة. وإذ قد يعكس هذا نوعا من التضامن الاجتماعي يعكس أيضا حسب الدريوش "اللامبالاة".

 

داخله قبة الضريح المتواضعة ارتسمت على الجدران (كما في زاوية سيدي صالح) أكف الحناء، وهي واحدة من الأعمال التي تتباين الآراء بشأنها إن كانت عرفا أو شعوذة، حيث تضمخ الراغبات في الزواج أكفهن بالحناء وتطبعنها على جدران الضريح تبركا به. 

 

توجهنا بسؤال لسكان القرية الذين تحلقوا حولنا، إن كانوا يعرفون شيئا عن هوية الراقد بالضريح والذي يشاع اسم القرية باسمه، شباب وكهول في شهادات موثقة لا يعرفون أكثر من ما يعنيه أن توجد قبة على قبر "هذا رجل صالح".

قبر الأمير صلاح ابن منصور مؤسس إمارة النكور دون حراسة (الجزيرة)

إلى جانب الضريح مقبرة تبدو خاصة بأموات القرية، بينما تضم رفات المجاهدات اللاتي كن بجيش قائد ثورة الريف المغربي الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وسقطن في معركة سيدي إدريس ضد الاستعمار الإسباني بتاريخ 2 يونيو/حزيران 1921، كما يذكر ذلك مؤلف "أنوال" للمؤرخ محمد بن عبدو الحكيم.

 

هذه المقبرة تنال أيضا حظها من النسيان -حسب الدريوش- الأمر الذي بدا باعثا أكبر على الحزن، بالأخص حزن الباحث في تاريخ الريف والذي رافق المجلة في جولتها بين القبور الثلاثة، فتطوع لتقديم شروحات تاريخية عن الأمير إدريس ومقبرة المجاهدات، أمام واقع أن لا أحد من السكان الذين تجمهروا حولنا كان يعرف أي معلومة عن الاثنين، وأن اللافتتين الوحيدتين في المكان، تحمل إحداهما اسم الفرعية المدرسية للقرية، والثانية لتذكر بأن المنطقة عانت قبلا من عدم ربطها سابقا بالماء الصالح للشرب، خط عليها "الماء أساس الحياة لنحافظ عليه جميعا".

 

وفي حين تحدث وزير الثقافة المغربي محمد الأمين الصبيحي -في جلسة برلمانية سابقة- عن "مقاربة جديدة تجعل من حفظ وصيانة وتثمين الموروث الثقافي، عملا تشاركيا بين كافة المعنيين، سواء بالنسبة للمجالس البلدية والسلطات المحلية وهيئات المجتمع المدني، وكذا قطاعات حكومية أخرى، كقطاع السياحة والصناعة التقليدية بالخصوص تقبع دون إشارة أو دليل، على أعتاب قرية آيت تيار أو سيدي إدريس، وكالة أثرية فينيقية يعود عمرها إلى ثمانية قرون قبل الميلاد. حسب اليزيد الدريوش عمرها الفينيقيون أعلى جبال "طاشا" لتسهيل معاملاتهم التجارية مع منطقة الريف وباتجاه الضفة الأخرى، كما توثق لذلك اكتشافات البعثة الإيطالية التابعة لسفارة إيطاليا في المغرب، التي نقبت عن معالمها وعثرت عليها سنة 2001.

 

أسوار وقطع أثرية كاملة، كان يمكن أن تنضاف لإرث إمارة النكور الثقافي والتاريخي، وتشكل عامل جذب سياحي مهم في منطقة الريف، لكنها اليوم أماكن قفار وأسماء طي النسيان مشاعة للإهمال والإتلاف. يحضر في وجع الحسرة عليها شعر إبراهيم بن أيوب:

ونور الأرض من تلك الجبين   ويحجب عن بينك طرف لحظي

إليك بكل ناحية أمون            وقد جبت المهامه من نكور

السابق

السابق

التالي

السابق

-13/17-

فندق الإسلام بـ"الناظور".. ملجأ لمناضلين رحلوا

فندق الإسلام بـ"الناظور".. ملجأ لمناضلين رحلوا
فاطمة سلام - الناظور/ شمال المغرب

سنة 1955 استقبلت إسبانيا -المستعمرة حينها للشمال المغربي- بمدينة الناظور قادة ثوريين من دول شمال أفريقيا المناهضين للاستعمار الفرنسي. بينهم الرؤساء الجزائريون لاحقا أحمد بن بيلا، ومحمد بوضياف وهواري بومدين، كذلك رشيد المسعودي المشهور بـ"رشيد كازا" المسؤول وقتئذ عن تسيير إذاعة الثورة الجزائرية الحرة، والتي بثت برامجها ما بين سنوات 1955 وحتى 1962 من "سلوان" على أعتاب الناظور. بينما كان الحافظ إبراهيم، الحاضر الممثل للمقاومة التونسية، بالأساس في شخصي زعيميها الطاهر ويوسف الساسي.

 

سمحت إسبانيا ببقاء هؤلاء المقاومين وآخرين بينهم الكولونيل عبد المنعم النجار، ممثل الرئيس المصري جمال عبد الناصر لدى جيش التحرير المغربي، والطيب شكري الممثل لدى ذات الجيش للأمير المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي، المنفي حينها من قبل إسبانيا إلى مصر، سمحت ببقائهم في فندق حمل اسم "الإسلام" ويعرفه سكان الناظور إلى يومنا هذا باسم "أوتيل عبد القادر بوعنان".

 

يبدو الأوتيل بناية عادية بشارع الماريشال محمد أمزيان وسط مدينة الناظور، بينما كانت قد ضمت في سالف السنين اجتماعات سرية، ورسمت فيه خطط سياسية وحربية، وعقدت فيه اتفاقيات وانطلقت منه تحالفات مؤثرة.

لاجئون أفارقة يطلون على مدينة الناظور الساحلية مقصدهم في الطريق بالهجرة إلى أوروبا (أسوشيتد برس)

هذا الحضور منح البناية الاستعمارية "الكولونيالية" أهميتها التاريخية ويجعلها حسب تصريح اليزيد الدريوش -الباحث في تاريخ الريف- لمجلة الجزيرة "إرثا مغاربيا مشتركا".

 

ويضيف، أن إسبانيا لم تسمح بلجوء مقاومي شمال أفريقيا إليها فرارا من الاضطهاد "إلا نكاية بالمنافسة الاستعمارية فرنسا، وتحديدا ردا على عدم تنسيقها مع إسبانيا بشأن نفي السلطان المغربي محمد الخامس سنة 1953 إلى جزيرة كورسيكا". 

 

أسباب أخرى حركت إسبانيا -حسب الدريوش- هي استقبال فرنسا لـ"الروخو" أي الشيوعيين الاشتراكيين أصحاب الرمز الأحمر، المعارضين لجنرالها الشهير فرانكو، بينما استعملت أيضا إسبانيا الأمر للضغط على فرنسا "من أجل استرجاع أموال الحكومة الاشتراكية الإسبانية المودعة في البنوك الفرنسية، وتحرير مجموعة من السفن الإسبانية المحتجزة  في ميناء بنزرت في تونس".

 

سنة 1955 أيضا رست على شاطئ الناظور، باخرة "دينا" المحملة بالأسلحة قادمة من بورسعيد المصرية، بعدما أرسلها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في مهمة دعم للثورات القائمة بالمنطقة المغاربية، وكان أن نزل ربانها السوداني إبراهيم النيال بفندق الإسلام أيضا.

مدينة الناظور الغنية بالتاريخ السياسي بالمغرب (الجزيرة)

أوتيل الإسلام، لم يكتسب شهرته من خلال لجوء الأسماء الشهيرة السالفة الذكر له فقط، بل سنتين إلى الوراء أي عام 1953 كان التخطيط لانتفاضة مدينة وجدة في الشرق المغربي ضد الاحتلال الفرنسي، في أغسطس/آب من داخل غرف الفندق، إذ كان من بين ضيوفه  قادة المقاومة بالجهة الشرقية والريف آنذاك كأحمد الميد ومحمد الهاشمي المير، وعبد الصادق بوتشيش ومربوح التومي. كذلك سكن الفندق مقاومو مدينة الدار البيضاء كسعيد بونعيلات وحسن الماسي وحسن العرائشي وعبد الله الصنهاجي.

 

وهذا يظهر أن فندق الإسلام لعب دورا محوريا في حقبة زمنية مهمة من تاريخ المغرب وأفريقيا، وكان همزة وصل بين أعضاء المقاومة ودعاة التحرر وطنيا وإقليميا ودوليا.

 

كما شكلت غرفه في هذه الفترة قمرة قيادة وتخطيط للحركات التحررية والثورية في المنطقة المغاربية والدول الأفريقية، وعندما نذكر هذه الأخيرة فإننا نتحدث عن سكن رمز النضال العالمي نيلسون مانديلا "الذي وجهه الملك المغربي الراحل الحسن الثاني سنة 1961 إلى المكوث فيه بعد أن كان مطاردا حينئذ"، حسب الدريوش.

 

فندق الإسلام سنة 2015، ما زال قائما عتيدا لا توحي اليافطة المتآكلة خارجه بماضيه المجيد، بل إن معظم سكان الناظور لا يعرفون الكثير عن تاريخ هذه البناية الشامخة، بينما يتنازع ورثة عبد القادر بوعنان على ملكيته "مكانه إستراتيجي، وهو مغر لمشاريع استثمارية لن تهتم إلى أن ما سيهدم هو جزء عصي من تاريخنا"، يقول الدريوش.

السابق

السابق

التالي

السابق

-14/17-

"حي الحسين".. هنا مر التاريخ وترك ذكرى

"حي الحسين".. هنا مر التاريخ وترك ذكرى
يوسف حسني - القاهرة

لا تزال منطقة الحسين التاريخية في شمال القاهرة واحدة من أبرز المناطق السياحية التي يقصدها السياح ليروا صورة مصر الإسلامية بما تحويه من معالم خلفتها فترات حكم المماليك والفاطميين والأيوبيين والعثمانيين.

 

وتتبع المنطقة -التي نشأت مع بناء مسجد الحسين سنة 549 هجرية/1154 م- إداريا حي الجمالية، ويقصدها كثير من المصريين للتنزه والوقوف على فترة مضيئة من تاريخهم، فيما يقصد آخرون زيارة ضريح الحسين سبط الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي يعتقد أن رأسه مدفون فيه.

 

ورغم تأثر حركة السياحة جراء الأحداث السياسية التي تعيشها مصر منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 فإن المنطقة ما زالت تجذب الزوار ولو بشكل أقل مما كان، فزيارة القاهرة لا تكتمل إلا بزيارة الحسين برأي كثيرين.

 

علاء حمدي شاب مصري يقول إن كل شيء في الحسين له مذاق مختلف، حتى الصلاة. وأضاف حمدي (32 عاما) لمجلة الجزيرة "كلما شعرت بالضيق جئت إلى هنا، فالبنايات والشوارع تأخذك إلى عالم آخر".

 

ومن بعيد تطل مآذن المسجد التي يجذب ضوؤها الأخضر الأنظار من كل صوب، وفي ساحته الكبيرة يجلس الزوار، بين من يلتقط الصور التذكارية ومن ينتظر دخول المسجد لأداء الصلاة، أو لزيارة الضريح وتقديم النذر ورفع الدعوات إلى الله.

 

مسجد المعز لدين الله الفاطمي أحد أبرز معالم حي الحسين (الجزيرة)

معالم تاريخية

على يمين المسجد يقف فندق "الحسين"، وهو فندق قديم توجد في طابقه الأول مجموعة من المقاهي والمطاعم والبازارات. العاملون هنا يحدثون السائرين بلغاتهم المختلفة، فقد أجادوا عدة لغات لكثرة تعاملهم مع السياح.

 

ألبان "المالكي"، وحاتي "الدهَّان" علامتان قديمتان في هذا المكان، بينهما ممر صغير يلج منه الزوار إلى مقهى الفيشاوي أشهر مقاهي مصر، ذلك المقهى الذي خلده أديب "نوبل" نجيب محفوظ بكثرة جلوسه عليه وكتابته عنه.

 

على بعد أمتار من المقهى تستقبلك رائحة النراجيل، وفي الداخل تنتشر الوجوه واللغات والأعمار المختلفة، كلها قصدت هذا المكان الذي أسس في القرن الـ18، ولا يكاد يفرغ من الرواد إلا في ساعات النهار الأولى، على عكس مقاهٍ أخرى لا تجد من يدخلها.

 

العاملون بالمقهى يتحفظون جدا في الحديث، ويمنعون التقاط صور للمكان إلا في أضيق الحدود، وحدهم الأجانب يفعلون كل شيء بحرية كاملة.

 

المقاهي أسفل فندق الحسين التي طالما اجتذبت السياح وشهدت لقاءات المثقفين المصريين (الجزيرة)

خان الخليلي

والمقهى واحد من أبرز معالم "خان الخليلي" الذي أسسه الأمير جركس الخليلي قبل أكثر من ستمئة عام.


 ويتشكل الخان من حَوارٍ وأزقة متداخلة كالمتاهة، بها محال لبيع الهدايا والملابس الفلكلورية والحلي والبردي والتماثيل المقلدة، أزقة يدلف الزائر منها لماض بعيد، فعراقة المعمار الإسلامي تتجلى في البنايات وأبوابها الكبيرة وأحجارها الضخمة ومشربياتها المزينة بالأرابيسك، وواجهاتها المرصعة بالنحاس.

 

كل الأسعار في خان الخليلي قابلة للمساومة أو الفصال كما يسميه المصريون، والباعة الذين كانوا قبل سنوات يعرضون ما صاغته يد المصريين من تحف ومسابح وملابس وحلي وتمائم وأوانٍ فضية ونحاسية باتوا لا يبيعون إلا المنتج الصيني، وهم يعتمدون على حلاوة اللسان والترحيب المبالغ فيه بالزبائن لجني أكبر مكاسب ممكنة.

 

جمال شاب يعمل في أحد البازارات، يقول إن المبيعات تراجعت جدا خلال الأعوام الماضية، لافتا في حديثه لمجلة الجزيرة إلى أن رفع الأسعار "طبيعي في ظل تراجع البيع".

 

يقول الشاب "في الماضي كنا لا نستطيع خدمة كل الزبائن من كثرتهم، أما اليوم فنحن نتخاطفهم من الشوارع، وأغلبهم يتفرجون ويمضون دون أن يشتروا شيئا، بعض الأفواج السياحية تخفف من هذا الركود، لكنها تأتي على فترات ولا بد للترتيب مع المرشد السياحي لكي يحضرها إلى هنا".

 

ورغم أنها لم تعد كما كانت فإن بعضا من روائح العطور والبخور والتوابل ما زالت تسبح في جو المكان، تستقبل الزوار كلما دخلوا حارة أو عبروا زقاقا.

 

في هذا الخان يوجد الصاغة، وحارة اليهود التي سكنها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر طفلا، وعلى مقربة منها ولد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

 

البازارات بشارع المعز لدين الله الفاطمي (الجزيرة)

شارع المعز

عند نهاية شارع الصاغة من جهة الشرق ينحدر السائر قليلا إلى جهة اليسار ليجد نفسه في أول شارع المعز لدين الله الفاطمي، كل حجر في هذا الشارع يمثل قطعة فنية منفردة، وفي المساء يتحول مسجد المعز لكتلة ذهبية بفعل الإضاءة.



ويعتبر هذا المسجد مقصدا لهواة الرسم والتصوير كونه تحفة معمارية يضفي عليها نظام الإضاءة بهاءً فوق بهائها.

 

في الصباح يجلس طلاب كلية الفنون الجميلة وغيرهم من الهواة على درجات مدرسة النحاسين، عينهم على المسجد، وأقلامهم على الورق، فكل باب وكل مأذنة وكل حجر لوحة في حد ذاته.

 

وإلى جهة الشرق من هذا المسجد -في منطقة بيت الشاعر- يقف بيت قديم أمام قسم شرطة الجمالية، بيت يجابه السقوط، أسفله مقهى بلدي لا يكترث له أحد، في الدور الرابع من هذا البيت ولد الأديب نجيب محفوظ قبل أكثر من مئة عام.

 

وفي أقصى الشمال يوجد مسجد الأقمر، وسبل المياه التي كانت تروي عابري السبيل، وكذلك مسجد الغوري ومسجد السلطان قلاوون وبيت السحيمي، وفي نهايته يقف باب النصر الذي كان الجيش المصري يدخل منه بعد عودته من المعارك.

 

جمال ..عامل بازار يشكو قلة الزبائن (الجزيرة)

تنوع التجارة

وتزدحم منطقة الحسين بمظاهر التجارة، فإلى جهة اليمين من جامع الحسين يقع درب الأتراك، أشهر أماكن بيع كتب التراث والفقه الإسلامي بالعاصمة القاهرة، وإلى جهة الغرب من المسجد تقع منطقة "الوكالة" وهي أكبر سوق لبيع الأقمشة والستائر في مصر.

 

اللافت أن كل شبر في المنطقة يمثل مصدر رزق لصاحبه، فالشوارع تستخدم مواقف للسيارات، ولكي تترك سيارتك أمام أحد المنازل عليك دفع من عشرة إلى ثلاثين جنيها (الدولار يساوي ثمانية جنيهات) لصاحب المنزل وفقا لحالة الزحام.

 

ولعل أبرز ما يجذب الناس لهذا المكان -بعد المسجد- هو احتفاظه برونقه الذي يبحث فيه المصريون عن بلدهم الذي قرؤوا عنه في كتب التاريخ؛ فحتى اليوم لم تعبث يد الحداثة بكثير من بناياته التي تقف منذ مئات السنين شاهدة على أن التاريخ قد مر من هنا.

السابق

السابق

التالي

السابق

-15/17-

أذربيجان.. سجادة التنوع المتناغم

أذربيجان.. سجادة التنوع المتناغم

د. فاطمة الصمادي- باكو
 
 
في متحف السجاد في العاصمة باكو، بعناية علقت سجادة باذخة على الحائط تمجيداً لشاعر أذربيجان المعروف فضولي، وأخرى تروي أشعار نظامي كنجوي وسط مجموعة كبيرة من السجاد النادر. كانت الألوان المنتقاة بذوق عال والسجادات المنسوجة بعناية كبيرة تقول ما لهؤلاء الشعراء من مكانة في دنيا الأدب وتاريخ البلاد التي مرت بالكثير ومر عليها الكثير، وبصورة أو بأخرى كانت تروي حكاية أذربيجان (آران قديما) البلاد التي لا تنطفئ نارها
 
وكما في فن نسج السجاد فأذربيجان وعلى مدى تاريخها كانت مزيجاً من الجمال والتحدي والتنوع والتعقيد

 

تركت الحقب التاريخية المختلفة التي مرت على أذربيجان تأثيرها الكبير في المكونات الثقافية التي نشأت في بلد يضم إرثًا إنسانيًّا قديمًا، وفيه آثارُ واحدةٍ من أقدم المستعمرات البشرية في مدينة غوبستان، التي تعود إلى العصر الحجري المتأخر، وترتبط بثقافة غوروكاي وتطور التمدن الإنساني، وتظهر ثقافات العصر الحجري القديم الأعلى وثقافات أواخر العصر البرونزي في عدد من الكهوف الأذربيجانية.



وحُكمت المنطقة في فترة 550 سنة قبل الميلاد من قِبَل الأخمينيين، وهي الفترة التي انتشرت فيها الديانة الزرادشتية، وما زال أحد معابدها قائمًا في باكو، ثم صارت جزءًا من إمبراطورية الإسكندر الأكبر، وتعاقبت على حكمها السلالات من الساسانيين والبيزنطيين إلى العرب المسلمين بعد أن وصل الإسلام إلى تلك البلاد في القرن السابع الميلادي.

منذ استقلالها عام 1991 تحاول اذربيجان بناء هويتها الخاصة (الجزيرة)

في الرحلات البحثية ينصرف ذهن الباحث وجهده في الغالب إلى التركيز على القضايا التي يحتاجها في عمله البحثي، وبالتالي فالجيوسياسي فرض حضوره في رحلتي كباحثة تقصد أذربيجان للمرة الأولى، وتحاول كمتخصصة في الشأن الإيراني أن تتعرف على المحيط الجغرافي الذي شكل "إيران التاريخية" والذي ما زالت إيران تتحرك خلاله.

 

وصلت مطار باكو وأنا مسكونة بتوصيات زملاء باحثين (غربيين على الأغلب، إذ نادرا ما تجد جهدا بحثياً عربياً يصرف على وسط آسيا والقوقاز) بالحذر فـ"البلد بوليسي" والتحرك صعب، وقرأت أنه سيكون من الصعب على محجبة التحرك في باكو دون إزعاج، وقلت في نفسي "لا بأس، سيزيد ذلك من صعوبة المهمة".

 

لكن الصورة بدت مغايرة، منذ أن وطأت قدمي أرض أذربيجان، بدا المطار الصغير مرتبا وهادئا في صباح ذلك اليوم، ختمت جواز سفري سريعا، ولم تتعرض حقيبتي للتفتيش الذي سبق وحدثوني عنه، وما أن خرجت حتى وجدت رجلا يلوح لي بيده مبتسماً، كان راميل عزيزوف من مؤسسة القوقاز للإعلام وهي مؤسسة من شركاء الجزيرة يترأسها أومود ميرزاييف الاسم البارز في الإعلام هناك.

 

في الطريق من المطار إلى مقر مؤسسة القوقاز للإعلام لاجتماع لتحديد أجندة اللقاءات والمقابلات، بدت العاصمة باكو مدينة حديثة نظيفة، بنمط معماري متعدد يجمع الشرقي والغربي بتمازج مريح للنظر.

خليط من العمارة في العاصمة باكو (الجزيرة)

تشير التجربة الأذربيجانية إلى وجود حالة تفاعلية بين هذه المكونات الاجتماعية والثقافية، أدَّت إلى نشوء حالة دينية يمكن أن نطلق عليها "النموذج الأذربيجاني" في البلد الذي تمتد مساحته اليوم على 86,600 كم2. وإضافة إلى (المسلمين) الشيعة والسنة -الذين يشكلون المكون الأساسي والغالبية في أذربيجان- يعيش في أذربيجان اليهود، وأتباع الكنيسة الأرمينية الرسولية، والكنيسة الروسية الأرثوذكسية، وأديان أخرى منها الزرادشتية وما زال بيت النار  "Atəşgah"ويعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع عشر، وأقام فيه الكاتب الفرنسي ألكسندر دوما (الأب) ووصف نيرانه قائماً إلى اليوم كمتحف في منطقة سراخاني (وتعني الثقب ذا النافورة) الغنية بالنفط والغاز.

 

تميل أغلب الإحصاءات إلى أن 96% من السكان في أذربيجان من المسلمين، فيما تتوزع النسبة الباقية (4%) على ديانات أخرى كالمسيحية واليهودية والزرادشتية، فيما يقول مسؤولون حكوميون "إن 92% من السكان هم من المسلمين". وبينما تقول بعض الإحصاءات "إن الشيعة يمثلون 85% من السكان المسلمين، وأن نسبة المسلمين السنة تصل إلى 15%"، لكن مسؤولين يُديرون أمر الشؤون الدينية التقيناهم، يرفعون نسبة المسلمين السنة إلى 35%.

 

وترتبط الحالة الدينية كما في سياسة أذربيجان الخارجية بصورة كبيرة بتعقيدات الوضع الجيوسياسي لهذا البلد، المحاط بفاعلين سياسيين لهم وزنهم وأدوارهم في المنطقة، مثل روسيا، وتركيا، وإيران. وعلى الرغم من علمانية أذربيجان بنص الدستور، فإن الإسلام هو جزء أصيل من الهوية الاجتماعية والثقافية. تقوم أذربيجان اليوم بصياغة هوية وطنية علمانية، تكون الهوية الدينية فيها جزءًا تابعًا للهوية العامة، فيما تتبنى المؤسسات الدينية في أذربيجان سياسة صارمة لمنع نفوذ ما يطلق عليه "الجماعات الراديكالية".

 

وأذربيجان من دول ما بعد الاتحاد السوفياتي الذي حكمها بالحديد والنار، تعد من الدول الهامة والمحورية على الخارطة السياسية الأوروبية، وهي في الوقت ذاته في محيط جغرافي عالي التنافسية، إذ يضم روسيا وإيران وتركيا، مع علاقات قوية بواشنطن وإسرائيل. وفي محيط كهذا فإن القدرة على بناء سياسة خارجية فعالة ومتوازنة، مسألة تتجاوز فن بناء العلاقات الدولية، وتصبح فناً للبقاء

معبد النار في أذربيجان من أقدم المعابد الزردشتية  (الجزيرة)

تدرك أذربيجان المزايا التي يوفرها موقعها الجيوسياسي وتحاول تعظيم الفرص الناتجة عن ذلك. فهي بلد يقع على مفترق طرق من طرق التجارة والطاقة الرئيسية بين الشرق والغرب، وهي رغم نزعتها العلمانية لم تلغ ولا تنوي إلغاء ارتباطها بالعالم والتراث الإسلامي، وكما أنها تمثل جسرا طبيعيا بين
أوروبا وآسيا، فهي أيضا تمثل جسراً بين العالمين المسيحي والإسلامي، وبوابة للطاقة وممراً شديد الأهمية لمجموع المنطقة التي تقع فيها.

 

كما أن تاريخ العلاقة بين أذربيجان والروس فيه الكثير من القمع والدماء، ويأتي مرتبطًا بـ"الاحتلال والصراع"، فإن الدين والحريات الدينية للناس كانا في مقدمة الضحايا للسياسة الروسية، خاصَّة في العهد السوفياتي، وقبل قيام الاتحاد السوفياتي كان هناك حوالي ألفي مسجد في أذربيجان، وعانى مسلمو أذربيجان ومنطقة القوقاز عمومًا من سياسة سوفياتية منظمة لقمع الدين.



وفي مطلع الثمانينيات ومن بين خمسة مساجد كبيرة في باكو سُمح بفتح اثنين فقط، وعدد آخر لا يزيد عن 15 مسجدًا في كافة أنحاء أذربيجان، وهو ما دفع الكثير من الناس إلى ممارسة الشعائر والصلوات في بيوتهم سرًّا. وشمل القمع السوفياتي على صعيد الحريات الدينية جيران أذربيجان في جنوب القوقاز وأرمينيا وجورجيا بحسب ما يروي شيخ الإسلام في القوقاز الله شكرباش زاده.

 

يبلغ عدد سكان أذربيجان اليوم عشرة ملايين نسمة، ويبلغ عدد مساجدها ألفين ومئة مسجد، ولا يجري تقسيم هذه المساجد بين الشيعة والسنة، بل هي مساجد "ترفع اسم الله ويصلي فيها الشيعة والسنة معا" بإمام شيعي تارة وسني تارة أخرى.

 

 بعبارة مازحة ولكنها جادة في الوقت ذاته يقول رئيس لجنة الشؤون الدينية، مبارز قرباني "أتعلمين لماذا انهار الاتحاد السوفياتي؟ الجواب ببساطة، لأنه حارب الله في قلوب الناس".

 

في طريق العودة، ونحن نقطع شوارع باكو نحو المطار، يرتفع علم كبير لأذربيجان، يقول مرافقي "هذه الراية قامت بعد الاستقلال مكان تمثال ضخم للزعيم السوفياتي ستالين، لقد أصبح ذلك من الماضي".

السابق

السابق

التالي

السابق

-16/17-

سريلانكا تتمرد بصمت على بقايا الحرب الأهلية

سريلانكا تتمرد بصمت على بقايا الحرب الأهلية
سامر علاوي- كولومبو


انتهت الحرب الأهلية في سريلانكا لكن السلام والاستقرار لم يتحققا بعد، والسبب في رأي كثيرين هو إخفاق الحكومة في حل كثير من القضايا العالقة، مثل مسألة تقرير المصير والوصول إلى حل سياسي لمشاكل الأقليات والمشردين والمختفين قسريا، وجاءت نتيجة الانتخابات الأخيرة لتعيد صياغة المنظومة السياسية تحت شعار الوحدة الوطنية ودمج الأقليات.

 

فقد كرِّم أكثر من سبعة وعشرين ألف جندي سريلانكي بنقش أسمائهم في ساحة الجندي المجهول في العاصمة السريلانكية كولومبو، وتحظى أسرهم برعاية كاملة من قبل الدولة.

 

ومن الطبيعي أن تشكل هذه الإجراءات مصدر جدل في سريلانكا حيث سقط هؤلاء الجنود في حرب أهلية استمرت قرابة 25 عاما، وحسمت بهزيمة منظمة نمور التاميل عام 2009 على أيدي الجيش السريلانكي، وانتهاء مشروع إقامة دولة مستقلة للأقلية الهندوسية المتمركزة في شمالي الجزيرة وشرقيها. لكن ما إن انتهت تلك الحرب المشؤومة بالقوة حتى فتح المجال لأزمات سياسية واجتماعية قد لا تقل خطورة عن الحرب، وثار جدال واسع بشأن ملفات كثيرة خلفتها.

مظاهرة نظمها مسلمون في العاصمة السريلانكية عام 2012 احتجاجا على سياسات التمييز ضدهم (رويترز)

موجة التشدد

يرى الدكتور محمد شريف أسيس -أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبو- أن أخطر مخلفات الحرب الأهلية السريلانكية قد يكمن في موجة التشدد البوذي التي أعقبتها، وتبلورت على شكل حلف سياسي بين المتشددين البوذيين ومعسكر الرئيس السابق ماهيندرا راجابانغسا، وكانت همزة الوصل بينهما الفساد والمحسوبية والانتقام من الأقليات.

 

علاوة على أن الانتصار مكن الرئيس السابق راجابانغسا من تعيين نحو ثلاثمئة من أقربائه وذويه في مناصب عليا وحساسة، فقد أطلق أيدي حلفائه المتشددين البوذيين لاستهداف الأقلية المسلمة التي تصل نسبتها إلى 10% من مجموع السكان، البالغ تعدادهم نحو عشرين مليون نسمة، وذلك على الرغم من أن المسلمين السريلانكيين دفعوا ثمنا باهظا بسبب تمسكهم بوحدة البلاد، وتعرضهم لحملة تهجير قسري شملت أكثر من مئات الآلاف منهم، ودخلت البلاد في مرحلة تنذر بحرب جديدة بين الغالبية البوذية (السنهالية العرقية) -التي تشكل نحو 70% من السكان- والأقليات ولا سيما المسلمين والهندوس.


 أبرز مظاهر التشدد البوذي تمثلت في الهجوم على القرآن ومحاربة الطعام الحلال والحجاب وشن حملة واسعة ضد رجال الأعمال والتجار المسلمين، وذلك بحسب ما أكده لمجلة الجزيرة وزير التجارة والاقتصاد السريلانكي رشاد بديع الدين، الذي ربط التشدد البوذي في سريلانكا بما يجري في ميانمار من اضطهاد واسع للمسلمين. مشيرا إلى أن التشدد في سريلانكا بلغ ذروته خلال العامين الماضيين بعد إقامة منظمة بودو بابا سينا التي حظي زعيمها غناسارا ثيرو بدعم واسع من قبل حكومة راجابانغسا السابقة، ويستمد أفكاره وتعاليمه المتشددة من الزعيم البوذي المتشدد في ميانمار فيراث أسيثو. 

مسلم يتفقد آثار بيته الذي أحرقه متطرفون بوذيون يعرفون بالقوة البوذية (أسوشيتيد برس)

جرائم حرب

لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن حجم الجرائم التي ارتكبها طرفا النزاع -نمور التاميل والقوات الحكومية- خلال سنوات الحرب الأهلية، لكن الحديث ينصب حاليا على المراحل الأخيرة التي حسمت الحرب لصالح الحكومة.

 

وعلى الرغم من أن الحكومة شكلت لجنة لاستقراء الدروس المستفادة من الحرب فإنها ما لبثت أن رفضت الاعتراف بالتقرير الصادر عن هذه اللجنة وتطبيق توصياته خاصة ما يتعلق بجرائم حرب، ولا يوجد ما يؤكد أن الحكومة سوف تقبل بنتائج التحقيق الذي أجرته الأمم المتحدة والمتوقع صدوره خلال أسابيع، باستثناء ما قاله رئيس الوزراء الجديد "إن حكومته سوف تدرس التقرير عند صدوره وفق القانون السريلانكي".

 وتعتبر جرائم الحرب أحد أبرز الملفات التي ما زالت عالقة من الحرب الأهلية، ويمكن الإشارة هنا إلى عنصرين منها: الأول، قضية المختفين قسريا على أيدي أجهزة الأمن السريلانكية. والثاني، التطهير العرقي الذي اقترفته قوات نمور التاميل، ونعرض لقصتين تشيران إلى حجم المأساة.

 

فقد اختفت أثار فزلان عندما كان عمره 17 عاما أثناء توجهه لمدرسته الثانوية، وكل ما عرفته أسرته عن حيثيات اختفاء ابنها الوحيد هو أن مجموعة من قوات الأمن اختطفته عند محطة القطار في حافلة صغيرة، ومنذ ذلك الوقت والأسرة تتردد على جميع الهيئات والمسؤولين وجمعيات حقوق الإنسان لمعرفة أي خبر.

 وما يزيد من مأساة الأسرة حالة الفقر المدقع الذي تعيشه، وتقول والدته بحسرة لمجلة الجزيرة "لو أنه بيننا كان يمكنه أن يعمل الآن ويعيننا في هذه الحياة"، أما السلطات فلم ترد على الأسرة إلا بوعود بالبحث والسؤال عن مصيره، والاتصال الوحيد الذي تلقته الأسرة بعد اختفائه كان يقول لهم إن له علاقة بفتاة مرتبطة بتنظيم نمور التاميل.

 

لكن جاويد وزوجته يرويان قصة من نوع آخر، حيث تعرضت أسرتهما لهجوم مباغت من قبل مسلحي نمور التاميل في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وتم إجلاء أكثر من ثمانين ألف أسرة في ثلاثة أيام.

ويتذكر الزوجان كيف أنذر المسلحون أسرتيهما بالرحيل في غضون ثلاث ساعات، وقد تزوجا وأنجبا ثلاثة أطفال في المهجر، لكنها بعد نحو ست سنوات من انتهاء الحرب تشكو الأسرة ومعها عشرات آلاف المشردين المسلمين من التمييز ضدهم، في برامج إعادة التوطين بعد انتهاء الحرب، ولم يحصلوا على تعويض كغيرهم من متضرري الحرب.

إحدى مناطق الأقلية المسلمة في سريلانكا التي تعرضت لهجمات متشددين بوذيين خلال السنتين الماضيتين (الجزيرة)

ثورة صامتة

وصفت الانتخابات البرلمانية السريلانكية الأخيرة بأنها ثورة صامتة، ليس فقط لأنها حالت دون عودة الرئيس السابق ماهيندرا راجابانغسا لسدة الحكم رئيسا للوزراء عن طريق الانتخابات البرلمانية، وإنما كذلك للإطاحة بتيار بوذي متطرف مؤيد له، وشكلت نتيجة الانتخابات البرلمانية استمرارا للانتخابات الرئاسية التي عقدت في يناير/كانون الثاني 2015، والتي أعلن خلالها الرئيس الحالي إصلاحات سياسية واقتصادية واسعة أبرزها دمج الأقليات واستيعابها والانفتاح الاقتصادي على الغرب والشرق الأوسط.

 

لعل أبرز دلالة لنتيجة الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 17 أغسطس/آب الماضي هي نبذ المجتمع السريلانكي التطرف الديني والعرقي، الذي نما بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، ولا سيما بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 2009، فقد اندحر حلف راجابانغسا والمتطرفين في الانتخابات الأخيرة، وحالت دون تغولهم معتمدين على شعار تمكين العرقية السنهالية ذات الغالبية في البلاد، وانتصر أنصار التغيير والوحدة الوطنية.

 

وبرأي كثير من المراقبين السريلانكيين فإن الفساد والمحسوبية التي عمت حكم راجابانغسا شكلتا سببا رئيسيا بهزيمة معسكره في الانتخابات التشريعية والرئاسية. واليوم يستشعر كثير من السريلانكيين الحاجة إلى برنامج للحقيقة والعدالة على غرار ما جرى في جنوب أفريقيا، لكن جراحهم قد لا تندمل، نظرا إلى استمرار وجود مغيبين لا يُعرف مصيرهم، وإفلات مجرمي الحرب من العدالة، على الأقل حتى الساعة.

السابق

السابق

التالي

السابق

-17/17-

"بالستينو".. طيف فلسطين في تشيلي

"بالستينو".. طيف فلسطين في تشيلي
أنتونيو سونفيغوس - أوسورنو/ تشيلي 

 

شهدت أعداد الجالية العربية في أميركا اللاتينية ارتفاعا مطردا خلال القرن العشرين حتى وصلت إلى مئات الآلاف، وذلك نتيجة الهجرة المتزايدة إلى تلك البقعة من العالم.
 

ففي تشيلي، يشكل الفلسطينيون أكبر جالية خارج الضفة الغربية وغزة وخارج الدول العربية، حيث يبلغ تعدادهم أربعمئة ألف. وتقول الإحصاءات أن نصفهم قد هاجروا إلى تشيلي بين الأعوام ١٩٠٠ و ١٩٣٠.   
 

ولا تنحصر ترجمة ذلك الحضور الفلسطيني والعربي من خلال الوجود الملحوظ للمطاعم والطعام العربي فحسب، بل تمتد لتصل إلى التأثير والحضور الثقافي من خلال وجود الجوامع وانتشار الأسماء العربية في الحياة العامة وخاصة النوادي الرياضية.
 

وكان الحضور الأكثر تأثيرا وتمثيلا للفلسطينيين من خلال ناد لكرة القدم أثبت حضوره في بيئة تنافسية شرسة وهو نادي "بالستينو" أي الفلسطيني. وبحسب رئيس النادي فيرناندو أغواد فإن النادي أسس في وقت مبكر من القرن الماضي.

نادي فلسطين عرف بقضية فلسطين في تشيلي من خلال نجاحاته الكروية (الجزيرة)
يقول أغواد "يعود الأمر للمهاجرين الأوائل الذين أرادوا المحافظة على جذورهم وأسسوا نادي بالستينو الرياضي في ٢٠ أغسطس/آب ١٩٢٠ في مدينة أوسورنو. فالجالية الفلسطينية في تشيلي كبيرة، وكان لهم ارتباط قوي ببلادهم بشكل دائم، وهذا النادي يعتبر تمثيلا لذلك الارتباط بالبلاد التي لم نرد أن نتركها أبدا، بل واصلنا ارتباطنا بها عبر السنين".
 

وجاءت تصريحات أغواد في مقابلة حصرية مع مجلة الجزيرة بعد انتصار كبير للنادي العربي -كما يعرف في الصحافة في الدوري التشيلي- وضعه في المركز الثاني. تتمثل أهمية هذه الروابط في إعطاء المهاجرين شعورا بأنهم في وطنهم، كما تعزز وجودهم وتمثيلهم في الحياة العامة.
 

هكذا وبالتدريج وفي مواجهة الرفض الغربي للدولة الفلسطينية، برز هذا الفريق الرياضي كرمز للقضية الفلسطينية على الصعيدين السياسي والإنساني، حيث يمثل الفلسطينيون الذين تنكرت الهيمنة الغربية لحقوقهم.
 

ومن إحدى الرموز لتلك العلاقة الرفيعة كتابة الرقم واحد على قمصان الفريق على شكل خارطة فلسطين التاريخية، بينما في الوقت نفسه سجل الفريق انتصارات متميزة حيث شارك في كوبا أو كأس ليبرتادوريس (بطولة دولية لفرق أميركا اللاتينية) لأول مرة في ٣٣ عاما. كما وصل إلى نهائيات كوبا تشيلي وحل في المركز الرابع عام ٢٠١٤.
 

وقد اعتبرت الجالية الفلسطينية انتصارات النادي على أنها انتصارات لها، وقال أغواد "لقد شهدنا أوقاتا سعيدة العام الماضي، حيث أدرجنا في كأس ليبرتادوريس وعرضنا الألوان الفلسطينية خارج حدود تشيلي وكانت تلك تجربة مهمة لنا ومثيرة في الوقت ذاته".

استبدل مشجعو نادي فلسطين الرقم واحد بخارطة فلسطين التاريخية (الجزيرة)

ويكمل حديثه بالقول "في الحقيقة كانت تجربة في غاية المتعة للجالية في تشيلي وللشعب الفلسطيني الذي شاهد الجميع هناك".
 

وقد لاقت نجاحات النادي صدى في الإعلام المحلي والدولي، وصرح مستشار الاتصالات للدولة الفلسطينية خافيير أبو عيد لصحيفة تشيلية قائلا "لقد كان هناك اهتمام دائم بالنادي، ورغم صعوبة متابعة نشاطات النادي إلا أن المهتمين بكرة القدم كانوا على تواصل دائم مع تلك النشاطات عبر الإنترنت".
 

وقد اكتسبت مكانة نادي بالستينو أهمية متميزة لأنه النادي الوحيد في نوادي الدرجة الأولى في العالم الذي يحمل ألوان الدولة الفلسطينية والعلم الفلسطيني، علاوة على رقيه وقدرته التنافسية المرموقة.
 

لم يكن من السهل عدم ملاحظة النجاحات التي حققها النادي في أواخر عام ٢٠١٤ و ٢٠١٥ لدرجة أن صحيفة غارديان البريطانية قد خصصت للنادي مقالا مطولا أبرز ارتباط النادي بالجالية العربية والفلسطينية.
 

وأبرز مقال غارديان كذلك كيف نجحت كرة القدم في إعطاء المهاجرين الفلسطينيين مكانة أفضل في البلاد، بعد أن كانوا يعتبرون "مواطنين درجة ثانية" في تشيلي مقارنة بالبريطانيين والألمان والفرنسيين الذين يعتبرون من الطبقة الأرستقراطية في البلاد.
 

وهكذا شق الفلسطينيون طريقهم نحو الطبقة الوسطى في البلاد، واليوم بعض العائلات الفلسطينية تعتبر من الأغنى في البلاد. 

نادي فلسطين تأسس في بداية القرن العشرين مع وصول الفلسطينيين لتشيلي (الجزيرة)

إن نشر غارديان مقالة عن نادي بالستينو لم تظهر للعالم التزام النادي السياسي فحسب، بل أظهرت أيضا الوفاء للقضية الفلسطينية في أميركا اللاتينية وفي تشيلي على وجه الخصوص.
 

وقد شهدت تشيلي أواسط عام ٢٠١٤ مظاهرات حاشدة تأييدا للدولة الفلسطينية وللمطالبة بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة.
 

تاريخيا، لا يعتبر النادي من النوادي التي تتمتع بتأييد جماهيري واسع، إلا أن التزامه بالقضية الفلسطينية ووفاءه لها ساهم في ارتفاع شعبيته بشكل ملفت، وقد ترجم ذلك على الأرض في المباريات المؤهلة لكأس ليبرتادوريس حيث حضرها أكثر من عشرين ألف مشجع.
 

ويصف رئيس النادي العلاقة مع فلسطين بأنها في أفضل صورها ويقول "هناك الكثير من الروابط بين بالستينو وفلسطين حيث يتابع الفلسطينيون نشاطات النادي ونحن على اتصال دائم بهم. كما أن لدينا ممثلا هناك، وقد بدأنا في التفكير بتبادل الخبرات واحتمال استقدام لاعبين من فلسطين وربما مدربين لترويج كرة القدم هناك في فلسطين".
 

وربما يكون برنامج للتبادل الرياضي هو الأمر الوحيد المفقود في العلاقة بين النادي وفلسطين، حيث وعلاوة على الرابطة الرياضية والثقافية القوية، فإن بنك فلسطين هو أحد رعاة النادي، وقد ضمن دعم النادي للعشرين سنة القادمة. ويقول رئيس بنك فلسطين هاشم الشوا "الأمر ليس صفقة بالنسبة لنا، بل هو لدعم الهوية".
 

اليوم لا يفصلنا على العيد المئوي لتأسيس النادي سوى خمس سنين، ولذلك فإنه من المهم بمكان وأكثر من أي وقت مضى إبراز الموقف الاجتماعي والسياسي للنادي.
 

يقول أغواد "لقد شعرنا دائما بأننا نمثل الشعب الفلسطيني. ما يقوله العالم وموقف الأمم المتحدة وأي رأي آخر هو أمر لا يعنينا. سنظل دائما نمثل الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني".
 

لقد أوضحت كلمات أغواد وبشكل حاسم أن بالستينو كان وسيظل دائما، فلسطين.

السابق

السابق

التالي

السابق