عرض/ محمود الفطافطة
يكشف كتاب "أرض السفارة الأميركية في القدس... الملكية العربية والمأزق الأميركي" عن أن الولايات المتحدة استأجرت من إسرائيل الأرض التي ستُقيم عليها سفارتها في القدس بـدولار واحد سنويا، وبعقدٍ يسري لمدة 99 سنة، يكون قابلا للتجديد. وفي الوقت الذي طلبت فيه واشنطن أن يظل الهدف من العقد مُبهما، طالبت إسرائيل بتعهد صريح ينص على أن مشروع العقد سيكون سفارة.
 
ويؤكد الكتاب أن بناء الولايات المتحدة سفارتها في القدس على أرض اللاجئين الفلسطينيين المصادرة ينطوي على دلالاتأبعد أثرا من موقع السفارة نفسه. فهو ينتهك أربعة جوانب رئيسة من مفاوضات الحل الدائم، هي: القدس، المستعمرات، اللاجئون، ومساحة الدولة الفلسطينية المرتقبة.
- العنوان: أرض السفارة الأمريكية في القدس.. الملكية العربية والمأزق الامريكي
- المؤلف: وليد الخالدي
- المترجمة: سميرة نعيم خوري
- الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية ــ بيروت
- الطبعة: 2017
- الصفحات: 100 صفحة

يبين المؤلف أن الموقع المرتقب للسفارة الأميركية في القدس مُلك لعدد من اللاجئين الفلسطينيين صادرته إسرائيل منذ احتلالها مدينة القدس سنة 1948، وقامت جماعة من الفلسطينيين بجمع الأدلة التي تثبت الملكية الفلسطينية لهذا الموقع، عبر جهد مُلفت استغرق ستة أعوام وشارك فيه نحو أربعين شخصا.

أرض خاصة
ويثبت الكتاب أن 70% من مساحة الأرض ملكية خاصة لـ76 لاجئا فلسطينيا من المالكين الأصليين للأرض، وأصبح لهم ضمن ورثتهم تسعون مواطنا أميركيا من أصل فلسطيني، والجزء الباقي من مساحة الأرض وقف إسلامي صادرته إسرائيل عام 1948. ويبلغ مجموع عدد الورثة المالكين الأصليين لهذه الأرض استنادا إلى قانون الإرث الإسلامي ألف وارث.

يقول المؤلف إن الضغط على الولايات المتحدة لنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس يأتي في سياق مطالبة هذه الدولة بتأبيد احتلالها لـ "القدس الموحدة" موضحا أنه منذ مستهل سبعينيات القرن العشرين الماضي تنشط "لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأميركية" (إيباك) في الضغط على الكونغرس الأميركي في قضية نقل السفارة.

يتكون الكتاب من عدة عناوين، فإلى جانب المقدمة وقائمتي الملاحق والخرائط، يناقش الكاتب اتفاقية الإيجار بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحديدا لموقع السفارة، وعرضا لملكية الموقع، والآثار المترتبة -في حال انتقالها- على التسوية السياسية، علاوة على الاستنتاجات.

في المقدمة، يقول الخالدي إن القدس تُعتبر إحدى أصعب قضايا مفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين وإسرائيل، ومما ضاعف هذه القضية تعقيدا الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة لنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس.

يستعرض المؤلف، في مقدمته، جهود مجموعة من الفلسطينيين لإثبات ملكية هذه الأرض لهم، إذ قامت بجمع تلك الأدلة من محفوظات لجنة التوثيق التابعة للأمم المتحدة والخاصة بفلسطين في نيويورك، ومن مكتب السجلات العامة في لندن، ووزارة الخارجية الأميركية، وبلدية القدس، وسجل ملكية الأراضي (الطابو) ووزارة العدل الإسرائيلية، ومن ورثة الملاك الأصليين.

ويوضح الكتاب أنه رغم تعذر معاينة المساحين لهذا الموقع، وقيام إسرائيل بإعادة تقسيم وترسيم قطعة الأرض المُشار إليها، فإن البحث توصل إلى أدلة تُثبت أن 70%، على الأقل من مساحة هذا الموقع أملاك خاصة للاجئين الفلسطينيين، يبلغ نصيب الأوقاف الإسلامية فيها أكثر من ثلثها، مع الإشارة إلى أنه في 15 مايو/أيار 1948، وهو آخر أيام الانتداب، كان يملك هذا الموقع 76 فلسطينياً.

ويشير الكتاب إلى أنه في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1999، وجهت اللجنة الأميركية من أجل القدس رسالة إلى وزيرة الخارجية وقتذاك مادلين أولبرايت، ضمنتها خلاصة نتائج هذا البحث، وطلبت عقد اجتماع لعرض هذه النتائج ومناقشتها مع الوزارة. ولم يصل رد الخارجية على هذه الرسالة قبل 28 يناير/كانون الثاني. وجاء فيه أن على جماعة البحث أن ترسل كل ما لديها من معلومات إلى وزارة الخارجية ليتم "حفظها في الملفات".

وفي محورٍ من الكتاب، يتطرق المؤلف إلى الجهود التي بذلها نواب وشخصيات أميركية لنقل السفارة إلى القدس، ويشير إلى أنه من بداية سبعينيات القرن الماضي، نشطت لجنة "إيباك" في الضغط على الكونغرس الأميركي في قضية السفارة، والذي كان حتى عام 1988 يكرّر إصدار القرارات الداعمة لنقل السفارة إلى القدس، من دون أن يتوصل إلى اتفاق بشأن تشريع قانون يفرض ذلك.

في انتظار التنفيذ
ويضيف المؤلف: إن تعديل هيلمز، بتاريخ 26 يوليو/تموز 1988، الذي أصبح جزءا من القانون العام 100-459 في أكتوبر/تشرين الأول 1988، فتح الطريق أمام إنشاء "منشأتين دبلوماسيتين" يتم بناؤهما، بصورة متزامنة، في تل أبيب والقدس، ويمكن لأي منهما أن تُستخدم سفارة للولايات المتحدة، وتُترك للرئيس حرية القرار في هذا الشأن.

يبين المؤلف أن الموقع المرتقب للسفارة الأميركية في القدس مُلك لعدد من اللاجئين الفلسطينيين صادرته إسرائيل منذ احتلالها مدينة القدس سنة 1948، وقامت جماعة من الفلسطينيين بجمع الأدلة التي تثبت الملكية الفلسطينية لهذا الموقع، عبر جهد مُلفت استغرق ستة أعوام وشارك فيه نحو أربعين شخصا

وفي غضون أشهر قليلة، بتاريخ 18 يناير/ كانون الثاني 1989، وعلى أساس ذلك التعديل، جرى توقيع اتفاق بين إسرائيل والولايات المتحدة، تم بموجبه تأجير قطعة أرض في القدس الغربية إلى حكومة الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، يبين الكتاب أنه في 21 يوليو/تموز 1989 وجه فرنسيس بويل من جامعة إلينوي مذكرة إلى لي هاملتون رئيس اللجنة الفرعية الخاصة بأوروبا والشرق الأوسط تناولت المدلولات القانونية لاتفاقية الإيجار.

وكانت حجته أن المواثيق الدولية الخاصة بالاحتلال العسكري هي ما ينطبق على القدس، لا القانون الإسرائيلي المحلي، وأن مصادرة أملاك الوقف أو الأملاك الخاصة في القدس عمل غير قانوني، وأن اتفاقية الإيجار نفسها غير قانونية، مُعبرا عن قلقه أن تشكل هذه الاتفاقية تغيرا في سياسة واشنطن بشأن الوضع النهائي للقدس.

ويذكر الكتاب أنه كان من شأن السير قُدما في موضوع السفارة أن أبرز خلافات بين واشنطن وتل أبيب كانت بشأن الهدف المعلن لـ "المنشأة الدبلوماسية" في القدس. فقد رغبت واشنطن في أن يبقى الهدف مُبهما، في حين طالبت إسرائيل بتعهد صريح بأن "هذا المشروع سيكون سفارة".

وبناء على ذلك، بقيت القضية كلها معلقة في لجنة التخطيط الإسرائيلية منذ سنة 1992. غير أن التقدم على مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية جعل رئيس وزراء إسرائيل وقتذاك يتسحاق رابين، يقر خريف سنة 1994 أن الخلافات في شأن القضية غير مُهمة، وأن على الجانبين السير قدما.

وفي 8 مايو/أيار 1995، أعلن السيناتور روبرت دول عزمه على تقديم مشروع قانون في اليوم التالي إلى مجلس الشيوخ، يجيز نقل السفارة الأميركية إلى القدس. وفي 9 مايو/أيار صادق مجلس الشيوخ على هذا المشروع الذي تحوّل إلى "قانون نقل السفارة إلى القدس" (القانون العام 104-45) بتاريخ 23 أكتوبر/تشرين الأول 1995.

هذا القانون اعترف بالقدس "غير المقسمة" و"الموحدة" و"المجتمعة الشمل" عاصمة لإسرائيل، واشترط فتح السفارة فيها حتى موعد أقصاه 31 مايو/أيار 1999. وعند المصادقة على هذا القانون اعتبره وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر "غير دستوري" لأنه ينتهك الحقوق الرئاسية، في حين اعتبرت إدارة كلينتون أن نقل السفارة الفوري يضر بنتائج المفاوضات التي جرت بين الفلسطينيين وإسرائيل في منتجع كامب ديفد عام 2000.

الغموض والمواجهة
وفي السياق ذاته، يتطرق الكاتب إلى موقع السفارة، إذ أشارت اتفاقية الإيجار إلى موقع السفارة المرتقب في القدس على أنه "عقار القدس" فقط، وبينت أن الملحق "أ" سيصف هذا العقار بتحديد ودقة. ورغم الجهود التي بذلت من "جين بيرد" من مجلس المصالح القومية للحصول على الاتفاقية فإن جهوده لم تصل إلى نتائج.

وإزاء ذلك، فقد بادرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية بتكليف المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة لتقصي القضية في مكتب السجلات العامة في لندن، إذ استطاع مصالحة أن يكشف عن أن القسم الأكبر من "ثكنة إللنبي" كان يشغله الحوض (30113) في السجلات العقارية زمن الانتداب، وكان مُقسما إلى ثماني قسائم، والتي تم وصفها من الخرائط البريطانية بأنها "أراضٍ مستأجرة" وتبلغ مساحة قطعة الأرض نحو (31250) مترا مربعا.

الكتاب يطرح قضية مهمة وحساسة في إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ذلك أن القدس تُمثل ركنا رئيسا في هذا الصراع وما ينجم عنه من تعقيدات وتحولات، فضلا عن أن هذه المسألة ستأخذ أبعادا سياسية وإعلامية وحقوقية وسواها في الفترة القادمة نظرا إلى حالة الجذب والاستقطاب الناتجة عنها

ويؤكد الكتاب أن الأرض التي تُعرف بـ"معسكر إللنبي" كانت مؤجرة من مالكيها الفلسطينيين إلى حكومة الانتداب البريطانية، وحصل المؤلف على اتفاقيات إيجار بين تلك الحكومة والمالكين الفلسطينيين لقسائم هذه الأرض متضمنة عروض دفعات الإيجار التي قدمها البريطانيون إلى المالكين الأصليين، وقد سددت دفعات إيجار من البريطانيين، وبذلك ثمة مستندات لاعتراف بريطاني بالملكية الفلسطينية للقسائم المذكورة والمستأجرة في هذا الحوض.

وفي محور أخير من الكتاب، جاء تحت عنوان استنتاجات، أشار الكاتب إلى أن نقل السفارة إلى القدس يدعم السيادة الإسرائيلية على شطريها الغربي والشرقي، كما يستشف من "قانون نقل السفارة". وفي ما يتعلق بالمستعمرات، فإن هذا القانون يشرعن ما أقامته إسرائيل من مستعمرات هناك.

وبخصوص اللاجئين، فإنه يدعم، بمفعول رجعي، المصادرة بالجملة لأملاك اللاجئين الفلسطينيين في كل أنحاء مناطق 1948. وإلى جانب ذلك، فإن هذا القانون يُؤثر مسبقا في تقرير مساحة الكيان الفلسطيني المستقبلي؛ لأنه يدعم بطريقة غير مباشرة حدود القدس التي تزداد اتساعا باستمرار على حساب أراضي الضفة الغربية.

ويرى المؤلف أنه في غياب الحل العادل والمشرف لمدينة القدس، سيكون من الصعب جدا أن تجد الحكومة الإسرائيلية موقعا بديلا في المدينة لبناء سفارة الولايات المتحدة (أو لبناء سفارات دول أخرى) لا تعتريه العوائق نفسها التي تحيط بموقع ثكنة إللنبي، ذلك أن الأراضي جميعها أراض محتلة وتمت مصادرتها من أصحابها الأصليين.

وبخصوص الملاحق، فقد نشر المؤلف أهمها، وتشتمل على: اتفاقية إيجار الأرض وشرائها، الموقعة في 18 يناير/كانون الثاني 1989، قانون نقل السفارة إلى القدس عام 1995، الرسائل المتبادلة بين المحامي جورج سالم (ممثل المجموعة) ووزارة الخارجية الأميركية عام 1999، ورسالة سالم إلى أولبرايت.

أما الخرائط، فأبرزها: خريطة عقارية للقدس سنة 1947، القدس الكبرى والقدس المتروبوليتانية، الموقع المقترح للسفارة الأميركية بالنسبة إلى مدينة القدس القديمة، ثكنة إللنبي والأرض المستأجرة وأرض الملكية الحرة، الخريطة الإسرائيلية لموقع السفارة.

وبهذا، فإن الكتاب يطرح قضية مهمة وحساسة في إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ذلك أن القدس تُمثل ركنا رئيسا في هذا الصراع وما ينجم عنه من تعقيدات وتحولات، فضلا عن أن هذه المسألة ستأخذ أبعادا سياسية وإعلامية وحقوقية وسواها في الفترة القادمة نظرا إلى حالة الجذب والاستقطاب الناتجة عنها، سواء ما تعلق الأمر بالسياسة الخارجية الأميركية تجاه هذا الصراع أو بأطرافه الرئيسة.

المصدر : الجزيرة