عرض/زياد منى
أولا أود التنويه إلى حقيقة أن دار نشر فيرزو منحتني، وموقع الجزيرة نت الغراء، الثقة الكبيرة بإطلاعي على ترجمتها النهائية للكتاب قبيل صدوره، ضمن إطار ما يسمى "مراجعة ما قبل الطباعة" فلها جزيل الشكر لهذا التكريم الذي لا يحظى به إلا قلة.

مؤلف هذا الكتاب، شلومو ساند، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة تل أبيب، معروف عربيا وعالميا من خلال كتبه السابقة، ومنها "اختراع الشعب اليهودي" و"اختراع أرض إسرائيل". هذه الكتب أثارت وقتها، ومازالت، زوبعة في الأوساط الأكاديمية الصهيونية حيث التهمة جاهزة لإلصاقها بالكاتب، أي كراهية الذات.

موضوع المؤلَّف واضح من العنوان، وهو الأسباب التي دفعت بالكاتب إلى الامتناع عن تعريف نفسه بأنه يهودي، لكن من منظور فلسفي محض، يستعرض فيه، بعمق كبير، مسألة الهوية وتعريف الذات والانتماء القومي والديني.

-العنوان: كيف توقفت عن كوني يهوديا؟
-تأليف: شلومو ساند
-ترجمه عن الفرنسية: ديفيد فرنباخ
-عدد الصفحات: 112
-الناشر: فيرزو، لندن، نيويورك
-الطبعة: الأولى 2014

شلومو ساند، الذي ولد لأب نمساوي مسيحي ولأم نمساوية "يهودية"، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، يغوص في صفحات هذا الكتاب المكثف عبر 12 فصلا، في مسائل مرتبطة بالهوية تكاد تكون مجهولة في الأدبيات ذات العلاقة.

جاء الكتاب في اثني عشر فصلا تحت العناوين التالية: جوهر المسألة، الهوية ليست قبعة، ثقافة يهودية عِلمانية؟ ألم وأمد، الهجرة ورهاب اليهودية، من مشرقي إلى آخر، عربة فارغة، عربة ممتلئة، تذكُّر كل الضحايا، استراحة بعد قتل تركيا، من اليهودي في إسرائيل؟ من اليهودي في المهجر؟ مغادرة المنتدى الحصري.

يتضح من عناوين هذه الفصول، على صغر حجم كل منها، وثرائها الهائل بالمعلومات، حجم الإشكاليات المتعلقة بالهوية على نحو عام، ولدى "اليهود" الإسرائيليين وغير الإسرائيليين بشكل خاص. مواضيعها مرتبطة ببعضها وكل منها مكمل للآخر، ولذا من غير الصحيح فصل تحليل ورد في أحد الفصول من غيره.

شلومو ساند وعائلته معروفون بانتمائهم إلى الفكر اليساري، لذا فقد رفضوا تسلم أي تعويضات من حكومة ألمانيا الغربية وفق اتفاقية التعويض عن ضحايا "المحرقة".

هذه أمور مهمة للقارئ معرفتها، لأن الكاتب يشرح مسائل وإشكاليات الهوية في الدولة الصهيونية التي قد لا تكون معروفة لغير مجموعة صغيرة من أهل الاختصاص. فهو يؤكد على سبيل المثال على عدم وجود قومية أو هوية إسرائيلية خاصة.

ويضيف أنه في وثائق إسرائيل الرسمية، لا وجود لمصطلح "إسرائيلي"، حيث يتم وضع كلمة أو مصطلح يهودي أو عربي بدلا من ذلك. ويشرح بتفاصيل دقيقة استحالة تخلصه من هذه الصفة إلا إذا قرر التحول إلى ديانة أخرى، لكنه يرفض ذلك بالمطلق. ولأن والدته ولدت لأم يهودية، فقد غدت بالتالي يهودية، وهو كذلك، مع أن والده مسيحي كاثوليكي. أي أن قوانين إسرائيل، العنصرية بامتياز، لا تمنح المواطن حق اختيار هويته.

يقول المؤلف إن إسرائيل تعرفه بأنه يهودي، ليس لأي سبب غير أنها اكتشفت يهوديته بعدما تبين لها أن والدته يهودية، ولأن إسرائيل دولة دينية، فإن الشريعة اليهودية، تقول إن اليهودي يبقى كذلك إلى الأبد، ولا تتغير هويته/قوميته إلا إذا غير دينه

وهنا يعقد مقاربة لافتة فيما لو أن إجراء كهذا تم في دولة أوروبية ونشأ إصرار على وضع هوية أو قومية الشخص بأنها يهودية، لا شك في أن ذلك سيثير زوبعة من المعارضة الجنونية، المحقة طبعا، تجاه الجهة التي قد تطرح مقترح كهذا.

يعود الكاتب إلى ذكر حقيقة أن مؤسسي إسرائيل اعتبروا الدولة التي أقاموها في فلسطين ملكا جماعيا للشعب اليهودي، سواء أكان اليهود مؤمنين بالديانة اليهودية أم لا. أي أن هذا يشكل مدخلا عنصريا بامتياز لتعريف اليهودي، الذي يبقى كذلك إلى الأبد، وهذا يعني من منظور الكاتب غياب التعريف المديني الدستوري للمواطنة.

شلومو ساند يقول: إن إسرائيل تعرفه بأنه يهودي، ليس لأي سبب غير أنها اكتشفت يهوديته بعدما تبين لها أن والدته يهودية، ولأن إسرائيل دولة دينية، فإن الشريعة اليهودية، أي الهلكا (تكتب: هلكه) ومصادرها تقول إن اليهودي يبقى كذلك إلى الأبد، ولا تتغير هويته/قوميته إلا إذا غير دينه.

وهنا تظهر إشكالية الدين/القومية في اليهودية، فهذه الممارسات في إسرائيل توضح على نحو جلي أن اليهودية ديانة وليست قومية. البعض في إسرائيل يمنحون اليهودية بذخ "الخصوصية"، وهذا ما يجعل الكاتب يؤكد أن أي محاولة في إسرائيل لتعريف اليهودية تبقى خادعة.

ومن الأمور الأخرى ذات العلاقة بالهوية التي تطرق الكاتب إليها مسألة قرار تقسيم فلسطين عام 1947 الذي أقر قيام دولتين عربية ويهودية. الخطر في تبني هذا واضح حيث إن خمس سكان إسرائيل أو ربعهم ليسوا يهودا، وليس بمقدورهم التحول إلى اليهودية إلا ضمن شروط غاية في التعقيد.

يؤكد الكاتب أنه رغم كل الحقائق المرتبطة بمسألة اليهودية والهوية، ثمة مجموعة من "المهاويس" العنصريين الذين يصرون على انتقال "الخصائص" القومية أو خصائص الهوية اليهودية عبر طرق غامضة.

آراء الكاتب هذه، وغيرها، لا شك في أنها تستثير بعض المعادين لليهودية في أوروبا، لكنه يؤكد أن كتابه ليس موجها لهم، بل هو موجه لمن يريد معرفة منابع الهوية اليهودية بتحولاتها المختلفة ومن أجل تحقيق ذلك سيكشف عن بعض المركبات في الهويات الشخصية التي اكتسبها.

المصدر : الجزيرة