عرض/بدر محمد بدر
مؤلف هذا الكتاب باحث مرموق, يعمل حاليا أستاذا في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة نيويورك, وينتمي إلى تيار من الباحثين الأميركيين اليساريين الذين لعبوا دورا مهما في تطوير دراسات الشرق الأوسط, انطلاقا من موقف إنساني مكافح ضد تيار كان سائدا في هذا النوع من الدراسات, ينطلق من مواقف استشراقية ذات سمات عنصرية, ورؤية انتقاصية للعرب والمسلمين.

- الكتاب: تاريخ الاستشراق وسياساته
- المؤلف: زكارى لوكمان
- المترجم: شريف يونس
- الصفحات : 426
- الناشر : دار الشروق، القاهرة
- الطبعة: الأولى/2007

وموقف الكاتب ليس مع العرب بوصفهم عربا أو مع المسلمين باعتبار دينهم, وهو في نفس الوقت ليس ضد سياسات إسرائيل كموقف من اليهود, إذ هو يهودي واسمه التوراتي "زكريا لقمان", لكن موقفه موقف ضد القهر أيا كان ضحاياه, ومع الكادحين والمقهورين أيا كان لونهم أو دينهم أو جنسيتهم.

والكتاب هو طرح لرؤية نقدية لتطور الفكر العلمي في أوربا والولايات المتحدة تجاه العرب والإسلام, ويكشف عمق الرؤية الغربية السلبية للمسلمين والعرب, ويتوجه في الأساس للقارئ الأميركي المثقف بهدف حثه على الاستماع وتفهم بواعث لجوء قطاعات من العرب والمسلمين إلى الإرهاب, وميل قطاعات أوسع إلى دعمه, بغير أن يكفوا في نفس الوقت عن إدانة الإرهاب..

الكتاب الذي بين أيدينا يحاول حل الإشكالات في فهم العالم العربي والشرق الأوسط, القائمة عادة على افتراضات زائفة وتفسيرات سيئة, لها جذور تاريخية وثقافية عميقة, خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001, وشعور المؤلف أنه من الضروري للأميركيين أن يكتسبوا فهما أكثر لأنواع المعرفة بالشرق الأوسط وبالإسلام.

إنه يقدم صورة عن كيفية دراسة الشرق الأوسط والإسلام في الولايات المتحدة على مدى نصف القرن الماضي, بهدف مساعدة الأميركيين على اكتساب فهم أفضل لافتراضات ونتائج المعرفة التي طرأت في العقود الأخيرة على سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط, والإدراك الشعبي للمنطقة وشعوبها.

معرفة مشوهة
يتكون الكتاب من سبعة فصول، يتناول المؤلف في الأول منها بداية معرفة الشعوب المسيحية, في أوروبا الآن, بالإسلام في العقد الثالث من القرن السابع الميلادي، حيث يرى أنها كانت معرفة مشوهة, ترى في الإسلام دينا وثنيا, باعتبار النظرة السابقة للعرب, وكانت نظرة عرقية أكثر منها دينية.

وحتى نهاية القرن الثاني عشر لم يكن لدى الأوروبيين سوى فكرة غامضة تماما عن الإمبراطورية الإسلامية الواسعة, خاصة خلال أوج ازدهار العصر العباسي.

ويقول المؤلف إن المعلومات عن الإسلام ظلت في أذهان المسيحيين حتى ذلك الوقت تقول إن المؤمنين به مجرد كفرة وثنيين لا يستحقون من الناحية الدينية اهتماما خاصا ولا تدقيقا.

وفي الوقت نفسه انتشرت كل أنواع الأساطير الغريبة والمشينة عن العرب والمسلمين في أرجاء أوروبا بين المتعلمين والجماهير على السواء, ما يعكس شعور المسيحيين بالخوف والعداوة تجاه عدو يهددهم, ولا يعرفون عنه إلا القليل.

"
صورة الإسلام وحدها هي التي أثارت تاريخيا الشعور العميق بالفارق الثقافي وبالتهديد معا, وهما يرتبطان اليوم بصورة الإرهابي المسلم المتعصب الذي يهاجم الغربيين بغباء
"
ومنذ القرن الـ11 بدأ بعض المسيحيين الأوربيين في تطوير صور أكثر تحديدا عن الإسلام, من خلال تزايد التجارة والحج، ومن خلال الغزوات التي وضعت بعض المسلمين تحت حكم مسيحي كما في إسبانيا وصقلية.

ولم تكن هذه الصور بالضرورة أكثر دقة, لأنه حين بدأت مجموعة من الباحثين في محاولة تفهم الإسلام على نحو أقل اضطرابا, كان باحثون وشعراء ورواة قصص, ينشرون أكثر التصورات غرابة عن الإسلام ورسوله, وهي تصورات كتب لها أن تبقى قرونا, ومازالت تطفو حتى اليوم على السطح في الثقافة الغربية الشعبية أحيانا.

خلاصة الأمر أن الإسلام حتى تلك الفترة, كان يثير مخاوف الأوروبيين وعداوتهم, ولمدة قصيرة كان هناك احترام لحكمة العرب لا للإسلام, ولكن سرعان ما شحب هذا الاحترام إلى حد كبير لصالح عدم الاهتمام والازدراء الروتينى.

كان للأوروبيين (وبعد ذلك بكثير الأميركيين) ومازال لهم كل أنواع الصور عن الشعوب والثقافات والأديان الأخرى في أدمغتهم, وليس الازدرائي فيها بقليل.

ولكن صورة الإسلام وحدها هي التي أثارت تاريخيا الشعور العميق بالفارق الثقافي وبالتهديد معا, وهما يرتبطان اليوم بصورة الإرهابي المسلم المتعصب الذي يهاجم الغربيين بغباء.

ومازالت صورة المسلم المتعصب العنيف والشهواني الذي يهدد الحضارة الغربية متداولة إلى اليوم في الأفلام وبرامج التلفزيون والصحف والمجلات والكتب وقصص الأطفال المصورة, ومازال لها الصدى العاطفي عند الكثيرين, ويمكن الاعتماد عليها ونشرها لتحقيق أهداف سياسية.

علاقات أفضل
في الفصل الثاني يقول المؤلف إنه مع بداية القرن الـ14 وحتى أوائل القرن الـ15, تراجع إلى حد ما الشعور بأن الإسلام يشكل تهديدا عسكريا وأيديولوجيا وشيكا, وذابت الحماسة الدينية التي أثارتها الحروب الصليبية بعد أن انتهت بهزيمة المسيحيين.

وأقيمت علاقات سلمية بدرجة أو بأخرى مع كثير من الدول الإسلامية في غرب آسيا وشمال أفريقيا, ولم يعد الإسلام قضية ساخنة مع بروز دولة الخلافة العثمانية ووصولها إلى أوج قوتها في أوائل القرن الـ16.

وترافق ذلك مع عصر الإصلاح الديني في أوروبا, وتفكك العالم المسيحي إلى كنائس كاثوليكية وأخرى بروتستانتية تتبادل العداء, وسط قدر كبير من إراقة الدماء.

ويقول المؤلف إن العثمانيين الأتراك كانوا لحقبة تاريخية طويلة هم البعبع الأكبر لأوروبا المسيحية, ومع بداية تراجع الإمبراطورية العثمانية في أوائل القرن الـ17 بدأ إدراك الأوروبيين لقوتها وعظمتها يقل تدريجيا.

"
كما كان تطور الاستشراق الأكاديمي في القرن الـ19 مرتبطا بتوسع القوى الأوروبية في الأراضي الإسلامية, كان تطور دراسات الشرق الأوسط مرتبطا بشدة بظهور الولايات المتحدة قوة عالمية عظمى وتورطها تورطا أعمق في الشرق الأوسط
"
وحتى تلك الفترة أيضا كان الإسلام يتم تصويره عند الباحثين المستشرقين والكتاب وفي الخيال الشعبي باعتباره مفتقرا إلى تلك الصفات التي جعلت الغرب عظيما.

فما دام الغرب يقدر قيمة الحرية والعقلانية والتقدم والمشروع, أصبح ينظر إلى الإسلام باعتباره يربي على الخنوع والخرافة والركود والكسل.

ويتناول المؤلف في الفصل الثالث تأثر الأوروبيين إيجابيا بالإسلام والمسلمين مع انتشار عملية الهيمنة في القرنين الـ19 والـ20 على البلاد الإسلامية من قبل أوروبا المسيحية, ويؤكد أنه رغم الهيمنة لم يكن هناك قط موقف أوروبي موحد بالكامل تجاه الإسلام ولا المسلمين ولا الشرق ولا الاستعمار.

ورغم هذا التأثر الإيجابي فإن بحوث الاستشراق في معظم القرن الـ19 تبنت مقولة أن هناك بالفعل "إنسانا إسلاميا" مميزا, له -بدرجة أو بأخرى- تركيب ذهني ثابت مختلف جوهريا, بل ويشكل النقيض المطلق لتركيب ذهن "الإنسان الغربي"!

ومع نهاية القرن الـ19 تطور هذا المنظور إلى صورة أكثر سوءا بتأثير تفسير مغلوط لنظرية النشوء والارتقاء لداروين, وبتأثير المسيرة الظافرة للاستعمار الأوروبي تقول بأن تفوق الغرب السياسي والثقافي ليس ببساطة نتيجة القيم والمؤسسات المتفوقة لتلك الحضارة, وإنما نتيجة للصفات البيولوجية الفطرية المتفوقة للعنصر "الأبيض" الذي سمي غالبا "الآري" أو "القوقازي".

وأصبحت هذه الرؤية مقبولة على نطاق واسع عند علماء ومثقفين بارزين, وشكلت جانبا كبيرا من البحث العلمي!

القرن الأميركي
في الفصل الرابع يتحدث المؤلف عن الولايات المتحدة التي أصبحت قوة عالمية عظمى بعد الحرب العالمية الثانية, في الوقت الذي بدأت فيه الدراسات والأبحاث الأكاديمية في أميركا تركز على الشرق الأوسط, وتزيد من الدراسات حوله, أكثر من الدراسات التي يعدها الأوروبيون.

وكان للحكومة الأميركية الدور الأكبر في دعم هذا التوجه, حيث أنفقت عليه بسخاء, في الوقت الذي شهدت فيه منطقة الشرق الأوسط تغيرات اجتماعية وسياسية سريعة.

وكما كان تطور الاستشراق الأكاديمي في القرن الـ19 مرتبطا بتوسع القوى الأوروبية في الأراضي الإسلامية, كان تطور دراسات الشرق الأوسط, كحقل أكاديمي مرتبطا بشدة بظهور الولايات المتحدة قوة عالمية عظمى, وتورطها تورطا أعمق في الشرق الأوسط.

ثم يتابع المؤلف أسباب انغماس الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومنها الاستيلاء على ممالك الاستعمار الفرنسي والإنجليزي والإيطالي في المنطقة, ومنها الصراع العربي الإسرائيلي وظهور البترول وأهمية المنطقة إستراتيجيا.

ويتحدث عن الاستعدادات الأكاديمية والبحثية لدراسة الشرق الأوسط في الجامعات الأميركية, وكيف وفرت لها الحكومة الدعم المالي السخي.

ويتناول مجموعة من أبرز المستشرقين من أمثال برنارد لويس وهاملتون جب وغيرهما، ودور هؤلاء في تعزيز دراسات الشرق الأوسط وفق رؤية كل منهم, ليخلص في النهاية إلى التأكيد أن البرامج البحثية في تلك الفترة ارتبطت باحتياجات "دولة الأمن القومي" التي ولدت من رحم الحرب الباردة.

"
المطلوب اليوم هو إعادة دراسة الشرق الأوسط بعيدا عن التصورات الغريبة الشاذة, وإعادة تقديمها إلى المجتمع الغربي في أميركا وأوروبا حتى يكونوا أكثر إنصافا
"
تيار يساري
في الفصول الثلاثة الأخيرة يتناول المؤلف تطور دراسات الاستشراق, وظهور تيار يساري بين الباحثين الأميركيين والأوروبيين يرفض النزعات العنصرية والمقولات الجاهزة السابقة والأبحاث غير الموضوعية, ويطالب بإعادة دراسة الشرق الأوسط على أسس مختلفة.

هذا التيار بدأ في الظهور في الستينيات من القرن العشرين, خاصة مع أحداث داخلية وخارجية أسهمت في ظهوره, منها تصاعد حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وكذلك حرب فيتنام والشعور بحاجة الدراسات العلمية إلى أجواء أخرى حتى تكون أكثر موضوعية.

ويتعرض المؤلف لكتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق الذي صدر في العام 1978م حيث يتناول بحدة -كما يقول المؤلف- دراسات الاستشراق وسلبياتها, وكيف أن هذا الكتاب أثار الكثير من نقاط الجدل حول مدى ارتباط دراسات الشرق الأوسط بالواقع أو بالتصور المسبق, لكنه في كل الأحوال أفاد في التأثير الإيجابي على دراسات هذا المجال بعد ذلك.

لقد أحدثت التغيرات في نصف القرن الأخير الكثير من التحولات في دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة عبر العقود الأخيرة من القرن الـ20, وجعلت منها حقلا بحثيا أكثر إنتاجية وأهمية فكريا.

ولكن هذا التطور زاد من الفجوة بين الباحثين والمسؤولين في الحكومة الأميركية, وتراجع تأثير هؤلاء الباحثين على تشكيل السياسة الخارجية وعلى وسائل الإعلام كذلك.

ويختم المؤلف الكتاب بالتأكيد على أن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 غيرت الكثير, فالأميركيون يدركون الآن أن هناك مجموعات منظمة في العالم مستعدة وراغبة وقادرة على قتل مدنيين أميركيين وآخرين دون تميز.

وتجشمت قلة من الأميركيين فقط عناء السؤال عن سبب وجود أناس يكرهون الولايات المتحدة بشدة تجعلهم يغتالون أعدادا مهمة من الأميركيين، وعن الدهشة من عدم إدراك حقيقة أنهم يكرهونها بما يكفي.

المطلوب هو إعادة دراسة الشرق الأوسط بعيدا عن التصورات الغريبة الشاذة, وإعادة تقديمها إلى المجتمع الغربي في أميركا وأوروبا حتى نكون أكثر إنصافا.

المصدر : الجزيرة