ما الخطأ الذي حدث؟.. الصدمة الغربية والرد الشرق أوسطي

كامبردج بوك ريفيوز
يحقق كتاب برنارد لويس الجديد "ما الخطأ الذي حدث؟ الصدمة الغربية والرد الشرق أوسطي" مبيعات جعلته في مصاف الكتب الأعلى مبيعا في الولايات المتحدة، وربما تضافرت عدة عوامل لتحقيق ذلك، أولا أن الرجل وهو بروفيسور دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، يعد حسب رأي الكثيرين عميد وكبير باحثي مواضيع الشرق الأوسط، فله أكثر من أربعة وعشرين كتابا عن الشرق الأوسط والعرب، كتبها على امتداد نحو نصف قرن وأثارت الكثير من الجدل ولكنها تلقى إقبالا واسعا.

وبطبيعة الحال يحلو للكثيرين أن يروا لويس أيضا كبير المستشرقين الذين حاولوا الدفاع عن أنفسهم أمام هجمة إدوارد سعيد قبل ربع قرن، في كتابه (الاستشراق) الذي زلزل بروج العديد من "المستشرقين"، فكان لويس رأس الحربة الرافضة لاتهامات سعيد.


-اسم الكتاب: "ما الخطأ الذي حدث؟"
–المؤلف: برنارد لويس
-عدد الصفحات: 180
-الطبعة: الأولى 2002
الناشر: Oxford University Press

ولكن بلا شك فإن ظروف ما بعد الحادي عشر من سبتمبر سبب آخر للإقبال على الكتاب، وهو ظرف فهمه الناشر والكاتب. وليس أدل على ذلك من أن الكتاب أضيف له تمهيد في صفحة منفصلة سبقت المقدمة تقول إنّ الكتاب وإنْ كان لا يدرس تلك الأحداث "فإنه على أي حال متصل بتلك الهجمات، يبحث فيما حدث قبلها، وفي التتابع الطويل والنماذج الأوسع للأحداث والأفكار والاتجاهات التي – لدرجة ما- أنتجت تلك الهجمات". كما أن أسامة بن لادن وطالبان أشير لهما فقط في الأسطر السبع والعشرين الأخيرة من الكتاب، ولعله من الدليل على إضافة هذه الإشارات في وقت متأخر من عملية الطبع أن الفهرس الـ (Index) أغفل فهرسة الاسمين مع باقي الأعلام والفهارس.


هزائم العثمانيين عمقت السؤال لدى المسلمين "ما الخطأ الذي حدث؟" ولكن في حين كان السؤال حتى القرن السابع عشر "ما الذي فعلناه خطأ؟"، أصبح هناك تركيز على الخارج لا سيما مع استمرار الانتصارات المسيحية، وبعد غزو نابليون لمصر عام 1798 أصبح السؤال "ما الذي يفعلونه هم؟" و "ما الذي يجب أن نفعله لاستعادة التفوق؟"

وعمليا فإن الادعاء أن الكتاب يقدم تفسيرا لما حدث في نيويورك وواشنطن لا يبدو مقنعا. فسؤال الكتاب الأساسي كما تحدده مقدمة وخاتمة الكتاب، هو لماذا دخل المسلمون في الانحدار والتخلف بعد قرون مزهرة من الإنتاج الحضاري والثقافي الذي انتشر في الآفاق، في حين كان الغرب الذي عاش عصورا من التخلف وعدم الفعالية يحقق التقدم والانتصار تلو الانتصار, وليس له علاقة مباشرة بأحداث سبتمبر.

يتركز الحديث عن الغرب في الكتاب في إطار المقارنة للدلالة على تخلف عالم الإسلام، فيما الحديث عن الصدامات العنيفة بين الشرق والغرب بقي محصورا في إطار القرون ما بين السابع والتاسع عشر، مع إغفال صدامات الحروب الصليبية والاستعمار الحديث ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وعندما تتم الإشارة لهذا الاستعمار فإنها لتوضيح إيجابياته. أما إسرائيل فتكاد تغيب عن الكتاب وعن مشاكل المسلمين، والإشارة العابرة لها هي في أنها استطاعت تحقيق التعايش بين الثقافتين المسيحية والإسلامية، عبر التعايش بين اليهود القادمين من الغرب المسيحي والشرق المسلم.

وإذا كان سؤال الكتاب حول تخلف العالم الإسلامي يبدو واضحا في المقدمة فإن التشويش سرعان ما يطغى على صفحات الكتاب عند محاولة تقديم الإجابة، فإذا كان مفهوما ومتوقعا أن يقوم الكاتب بعرض آراء من حاولوا الإجابة عن السؤال وأن يحلل إجاباتهم ومن ثم يقدم تصورا معينا، فإن فصول الكتاب من جهة تبدو متداخلة والترابط بينها غير واضح وكذلك الرابط بين بعض أجزاء الكتاب وبين سؤال الكتاب يبدو أحيانا غامضا. ومما زاد التشويش القفز المتكرر بين مراحل زمنية متباينة لا سيما بين فترة صدر الإسلام والقرون من الـ 15- 19 ونهاية القرن الـ 20 بما بينها من فجوات.

ولعل صفحة ألحقت بالكتاب بعد صفحات الخاتمة توضح هذا التشويش، وتؤكد للقارئ أن العلة ليست في قدرته على القراءة، فالكتاب بحسب ما توضح هذه الصفحة عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها الكاتب في أماكن متعددة على مدى عدة سنوات جمعت أخيرا على شكل كتاب، وهكذا يبدو أنه لا تزال هناك حاجة لتحرير أكبر للكتاب حتى يكون جاهزا للنشر.

من جهة أخرى وقبل عرض أهم أفكار الكتاب يجدر التنبيه لاستخدام لويس لبعض الكلمات والعبارات على نحو متكرر، مثل استمرار وصف الغرب والمسيحيين بالكفار، وبطبيعة الحال هو يعتبر أن ذلك الاسم هو الذي يستخدمه المسلمون، دون أن يوضح إن كانت هذه الكلمة بالفعل هي التي استخدمت فعلا بهذه الكثافة في الوثائق والكتابات الإسلامية التي اعتمد عليها، أم أن كلمات أخرى كالفرنجة والأوروبيون.. إلخ استخدمت أيضا.

الهزائم العسكرية
يرى لويس أن لاتفاقية كارلوويتز (Carlowitz) عام 1699 بعدا خاصا، فهي أول اتفاقية هزيمة يوقعها العثمانيون مع قوى أوروبية (بولندية وروسية ومالطية ونمساوية وغيرها) اتحدت بعضها مع بعض وألحقت هزيمة بالعثمانيين وأخرجتهم من أجزاء من أوروبا كانوا قد فتحوها سابقا. هذه الاتفاقية حملت عدة متغيرات، فمن جهة مفاوضات الهزيمة كانت شيئا جديدا، فالعثمانيون عند النصر اعتادوا إملاء شروطهم، فكانت خبرة المفاوضات شيئا جديدا استدعى طلب مساعدة واستشارة من قوى مسيحية أخرى, مثل بريطانيا وهولندا التي لم تقدم المشورة وحسب بل شاركت في المفاوضات في مرحلة ما من منطلق التنافس الأوروبي الأوروبي.


كان الغرب مجهولا للشرق أوسطيين, فالرحالة للغرب عددهم محدود، وعدد الدبلوماسيين المقيمين هناك محدود، ولذلك أسباب منها أنه لا أماكن مقدسة في أوروبا كتلك المسيحية في الشرق والتي استقطبت الرحالة الأوروبيين. ومن جهة أخرى كان هناك اقتناع بأن الغرب لا يوجد عنده ما يستحق الذهاب له، وكذلك هناك موقف سلبي من قبل رجال الشرع يرفض الإقامة في ديار الكفر

من جهة أخرى أدت تلك الهزيمة التي تكررت مرات أخرى في القرن الثامن عشر للالتفات للتطور العسكري الغربي، وهكذا مع نهاية هذا القرن اضطر علماء الشريعة المسلمين لقبول فكرة أساتذة "كفار" يدرسون طلبة مسلمين التدريب العسكري, وهذا كان عكس أفكار سابقة أن هؤلاء "الكفرة" لا يوجد لديهم ما يعطونه سوى أنفسهم من خلال دخولهم الإسلام. وبجانب التدريب العسكري حدثت أيضا تحالفات مع كفار ضد كفار آخرين، أو بالأحرى تنسيق وتبادل مصالح مع قوى مثل بريطانيا ضد من تمت رؤيته –وفق بعض الرسائل المتبادلة بين الطرفين– عدوا مشتركا.

هذه الهزائم عمقت السؤال لدى المسلمين "ما الخطأ الذي حدث؟" ولكن في حين كان السؤال حتى القرن السابع عشر "ما الذي فعلناه خطأ؟" أصبح هناك تركيز على الخارج، لا سيما مع استمرار الانتصارات المسيحية. وبعد غزو نابليون لمصر عام 1798 أصبح السؤال "ما الذي يفعلونه هم؟" و "ما الذي يجب أن نفعله لاستعادة التفوق؟".

ولعل مما جعل إجابة السؤال غير سهلة أن الغرب كان مجهولا للشرق أوسطيين, فالرحالة للغرب عددهم محدود وعدد الدبلوماسيين المقيمين هناك محدود، ولذلك أسباب منها أنه لا أماكن مقدسة في أوروبا كتلك المسيحية في الشرق التي استقطبت الرحالة الأوروبيين، ومن جهة أخرى كان هناك اقتناع بأن الغرب لا يوجد عنده ما يستحق الذهاب له، وكذلك هناك موقف سلبي من قبل رجال الشرع يرفض الإقامة في ديار الكفر باعتبار أن المسلم لا يستطيع الحفاظ على دينه هناك.

بل إن المسلم المهتدي من أهل تلك البلاد الأصليين عليه المغادرة, حتى لو احتلت قوة مسيحية أرضا إسلامية فعلى المسلمين المغادرة، بل وفي إحدى الحالات سئل أحد الفقهاء وماذا لو كان المحتلون متسامحين فكان الرد أن ذلك أدعى للمغادرة لأن التسامح قد يغري بالردة.

المجتمع والعوازل الثقافية
يخصص لويس فصلا لمناقشة قضايا المرأة والعلم واختلاف المفاهيم بين الشرق والغرب. ويبدأ بنقل انطباعات من دبلوماسيين من الشرق الأوسط في القرنين السابع عشر والثامن عشر عن الغرب، تصف استغرابهم لوضع المرأة في أوروبا وبأن لها الكلمة الفصل في الحياة، واندهاشهم من صناعات كصناعة الزجاج المقاوم للنار، والمعاناة من الموسيقى المعزوفة في المآدب والحفلات.

ومن ضمن تلك القصص أن دبلوماسيا تركيا "فهد أفندي" عام 1806 يصف مأدبة يجلس فيها الرجال بجانب النساء إلى طاولة الطعام، فيتناولن طعامهن فيما ينظر الرجال لهن يتضورون جوعا, فإذا ما أذنت النساء لهم بالطعام كان لهم ذلك وإلا بقوا يتضورون وينظرون. ويعلق لويس على مثل هذه القصص بأنها لا تتعدى مبالغات تماما كتلك التي جاءت في كتابات المستشرقين عن عالم الحريم في الشرق. بعد هذه القصص يقول إن الإسلام لا مساواة فيه بين ثلاث فئات: السيد والعبد، الرجل والمرأة، المؤمن وغير المؤمن.

ويقول: بينما حقق العبيد وغير المؤمنين تقدما بدعم أوروبي –يقدم لويس تفاصيله– فإن المرأة لم تحظ بالاهتمام الكبير وبقيت الأقل حظا في التقدم، ومن أسباب ذلك رغبة القوى الإمبريالية في عدم الخوض في مثل هذا الأمر الحساس. ويقفز لويس من العهد العثماني لسبعينيات القرن العشرين فيقول إن القوة الإسلامية المعسكرة أولت الأمر اهتماما, فالخميني في هجومه على الشاه انتقد بشكل خاص الموقف من المرأة واعتبره من جرائم الشاه، وبحسب كلمات لويس فإن "تحرير النساء بالسماح لهن بالكشف عن وجوههن وأذرعتهن وأرجلهن والاختلاط بالرجل في أماكن العمل والدراسة" تم النظر إليه على أنه سبب في الفساد الأخلاقي والفوضى الجنسية وضربة لقلب المجتمع الإسلامي.123


محمد (صلى الله عليه وسلم) بعكس عيسى وموسى (عليهما السلام) شهد انتصار الإسلام في حياته وقاد هو الدولة بنفسه وجاء من بعده الخلفاء، ولكن في اليهودية والنصرانية لم تنتصر الديانتان في عهد رسوليهما, لذا كان لا بد للحاكم من هيئة دينية توضح التعليمات، وهذا أدى لقوة الكنيسة ورجال الدين اليهودي ولاستخدامهم قوة الدولة في حروب دينية مذهبية دموية، أما الإسلام فلم يعانِ من مثل هذه الحروب

العلمانية والمجتمع المدني
يبدو لويس كمن يناصر الآراء الرافضة للعلمانية في عالم الإسلام، بتركيزه أن الإسلام لا يوجد فيه المؤسسة الدينية كمؤسسة الكنيسة، فمحمد (صلى الله عليه وسلم) بعكس عيسى وموسى (عليهما السلام) شهد انتصار الإسلام في حياته وقاد هو الدولة بنفسه وجاء من بعده الخلفاء، ولكن في اليهودية والنصرانية لم تنتصر الديانتان في عهد رسوليهما, لذا كان لا بد للحاكم من هيئة دينية توضح التعليمات, وهذا أدى لقوة الكنيسة ورجال الدين اليهودي، ولاستخدامهم قوة الدولة في حروب دينية مذهبية دموية, أما الإسلام فلم يعانِ من مثل هذه الحروب. ولكن لويس يرى أن هذا أيضا أدى في القرن الثامن عشر لرفض العلمانية الفرنسية لأنها تحد من سلطة الحاكم الذي أخذ سلطة تحديد حكم الشرع أيضا.

أما عن المجتمع المدني فيقول إن مفهوم الاستقلالية عن السلطة وقيام فئات المجتمع بإدارة شؤون حياتهم يجسدان هذا المجتمع، وإن فكرة الأوقاف الإسلامية تجسد هذا الاستقلال، ولكن وبداعي التحديث والإدارة تم وضع الأوقاف تحت سلطة الدولة وهذا حد من الاستقلالية. وكذلك فإن الاحتكام للدين عامل رئيسي في المجتمع الإسلامي يتعارض مع فكرة المجتمع المدني الذي يقرر شؤونه بنفسه، كما أن المجتمع المدني يتجسد في التسامح، وأنه إذا ما كان المجتمع الإسلامي في العصور السابقة مقارنة بغيره بالغ التسامح مع غير المسلمين فإن المجتمعات الأخرى الآن أكثر تسامحا في حرية المعتقد، والصراع الراهن مع اليهود والعالم المسيحي حد من ذلك التسامح لدى المسلمين, مما أضعف فرص تطور المجتمع المدني.

وختاما, فرغم ما يثيره كتاب لويس من انتقاد وجدل فإنه لا بد من الإشارة لجوانب إيجابية, منها على سبيل المثال بعض المعلومات والاقتباسات -التي وإن كانت تحتاج أحيانا إلى تمحيص- إلا أنها قد تكون مادة مهمة لتحليلات ودراسات أخرى، كما أن تحليل بعض الظواهر وتاريخ بعض التطورات في العالم الإسلامي بغض النظر عن مدى ارتباطها بسؤال الكتاب جاءت على نحو ممتع وثري بالمعلومات.

المصدر : غير معروف

المزيد من فكري وفلسفي
الأكثر قراءة