مأزق الفرد في الشرق الأوسط


خدمة كامبردج بوك ريفيوز

– اسم الكتاب: The Predicament of the Individual in the Middle East
مأزق الفرد في الشرق الأوسط
– المؤلف: تحرير/ حازم صاغيه
عدد الصفحات: 224
– الطبعة: الأولى 2001
– الناشر:
London: Saqi Books

السؤال الأولي الذي يطرحه حازم صاغيه محرر هذا الكتاب في المقدمة يقول: هل بالإمكان تحقيق أي تقدم إلى الأمام عند أية أمة من الأمم من دون تحقيق تقدم مواز على صعيد الفرد ومفهوم الفردية؟

ولتفكيك أو تبسيط هذا السؤال أكثر فإن الأطروحة الرئيسية التي تتضمنها الإسهامات المثيرة التي بين دفتي هذا الكتاب تقول إن الفرد في منطقة الشرق الأوسط لم يحقق فردانيته بعد, وما زال خاضعاً للجماعة بتشكيلاتها المختلفة (العائلة, العصبة, القبيلة, الحزب, الدولة, الوطن.. إلخ), وأن هذه التشكيلات لا تزال لها الريادة في مقابل الفرد. فإذا ما تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة فإن الثقافة الشرق أوسطية وكذا سائر الثقافات الشرقية لا تحتاج إلى كثير وقت لتحسم النزاع لصالح الجماعة وتقمع الفرد.
وهذا الحال هو خلاف ما هو قائم تماماً في الغرب حيث الأولوية للفرد والفردانية على حساب المجموع والجماعة. طبعاً يأتي هذا التحليل وفق رؤية أوسع مفادها أن الثقافة العربية والإٍسلامية والثقافات الآسيوية كذلك (الهندية, الصينية, اليابانية) هي ثقافات تقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد ويذوب فيها الفرد لصالح الجماعة. في حين الثقافات الغربية (الأوروبية والأميركية) تقدم مصلحة الفرد على الجماعة وتتعامل معه على أنه كينونة مستقلة بذاته بعيداً عن ارتباطاته الجماعية الآخرى وبغض النظر عنها.

المواطنة فكرة غربية
ومن هنا فإن فكرة "المواطن والمواطنة" تبرز بشكل جلي وواضح في الغرب, إذ قد تولدت أصلاً هناك, وهي تجسد علاقة خطية بين الفرد بكونه كذلك والدولة التي واجبها رعاية المواطنين. أما في بقية دول العالم -ومن ضمنها دول الشرق الأوسط- فما زال مفهوم المواطنة طرياً ولا يتسم بالصلابة والوضوح اللذين يميزان نظيره الغربي. والسبب في ذلك أن الثقافة الجماعية وتجلياتها العديدة تدخل على خط علاقة الفرد بالدولة فلا تغدو تلك العلاقة خطية وواضحة الملامح, بل تتعرج لتمر في محطات "جماعية" متأثرة بالتشكيل الاجتماعي الأصلي الذي تحتل فيه "الجماعة" -وليس الفرد- الموقع الرئيسي. تمضي أطروحة الفردانية مقابل الجماعية للقول بأن تحقيق الفردية في المجتمع هو أحد السبل لتحقيق الرفاه الاجتماعي العام, بل وثراء وغنى المجتمع نفسه. إذن الفردية هي إحدى ركائز الحداثة الاجتماعية والسياسية التي تقول هذه الأطروحة إنه لا بد منها لتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي في مجتمع ما, الأمر الذي ينطبق على مجتمعات الشرق الأوسط.

غياب الفردانية في الثقافة الإسلامية
تتمحور الفكرة الأساسية التي يطرحها الكتاب حول غياب مفهوم الفردانية في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة, وهو الغياب الذي يسهم في تعثر المشروع الحداثي في المنطقة باعتبار أن الفردانية هي إحدى ركائزه المركزية. غير أن هذه الفكرة على صوابيتها الجزئية تعاني من خلل كبير في التحليل عندما يسحبها على التاريخ العربي والإسلامي حتى قبل ظهور الإسلام.


من الظلم القول بأن الثقافة العربية الإسلامية تطحن الفرد بالمطلق. صحيح أن هذه الثقافة ثفافة جماعية.. لكن ما لا يلتفت إليه كثيرون هو أن الانقلاب الذي أحدثه مجيء الإسلام في حياة أتباعه كان على الصعيد الفردي بالدرجة الأولى

فإذا كانت إحدى المقولات التي يستند إليها تحليل كثير من المفكرين الذي يربطون بين الفردانية والنهوض الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي, مستشهدين بالنموذج الغربي, فكيف يمكن إذن تفسير النهوض العربي الإسلامي خلال قرون طويلة رغم عدم تمظهر أو سيادة مفهوم الفردانية كما نراه اليوم؟ كما أنه من الظلم القول بأن الثقافة العربية الإسلامية تطحن الفرد بالمطلق. صحيح أن هذه الثقافة ثفافة جماعية في نهاية المطاف تقوم على التعاضد البيني وتقديم الجماعة على الفرد, لكن ما لا يلتفت إليه كثيرون هو أن الانقلاب الذي أحدثه مجيء الإسلام في حياة أتباعه كان على الصعيد الفردي بالدرجة الأولى.

لقد كان الإسلام تعزيزاً للإرادة الفردية ضد المطلقات الاجتماعية السائدة, وضد نظم الانسياق الجبري خلف زعيم القبيلة, أو الخضوع لأنماط تعبدية أو اجتماعية جماعية من دون مساءلتها. وعوضاً عن ذلك أقام الإسلام من خلال نوعية العلاقة التعبدية بين الفرد وربه نظاماً مستقلاً كاملاً على صعيد الفرد نفسه متحرراً من ربقة الجماعة المحيطة. وكان ولا يزال المطلوب من المسلم أن يؤدي فروضاً وواجبات بكونه فرداً وليس عضواً في جماعة, إذ لن يعفيه انتماؤه لجماعته المحيطة أو لمجتمعه من الوقوف أمام الله فردا مستقلا للحساب "وكلكم آتيه يوم القيامة فرداً".

الفردية والدولة في الغرب
أما في جانب النموذج الغربي فمن الضروري الإقرار بأن تطور مفهوم الفردية ووصوله إلى ما هو عليه الآن ارتبط بشدة بتطور مفهوم الدولة, وخاصة دولة الرفاه في النصف الثاني من القرن العشرين. فالفرد الذي اعتاد أن يقايض فرديته من خلال ولائه للأشكال الجماعية الأولية (القبلية والعائلية والطائفية وغيرها) بالمنافع والحماية التي يتحصل عليهما من جراء ذلك, استعاض عن ذلك كله بولاء جديد للدولة التي توفر له المنافع والحماية ذاتها ولكن من دون أن تضطره للتخلي عن فرديته بالشكل الذي كان سائداً في السابق.


هناك علاقة "رياضية" بين تطور مفهوم الفردية في الغرب وقوة الدولة والازدهار الاقتصادي الذي يوفر للفرد هامش خيارات أكثر لإدارة ظهره, فيما لو أراد, لواقعه الجماعاتي وولاءاته الصغيرة التي تأكل من فرديته وحريته

ربما كسب الفرد أشكالا من الفردية عندما تحرر من ولاءاته التقليدية الجماعية على حساب خسارات أخرى تفرضها طبيعة علاقته الاعتمادية على الدولة, وهو موضوع آخر لن ننخرط فيه الآن, لكن النقطة المهمة التي يتوجب تسجيلها هنا هي أن هناك علاقة "رياضية" بين تطور مفهوم الفردية في الغرب وقوة الدولة والازدهار الاقتصادي الذي يوفر للفرد هامش خيارات أكثر لإدارة ظهره -فيما لو أراد- لواقعه الجماعاتي وولاءاته الصغيرة التي تأكل من فرديته وحريته. لكن ماذا يمكن أن نجد من سجال حول الموضوع نفسه في الشرق الأوسط غير العربي, مثلاً في إيران وتركيا وإسرائيل؟

إيران والفردانية
في إيران, وكما يرد في الفصل الأول الخاص بـ "المثقفين الإيرانيين والفردانية الديمقراطية" يعيد رامين جاهانبيلغو تأصيل فكرة "الفردية" في السياق الإيراني الحديث إلى ثلاثة مثقفين مرموقين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وهو يعزو إليهم الفضل في الشروع في استنبات هذه الفكرة كإحدى مكونات الحداثة الاجتماعية والسياسية التي دعا إليها أولئك المثقفون في فترات متقاربة من التاريخ الإيراني. وهؤلاء المثقفون هم أولاً ميرزا تقي خان, أو المعروف باسم أمير كبير, والذي كان رئيساً للوزراء في أوائل عهد ناصر الدين شاه (1848-1896). في تلك السنوات كانت إيران تعاني من تخلف على كل الأصعدة, وكان المشروع الذي تبناه كبير لإصلاح الوضع الإيراني من كل الجوانب يقوم على الحد من التدخل الخارجي في الشؤون الإيرانية الداخلية من خلال تعزيز الاعتماد على النفس. وهذا الإصلاح لم يكن ليحدث -كما رآه كبير- من دون إعادة تنظيم إدارة البلاد وتقوية المركزية واستيراد التكنولوجيا الأوروبية.

أما المثقف الثاني الذي يعتبره جاهانبيلغو مؤسساً "للفردية الديمقراطية" في إيران الدستورية فهو ميرزا مالكوم خان الأرمني الأصل الذي تحول إلى الإسلام في أواسط القرن التاسع عشر. اشتهر عن خان أنه أول إيراني كان مهتماً ومنخرطاً في الحركة الماسونية, واعتبر أن المحفل الماسوني هو محطة أساسية لنشر وتطبيق "الديمقراطية الفردية"!.وتبنى خان خطاً لا هوادة فيه لمصلحة تبني الصيغ الأوروبية في الفردية ونقلها إلى إيران, منتقداً بشدة "الجماعية الآسيوية" التي ارتبطت أيضاً بمجموعة من الأفكار الناقدة خلال القرن التاسع عشر والتي كانت وثيقة الصلة بأفكار ماركس عن "النمط الآسيوي للإنتاج" الكسول والمتخلف برأيه عن النمط الأوروبي الحيوي والمفعم بالنشاط.

أما المثقف الثالث التأسيسي لفكرة الفردية في الفكر الإيراني الحديث فهو فروغي الذي ينتمي إلى الجيل الثاني من المثقفين الإيرانيين الذين استطاعوا بفضل الثورة الدستورية في إيران عام 1906 الإسهام بفعالية في الحياة السياسية هناك. ومرة أخرى فإن الهدف الذي حاول فروغي إنجازه كان محاولة تأسيس الفردية الديمقراطية في السياق الإيراني.

الفردانية في الإطار التركي


الإمبراطورية العثمانية في أواخر أيامها كانت الدولة الأولى في العالم التي تنخرط في مشروع "تغريب" طوعي من أجل الحفاظ على نفسها من الانهيار.

أما في تركيا فإن مراد بيلغ بيلغ يناقش في مساهمته "الفردانية في الإطار التركي" كيف أن علاقة تركيا الملتبسة بالحداثة الأوروبية التي بدأت عشية انهيار الإمبراطورية العثمانية هي التي شكلت المسار الذي آلت إليه أزمة الفردانية في تركيا. وهو يقول إن الإمبراطورية العثمانية في أواخر أيامها كانت الدولة الأولى في العالم التي تنخرط في مشروع "تغريب" (Westernisation) طوعي من أجل الحفاظ على نفسها من الانهيار. ورغم أن روسيا, في الجوار كانت قد تبعت تركيا في مشروع "تغريب" طوعي آخر فإن الهدف منه لم يكن الحفاظ على النفس بقدر ما كان الهدف هو الانطلاق نحو الأمام واحتلال موقع في سلم الدول العظمى في العالم, وهو الذي حققته روسيا بنجاح.

إسرائيل ومفهوم الجماعاتية
أما عن طبيعة شكل مفهوم الفردانية في إسرائيل فهناك ثلاثة إسهامات تتطرق لهذا الموضوع، أهمها إسهام يارون إزراهي الذي يناقش فيها هذا المفهوم متقابلاً مع مفهوم "الجماعاتية". وهو يعقد مقارنة مهمة في بداية إسهامه بين ما عرف عن كثير من المثقفين اليهود في أوروبا خلال القرون الثلاثة الماضية من نزوع نحو الليبرالية والتأكيد على الحرية الفردية في ظل المجتمعات الأوروبية التي قمعت اليهود وميزت ضدهم عنصرياً, وبين ما آل إليه مشروع "الدولة اليهودية"/إسرائيل, من شكل غير ليبرالي حيث لا وجود لدستور ولا للائحة حقوق, وحيث التمييز ضد غير اليهود من العرب والدروز على أشده, كما أن استخدام القوة ضدهم لا يضبطه قانون.

يقول إزراهي إن هناك فرقاً جوهرياً بين تطور الديمقراطية الليبرالية في الغرب وما تنطوي عليه من مفهوم أساسي للفردية, وبين المفهوم نفسه في السياق الإسرائيلي. وهذا الفرق يتمثل في أن الفردية الأوروبية كانت نتاجاً لسلسلة من الصراعات وتوازنات القوى بين الشرائح الحاكمة والشعب, وكان انتصار الفردية مدوياً في وجه سلطة الدولة وقوتها، في حين لم يتطور مثل هذا الصراع بشأن توازن القوى بين الأفراد في المجتمع الإسرائيلي وقوة الدولة التي ينتمون إليها, إذ نظر الأفراد إلى قوة الدولة على أنها الضامن لحريتهم وأمنهم ضد الآخرين (العرب), ولم يقفوا في وجه تلك القوة كما كان الأمر في السياق الأوروبي. ومن هنا يضع إزراهي يده على ضعف المكون الليبرالي في الثقافة السياسية الإسرائيلية.

المصدر : غير معروف

المزيد من فكري وفلسفي
الأكثر قراءة