قلب إيطاليا المظلم.. رحلات إيطالية عبر الزمان والمكان

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
لا يضيع مؤلف هذا الكتاب لحظة من وقت القارئ وهو في سبيله إلى الوقوف على "بؤرة الظلام" -كما يصفها- في الواقع الإيطالي الشائك في الوقت الراهن.

فبدلا من الانتظار لحين الولوج إلى صفحات الكتاب الداخلية، يخبرنا غلاف الكتاب بالرسالة الأساسية فيه، إذ يضع المؤلف (أو الناشر) صورة رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني على الغلاف الخارجي وقد رفع ذراعيه عاليا فوق بحر من اللافتات السياسية ذات الشعارات الطنانة.


-اسم الكتاب: قلب إيطاليا المظلم.. رحلات إيطالية عبر الزمان والمكان
-المؤلف: توبياس جونز
-عدد الصفحات: 266
-الطبعة:
الأولى 2003 الناشر: فيبر اند فيبر،
لندن، 2003

وبهذا لا يكون المؤلف قد دلف فحسب إلى الموضوع الرئيسي للكتاب الذي يريد أن يتساءل عن سبب المشاكل التي تعشش في "قلب إيطاليا المظلم"، بل أيضا طرح السؤال الذي يمتد في طول وعرض الكتاب: هل هذا الرجل -بيرلسكوني- هو الذي يهيمن على المشهد حقاً أم المستنقع الذي يمتد تحته هو المشهد وهو المهيمن؟

لا شك أن الصورة التي يقدمها توبياس جونز في كتابه هذا تسبب الكثير من الإرباك للقراء الذين اعتادوا التفكير بإيطاليا على أنها موطن الحياة الناعمة بكل تفاصيلها من طعام لذيذ، وفنون رفيعة، وتاريخ مجيد لدولة تميزت عن بقية دول أوروبا بحيازتها لكنوز الجمال.

فالمؤلف ما ينفك يذكرنا بأنه لا ينوي إزجاء قسط آخر من المديح لثقافة إيطاليا وإبداعها، وأن غرضه الأول من هذا الكتاب هو فضح بعض زوايا الظلام في قلب ذلك البلد الذي يعتبره بلده.

لكن هذا لا يعني أنه قد تقصد البحث عن هذا الوجه المظلم بالذات، فالظلام هو الذي لاحق المؤلف وظل يطارده حتى فرض نفسه عليه. إذ كان قد تردد على سمعه كثيرا أن الأمور في إيطاليا في فوضى كاملة، حتى تسنى له أن يقابل تلك الفوضى وجها لوجه في أكثر من موقع على الساحة الإيطالية.


في إيطاليا، الضرائب جائرة وهي توظف لأغراض مشبوهة، ومن هنا فإن التهرب من دفعها لا يعتبر في نظر الناس أمرا غير مشروع

وكان الاحتكاك بالبيروقراطية الإيطالية المتعجرفة هو الذي قاد المؤلف إلى الوقوف على النظام الضرائبي في إيطاليا، وعلى الممارسة المعقدة التي يتبعها الناس للتهرب منه، حتى أصبح بالإمكان القول بوجود "ثقافة" إيطالية خاصة بالتهرب من الضرائب.

لا يتعلق الأمر بكون الغش عنصرا أساسيا في الشخصية الإيطالية كما يحلو للبعض أن يدعي، بل بكون النظام الضرائبي نفسه نظاما تعسفيا خانقا، وبارتباط ذلك بالإحساس العام بتفشي الفساد الإداري، حيث يرتبط هذان العاملان ليولدا ما يطلق عليه المؤلف اسم "متلازمة السبب والنتيجة": فالضرائب جائرة وهي توظف لأغراض مشبوهة، ومن هنا فإن التهرب من دفعها لا يعتبر في نظر الناس أمرا غير مشروع.

وعوضا عن الانشغال بالوجه المزوق لإيطاليا، يتفادى جونز بمهارة الانسياق وراء الخطاب الحزبي للشارع الإيطالي ليبدأ استطلاعاته من اللبنة التي يتكون منها المجتمع الإيطالي وهي الإيطاليون أنفسهم.

ومن الطريف أنه يختار الدخول إلى الذات الإيطالية من بوابة اللغة والتقاليد اللغوية. وبعد أن يقيم الدليل على غياب لغة إيطالية موحدة يتحدث بها جميع أبناء البلاد وما يقود إليه ذلك من ضبابية الهوية الوطنية، ينتقل المؤلف إلى إيضاح الطريقة التي تنعكس بها تلك الضبابية على جوانب متعددة من الحياة في البلاد من بينها نظامها الضرائبي شبه الإقطاعي.

بسرعة وسلاسة، يأخذنا المؤلف إلى مقدمة عن تاريخ الحكومة الإيطالية وما نهضت به من مهمة "مذبحية" أثناء وعقب الحرب الأهلية التي دارت في ستينات وسبعينات القرن الماضي، لينتقل بعدها إلى فصل حالك يتصدى فيه لمهمة تحليل النزاع المحتدم بين اليمين واليسار الذي مزق النسيج الاجتماعي الإيطالي في سنوات ما بعد الحرب وما يزال يلقي بظلاله القاتمة على المشهد السياسي الإيطالي.

ويتمحور الحديث في هذا الفصل حول أحداث تفجيرات ساحة النافورة في ميلانو عام 1969 والتي لم تكشف خفاياها لحد الآن.

فالتحقيقات التي أجريت حول الحادث قادت إلى "انتحار" أحد المنتمين للحركة الفوضوية الذي كان يشك بعلاقته بالتفجيرات. بعدها تم اغتيال المحقق الذي كان يحاول الكشف عن أسرار القضية، ولم يتم تحديد الجناة على نحو مقنع، وضاعت الحقيقة في خضم الاتهامات المتبادلة والدعاية السياسية.

بعد الشعور بالتعثر بمبهمات هذه القضية، ينتقل المؤلف إلى جانب مشرق ومضيء من جوانب الحياة الإيطالية هو حب الإيطاليين لكرة القدم. فيستعرض المؤلف أولا الكثير مما يثير الإعجاب بهذه اللعبة الجميلة، لكنه ما يلبث أن ينجر إلى الانغماس في الوحل الذي بات يعتبره سمة من سمات المجتمع الإيطالي.


في الرياضة الإيطالية ضربات جزاء "تعطى" أو "تحجب"، و"هدايا" مشبوهة تقدم للحكام، و"حظ طيب" يلازم نادي يوفانتيس على نحو يصعب تفسيره، يمكّنه من الفوز باستمرار

ويروي لنا جونز في هذا الصدد حكايات مذهلة عن ضربات الجزاء التي "تعطى" أو "تحجب"، وعن "الهدايا" المشبوهة التي تقدم للحكام، و"الحظ الطيب" الذي يلازم نادي يوفانتيس على نحو يصعب تفسيره، والذي يمكّن النادي من الفوز باستمرار بغض النظر عما إذا كان مستحقا لذلك الفوز أم لا.

بالانتهاء من هذا الفصل يكون المؤلف قد اطلع على ما يكفي لرفع الغشاوة عن عينه وعين قرائه. لذلك فإن العجب وصعوبة التصديق يرافقان المؤلف في الفصل التالي الذي يتناول عالم التلفزيون ليحل محلهما الشعور بالاشمئزاز والقلق.

في هذا الفصل الذي يحمل عنوان "أساليب الإغواء" يرسم جونز صورة أورويلية للاحتكار، والخواء الفني، والأمركة الزاحفة.

ويتابع المؤلف حكاية إقامة إمبراطورية برلسكوني التلفزيونية التي أنشأها خلافا للقانون الذي كان في حينه يحظر على غير القنوات التلفزيونية الداخلية العمل إلى جانب الشركة التي ترجع ملكيتها للدولة.

فقد استطاع برلسكوني تجاوز القانون المذكور وشراء جميع المحطات الداخلية ودمجها في إمبراطوريته التي تحمل اسم "ميدياسيت" التي تضم ثلاث قنوات غير محلية.

وينتهز جونز هذه المناسبة للإشارة إلى توجه شائع آخر في إيطاليا هو التمادي في توسيع الصلاحية القانونية ثم تجاوزها ليتم بعد ذلك تعديل القانون للتماشي مع "الأمر الواقع".

أما على الصعيد الفني، فإن المؤلف يشير بأسى إلى انحطاط مستوى الأفلام الإيطالية من الجودة التي اشتهرت بها في ستينات القرن الماضي إلى الواقع الحالي الذي لا توزع فيه على نطاق واسع إلا الأفلام الأميركية التي تعود حقوق توزيعها جميعا إلى برلسكوني، الأمر الذي أجبر جميع الممثلين الإيطاليين الكبار على التحول إلى مجرد أصوات في الأفلام الأميركية المدبلجة.

بل إن قبضة برلسكوني الحديدية التي تطبق على عالم التلفزيون قد تحولت إلى نوع من الرقابة على شركة "راي"، وهي الشركة التلفزيونية التي تمتلكها الدولة، حيث يتدخل الوزراء في إدارة الشركة ويأمرون بطرد كل من يجرؤ من موظفيها على معارضة برلسكوني أو إذاعة أخبار تنتقد حزبه.

وبناء على أوامره، يقوم المذيعون اليوم بتلاوة الخطب الطنانة في مهاجمة الشيوعيين وقد بلغ الأمر بوزير الاتصالات أن يهاتف الشركة مصدرا أمره بـ"إخراس" متحدث كان يخاطب الجمهور على الهواء.

عند الوصول إلى هذه النقطة من الكتاب يصبح من الواضح لدى القارئ أن المؤلف يلقي بكامل المسؤولية عن "الظلام" الذي يلف المشهد الإيطالي على كاهل برلسكوني.

إلا أن الفصول اللاحقة، وخصوصا تلك التي تتحدث عن حملة مكافحة الفساد التي قادها قضاة إيطاليون في تسعينات القرن الماضي، تظهر أن المشاكل التي تعاني منها إيطاليا تعود إلى جذور أعمق من برلسكوني بكثير. لكن المؤلف يتدارك ذلك في الفصل الأخير الذي يستنتج فيه أن إيطاليا تمتلك "ثقافة" خاصة في مجال تجاهل القانون.


تعود حقوق توزيع الأفلام الأميركية إلى برلسكوني، الأمر الذي أجبر جميع الممثلين الإيطاليين الكبار على التحول إلى مجرد أصوات في الأفلام الأميركية المدبلجة

لا ينهي المؤلف كتابه قبل أن يقدم للقارئ تحليلا للكثلكة المعاصرة ولنتائج الانتخابات الأخيرة في محاولة منه لاستقراء قدرة المستقبل على إخراج إيطاليا من عتمة ظلامها الراهن.

كتاب "قلب إيطاليا المظلم" كتاب ممتع وطريف من حيث تركيزه على جانب من المشهد الإيطالي قلما يشير إليه الباحثون.

وعلى الرغم من تأكيد المؤلف على عدم رغبته في كيل المدائح لما تتميز به إيطاليا من طعام شهي ولوحات جميلة، فإن إشارته في نهاية الكتاب إلى أن تعرفه على هذه البلاد جعل من المستحيل عليه العيش في بلاد أخرى تبوح بمديح تجاوز ما جاء به الكثيرون ممن سبقوه إلى الكتابة عن إيطاليا.

كتاب جونز هذا لا يخلو من بعض المزالق، أولها وأهمها التركيز على برلسكوني واعتباره وأتباعه تجسيدا لإيطاليا. وقد كان من الأجدر بالمؤلف أن يشرح لنا كيف تسنى لإيطاليا الأخرى، إيطاليا النقية التي يندى جبينها خجلا لما يقترفه سياسيوها، أن توجد وتواصل البقاء في وحل الفساد الذي تحاول جاهدة أن تمنعه من تغطية ملامحها الجميلة الخالدة.

المصدر : غير معروف

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة