فقه العنف المسلح في الإسلام

عرض/ إبراهيم غرايبة
يبحث الكتاب في الحكم الشرعي لاستعمال العنف المسلح ضد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية والمؤسسات الحكومية العامة التي تخدم المجتمع والأحزاب العلمانية أو الإسلامية المنافسة والأشخاص الأجانب والمؤسسات والسفارات الأجنبية في ديار المسلمين أو الأجانب في ديارهم والمؤسسات والأعمال المحرمة شرعا والنساء السافرات والأماكن المختلطة بين الجنسين.

وقد فرغ المؤلف الراحل من إعداد الكتاب وتأليفه قبل عشر سنوات لكنه لم ينشر إلا بعد وفاته بعد أقل من شهرين من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول ولكنه يناقش قضية العنف المسلح في سياقها الأساسي الذي تشكل قبل أحداث سبتمبر/ أيلول بكثير.


-اسم الكتاب: فقه العنف المسلح في الإسلام
–المؤلف: آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين
-عدد الصفحات:212
-الطبعة: الأولى 2001
الناشر: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت

مناخ العنف
نشأت الحركة الإسلامية في جو من الحصار المفروض عليها من الخارج ومؤسسات الحكم والأحزاب العلمانية وفي حالة علاقة غير صحيحة مع مؤسسات المجتمع الأهلي ومع علماء الدين، وقد جعلها ذلك في عزلة وشعور بالحصار القاسي ومظنة المؤامرة.

وقد ولدت حالة الحصار هذه مناخ عنف طبع أسلوب العمل السياسي الذي تمارسه الحركة الإسلامية، وتوجه اهتمام هذه الجماعات لالتماس أساس فقهي لشرعية استعمال العنف المسلح، ووقعت الحركة الإسلامية بسبب ذلك في أخطاء كثيرة على مستوى المفاهيم وعلى مستوى التطبيق، كما وقعت ضحية بعض علماء الدين الذين استجابوا لبعض نوازعهم وحاجاتهم النفسية أو لفهمهم الخاطئ فأباحوا العنف المسلح الذي اتسعت رقعة استباحته فوقع ضحيته مسلمون مخلصون.

وكان من نتيجة مناخ العنف أن ردت الحركة الإسلامية على الواقع المكون من القوى الأجنبية الظاهرة والمستترة وأنظمة الحكم السياسية المحلية والقوى والأحزاب السياسية والمجتمع الأهلي كان ردا عنيفا وكان الخطاب السياسي عنيفا يتضمن الإدانة والوعيد والتهديد بالقوة ويستعمل مقولات الكفر والارتداد والفسق وموالاة الكافرين.


يمكن أن يكون العنف المسلح مشروعا حين يكون دفاعا عن النفس إذا لم يكن ثمة أسلوب آخر للسلامة من العدوان، وأن يقع العنف على المعتدي دون غيره من الناس، وألا يتسبب الدفاع بالعنف المسلح في إحداث فتنة وفي الإخلال بالنظام العام لحياة المجتمع

وقد ولد هذا الأسلوب في المجتمع الشعور بالانفصال والغربة عن الجماعات الإسلامية، وكون حواجز نفسية وعاطفية بين المجتمع وبينها، وهو الأمر الذي أدى إلى مزيد من العزلة والشعور بحالة الحصار.

واعتمد كثير من فصائل الحركة الإسلامية أسلوب العنف المسلح المتمثل بالاغتيال والقتل العلني والخطف لأخذ الرهائن ونسف المؤسسات والمواجهات القتالية المسلحة.

فلسفة العنف
تهدف الجماعات الإسلامية التي تتوسل بالعنف إلى إرباك النظام الحاكم ومضايقته وإظهاره مرفوضا من الشعب وإظهار حضور وقوة الحركة الإسلامية وقدرتها على الإيذاء والرد.

وفي حال العمل ضد الأحزاب العلمانية المنافسة أو الأحزاب الإسلامية المماثلة المنافسة فإن العنف يهدف إلى إزاحة الحزب المنافس من ساحة العمل السياسي وطرده من منطقة الصراع أو الانفراد بالتسلط عليها وصرف الناس عن تأييده وشله سياسيا.
وبالإجمال فإن الهدف هو إعلان الرأي السياسي أو فرض الرأي السياسي على جماعة من الناس أو على النظام الحاكم.

والهدف من استعمال العنف المسلح ضد الأجانب أشخاصا وهيئات ومؤسسات وسفارات هو إخراجهم من البلاد أو تأكيد حضور الحركة الإسلامية وفاعليتها لغابات سياسية أو غير سياسية لإظهار قدرة الحركة الإسلامية على عقاب الأجانب لما ارتكبوه من مظالم ضد المسلمين أو للتوصل لتحرير سجناء سياسيين مسلمين أو للتأثير على الموقف السياسي للدولة الأجنبية تجاه قضية من قضايا المسلمين الكبرى.

والهدف من استعمال العنف المسلح ضد مؤسسات الأعمال المحرمة وأماكن الاختلاط غير المشروع والنساء السافرات هو الردع عن هذه المحرمات الشرعية وتطبيق الشريعة الإسلامية.


إن العنف المسلح في المجتمع الحديث يؤدي بسبب تكوين المناطق السكنية والمؤسسات العامة وطبيعة الآلات الحديثة والتجهيزات المنزلية والعامة، والطبيعة الفتاكة للسلاح الحديث وتأثيره واسع النطاق إلى قتل وجرح أشخاص أبرياء لا علاقة لهم بالخصم المستهدف

الوضع الفقهي للعنف
يناقش المؤلف مسألة العنف من وجهين هما: الجدوى السياسية لاستعمال العنف المسلح ومشروعيته الفقهية، فالمنهج الطبيعي في محاولة معرفة الموقف الشرعي الإسلامي المناسب من أي نشاط إنساني هو البحث عن مشروعيته وأخلاقياته والبحث عن جدواه ومنفعته في تحقيق الغاية التي من أجل الوصول إليها بمارسه القائمين به.

يظهر استقراء تجارب الحركة الإسلامية للعنف أنه وسيلة فاشلة في العمل السياسي، والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد فشل العنف في جميع التجارب في تحقيق انتصار سياسي حقيقي كبير أو صغير للإسلام وللمشروع الإسلامي الكلي على مستوى العالم الإسلامي أو الجزئي في بلد الحركة الإسلامية التي تمارس العنف المسلح.

ولم يقتصر الأمر على الفشل وعدم الجدوى، بل تعداه إلى إنزال أضرار فادحة بالمشروع الإسلامي الجزئي مثل: تهمة الإرهاب التي ألصقت بالإسلام والحركة الإسلامية، وإرهاق المجتمع الأهلي، وعزلة الحركة الإسلامية عن المجرى السياسي العام، ودفع الحركة الإسلامية إلى ارتباطات وتحالفات مع أنظمة ذات سياسة خاصة بها ناشئة عن أوضاعها الدولية والإقليمية، وهي تحمل السمات السياسية نفسها للأنظمة المراد محاربتها.

فالعمل المسلح يحتاج إلى أموال كثيرة وسلاح وخدمات أخرى، والمصادر الذاتية لأي تنظيم تعجز عن توفير الأموال اللازمة فيضطر للاتصال والتنسيق مع هذه الدولة أو تلك، وتفتيت الحركة الإسلامية الواحدة وشرذمتها وصراع الأجنحة ومراكز القوى داخلها.

وقد يقال إن الحركة الإسلامية حققت بالعنف المسلح حضورا سياسيا وانتزعت الاعتراف بها باعتبارها قوة سياسية ذات شأن، ولكن علينا في البحث أن نرى الوجه الآخر لأسلوب العنف المسلح وهو أنه في الوقت نفسه يخلق مشكلة للمجتمع الأهلي ويلقي عليه أثقالا وتكاليف لا يستطيع تحملها.

وهذا يقتضي من الحركة الإسلامية أن تستبعد العنف من العمل السياسي ولا تتخذه أسلوبا ومنهجا في العمل استنادا إلى المعيار النفعي بصرف النظر عن مشروعيته أو عدم مشروعيته من الناحية الفقهية.

المشروعية الفقهية للعنف
يستند دعاة العنف المسلح والممارسون له إلى فقه الجهاد بمعناه العام وإلى فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الدفاع عن النفس، ولعل تسميته بفقه استعمال العنف لغرض ديني هو الأقرب إلى الصواب، فالعنف المسلح المبحوث عن حكمه الشرعي هو ما يهدف إلى تطبيق الشريعة الإسلامية بإقامة حكم سياسي إسلامي في مواجهة مسلمين لا يطبقون الإسلام وأنظمة حكم لا تطبق الإسلام، وفي مواجهة حالة المسلمين أمة وأنظمة حكم بعد أن تأثروا بالحضارة الغربية الحديثة وأفكارها بالصيغة التنظيمية للدولة الحديثة.


فشل العنف في جميع التجارب في تحقيق انتصار سياسي حقيقي كبير أو صغير للإسلام وللمشروع الإسلامي الكلي على مستوى العالم الإسلامي أو الجزئي في بلد الحركة الإسلامية التي تمارس العنف المسلح

ولا ينطبق الجهاد في أحكامه وقواعده وشروط تطبيقه وممارسته على استعمال العنف المسلح ضد أنظمة الحكم التي لا تطبق الشريعة الإسلامية فالحكام ليسوا كفارا يشرع جهادهم حتى لو لم يطبقوا الشريعة الإسلامية، وهذا لا ينفي مشروعية قتالهم بعنوان آخر غير الجهاد بالمعنى المصطلح، وكذلك الحال بالنسبة لاستخدام العنف ضد الأحزاب والأجانب غير المسلمين في بلاد المسلمين أو ضد الأجانب في بلادهم أو ضد المنكرات فهو ليس جهادا.

ولا يندرج العنف بالتكييف السابق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاستخدام اليد في هذا المجال هو على النحو الذي لا يؤدي إلى قتل أو جرح ويحرم أن يتجاوز إلى ذلك.

إن العنف المسلح في المجتمع الحديث يؤدي بسبب تكوين المناطق السكنية والمؤسسات العامة التي تقتضي تجمع عدد كبير من السكان في بقعة صغيرة، وبسبب طبيعة الآلات الحديثة والتجهيزات المنزلية والعامة، وبسبب الطبيعة الفتاكة للسلاح الحديث وتأثيره واسع النطاق إلى قتل وجرح أشخاص أبرياء لا علاقة لهم بالخصم المستهدف، وقد يكون أعداد القتلي والجرحى بالمئات والآلاف، وتكون الخسائر المالية بمئات الملايين، ويؤدي إلى تدمير المرافق العامة للمجتمع، وتهجير الأهالي من مساكنهم ومصادر رزقهم وإتلاف أموالهم، ووهن سياسي ومعنوي للمسلمين .. وكل ذلك من أعظم المحرمات الشرعية التي علمت حرمتها من الكتاب والسنة والإجماع.

وهكذا فإن استعمال العنف على فرض مشروعيته واجب كفائي ليس لامتثاله زمان خاص بينما الأمور المحرمة الملازمة له محرمة في جميع الأزمان، والتزاحم هنا بين واجب له بدل ومحرم.

شروط مشروعية العنف
يمكن أن يكون العنف المسلح مشروعا حين يكون دفاعا عن النفس إذا لم يكن ثمة أسلوب آخر للسلامة من العدوان، وأن يقع العنف على المعتدي دون غيره من الناس، وألا يتسبب الدفاع بالعنف المسلح في إحداث فتنة وفي الإخلال بالنظام العام لحياة المجتمع.

ويلزم هنا أيضا البحث في مشروعية استعمال الأسلوب الذي يستفز الخصم للرد بالعنف قبل أن يبحث الدفاع عن النفس، كما يلزم البحث أيضا في مشروعية دفاع الحركة الإسلامية عن نفسها بالعنف المسلح ضد الخصم المستفز.

فالأصل الواجب هو عدم استفزاز الخصم ودفعة إلى الرد بالعنف فتتوقف مشروعية الدفاع على فقد سعاة الإصلاح أو فشلهم في مسعاهم.

وفي ملاحق الكتاب يورد المؤلف كلمات الفقهاء في شرط عدم ترتب المفسدة والضرر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل الشيخ محمد بن علي بن الحسين في كتاب الهداية بالخير، والشيخ محمد بن النعمان الحارثي في كتاب المقنعة، والفقية أبو الصلاح الحلبي في كتابه الكافي، والشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب النهاية، والفقيه محمد بن علي بن حمزة الطوسي في كتاب الوسيلة إلى نيل الفضيلة، والفقيه محمد بن إدريس الحلي في كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، والفقيه على بن أبي الفضل الحلبي في كتاب إشارة السبق إلى معرفة الحق، والفقيه جعفر بن الحسن الهزلي في كتاب شرائع الإسلام، والفقيه يحيى بن أحمد الهذلي في كتاب الجامع للشرائع، والحسن بن يوسف في كتاب قواعد الأحكام.


لا ينطبق الجهاد في أحكامه وقواعده وشروط تطبيقه وممارسته على استعمال العنف المسلح ضد أنظمة الحكم التي لا تطبق الشريعة الإسلامية فالحكام ليسوا كفارا يشرع جهادهم حتى لو لم يطبقوا الشريعة الإسلامية

وفي الملحق الثاني في مسألة العنف المسلح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يورد أقوال الفقهاء القائلين بعدم مشروعية استعمال العنف المسلح، مثل: محمد بن النعمان الحارثي والطوسي، وحمزة بن عبد العزيز الديلمي في كتاب المراسم، وعبد العزيز بن البراج في كتاب المهذب، وسعد بن عبد الله الراوندي في كتاب فقه القرآن، ومحمد بن حمزة الطوسي، والمحقق الكركي علي بن الحسين في كتاب جامع المقاصد.
وأما القائلون بمشروعية استعمال العنف المسلح فمنهم: السيد الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي في ما قاله الشيخ ابن إدريس في السرائر، والشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب الاقتصاد.. ومن المترددين العلامة الحلي الحسن بن يوسف في كتاب قواعد الأحكام، والمطلبي في كتاب اللمعة الدمشقية.

وجميع هؤلاء السابق ذكرهم من فقهاء المذهب الشيعي وأما الفقه السني فمن القائلين بعدم مشرعية استعمال العنف المسلح أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين، ومن القائلين بمشروعية استعمال العنف المسلح الإمام ابن حزم الظاهري في كتاب الفصل.

المصدر : غير معروف

المزيد من ديني
الأكثر قراءة