سقوط الإعلان وصعود العلاقات العامة

كامبردج بوك ريفيوز
يطرح كتاب آل ولاورا رايز فكرة كانت ستبدو غريبة لو تم طرحها قبل سنوات، ولكن من المحتمل أن يكون الكتاب بشرى سارة للعديد من مدراء التسويق والعلاقات العامة في العديد من الشركات ممن باتوا يتساءلون مؤخرا عن الجدوى الفعلية لحملات الإعلان المختلفة وما تتكلفه من ميزانيات ضخمة. فمن جهة هناك العديد من التغيرات في وسائل الإعلان لا سيما بانتشار الفضائيات التلفزيونية ووسائل الاتصال الإلكتروني وكذلك درجة الإغراق التي يعيشها سوق الإعلان لدرجة أن الإعلانات باتت تحتاج تكلفة وجهدا مضاعفا حتى لا تضيع وسط الزحام، كما أن مصداقية الإعلان وتقبل المستهلك لها باتت موضع تساؤل متزايد.


-اسم الكتاب: سقوط الإعلان وصعود العلاقات العامة
–المؤلف: آل ولاورا رايز -عدد الصفحات:320
-الطبعة: الأولى 2002
الناشر: New York: HarperCollins Publishers

سقوط الإعلان
ينطلق الكتاب من فرضية أن الإعلان يسقط ويفقد دوره الذي كان يقوم به قبل ثلاثين عاما، وللتدليل على هذا السقوط يبدأ بإبراز نتائج استطلاع رأي يبين أنه في ما تعد الممرضات والصيادلة والأطباء ورجال الدين في قمة الشرائح التي يثق بها المجتمع فإن أخصائيي الإعلان لا يحظون سوى بثقة 10% من الذين تم استطلاع آرائهم ليحلوا في المرتبة قبل الأخيرة حيث لم يأت خلفهم سوى الباعة المتجولين في آخر الذيل بنسبة 9%.

ويورد الكتاب العديد من الشركات التي ظنت الإعلان المكثف حلا لأزماتها دون جدوى، ويقول إن وكلاء الإعلان هم الذين يقفون وراء الاعتقاد بأن الإعلان يحل أزمة، ويقول إن وكلاء الإعلان مثلهم مثل عامل لا يوجد في حوزته سوى مطرقة لذا يحلو له أن يرى كل المشاكل على أنها مسامير. ويلفت النظر إلى أن وكلاء الإعلان قلما يتجهون لحل أزماتهم هم بالإعلان عن أنفسهم.


في نتائج استطلاع رأي تعد الممرضات والصيادلة والأطباء ورجال الدين في قمة الشرائح التي يثق بها المجتمع ولا يحظى أخصائيو الإعلان بثقة أكثر من 10% ليحلوا في المرتبة قبل الأخيرة حيث لم يأت خلفهم سوى الباعة المتجولين بنسبة 9%

وإذا كان حجم الإنفاق على الإعلان في تزايد فإن فاعلية الإعلان في تناقص، ففي العام 1997 نما الإنفاق على الإعلان في الولايات المتحدة الأميركية بـ7% وفي العام 1998 بـ8 %، وفي العامين 1999 و 2000 بـ 10% حيث بلغ الإنفاق نحو 291 مليار دولار. ولم يحدث الهبوط بنسبة 6% في العام 2001 سوى بسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وكان الهبوط الأول منذ عشرين عاما، وإذ أصبح الإنفاق الإعلاني 244 مليار دولار فإن هذا المبلغ يعادل نحو 2.5% من إجمالي الدخل القومي الأميركي. ولكن معدل الرسائل الإعلانية التي يتعرض لها الفرد تصل لـ237 رسالة يوميا، ما يجعل إمكانية تأثير الرسالة الإعلانية في الفرد محدودة ومكلفة للغاية.

وبرأي الكاتبين فإن الإعلان في طريقه للتحول لنوع من الفن، فالرسم قبل اكتشاف التصوير لم يكن فنا بل وسيلة اتصال ونقل للواقع، ولم تختف المدرسة الواقعية في الرسم سوى باكتشاف التصوير الذي أخذ وظيفة الرسم ولكن هذا أدى لتحول الرسم من مهنة قد يلجأ لها شخص لرسم ذاته ويدفع للرسام أجرا بخسا لكل ساعة عمل إلى فن وقد تم بالفعل الآن بيع بعض تلك اللوحات التي رسمت في الماضي لتوثيق صورة البعض بملايين الدولارات، والإعلان عمليا أعظم فنون القرن العشرين وهناك العديد من المتاحف والمعارض والكتب التي توثق الإعلان، وعمليا هناك الكثير من النشاطات التي تحولت لفن واستعراض كتغيير الحرس في القصور الملكية في لندن وركوب الخيل، والآن هناك العديد من الشواهد أن الإعلان يقصد به الإبهار واستخدام الشعر والسوريالية وإثارة الغرائز واستخدام الحبكات السينمائية دون أن يرتبط بكل ذلك زيادة في مبيعات السلع التي يتم الإعلان عنها.

ومن ضمن الأمثلة العديدة مثلا حملة "شاربي الحليب" التي عدت من الحملات الأكثر نجاحا في تاريخ الولايات المتحدة وظهر فيها بيل كلينتون وعشرات السياسيين والفنانين وتلقى الجمهور بإعجاب وكتبت المقالات والكتب إعجابا في الحملة ولكن شرب الحليب في الولايات المتحدة ظل في تراجع حتى وصل أدنى حالاته العام الماضي.


إذا كان حجم الإنفاق على الإعلان في تزايد فإن فاعلية الإعلان في تناقص

ومن ضمن أمثلة أخرى عديدة يطرحها الكتاب قصة مشروب البيره "بد ويسرز" الذي نال إعلانه في العام 2000 جائزة معلن العام وجوائز أخرى لكن المبيعات تراجعت عما كان المشروب قد باعه قبل عشرة أعوام، في العام 1990.

إعلان آخر هو لعبة الأرنب التي استخدمت لترويج بطاريات "إنرجيزر" فقد أثبتت استطلاعات أن العديد من المستهلكين الذي يحفظون ويعجبون بالإعلان لا يستطيعون التذكر بدقة إذا كانت البطاريات المعلن عنها هي "إنرجيزر" أم "دوريسل" ويلفت الكتاب النظر أن كثيرا من الإعلان تخدم المنتج ككل لا الماركة ذاتها، وبالتالي فإن ماركات أخرى سبق لها تحقيق الشهرة تكسب مردود الإعلان كما هو حال دوريسل التي لها 38% من السوق وإنرجيزر التي لها 29%.

واحد من ادعاءات أنصار الإعلان أن هدف الإعلان جذب انتباه المستهلك للسلعة، والحقيقة أن الانتباه قد يتحقق ولكن الانتباه هو أمر وتوفير القناعة أو الحافز للشراء أمر آخر. وبرأي الكاتبين أن الإعلان التقليدي لا يهدف لجعل المنتج مشهورا بل يهدف لجعل الإعلان مشهورا.

ومن الأمثلة الأخرى أن الإعلانات عن سيارة شيفورليه كانت الأوسع للعديد من الأعوام وفي العام الماضي وحده أنفق 819 مليون و200 ألف دولار وهو ما يكافئ 39% أكثر مما أنفق على سيارة فورد ولكن الأخيرة باعت أكثر بـ33% من شيفورليه.

صعود العلاقات العامة
مع تطور العالم تحولت وسائل الإعلام لنوع من الآذان والعيون التي تجعلها وسيلة ومصدر المعلومة للفرد، ويرى الكاتبان أن العلاقات العامة التي تستخدم الإعلام هي التي تصنع الاسم التجاري لا الإعلان، فعندما تنجح بالوصول للإعلام تصل لعقل المتلقي، ومثال ذلك شركة مايكروسوفت، التي تقدر قيمة اسمها التجاري بـ65 مليار دولار، ويرى الكاتبان أنه لا أحد يشك أنه في ما لو لم تضع مايكروسوفت أي إعلان في العشرين عاما الماضية فإنها لا زالت ستنجح النجاح نفسه، كما أنه ليس صحيحا أن ضخامة مايكروسوفت سبب شهرتها فهناك شركات مثل كاردينال هيلث، وليخمان برذرز، وتوسكو وغيرها أكبر من مايكروسوفت ولا تحظى بشهرتها، أو شركات أخرى بلغ دخلها العام الماضي 38 مليار دولار مقارنة بـ23 لمايكروسوفت دون أن تكون بذات الشهرة. فمثلا لا يمكن الاعتقاد أنه دون الـ200 مليون دولار التي دفعت لإطلاق ويندوز 1995 أن البرنامج ما كان ليحقق النجاح والواقع أن ثورية البرنامج بما فيه من جديد، وشخصية بيل غيتس عاملان رئيسان في التغطية التي حصل عليها المنتج وأدت للطوابير التي انتظرت في منتصف الليل لإطلاق ويندوز 95 وما بعده.

على أنه إذا كان بناء ماركة بوقت قصير كما حدث مع مايكروسوفت فإن هذا غير متيسر دائما، فبناء الماركة على عكس الإعلان، ليس موضة أو صرعة، بل هي غالبا، وإن كان ليس دائما، عملية بطيئة تقوم مقومات عديدة تؤدي بالإعلام بالاهتمام بالمنتج وتغطيته إعلاميا، من أهم هذه المقومات أن يكون هناك شيء جديد في المنتج أو أن يكون المنتج برمته شيئا جديدا، من مثل ناسخة زيروكس عند اختراعها، وشراب ريد بل المنشط. أو أن يرتبط بالمنتج حدث درامي معين. ومن المقومات أيضاُ الاختيار الصحيح للاسم، ووجود المتحدث اللامع باسم المنتج، فالمنتج لا يتحدث عن نفسه بل هناك شخص غالبا ما يكون المدير الأعلى، ومن الخطأ تقسيم الحديث بين عدة أناس بداعي أن يوزع الفضل على أصحابه لا ربطه بشخص واحد.

صناعة اسم كتاب أمر آخر، فالعديد من الكتب لا تثير الانتباه عند نشرها ثم تأتي حادثة إعلامية، لا إعلانية، لتشهر الكتاب وتزيد مبيعاته، ومن ذلك أن يثير رجال دين تحفظات على كتاب فهذا عمليا يساعد على ترويج الكتاب، ومثال ذلك أن ناشر كتاب يسمى الخيمه الحمراء ويتحدث عن موضوعات دينية بأسلوب روائي اقترح على مؤلفة الكتاب رفعه من الأسواق لفشله ولكنها اقترحت إهداء نسخ لحاخامات، وقد نجحت الخطة فبعد عامين ونصف من نشر الكتاب حدثت ضجة حوله وبالنتيجة بيع نحو مليوني نسخة منه.

وحملة العلاقات العامة كثيرا ما تكون بطيئة المسار على عكس الإعلان الذي يكون إطلاقه أشبه بإطلاق حمله عسكرية في موعد محدد وبكثافة كبرى يصعب معها التوقف أو التراجع وإلا كانت هناك خسارة كبيره، وعمليا فإن حملة العلاقات العامة يمكن تشبيهها بالجبل وتتكون من خطوتين، صعود الجبل ونزوله. فأنت بحاجة لجدول زمني ونشاط وجهد للوصول للمطبوعات ووسائل الإعلام، ودون صبر فإن حملة العلاقات العامة ستفشل لا محالة فحملة العلاقات العامة تستهدف الدماغ وتكوين الصورة العقلية بعكس الإعلان الذي إذا ما أوكل إليه إطلاق ماركة ما فإنه سيركز على إثارة الانتباه والفضول، ومن مميزات الإعلام أنه إذا ما استقطب منتج ما اهتمام وسيلة إعلامية ما فإن وسائل أخرى ستبحث عنها، ولكن ولأغراض التميز بين وسائل الإعلام سيبدأ البحث عن أبعاد أخرى للسلعة لإبرازها مما يخدم السلعة. ولكن بعض السلع قد تكون استثنائية ويمكن أن تحظى بتغطية إعلامية جارفة لأن هذه السلعة بالغة الاختلاف والتميز، من مثل بعض منتجات مايكروسوفت.

ويفصل الكتاب عمليات تكوين اسم لمؤسسة تعليمية، أو لكتاب، أو لمدينة أو بلد لجعلهم جاذبين للسياحة، أو لمشروب فكل عملية منها لها متطلباتها ومهاراتها الخاصة، فمثلا لا يجد الكاتبان غضاضة في اقتراح تغيير أسماء بعض البلدان والمدن لجعلها جاذبه للسياحة، من مثل تغيير غواتيمالا إلى غواتيمايا، لأن الاسم الجديد سيجلب للذهن حضارة المايا العريقة، ويشير إلى أنه لو تم استغلال الألعاب الأولمبية في سيدني بأستراليا لبناء اسم سياحي بعيد المدى لكان ذلك خطوة موفقه ولكن ذلك كان يحتاج لمتطلبات منها وضع لقب أو سمة مميزه للمدينة (سيدني) فباريس تعرف باسم مدينة الأضواء، ونيويورك بالتفاحة الكبيرة وروما المدينة الأبدية فما ميزة سيدني.

أحد الأخطاء الشائعة التي يتوقف الكتاب عندها في عالم الإعلان أن يأتي الإعلان محاولا تكوين صوره جديدة للسلعة، في محاولة لاجتذاب شريحة أوسع جديدة، من مثل قيام شركة أولدزموبيل، وشركة كوكولا بالتركيز على أنهما يطرحان شيئا جديدا، الأولى سيارة للشباب وعبر حملة إعلانية، شعارها "أولدزموبيل ليست ذات السيارة التي اقتناها والدك"، وكوكولا عبر طرح شعار "كوك الجديدة"، كلا الإعلانين كان لهما أثر سلبي فكلا المنتجين لم يصنعا مصداقية بأنهما يقدمان شيئا جديدا، وعمليا أساءا لإرث الماضي، فكلا المنتجين الأصليين يستمدان قوتهما من العراقة ومن أنهما الشيء الأصلي والحقيقي في مجالهما.

ويرتبط بهذا الخطأ خطأ آخر هو بناء حملة إعلان بالاعتماد على نجاح سابق حققته العلاقات العامة وتكون بموجبه اسم تجاري معين لخدمة منتج جديد، وهو الخطأ الذي يسميه الكتاب "تمديد خط الإنتاج"، والقائم على طرح منتج جديد باسم منتج آخر ناجح، من مثل قيام شركة زيروكس بطرح كمبيوترات بذات اسم زيروكس الذي ارتبط بذهن المستهلك بآلات النسخ الورقي أو قيام شركة أمازون دوت كوم لبيع الكتب بمحاولة استغلال نجاحها في عالم تجارة الكتب عبر الإنترنت القائم أصلا على أنها كانت تقدم 30% خصما للمشتري لتصبح بائعة لكل شيء، ورغم أن الشركة لا زالت تربح فإن الربح في أغلبه يتأتى من الكتب وما يرتبط بها من سلع كأشرطة الفيديو والأسطوانات الرقمية، لا السلع الأخرى، وبرأي الكاتبين كان أجدى بالشركة أن تسعى لرفع حصتها السوقية في عالم الكتب من 7% إلى 25% بدل الذهاب لمنتجات جديدة لا ميزة تنافسية لها فيها.


من التوصيات للاسم الناجح أن يكون قصيرا بسيطا سهل التذكر يبسط ويلخص المنتج وليس أدل على أهمية الاسم مما يلجأ إليه نجوم السينما من تغيير أسمائهم فموسيقى الاسم ومقاطعه ودلالاته كلها ذات معنى

من النقاط الفنية التي يطرحها الكتاب لنجاح أي حملة علاقات عامة لمنتج ضرورة الحصول على اسم لائق، ويقول إن هناك أسماء لا يمكن إلا أن تؤدي لفشل المنتج، ويروي العديد من الأمثلة على منتجات كان مقتلها في اسمها، ويتساءلان عن حكمة قيام شركة بتسويق منتجها من الذرة "الفوشار" تحت اسم فوشار الإيمان، ويقولان إن المنتج الطريف يحتاج لاسم طريف والمنتج الجاد يحتاج لاسم جاد، ولكن من مواصفات الاسم الناجح عادة ألا يكون مباشرا وقد يكون تكنيك التناقض ناجحا في العديد من المنتجات، من مثل طرح مشروب باسم "مشروب النحافة"، فالشريحة المستهدفة هنا هي الشريحة السمينة ولكن الهدف هو النحافة، ومن التوصيات الأخرى للاسم الناجح أن يكون قصيرا، بسيطا، سهل التذكر، يبسط ويلخص المنتج، وليس أدل على أهمية الاسم ما يلجا إليه نجوم السينما من تغيير أسمائهم. فموسيقى الاسم ومقاطعه ودلالاته كلها ذات معنى، ويشير الكاتبان لمجموعة بن لادن للإنشاءات في السعودية وكيف أصبح اسم الشركة إشكاليا الآن.

وبهذا فالكتاب يطرح موضوعا قد يبدو بسيطا وهو تراجع دور الإعلان لصالح العلاقات العامة لأسباب منها إشباع السوق بالإعلان وفقدانه المصداقية، ولكن البعد الاقتصادي والاجتماعي والإداري للإعلان يجعل منه موضوعا بالغ الأهمية، ويأتي ازدحام الكتاب بالعديد من الأمثلة والقصص والتفاصيل حول عشرات الحملات الإعلانية ليجعل منه مرجعا هاما للخبراء والعاملين في مجال العلاقات العامة والتسويق.

المصدر : غير معروف

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة