حماس الفلسطينية: الرؤية والعنف والتعايش

خدمة كمبردج بوك ريفيو
يمكن اعتبار هذا الكتاب "مراجعة تصحيحية" لكثير من القراءات الإسرائيلية حول حركة حماس الفلسطينية, يقدمه أكاديميان إسرائيليان مختصان في الشؤون الإسلامية والفلسطينية. أهم ما في هذا الكتاب هو منهجيته ورؤيته التي تمسك عن الأخذ بالصور النمطية والتصورات الإسرائيلية والغربية عن هذه الحركة, بل إن بعض فصوله يمكن رؤيتها أكثر موضوعية من بعض الكتابات العربية التهجمية وغير المعمقة حول ظاهرة الإسلام الفلسطيني المقاوم بشكل عام.

 – اسم الكتاب:
  حماس الفلسطينية:
 الرؤية والعنف والتعايش
 – المؤلفان: شاؤول 
  ميشال  وأفراهام سيلا 
 – عدد الصفحات:
 244
 – الطبعة: 
  الأولى 2000
 – الناشر: جامعة
  كولومبيا، نيويورك

ويمكن ملاحظة الدقة والحساسية التي اتبعها المؤلفان من خلال استعراض عناوين الفصول الستة التي تشكل عماد الكتاب وهي: الجذور الاجتماعية والتطور المؤسساتي، ودوغمائيات ومعضلات، والعنف الموجه، والتعايش في ظل النزاع، والمشاركة المحسوبة، وأنماط التكيف: الفرص والضغوطات.

مضامين هذه الفصول تستند إلى قراءة سوسيولوجية وسياسية تموضع حركة حماس في سياق تطور ونشوء يقود تلقائياً إلى استنتاج أن ما تفعله حماس يقع في دائرة السياسة والتوقع, وبهذا فالمعالجة تقطع مع القراءات الشائعة لهذه الحركة والتي تصورها على أنها خارجة عن السياسة وعدمية وظاهرة ناتئة وهامشية على حواف الحركة الفلسطينية الاجتماعية والسياسية.

وأحد تجليات الحساسية التي يمتاز بها الكتاب هي الاقتصاد الشديد في استخدام مفردات غير موضوعية مثل "إرهاب" و"الجماعة الإرهابية" و"الإرهابيين" والتي تطفح في دراسات الكثيرين عن الإسلاميين الفلسطينيين. والواقع أننا لا نجد أياً من هذه الأوصاف في كل الثلث الأول من الكتاب, وأول استخدام لها يأتي في صفحة 72 وهو استخدام يصف "الأفعال" لا "الفاعلين".

مع ذلك يتورط المؤلفان في ترداد عدد من المقولات الهشة, وتوظيف بعض المعلومات المغلوطة التي شوهت التحليل المتوازن الذي يطرحه هذا الكتاب, وسوف نتعرض لبعضها لاحقاً.

الأطروحة الأساسية التي يتبناها الباحثان تقول إن حماس حركة مسيسة وذات حسابات عملية وواقعية وتنظر للواقع الذي تتحرك فيه, وليست دوغمائية تسوقها الأيديولوجيا إلى مواقف وسياسات متهورة وغير محسوبة. وفي نقاشهما لمظاهر الفاعلية الاجتماعية والسياسية والعلاقات العامة لحماس فإنهما يرفضان النظرة إلى حماس كمجموعة من "الإرهابيين المستميتين الذين لا تربطهم صلة بالواقع".. بل على أنها حركة أبدت عقلانية وتعقيدا تتأسس فيها عملية اتخاذ القرارات على اعتبارات الربح والخسارة. ويقولان بأن تشابك المعضلات والتعقيدات التي أحاطت بحماس قادها إلى تبني سياسة "أمكنت الحركة من المناورة بواقعية ضمن المعطى السياسي القائم ودون التخلي في الوقت نفسه عن وجدانها الأيديولوجي" (صفحة 12).


يدعي المؤلفان أن سياسة "العنف الموجه" أصبحت عنصرا أساسيا في "استراتيجية حماس السياسية ونشاطاتها اليومية"، وانطلاقا من ذلك يحللان الوجه العسكري لحماس في سياق الثأر من الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين, حيث ينظران إلى الهجمات العسكرية لحماس وفق هذا المنظور, وليس على أنها هجمات لا جذر لها

يحاجج الباحثان في أن حماس تمكنت من إبقاء عينيها مفتوحتين على الواقع, وقدمت تنازلات تجاه كل المسائل عبر توظيف تكتيك "العنف الموجه" الذي هو عنف محسوب بدقة وبحيث تصب نتائجه لخدمتها ولا يضرها. بل حتى دعوة الجهاد نفسها التي تعد هدفا رئيساً لحماس خضعت هي الأخرى إلى "حسابات سياسية" كما يقول المؤلفان, ومن هنا أصبحت سياسة "العنف الموجه" عنصرا أساسيا في "استراتيجية حماس السياسية ونشاطاتها اليومية" (صفحة 50).

وانطلاقا من ذلك يحلل ميشال وسيلا الوجه العسكري لحماس في سياق الثأر من الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين, حيث ينظران إلى الهجمات العسكرية لحماس وفق هذا المنظور وليس على أنها هجمات لا جذر لها. وهنا يشير الباحثان إلى أن حماس تركز على تبرير "أعمال العنف" التي تشنها ضد إسرائيل على أنها "رد فعل من نفس النوع" للمذابح والهجمات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، وذلك بهدف "تخفيف الانتقادات الموجهة لحماس إثر الإجراءات العقابية الجماعية بحق الشعب الفلسطيني" (صفحة 69).

يولي الباحثان أهمية واضحة لنشاطات حماس الاجتماعية ودورها المركزي في التعبئة الشعبية وكسب الشرعية للحركة. ويلاحظان أنه في الوقت الذي يتحدث فيه الكثيرون عن أهمية "العمل الاجتماعي" للحركات الإسلامية فإنهم يعجزون عن إدراك ضخامة تأثيره وأهميته الحقيقية. على عكس هؤلاء فان ميشال وسيلا يستشهدان بأحد الأمثلة الملفتة جداً حول أنشطة الإسلاميين الفلسطينيين الاجتماعية عام 1981 عندما "قدموا مساعدات مالية وفنية لترميم أكثر من ألف من البيوت -معظمها في مخيمات اللاجئين- كانت عواصف الشتاء ألحقت بها أضرارا جسيمة" (صفحة 20).

ويخلص ميشال وسيلا إلى أن أنشطة حماس الاجتماعية وكذلك سائر أنشطة الحركات الإسلامية الأخرى في هذا المجال, "تشغل فراغا حكوميا وتشبه في بعض أوجهها المفهوم الغربي للمجتمع المدني".

يتناول المؤلفان في فصل "المشاركة المحسوبة" موضوع الانتخابات والعملية الديمقراطية, وهو فصل اعتمد على مصادر أصلية. ويحللان سياسة حماس إزاء الانتخابات والعملية السياسية بشكل عام, وفي هذا الفصل يثبت الباحثان أنهما على دراية وتبصر حقيقي بالموضوع الذي يناقشانه. وهما يلاحظان أن ثمة قرانا ناجحا عقدته حماس بين خصوصيات القضية الفلسطينية وعموميات تفكير الإسلاميين في الديمقراطية والتعددية ويمكن تبينه بوضوح في فكر وممارسة الحركة. مع ذلك فإن الباحثين يتركان دون إجابة سؤالا مركزياً وهو فيما إن كان "استغلال اللحظة الراهنة" والمشاركة في الانتخابات من جانب حماس أو غيرها من الحركات الإسلامية يمثل "تحولا معياريا في الموقف إزاء الديمقراطية الليبيرالية أو حافزا في الوصول إلى السلطة بانتهاز الفرص التي تتيحها الأنظمة غير الإسلامية ووفقا لشروطها" (صفحة 115).

مع كل ذلك وفي جانب نقد الكتاب, فإن هناك العديد من المزاعم الواهية والأخطاء التي كان يمكن تجنب الوقوع فيها. ومن ذلك على سبيل المثال ما أورده الباحثان بخصوص موقف حماس من الانتخابات التمثيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة, فهما يشيران إلى أول إعلان عن هذا الموقف صدر في نيسان/ أبريل عام 1992 (صفحة 120-121)، في حين أن وثائق حماس ومواقفها المعلنة حيال هذه القضية تعود إلى عام 1988.

ونجد خلطاً أيضاً في الحديث حول الاتصالات بين الولايات المتحدة وحماس، فالباحثان يزعمان أن وزارة الخارجية الأميركية بادرت إلى إجراء اتصالات مع الرئيس السابق للمكتب السياسي لحماس موسى أبو مرزوق في الولايات المتحدة وعمان في أوائل فصل الخريف لعام 1991, بهدف نيل تأييد حماس للمشاركة في العملية السلمية (صفحة 119), إلا أن الأدبيات المنشورة للحركة تشير إلى أن تلك "الاتصالات" جرت في الواقع أوائل عام 1992 وأنها كانت في عمان فقط ولم تكن في الولايات المتحدة.

يندرج أيضاً في جملة الأخطاء الواردة في هذا الكتاب القول بأن القيادة العسكرية لحماس كانت في لندن عامي 1992 و1993 (صفحة 58), وأن حماس كانت تدرب أفرادها عسكريا في الأردن (صفحة 65), وأن هناك رسالة من حماس حملها الملك حسين إلى إسرائيل قبل يومين من محاولة الاغتيال الفاشلة لمدير المكتب السياسي لحماس خالد مشعل على أيدي عملاء الموساد في عمان شهر سبتمبر/ ايلول (صفحة 72), وأن ميزانية حماس خلال عامي 1993 و1994 تراوحت ما بين 30 إلى 40 مليون دولار وأن نصف هذه الميزانية تبرعت به حكومات إيران والسعودية والكويت ومتبرعون آخرون في الشرق الأوسط (صفحة 88).

أما الأدلة التي يسوقها الباحثان لدعم هذه المقولات فتقتصر على تقارير صحفية غير موثوقة استخدمت في بعض الحالات كقنوات لحملات "تشويه" مقصودة ضد حماس خاصة من قبل إسرائيل.

بيد أن تلك العثرات لا تؤثر على مساهمة الباحثين الرئيسية والمتمثلة في تقديم تحليل واضح لما حققته "سياسات الربح والخسارة" لحركة حماس من "مصالح ملموسة مقابل أقل كلفة ممكنة, والتضحية بقدر يمكن احتماله من المبادئ", (صفحة 148).

وبالنظر إلى أن المؤلفين إسرائيليان وينطلقان من منطلق الحرص على المشروع الصهيوني في نهاية المطاف فإن الكتاب يعتبر إضافة نوعية في مقابل كتابات إسرائيلية كثيرة عن الإسلاميين الفلسطينين لا تتكرم عليهم بأكثر من أوصاف الإرهاب والإجرام وغض النظر عن وحشية الاحتلال الإسرائيلي واستمراره الذي هو جذر المعاناة وجذر ردود الفعل المعبرة عن تلك المعاناة.

المصدر : غير معروف

المزيد من أحزاب وجماعات
الأكثر قراءة