بناء مجتمع من المواطنين

عرض/ إبراهيم غرايبة
يواجه الأميركيون اليوم زخما من التحديات والتغيرات التي تجري بسرعة، ويجري تبدل عميق في المجتمع الأميركي يصفه جورج غالوب المختص في إجراء استطلاعات الرأي بأنه موجة مد تاريخية عظيمة أو مجموعة من النبضات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الهائلة، ويحاول هذا الكتاب -الذي أعده مجموعة من المؤلفين الأميركيين وهم من الباحثين الأكاديميين في شؤون الاجتماع- التنظير لنهضة ثقافية ومدنية في أميركا لاستعادة الأفكار الأساسية للتجربة الأميركية بالإجابة على أسئلة تشكل مخططا للعمل مثل: ما الأسس القائمة للإعداد لإصلاح المؤسسات العامة والمجتمع المدني والتي أضعفت بشدة؟


-اسم الكتاب: بناء مجتمع من المواطنين: المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين
–تحرير: دون إي. إيبرلي، ترجمة: هشام عبد الله، مراجعة: فؤاد سروجي
-عدد الصفحات: 478
-الطبعة:
الأولى 2003
الناشر: الأهلية للنشر، عمان

وكيف يمكن للإصلاحات الضرورية الملحة أن تدفع قدما عملية سياسية تحكمها مصالح تقاوم الإصلاح بقوة؟ وكيف يمكن تقوية المبادئ الفلسفية الأميركية من دون دفع الأيدولوجيات التي تتنافس على السلطة؟ وكيف يمكن إحياء ثقافة مع مؤسساتها وما تؤمن به دون إحياء الدولانية والديماغوجية؟
ويرى كثيرون أن الدولة الأميركية تواجه التهديد هذه المرة من الداخل، فقد أفرزت المادية الديالكتيكية التي سيطرت في القرن العشرين فتورا ولامبالاة أخلاقية في الغرب الديمقراطي العلماني أفقد المجتمع هدفه والبوصلة التي توجهه.

ويكمن الضعف الأميركي في المجالات المدنية والثقافية والأخلاقية، فتظهر عيوب الحلول الحكومية وعدم صلاحيتها، وقد تحدث دافيد بلانكنهورن عن ركود اجتماعي وركود ثقافي أميركي كان له عواقب خطيرة على مستقبل أميركا، فثمة تراجع في الشعور بالالتزامات المدنية، وانخفاض في الثقة بالمؤسسات الاجتماعية، وتدن في اهتمام الناس ببعضها في المجتمع، مع زيادة في تشكيلة الأمراض الشخصية مثل الصحة العقلية، وانتحار المراهقين، وزيادة معدل الحمل بين المراهقات، والعنف، وتراجع معدلات نتائج الامتحانات.

وفي المقابل فإن الولايات المتحدة تحقق مكانة عالية، فهي في مركز لا ينازعها فيه أحد: القوة العظمى الوحيدة عسكريا واقتصاديا، والوجهة الأولى للهجرة، وتحتل المركز الأول في التصدير، وباختصار فهي الدولة الأغنى والأقوى والأكثر جذبا في العالم.


يكمن الضعف الأميركي في المجالات المدنية والثقافية والأخلاقية، فتظهر عيوب الحلول الحكومية وعدم صلاحيتها

قيم ناظمة للحياة
يدرك الكثيرون أن السياسة وحدها لم تعد تؤثر فيما يقدره الأميركيون أكثر من أي شيء آخر، فلا دولة الرفاه ولا انبعاث الرأسمالية تمكنا من حل مشاكل المجتمع الملحة العميقة، بل إن كل واحدة منهما قد ساهمت في إفساد المجتمع المدني ومؤسساته، فحين ضعفت بنى المجتمع الوسيطة كالأسر، والكنائس، والمجتمعات المحلية، والجمعيات الطوعية بقي الأفراد أكثر عزلة وقابلية للانهيار داخل دولة تزداد سيطرتها اتساعا.
وأفرزت قوى الحداثة من تشظي المجتمع وانقطاع جذوره أكثر مما أفرزت السياسة، ولطالما أدرك المفكرون الاجتماعيون أن قوى الجذب من تعاون وتضامن تنقلب بسرعة ليحل مكانها الميل إلى التخلي عن الارتباط والالتزام، وقد مرت حقبة وصفها عالم الاجتماع دانيال بيل أنها غضب على النظام بسبب تدميرها المتواصل للمؤسسات التطوعية.

ويعزو المفكر المستقبلي ريتشارد إيكسلي التفكك الاجتماعي في الغرب إلى "الفشل في إعطاء معنى وانتماء وهدف لحياتنا وعدم وجود إطار عمل لقيمنا، وتجريدنا من معنى أوسع لحياتنا، فقد دخلنا في حقبة يتزايد فيها انشغالنا بذاتنا انشغالا مرضيا"
هل توجد عقدية لأميركا يمكن أن يلتف حولها الأميركيون اليوم؟ وهل ثمة ذاكرة أميركية ممتدة أم أصبح الأميركيون منشغلين بشؤونهم الخاصة لا يحركهم سوى الوعد بمزيد من الحقوق والمكتسبات أكثر مما تحركهم الدعوة للواجب المدني؟
المجتمعات الحرة يجب تزويدها بأشياء يصفها الفلاسفة بأنها سابقة للسياسة، وهي أشياء أكثر أهمية من السياسة والاقتصاد وتأتي في مرحلة سابقة لهما، وبرغم التمزق الاجتماعي فثمة نموذج جديد آخذ بالتشكل قائم على التفكير في مشاكل أميركا الاجتماعية وفهمها.


كان ثمة شعور واضح لدى مؤسسي أميركا باعتبارها مجتمعا من المهاجرين أن الحكم الذاتي القائم على الصفات الشخصية والمعرفة والالتزام بالمشاركة الديمقراطية يمنع فيه العمل المدني سوء استخدام السلطة

المجتمع المحلي والمواطنة
لم تفعل السياسة الأميركية الكثير لحض الأميركيين على اتباع الغايات الأسمى من السعي للأشياء المادية أو متابعة الحقوق، وقد اخترع المجتمع الأميركي من الحقوق ووفر من الخيارات للمستهلك أكثر مما قدمه أي مجتمع آخر، ولكن لا الحقوق القانونية ولا الفرص الاستهلاكية تكفي بحد ذاتها لإقامة مجتمع متضامن.

وكان ثمة شعور واضح لدى مؤسسي أميركا باعتبارها مجتمعا من المهاجرين أن الحكم الذاتي القائم على الصفات الشخصية والمعرفة والالتزام بالمشاركة الديمقراطية يمنع فيه العمل المدني سوء استخدام السلطة.

والمواطنة هنا تعني المشاركة وليس التفويض القائم على انتخاب ممثلين في المجالس التشريعية، فلا يجوز لأي شخص أن يطمح في أن يكون أكثر من مواطن، ولا يفرض على أي شخص أن يكون أقل من ذلك، فقد انتشر مفهوم المواطن باعتباره زبونا الذي ينتخب مقابل خدمات معينة يتنافس المرشحون في تقديمها ومستوى ملاءمتها لرغبة الزبون.

المجتمع المدني
المجتمع المدني هو مجال شبكة العمل التطوعي والجمعيات غير الرسمية التي يدير فيها الأفراد كثيرا من شؤون حياتهم، وهذا يقتضي وجود مجموعة من الفضائل والتجمعات الصغيرة والأنظمة السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية المتداخلة.
لقد اكتشف السياسيون مجددا فكرة المجتمع المدني، ولكن اهتمامهم هذا لا يكفي لإعادة بناء نظام العمل المجتمعي، فما لم يكن حسب رأي المفكر روبرت رويال هناك روح عظيمة في البيت الأبيض أو شخص مثل لينكولن يفهم حدود ما يمكن للدولة أن تفعله لتشجيع قيام مجتمع مدني معافى فيجب البحث عن مكان آخر لإعادة أخلاقية ومدنية للبناء، فالمجتمع المدني لا يتعلق بالسياسة، ولا علاقة له بالآلة الديمقراطية والدولة وأنظمتها الإدارية، ولكنه نظام بشري أكثر وأكثر ثراء من الدولة، فالمؤسسات التي يتكون منها المجتمع المدني وتزدهر في غياب التدخلات السياسية تتداعى عندما تحتل الدولة مكانها.

الثقافة
الثقافة هي القيم والمعتقدات التي ينظم الأفراد بموجبها حياتهم وتنعكس على الحياة العامة في أشكال وصيغ كثيرة جدا تبدو في السياسات التعليمية والجامعات والبرامج الإعلامية كما تبدو في الحوارات والعلاقات الصغيرة.

والثقافة تؤثر في حياتنا المشتركة ربما أكثر من السياسات العامة والأنظمة القضائية والاقتصاد فهي أعمق وأهم من الحكم، فالسلوك أهم من القوانين أو كما يقول أفلاطون أعطني أغاني أمة ما ولا أهمية لمن يكتب قوانينها، بل إن القوانين في حقيقتها تعتمد على السلوك والثقافة.

التعليم
التعليم هو وسيلة نقل الثقافة في المجتمع الحر وينقل المعارف الضرورية للمشاركة الديمقراطية، ويغذي العادات الفاضلة والصفات الضرورية للتعاون في المجتمع الإنساني، وبرأي كريستوفر لاش فإن فقدان الاستمرارية التاريخية في أميركا قد خلق ثقافة متردية من المنافسة الفردانية تحولت إلى انشغال نرجسي بالذات، والأطفال في أميركا حسب قول المعلم بيتر غيبون لا يتعلمون وفق حياة تكون قدوة لهم أو مدرسة يوثق بها، أو وفق ثقافة سامية ومجتمعات محلية وأسر وكنائس، بل وفق ثقافة معادية تحيط بهم همها الترفيه ودغدغة الأحاسيس، والاستهلاك.

وكانت القصص هي مصدر التعليم والإلهام في المجتمعات التقليدية، وقد فقدت رواية القصص في العصر الحديث وفقد معها التواصل بين الأجيال وثبات الأخلاق وحس البطولة، ونشأ بدلا من ذلك حالة تقلب دائم، وبدلا من تعزيز الوعي الأخلاقي يتدرب الطلاب على تشجيع الانتقاد الذي لا حدود له مما أضعف الولاء لأي تراث أو قيم عامة مشتركة.

تراجع السياسة
جعل تصاعد الديون والحقوق التي لا حدود لها وتراجع النظام التعليمي وعدم فعالية النظام القضائي معظم الأميركيين يتهمون الحكومة بأنها متدنية الكفاءة، وثمة إدراك بأن الحوار السياسي لم يعد متصلا بتجارب الحياة الحقيقية واهتمام المواطنين، وأن المواطنين مبعدون عن أي دور مهم في تشكيل الحكومة التي يطلب منهم تمويلها، وينحصر دورهم في الانصياع للقرارات الرئيسية وليس التأثير فيها، كما أن تلاعب مجموعات المصالح واللوبي ومحترفي السياسة بالعملية الانتخابية جعلها تبدو بعيدة بالنسبة للأفراد العاديين، وظهرت ما يقول توم هايدن دولة المصلحة الخاصة.

ما الذي يحدث للديمقراطية حين ينظر إلى مؤسساتها على أنها تفتقر إلى المصداقية أو المشروعية؟ إن أكثر المشاكل الاجتماعية إثارة للنقاش -مثل الولادات غير الشرعية، والجريمة، والأسر التي غاب عنها الأب، والعنف- تقع خارج جدول الأعمال السياسية، ويصعب على اليمين أو اليسار حلها، وأكثر ما يمكن للسياسة فعله هو معالجة المشاكل الصعبة التي لا يمكن لأحد معالجتها سوى الحكومة، والاعتراف صراحة بما لا تستطيع السياسة فعله.

وقد نظر الأقدمون إلى السياسة على أنها وسيلة لزيادة قدرة الإنسان على تحسين نفسه وممارسة حكم الذات، والعمل على رفعة الإنسان من خلال المشاركة الأوسع في الدولة، ولكن السمة الرئيسة للسياسات الحديثة هي انشغالها البيروقراطي الغريب بمجرد إدارة الحكم، وتعديل القوانين الضريبية، وإحكام التشريعات الجنائية.

كانت إدارة الدولة تعني شيئا أكثر من مجرد تعزيز مصالح الأفراد داخل نطاق الحكومة، وكانت إلى حد بعيد حرفة روحانية حسب تعبير الكاتب الصحفي جورج ويل، وهي بذلك تهتم بالأحوال الروحية والعقلية للإنسان، وعاداته في الجد والعمل، واعتداله وشجاعته، وحيويته وقدرته على إعطاء الأحكام الديمقراطية الصحيحة، وهي الصفات التي كان يعتقد أنها أساس الحكم الجمهوري.

وتصف كولين شيهان في الفصل الثاني عشر من الكتاب كيف تقوض الأحزاب المشاركة المدنية، وأن النظام السياسي الذي يتخلى عن إمكانية قيام الأفراد بحكم أنفسهم سينحط سواء اعترف بذلك أم لم يعترف إلى حكم سلطوي.

ويقترح الكاتب جوناثان رواخ القيام بتجربة متواضعة، وهي أن يدعى أذكى العاملين في السياسة من اليسار واليمين والوسط السياسي إلى مؤتمر لمدة ثلاثة أيام لبحث المشاكل الاجتماعية دون الحديث عن التغييرات التشريعية، ويقول جوناثان إنهم في البداية سيشعرون بالإحباط ولكنهم بعد فترة سيدركون كيف يفكر القطاع الكبير من الدولة الذي لا يشكل جزءا من الحكومة، فوظيفة الديمقراطية هي تمكين الناس من التحكم بحياتهم، ودفعهم إلى المشاركة في تشكيل الحياة العامة.

التمزق الاجتماعي
يرسم روبرت بيللا عالم الاجتماع المختص بالمجتمع المحلي في كتابه "عادات القلب" خريطة تدمير الحياة المدنية في أميركا وإضعاف المؤسسات الحيوية التي تحافظ على المجتمع البشري مثل الزواج، والأسرة والدين.

وقد شهد القرن العشرون ظهور الذات بوصفها الشكل الرئيس للحقيقة، ولكي يتم إصلاح المجتمع المدني فلا بد من تقوية الخلايا الصغيرة في المجتمع والتي توفر معنى للوجود البشري مثل قضايا الأسرة والزواج والدين.

وتبحث باربرا دافو في الفصل الخامس عشر من الكتاب مع دايفيد وايتهد إطارا جديدا للأسرة يوفر للرجل والمرأة إمكانية إيجاد حياة مشتركة تجمعهما، وتبحث غلين لوري في الفصل السادس عشرالنظريات الميكانيكية التي يبدو أنها تتحكم في المناقشات العامة المتعلقة بالطبقات الدنيا في المدن.


يخطئ العلمانيون وأتباع الحركات الدينية كلاهما حين يحاولان السيطرة على المجتمع من خلال الدولة، فالدولة متفرعة عن المجتمع، ويجب أن تكون خادمة له وليست سيدة

دور الدين
الأميركيون متدينون ولكن الطريقة التي يؤثر فيها الدين على الحياة يتنازعها تطرف علماني وتطرف ديني، وقد أضر ذلك بأهمية الدين السامية، يقول كلينتون الرئيس الأميركي السابق: إننا شعب مؤمن وإن الدين يساعد على إعطاء شعبنا صفات لا يمكم للديمقراطية أن تعيش بدونها.

ويخطئ العلمانيون وأتباع الحركات الدينية كلاهما حين يحاولان السيطرة على المجتمع من خلال الدولة، فالدولة متفرعة عن المجتمع، ويجب أن تكون خادمة له وليست سيدة.

ويطرح وليم بوكس في الفصل السابع عشر من الكتاب حلا لدور الدين قائما على إعادة اكتشاف مبدأ المساعدة، وهو المذهب القائل بأن تتخذ القرارات على أدنى مستوى ممكن، أو من الجهة الأقرب إلى الجهة المتأثرة بتلك القرارات والذي طوره جون كورتني موراي.

وقد تسبب قيام الدولة الأميركية بعلمنة الحياة وتهميش العقيدة الدينية فيها في خلق حالة من عدم الانسجام في أميركا، كما ساهمت أيضا الأنشطة الدينية بعدم الانسجام من خلال محاولة الحركات الدينية فرض السلطة الدينية على الحكومة والشعب.
وحسب قول توكافيل فإن للدين تأثير على الناس في أميركا أكبر من تأثيره في أي بلد آخر، فيوجه عادات المجتمع المحلي وينظم الحياة المحلية وينظم الدولة أيضا، ويقول أيضا: إنه لا يمكن للكنيسة أن تقاسم الدولة سلطتها الزمنية دون أن تكون عرضة لعداوتها.

فالحل هو العودة إلى الدين في تحقيق المجتمع الصالح بوسائل طوعية، وليس من خلال حركات سياسية تبحث عن حلول تشريعية لمسائل روحية وأخلاقية، وإحياء الثقافة وليس مجرد تصحيح سياسات الدولة، وضرورة فهم أن الثقافة تؤثر على وجهة السياسة أكثر مما تتشكل بها.

المصدر : غير معروف

المزيد من اجتماعي
الأكثر قراءة