النساء المسلمات: مواجهات هنا وهناك

خدمة كامبردج بوك ريفيوز
تحاول الكاتبة الفرنسية جوزيان كرسكولو في كتابها "نساء مسلمات، مواجهات هنا وهناك" أن تفسح المجال أمام النساء المسلمات لإسماع أصواتهن والحديث بألسنتهن عن حياتهن وظروفهن الأنثوية وموقفهن إزاء الإسلام والتعليم والحياة الأسرية والتقاليد وسواها من موضوعات. وعبر مقابلات مع ثماني عشرة امرأة يعشن متنقلات بين فرنسا وأوطانهن, تتحدث لنا نسوة من مشارب متعددة, شابات ومتقدمات في السن, ربات بيوت ومهنيات, محافظات وعصريات عن ظروفهن الأنثوية وكيفية تأثيرها فيهن. وتزعم الكاتبة أنها لا تحاول تفسير أو الحكم على حيوات أولئك النسوة بل عرضها دون تبديل أو تحريف. كما يرمي الكتاب إلى غرض آخر يتمثل في الكشف عن حياة وأفكار النسوة المسلمات بالنسبة لغير المسلمين, وتحدي الكليشهات والأفكار المسبقة.

–اسم الكتاب:
النساء المسلمات: مواجهات هنا وهناك
المؤلفة: جوزيان كرسكولو
–عدد الصفحات:118
–الطبعة: الأولى 2001
الناشر: دي لاكرونيك سوشال- باريس.

وتهدف الكاتبة إلى تقديم نص يكون بمثابة دليل إرشادي لكثير من الغربيين الذين يتعاملون مع النساء المسلمات, سواء بهدف بحثي أم اجتماعي أم لأسباب التعايش اليومي الاعتيادي. وتحقيقا لهذا الغرض, فإن الكتاب يتضمن تفسيرات أساسية جدا حول ظروف المرأة في الإسلام, بما في ذلك اقتباسات من سور قرآنية وتوضيح الظروف الاجتماعية الأساسية للزواج في البلدان الإسلامية, وكذلك موضوعات مثل "المرأة والدين," و"المرأة والخزعبلات," و"المرأة والحجاب". أما الهدف العام لناشري سلسلة "كرونيك سوشال" التي يأتي من ضمنها هذا الكتاب, فيتمثل في إتاحة مساحة للتعبير الحر عن الأفكار والممارسات الاجتماعية دون ربطها بأي مؤسسات أو أفكار مسبقة.

مؤلفة الكتاب, جوسيان كرسكولو هي مشرفة الأبحاث في مركز الأبحاث الوطني الفرنسي, وهي متخصصة بالعالم العربي وعاشت واشتغلت في الجزائر لسنوات طويلة. وبالنسبة لها, فإن كون مؤلفة الكتاب امرأة غير مسلمة يضفي عليه مصداقية من نوع خاص لأن في وسع المؤلفة الاحتفاظ بمسافة معينة بينها وبين الإسلام وتقاليده بما يعطي بحثها موضوعية ورؤية محايدة. وتمتدح زينب علي بنالي أستاذة الأدب في جامعة الجزائر حتى عام 1996 المؤلفة في صدر المساحة المخصصة لها على كياستها وتفهمها أن الإسلام ليس مجرد دين فحسب, ولكنه أسلوب حياة أيضا وبنية اجتماعية وتجسيد لهوية أعمق مما يظنه ويراه غربيون كثر. والحالات الـ18 التي ترد في الكتاب تندرج في إطار مراجعة للظروف الأساسية لحياة المرأة في الإسلام وتوفر للقارئ غير المطلع أدوات فهم تصرفات وخبرات تلك النساء. وكون الكتاب يعتمد على مقابلات وسير شخصية ورصد لحيوات حقيقية وتمثلاتها فإنه يتصف بالحيوية والحياة بعيداً عن التجريد والتنظير المغرق في التحليل الأكاديمي على حساب الشواهد الواقعية.

في القسم الأول, تستعرض الكاتبة حياة ثلاث من المسلمات اللواتي يعشن في بلادهن, أولاهم هي بيدرا في وتمثل التقليديات. وكانت المؤلفة قد تعرفت عليها في المدرسة الثانوية حيث كانت تعاني من صعوبات لضعف لغتها الفرنسية. وبزواجها المبكر وعمرها 16 عاما من رجل في الأربعينات من عمره. عاشت بيدرا "حياة استسلام" لوالديها أولا وبعدها لزوجها وأشقائها. وبينما تشعر بالإحباط وخيبة الأمل تعرف أن ليس في وسعها الإفلات من حياتها هذه. وبعد حياة تبعية خالصة فإن مجرد التفكير في أن تكون وحيدة يرعبها تماما, ولا تجد لها من سلوى في غير الدين.

وهناك في المقابل أنيسة, من الجزائر أيضا, وهي النموذج المعاكس, حيث إنها حرة ومنطلقة وهي غير متزوجة وعمرها 50 عاما. وهي برغم عملها ومهنتها فإنها تشعر بأنها باتت شيئا فشيئا تنتقل إلى هامش المجتمع, بسبب وضعها الاجتماعي الذي تبرز فيه حقيقة عدم زواجها كعنصر أساسي فيه. وأخيرا هناك تامي التي تجمع في شخصيتها بين المرأتين السابقتين. فهي تلقت تعليمها في فرنسا, واختارت العودة إلى المغرب بعد ذلك. وهي شديدة التدين ومتزوجة, ولكنها تمارس نمطا عصريا في حياتها وسعيدة بجمعها بين هويتين. هذه الأنماط الثلاثة لحياة المرأة المسلمة بين الجزائر وفرنسا تكاد تجمل الوضعية القلقة من ناحية والمتوازنة من ناحية أخرى لشريحة كبيرة من نساء المغرب العربي اللاتي ظللن على تواصل وشد وجذب مع التأثيرات الفرنسية العميقة في المجتمعات المغاربية التي تعود جذورها لعقود الاستعمار الطويل.


مسلمات في فرنسا يلبسن الملابس الغربية ويعملن على الطريقة الغربية لمساعدة أنفسهن مادياً لكنهن يمارسن الواجبات الدينية من صلاة وصيام ويتمنين أن تتاح لهن الفرصة كي يؤدين فريضة الحج في المستقبل، ويؤكدن بأنهن سيخترن شريك حياتهن بأنفسهن, لكنهن لن يتزوجن من غير مسلم.

في فرنسا ذاتها, يعرض فصل "مواجهات هنا" لسيرة النساء المسلمات في فرنسا مع تركيز خاص على النساء النشطات اجتماعياً وسياسياً منهن. وقد وزع على هذه النسوة استبانة تحتوي على أسئلة متعددة تغطي مجالات واسعة مثل: "هل تعيشين في جزء عربي من المدينة؟", "هل تمارسين الشعائر الدينية؟", "هل تفكرين في العودة إلى بلدك الأصلي؟", "هل من الممكن أن تقبلي بالزواج المختلط؟". وقد لاحظت المؤلفة أن النساء الإحدى عشرة اللواتي أجبن على الاستبانة قد وجدن طريقة ما للوصول إلى إجابات معتدلة تحاول مصالحة أنماط الحياة التي يعشنها في فرنسا مع التقاليد والقيم الدينية التي توارثنها عن الآباء. فعلى سبيل المثال, هذه كتور, الفتاة المغربية التي لا يتجاوز عمرها 21 عاماً, وتقيم في فرنسا منذ كان عمرها سبعة أعوام, تمارس حياة تصفها بأنها خليط من الحياة الفرنسية والعربية في وقت واحد. ففي الوقت الذي تلبس فيه الملابس الغربية وتعمل على الطريقة الغربية لمساعدة نفسها مادياً فإنها تمارس الواجبات الدينية من صلاة وصيام وتتمنى أن تتاح لها الفرصة كي تؤدي فريضة الحج في المستقبل. وهي تؤكد بأنها سوف تختار شريك حياتها بنفسها, لكنها لن تتزوج من غير مسلم. والواقع أنها غادرت إلى المغرب بعد إجراء المقابلة بعدة سنوات وذلك من أجل الزواج من مغربي.

ناديا هي الأخرى مغربية وتمثل النوع الآخر من المسلمات, وهو النوع الذي يحاول الاندماج في المجتمع الفرنسي إلى أقصى درجة ممكنة. وعندما سئلت هل تعيش "حياة فرنسية" أجابت بالإيجاب وبأنها تعيش الحياة كما يحلو لها ولكن ضمن إطار الكرامة. وهي متزوجة من مغربي, لكنها ليست ضد الزواج المختلط من ناحية. وناديا تعتبر نفسها مسلمة, لكن غير متدينة, ولكنها تصوم رمضان. وهي مهتمة كثيراً بتاريخها وإرثها الثقافي, تستمع إلى الموسيقى العربية وتشاهد الأفلام العربية لكنها لا تريد العودة إلى بلدها حتى لا تخسر شيئاً من حريتها. وكما هو حال الأخريات, فإن ناديا تتمتع بقسط من الحرية أكبر بكثير من الحرية التي منحت لجيل أمها.

تخلص كرسكولو إلى أنه من الصعب الوصول إلى رسم صورة واحدة وموحدة للنساء اللاتي درست حالاتهن, ذلك أنه ليس ثمة قاسم مشترك كبير. فهي تراهن مختلفات كثيراً عن بعضهن البعض, من ناحية التجربة, والممارسة, والنظرة إلى الحياة والدين والتقاليد. ومع ذلك, فهي تجمل عدداً من النقاط تراها ذات دلالة مفهومية في استيعاب وضع المرأة المسلمة في الغرب. أولها أثر الفجوة العمرية بين الأجيال المختلفة, وتحديداً بين جيل الأمهات بين أعمار 40 إلى 60 وجيل بناتهن بين أعمار 20 إلى 30. فالمزيد من الحرية سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الخيارات المهنية والعلمية والاجتماعية هو من نصيب جيل البنات. والإسلام لجميع أولئك النسوة ليس ديناً فحسب, بل هو طريقة حياة إما على مستوى العائلة أو مستوى المجتمع.


النساء المهاجرات من الجيل الأول يعانين بشكل عام من العزلة بسبب حواجز اللغة والعادات ومحدودية الأصدقاء ونمط التعليم وغير ذلك، أما بناتهن فقد كبرن بين ثقافتين, وصارعن من أجل العثور على مكان وسط بين هاتين الثقافتين.

وتلاحظ المؤلفة أن النساء المهاجرات من الجيل الأول يعانين بشكل عام من العزلة بسبب حواجز اللغة والعادات ومحدودية الأصدقاء ونمط التعليم وغير ذلك. أما بناتهن فقد كبرن بين ثقافتين, وصارعن من أجل العثور على مكان وسط بين هاتين الثقافتين. وترى المؤلفة أن الرأي العام الأوروبي إذا ما تم تنويره بشكل حقيقي وغير مقولب تجاه النساء المسلمات وتفهمهن بعيداً عن الكليشهات والأفكار المسبقة فإن ذلك سيساعد كثيراً على اندماجهن في المجتمع بشكل كبير, وعلى قيام علاقات صحية لهن مع المجتمع المحيط.

لكن, ومع حرص المؤلفة المقدر على أن يأخذ كتابها منهجاً محايداً فإن ثمة بعض الملاحظات النقدية عليه. أولها أنه على رغم حساسيتها على أن لا تبدو منحازة لمنظومة من القيم أو متأثرة بأحكام مسبقة, فإنها تورطت في بعض الحالات في استخدام أوصاف وقيم غربية بحتة في نظرتها لما هو جيد أو سيء. فعلى سبيل المثال, وعندما تناولت حالة تامي, المرأة المغربية, فإنها تقول بأن تامي لم تعد بحاجة للكذب عندما تذهب إلى الديسكو كما كانت تفعل عندما كانت مع والديها, وبأنها الآن "تستطيع أن تعيش حياتها مثل أي فتاة متحررة في عمرها… وأنها تستطيع أن ترفه عن نفسها مثل أي فتاة فرنسية" (ص 36). وهذا يشير بوضوح إلى أن خطاب المؤلفة يتضمن تراتبية في القيم بعكس ما حاولت قوله على صفحات فصول كتابها, وأن قيمة "التحرر" على الطريقة الفرنسية, مثلاً هي قيمة ذات مستوى أعلى والوصول إليها يتضمن تحولا إيجابيا. بالإضافة إلى ذلك فإن المؤلفة تستخدم وسائل وطرق متعددة جداً في جمع المعلومات لكن من دون الوصول إلى نتائج معمقة, ومن دون أخذ الموضوعات إلى الشوط النهائي في التحليل. فحتى شهادات النساء الواردة في الكتاب أخطأت المؤلفة في صياغتها على شكل ضمير الغائب بدل أن تترك نص وخطاب تلك النسوة هو الذي يتفاعل مع القارىء. أيضاً, تستشهد المؤلفة بآيات من القرآن, من دون إيراد التفسيرات المطلوبة والمسهبة مما كان يترك الآيات من دون شرح أو توضيح كافيين, خاصة للقارئ الغربي, وينطبق الأمر على الاستشهاد ببعض الأشعار وكذا ببعض الإحصائيات التي تثير من الأسئلة أكثر ما تجيب عليها.

والواقع أن المؤلفة أرادت عمل الكثير وقول الكثير لكن في حيز محدود وباستخدام أدوات تحليل متعددة ومجهدة من دون فائدة مباشرة. فانتهت إلى أنها عوضاً عن أن تترك النساء يتحدثن إلينا بحرارة ومباشرة بدت أولئك النسوة باهتات وأحياناً ذوات صوت خفيض ومخنوق إلى الحد الذي يمكن التساؤل فيه عما إذا كان هذا الكتاب صوتاً لهن, أم صوتا للمؤلفة ذاتها.

المصدر : غير معروف

المزيد من الإسلام والمرأة
الأكثر قراءة