المسيحية والإسلام: تاريخ المواجهات الفاشلة

خدمة كامبردج بوك ريفيوز
في مساهمته هذه يعتبر لودويغ هاغيمان, الباحث الألماني وبروفيسور الإلهيات وتاريخ الأديان في جامعة مانهايم بألمانيا, أن العلاقة بين الإسلام والمسيحية تميزت في التاريخ بالتنافس والصراع والغزو المتبادل والمذابح, وكل ذلك باسم الدين. غير أن كل تلك الصراعات كما يرى هاغيمان كانت في الواقع بهدف نشر النفوذ والسيطرة. وهو يريد من كتابه هذا أن يعيد علينا قراءة ذلك التاريخ بهدف الانطلاق نحو فهم أفضل بين المسلمين والمسيحيين, يرسي دعائم قوية لمستقبل إيجابي بين الحضارتين. وشعاره الذي يؤكد عليه في هذه المعالجة الحساسة يقول: من أجل السيطرة على المستقبل لا بد أن لا ننسى دروس الماضي. بل على العكس, فإن المرء يجب أن يفهم الماضي حتى لا يكرر أخطاءه.

undefined-اسم الكتاب: المسيحية والإسلام: تاريخ المواجهات الفاشلة
-المؤلف: لودويغ هاغيمان
–الطبعة: الأولى 2001
-الناشر: بريموس فيرلاغ- دارمستاد- ألمانيا.

غير أن سرد الماضي الدموي قد لا يقود إلى الدرس الذي يريدنا المؤلف أن نتعلمه, خاصة وأن هذا السرد لا يعطي الأهمية اللازمة لفصول هامة جداً من التعايش والتناغم بين المسلمين والمسيحين في أكثر من حقبة تاريخية. ففي تجربة الأندلس الثرية تعايش المسلمون والمسيحيون في وئام لعقود طويلة من الزمن, فيما سمي لاحقاً بالعصر الذهبي, بل وضم ذلك التعايش أيضاً اليهود, واستمر ذلك حتى سقوط غرناطة عام 1492 ميلادية. والأهم من ذلك, ومن زاوية علمية بحتة, ليس ثمة تناظر تاريخي بين معاملة المسلمين للمسيحيين سواء في الأمصار المسلمة أو الأراضي التي فتحوها ومعاملة المسيحيين الغربيين للمسلمين سواء في الديار الغربية أو تلك التي وقعت تحت سيطرتهم.

وللإنصاف فإن المؤلف يشير بالطبع إلى تلك الحقب, غير أنه يؤكد على أنها استثناء عن القاعدة التي تميزت بالدماء والصراعات العنيفة باسم "الحرب المقدسة" والموت في سبيل ما يعتقده "المؤمنون" على كل جانب بأنه الحق, وهو يربط ذلك بالعمليات الانتحارية التي تحدث اليوم حيث لا يتردد منفذوها في التضحية بأرواحهم في سبيل ما يعتقدون.


يشرح المؤلف كيف استخدم المسلمون والمسيحيون على حد سواء النصوص الدينية لتبرير التوسع والحروب القاتلة. وهو يرى أن الأثر الذي تركته تلك الحقب الدموية على صورة الإسلام في الغرب كان كارثة

على ذلك فالكتاب يعتبر مسحاً موسعاً في تاريخ المسيحية الغربية وعلاقتها بالإسلام, وهو يعرض كيف كانت تلك العلاقة مأساوية ومؤسفة في طابعها الغالب بسبب غياب التسامح والتفكير الإقصائي وحيث كان كل جانب يدعي بأنه يحتكر الحقيقة. وباستخدام الدين لغايات سياسية يشرح المؤلف كيف استخدم المسلمون والمسيحيون على حد سواء النصوص الدينية لتبرير التوسع والحروب القاتلة. وهو يرى أن الأثر الذي تركته تلك الحقب الدموية على صورة الإسلام في الغرب كان كارثة, ولا يزال كذلك حتى اليوم حيث إنه لا يزال هنالك حتى اليوم مشاعر عميقة لما يرى بأنه "الجنون الإسلامي". وقد تعمقت هذه المشاعر خلال العقد الماضي عندما تم استبدال الإسلام بالشيوعية كعدو يهدد العالم الغربي. وقد تكرس الخوف من الإسلام في الغرب بسبب ممارسات المتطرفين المسلمين والمسيحيين على حد سواء. وفي تأمله لانتعاش النظرة العدائية تجاه الإسلام والمسلمين يتساءل هاغيمان فيما إن كان الماضي يلحق بنا الآن وحيث تعود النظرة التقليدية إلى الإٍسلام كعدو إلى الواجهة. ومن هنا فإنه يقدم كتابه مساهمة في توفير أفهام أعمق بين الدينين, وهو إذ يقر أن معاودة نبش الماضي سوف تثير كثيرا من الآلام إلا أنها عملية ضرورية لفهم أدق ولبناء أساسات واعية لمستقبل أفضل بين أعداء الأمس.

يرصد المؤلف عدداً من المبادرات المسيحية في النصف الثاني من القرن الماضي تشير إلى وجود تحول إيجابي في النظرة التقليدية إلى الإسلام. وهو يرى أن الاحترام المتبادل هو الأمل والطريق الوحيد لتجنب ما توقعه هانتنغتون من صراع بين الحضارات كما في أطروحته الشهيرة عام 1992. على أن المؤلف لا يرصد في المقابل المبادرات الإسلامية المقابلة لتوفير فهم واحترام متبادل بين الطرفين. وربما يجد المرء العذر له بكونه يركز أكثر ما يركز على صورة الإسلام والمسلمين في الغرب, بأكثر مما يركز على صورة الغرب المسيحي في الشرق, وبأن المطلوب من الطرف الغربي أكثر بكثير مما هو مطلوب من الطرف المسلم. فأس العداء النظري العقدي القادم من الطرف المسيحي يقوم على رفض نبوة النبي محمد وعدم الاعتراف بالإسلام كدين سماوي, بينما يعتبر المسلمون الأنبياء موسى وعيسى من أنبيائهم ويعترفون باليهودية والمسيحية كأديان سماوية, لكنهم يرون أن تحريفاً طرأ عليها في مراحل لاحقة.

يتابع الكتاب, على شكل رصد الأحداث والوقائع الكبرى, كيف تطور الإدراك الغربي المسيحي للإسلام مستنتجاً وجود شبكة من التأثيرات المركبة والمتداخلة على تطور ذلك الإدراك. وفي الجزء الأول يلاحق الانتشار السريع للإسلام في المشرق وخضوع المسيحيين واليهود للسيطرة الإسلامية, ثم انسياح الإسلام إلى شمال أفريقيا وجنوب أسبانيا وتتوج المد الإسلامي بالترجمة اللاتينية الأولى للقرآن في القرن الثاني عشر الميلادي.

وتقوم رؤية المؤلف لانبعاث الإسلام على أساس فهمه أن الرسول محمد, في البداية, رأى في القرآن امتداداً للتوارة والإنجيل, وأنه خليفة للرسل موسى وعيسى من قبله وبالتالي فإن المؤمنين هم أمة واحدة يعبدون إلهاً واحداً. ولكن لأن المسيحيين واليهود رفضوا دعوته والاعتراف به كآخر الأنبياء فإنه كان واضحاً في اعتبار أن الإسلام هو الدين الحقيقي الوحيد. لكن ذلك لم يؤثر على التعامل المتسامح معهم من قبل الرسول محمد والمسلمين حيث نعم المسيحيون واليهود بمعاملة حسنة وحتى الانقلاب على اليهود إثر إخفاقهم في احترام اتفاقياتهم مع المسلمين. وهنا يشير المؤلف إلى "المواثيق" التي نظمت علاقة المسلمين ببقية الطوائف والتي أتاحت للجميع حق ممارسة العبادة بحسب الدين الخاص بكل طائفة, مع الإقرار بأن السيطرة والحكم للمسلمين, مقابل توفير المسلمين الحماية للجميع.

في مرحلة لاحقة تميز أول رد فعل غربي تجاه الإسلام وانتشارة السريع في شمال أفريقيا وأوروبا بالتردد والحيرة خاصة في ضوء مقولة اشتهرت في الأوساط المسيحية تقول بأن محمدا والدين الإسلامي هما نتاج انحراف عن المسيحية, وبالتالي يجب عدم أخذهما بجدية. لكن ما كان أكثر قلقاً هو التوسع الإسلامي العسكري وضم أراض جديدة إلى الإمبرطورية الإسلامية على حساب الأراضي التي كانت خاضعة للمسيحية في قرون سابقة. ولم يكن ثمة تفسير مقنع, آنذاك, لسرعة انتشار الفتوح الإسلامية وفعاليتها إلا القول بأن المسلمين يمتلكون وسائل وأدوات حربية خاصة, وقد أضاف البعض تفسيرات أن المسلمين يستخدمون السحر!


عندما أنهى الأوروبيون الحكم الإسلامي في أسبانيا عام 1492 فإنهم أنهوا من ناحية ثانية عقوداً طويلة من التعايش الإسلامي المسيحي في أوروبا الغربية

ويقول المؤلف إنه في الوقت الذي طور الإسلام فيه مفهوم "الجهاد" للقتال ضد "كل" غير المسلمين, فإن النظرية المسيحية طورت مفهوم "الحرب العادلة" إثر كتابات أوغسطينوس (354-430) وتوما ألاكويني (1225-1274). لكن كلا الطرفين برر الحرب من خلال التوسع الخاص بكل دين, والجنة كانت وعد أولئك الذين يضحون بأنفسهم من أجل ذلك. وكان نتيجة هذا ثلاثمائة سنة من الحروب الصليبية التي تضمنت الإبادة والمذابح ضد "الآخر". وعندما أنهى الأوروبيون الحكم الإسلامي في أسبانيا عام 1492 فإنهم أنهوا من ناحية ثانية عقوداً طويلة من التعايش الإسلامي المسيحي في أوروبا الغربية.

في أعقاب ذلك برز اتجاه اعتذاري في قلب محاولات الحوار الإسلامي المسيحي مترافقاً مع صعود أنظمة الدومينيكان والفرانسيسكان. وكان أساس هذا الاتجاه هو الشعور بالضرورة القصوى لإجراء حوار "نظري وفكري وعقدي" مع الإسلام عوضاً عن اللجوء المباشر إلى الحرب والرفض الكلي حتى لمناقشة ومحاورة الإسلام. وقد كان الدومينيكان رواد هذا الاتجاه وقد أسسوا مدارس لغات للتعرف على الإسلام واليهودية وكتبوا أدلة تعريفية بالدينين والمفاهيم الأساسية لهما. على أن هذا الاتجاه تحول إلى خليط من البحث والتبشير بالمسيحية في أوساط المسلمين, وأخذ منحى تبشيرياً على يد فرانسيس من أسيسي (1181-1226) وآل إلى فشل ذريع في نهاية المطاف.

في النصف الثاني من كتابه يعالج هاغيمان نظرة البروتستانت ومشروع الأنوار إلى الإسلام. ويشير إلى نظرة لوثر الأولية تجاه الدين الإسلامي وكيف كانت متلونة بالتأثيرات السياسية ولم تكن عقدية ونظرية متوازنة, حيث سيطرت عليه فكرة أن غزو الأتراك العثمانيين, لأوروبا إنما هي عقوبة إلهية للمسيحيين. وأسوأ من ذلك فقد تبنى مقولتين شعبيتين في تفسير الإسلام, الأولى تقول بأن الشيطان هو الذي أوحى لمحمد بالقرآن فبالتالي فإن القرآن ليس كلام الله, والثانية أن انتشار الإسلام كان بسبب التوسع العسكري وليس بسبب تميز الدين نفسه. أما في فكر الاستنارة الذي غلب العقلانية على العاطفية فقد تطور الموقف الغربي إيجابياً حيث تم البحث في أسباب عقلانية تفسر انتشار الإسلام وتعقلن النظرة إليه بشكل متسامح. وقد توجت تلك النظرة بتبني الملك البروسي فريدرك الثاني (1740-1786) لمقولة فولتير بأن "كل الأديان يجب أن يتم التسامح معها وكل فرد يجد الخلاص في الطريق الذي يناسبه".

يخلص هاغيمان في ختام رحلته التاريخية بتقديم توصيات للغرب تشدد على فهم أعمق للإسلام ونشر هذا الفهم في أوساط الجيل الجديد عبر التعليم, والتسامح في بناء المساجد, ومعاملة أفراد الجاليات المسلمة بمساواة كاملة على قدم المساواة مع بقية المواطنين.

المصدر : غير معروف