السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع

عرض/ إبراهيم غرايبة
أصدر الدكتور حسن الترابي كتابه هذا وهو في سجنه الأخير بعد اختلافه مع نظام الحكم في السودان الذي كان عقله المدبر، ويعرض معالجة لقضايا السياسة والسلطان، مصدرها كما يقول المؤلف مكاسب المعرفة في حياته، بعضها علم أخذه من مصادر غربية ناظرة في تلك القضايا، وبعضها عبرة تلقاها من مشاهد الواقعات في حكم الغرب، وبعضها زاد حكمة من ممارسة التجربة في الحياة السياسية لعشرات السنين في السودان، وبعضها أضواء اطلاعات من قريب أو بعيد على واقع الحياة العامة في كثير من ديار الإسلام، وذلك فضلا عن أساس من دراسات لتراث فقه الإسلام في أحكام السلطان، وقراءات لمنشورات حديثة تصدر عن ذوي علم أو تجربة.


-اسم الكتاب: السياسة والحكم.. النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع
–المؤلف:حسن الترابي
-عدد الصفحات:527
-الطبعة:الأولى 2003
الناشر: دار الساقي، لندن

التوحيد والفصال
الإنسان حيوان مكرم مطلق الخيال والتفكر في الكون والتدبر في الحياة حوله، وهو حر الإرادة، لكنه مضبوط بوسع الاستطاعة، والدين قدر لازم في سيرة الإنسان في الأرض، فالإنسان محدود مخير الإرادة مبتلى بالدنيا، والدين يهديه إلى تمام العلم واليقين بالوحي وإلى صواب الخيار بهدي التكاليف.

وقد أسس الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين سلطانا متمكنا وحياة سياسية دوارة بوشائج الموالاة ومناشط الرأي والاجتهاد وإدارة لسياسة رشيدة في الحياة العامة والعلاقات الخارجية.

واستمر رشد الخلافة بعد الرسول لنحو من ثلاثة عقود على هدي القرآن والسنة، ثم إن اتساع ديار الإسلام وتباعد أقاليمها وتثاقل وسائل الاتصال المحدودة ذلك الزمان تفلت بالناس عن مدى انتشار التعليم والتزكية بالإسلام وعسر عليهم أن يتناصحوا ويتداعوا للرأي ويتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر، وخاصة أن يعقدوا الاجتماع ويتخذوا القرار في شأن ولاية الحكم ومسائل الحل والعقد في عزائم الأمور العامة، كاختيار من يخلف من مات أو قرار حرب أو سلم أو عهد.


أسس الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين سلطانا متمكنا وحياة سياسية دوارة بوشائج الموالاة ومناشط الرأي والاجتهاد وإدارة لسياسة رشيدة في الحياة العامة والعلاقات الخارجية

وكان الأنكى والأنكس بسيرة المسلمين تساقط نهج الخلافة الراشدة، وكان قدرا واعظا أن قاد ذلك التبدل معاوية بن أبي سفيان، وطوحت الفتنة الكبرى بخلق الموالاة والمساواة بين المسلمين بغير تفاضل نسب، ومعيار الأقوى كفاية الأتقى تأدية لولاية الأمر العام، ونهج الشورى لا المغالبة بالقوة والمجادلة بالحسنى حول الأمور السياسية الخلافية واتقاء غلو التشيع والتفرق، وفسدت بين المسلمين نيات القوامة بالحق الخالص والتقوى في السياسة، وسرت بواعث مفتونة بحب السلطة.

وانتهجت سيرة المسلمين العامة إلى أن يتفاصل فيها عن الدين الحق مجال ذلك الهوى في الحياة العامة ملتهيا بحمية صراع السياسية غافلا عن ذكر الله وتقواه وشرعه.

تجدد الدين
انتشرت في هذا العصر ظاهرة تجدد الدين، نشأت بواعثها في الحياة العامة، وطرحت فيها قضية علاقة الدين بوظيفة السياسة ومؤسسات الحكم وأعماله دعوة نحو التوحيدِ، وظهر دعاة إسلاميون يطرحون المبادئ الأولى للإسلام السياسي همهم الأول إبطال الوجهة الباطلة والتصدي لموجة من التبعية للغرب والتخلي عن الدين، فكانت منهم حركات سياسية لم تتم الإعداد لإحقاق الحق المنزل، وإن أتتها فرصة سانحة بدا عجزها وقصور زادها للمرحلة التالية، ومن ذلك ما راجت إلا شعارات عامة.


كل تسخير للبشر حملا لا يطيقونه أو لا يرضونه إنما يضرب عليهم وجها من الاسترقاق مهما يزعم أنه لا يملكهم لأيدي الخاصة، وليس للسلطان أن يحمل الناس بأمره ونذير عقابه على أداء شعائر العبادة

وقد شهد مستهل القرن الحادي والعشرين جلاء أبين في المواقف من التوحيد والفصال بين الدين والسلطان، ذلك أنه وافى ظاهرة غلبة الإيمان بالإسلام هديا جامعا للحياة مشتملا على السياسة والحكم، وذلك في أوساط الأمة الإسلامية في العالم سواء بين سوادها من جماهير العوام في قاعدة المجتمعات أو بين الشرائح العليا ثقافة ومكانة غير مواقع السلطة.

والصفة الغالبة في ديار الإسلام اليوم أنها أرض يسكنها سواد أعظم من المسلمين لكن سالف غفلتهم وضعفهم مكن فيهم أحكام سلطان ليست على شرع الله، وبين هؤلاء من قدر له لم حفظ حرية المشيئة، وقد تذكروا واجب التوبة للحق كله، ومن كتب الله عليه وخاصة في مجال السياسة الإكراه ألا يعبروا عن الإسلام قولا وفعلا.

صور الأحكام السلطانية
الشريعة عند المسلمين هي الحجة العليا فوق سلطان الأرض، لأنها مؤسسة على الإيمان بالله، وهي شريعة شاملة تعلم وتأمر تنهى الإنسان، حيثما كان في مساقات حياته الدنيا، إذ تصدر من الخالق كل شيء.

والأحكام السلطانية هي التي تؤسس النظام السلطاني العام والحياة السياسية من حوله، وهي من أعم الأحكام العملية في حياة الناس، وهي تضبط الخلافات وتحكم وقع الإرادات، فموقع الولاية للأمر العام والقيادة للمتوالين فيه مجال خطير، إذ يفتن الإنسان تراوده فيه غلبته وقوته المتمكنة، وتغريه أن يطمس وينسخ وجود المستضعفين من عامة الناس، ولذلك فالاحتكام إلى الدستور هو الأكبر خطرا وأثرا، فأحكام الدستور تعالج وتحسم أخطر ذرائع الاختلاف والفتن.

والأحكام السلطانية أدعى الأحكام للثبات عبر الزمان، فالدستور ثابت مثل ثوابت التقاليد تتراكم عليها بالزمان والتجربة أثقال الاحترام والتوقير، وتتسق وتطمئن بها أركان حركة المجتمع الكبرى عهدا، وترسخ بناه الأساسية في سلطانه ليرجح وزنها حاكمة، وما هي بخالدة ولكنهاتظل ثوابت لا تتواتر عليها التعديلات سراعا.


المجتمع هو المصدر الأعلى للحكم والسلطان من خلال إيمانه وإرادته وقوته السلطانية النافذة في الواقع المشهود، والمجتمع بذلك إنما يصدر عن تكاليف الشريعة التي يؤمن بها ويعمل بهديها

المجتمع المؤمن
الشريعة تخاطب الإنسان على درجات من وقع التكليف وقدر الطاعة المرجوة، فمنها الأمر على الحد الألزم الذي يطلب واجبا، ولكن الشرع لا يسير كل شعاب الحياة للمؤمن، والسلطانهو القوة التي تضع في المجتمع النظم العامة اللازمة النافذة طوعا أو كرها بين الأفراد، وتبسط لهم حقوقا متاحة ورخصا مباحة كيفما شاؤوا أن يمارسوها فعلا أو يكفوا، وتقيم عليهم حكما بين المتخاصمين.

والمجتمع هو المصدر الأعلى للحكم والسلطان من خلال إيمانه وإرادته وقوته السلطانية النافذة في الواقع المشهود، والمجتمع بذلك إنما يصدر عن تكاليف الشريعة التي يؤمن بها ويعمل بهديها، وهي التي ترسم له حدودا قاطعة أحيانا ومبادئ موجهة يجتهد في تنزيلها أحيانا في ما هو مدى سلطان، وأن يباشر المجتمع حقه مصدرا أعلى في واقع السلطان والحكم بهدي الشريعة واجتهاداته فيها وعلومه في ظلها مبدأ راسخ في دين الإسلام، لكن حدث لغالب سلف المسلمين أن تصوروا السلطان المباشر في الأرض اهتداء بحكم الشريعة هو أمير المؤمنين وإمامهم لا يعلو عليه في عالم الشهادة أحد، وذلك جلاء فاحش عن بداءة هدي الشريعة.

ميزان الحريات
أصل الخلقة والشرعة للإنسان من الله على ميزان، حرمة المشيئة الحرة لفرد الإنسان ونظام يصله ويوحد أمره إلى ربه بالغيب، وإلى مجتمعه وسلطانه بالدنيا، على سواء يستوي فيه الوضع الأساس لبنى الإنسان وعدل يحفظ لهم الحرية ويزكيها، بينما يعصم بينهم النظام ويرقيه، فلا ظلم يتمايز فيه الناس في أصل تساويهم بشرا، ولا فرط حرية سدى تضيع الوحدة، ولا شدة ضبط يهلك الحرية.


والأحكام السلطانية هي التي تؤسس النظام السلطاني العام والحياة السياسية من حوله، وهي من أعم الأحكام العملية في حياة الناس، وهي تضبط الخلافات وتحكم وقع الإرادات

إن مناحي الحياة العامة التي تقوم ميزانها هي التي تضع الحرية أو المساواة، وتنظم ممارسة الحريات بما لا يعدو مدى على حرمات الأسواء وحقوق المتكافئين، وتفاضل المتنافسين وعموم المصالح الموحدة، وتلك المناحي هي توجهات إرادة الفرد، وضغط المجتمع وقوة السلطان، تنشئ أحكاما ونظما دافعة ضابطة، يهديها الإيمان الصادر عن الأفراد، الخارج تعبيرا في المجتمع والسلطان.

ولسلطان القضاء مدى من تفسير الأحكام الشرعية والاجتماعية المرسومة للنفاذ بالسلطة، والمعروفة تلازما بين الناس مقبولا، ينهجون به في سياسة الحكم أو في استقامة معاملاتهم الخاصة.

وحصن الشرع الإنسان بحرمات سياسية مرعية، حتى يتمتع بحريات مشيئته ويباح له أن يتصرف في مجالها، نظرا وشعورا وتعبيرا فاعلا مستوفيا حقوقه كالآخرين على سواء، ولا يسلب منه المجتمع ولا السلطان أصولا في حياته، لتقع عليه تكاليف ممارسة حرياته لا يتعطلها ولا تحرج عليه.

وأولها حق الحياة فلا تقتل النفس إلا قصاصا يكافئ ويعاقب إهلاك نفس، والناس بالطبيعة مهما تباينت عروق نسبهم سواسية بشرا من بني آدم عبادا لله لا يتفاضلون أصلا ليستبيح بعضهم قتل بعض، أو غمر حياته العزيزة المستقلة باتخاذه أداة مسخرة كسائر أشياء المتاع الطبيعية التي سخرها الله للإنسان المكرم ليملكها ويستخدمها ويصرفها مهاداة ومعاوضة من دون وقف على إرادتها ولو كانت حيوانا.

وكل تسخير للبشر حملا لا يطيقونه أو لا يرضونه إنما يضرب عليهم وجها من الاسترقاق مهما يزعم أنه لا يملكهم لأيدي الخاصة، وليس للسلطان أن يحمل الناس بأمره ونذير عقابه على أداء شعائر العبادة لتأتي صورا نفاقية، وجوارح الإنسان وأعضاؤه في حصان من حكم سلطان يؤذيه إلا بالحق قصاصا أو عقوبة لجناية، وللإنسان حرمة مخصوصة في كرامة أعضائه وسره ألا يقذف بالزنا، أو يسب، أو ينبز بالألقاب والكذب، وفي سكينة بيته ألا يدخل عليه غريب ولو عامل سلطان إلا بإذنه، وللإنسان في شأنه الخاص وحرمته أن يتخذ كما يشاء لباسا يقي نفسه وقع المناخ، وأن يستر عورته وأن يزين وجهه وشعره، وأن يأكل الطعام الذي يختاره، وأن يقضي ضروراته.

ويخلي الشرع للإنسان أن يصرف رأيه تثبتا أو تعديلا أو تبديلا ولو في أصول مذهبه مؤمنا، قد يؤاخذ على ذلك غيبا في الآخرة، ولكن لا يؤذيه أحد في الدنيا بأمر سلطان.

الأحزاب السياسية
الأحزاب السياسية التي عهدتها سيرة المسلمين الخالفة كانت قوى الصراع السياسي، وإذا كانت المذاهب الفقهية والطرق الصوفية تعرف الاختلاف والتعدد في سلام لا ينتهك به إطار وحدة المجتمع الأساسية، فإن الأحزاب كانت تدفع الخلاف إلى الصراع والاحتراب، وكانت أصولها في الولاء للبيوت القرشية من بنى أمية والعباس وهاشم وغيرها.

وحرية الاختلاف مذهبا والموالاة عليها تعددا حزبيا من أصول الحكمة والحكم في دين الإسلام، فالإنسان أصله خلق من صنع رب واحد، ومن بذرة نفس واحدة وتكاثر مختلفا أزواجا وألوانا وألسنة، فالاختلاف طبيعة رحمة يثمر الحياة بوحدة الأزواج توالدا، واختلاف الأشياء يكاملها.

وفي هدي الدين في الأحزاب السياسية ما هي تكاليف يرعاها الضمير المؤمن تقوى، والمجتمع الرقيب الحسيب أخلاقا، ولا تشفعها أحكام ينفذها السلطان قوة وجزاء، ولو بسطها دعوة وطوعا، ذلك لأنها قد لا تبلغ الحدود القاطعة، بل هي تكاليف نسبية الدرجة في ما يندب فتأمر به الدعوة، أو يكره فتنهى عنه، أو قد يبلغ درجات اللزوم الأقطع لكنها ظاهر وقف على باطن الدوافع والضوابط في الوجدان وعفوها في العرف والأخلاق.


الشريعة عند المسلمين هي الحجة العليا فوق سلطان الأرض، لأنها مؤسسة على الإيمان بالله، وهي شريعة شاملة تعلم وتأمر تنهى الإنسان، حيثما كان في مساقات حياته الدنيا، إذ تصدر من الخالق كل شيء

إن الضابط الأدنى اللازم لاختلاف الجماعات المتوالية أحزابا شرطا حكميا تحميه زواجر العقاب بالسلطة، وتكليفا خلقيا أيضا وترعاه التقوى والأخلاق هو أن يقوم الحزب داعيا أو راضيا في نظام السلطان الجامع بالحرية للجميع اجتهادا ولو اختلفوا وتواليا لو تعددوا وبالشورى والإجماع قرارا له علوية السلطان والحجة، وله خيار من يتولى السلطة تعاقبا حسما للخلاف.

الوظائف الخاصة والسلطانية
السلطة العامة أساسها الإجماع وتشريعاتها ومراقبتها وضوابطها في المجتمع المتألف من خصوص رؤى الأفراد وعيونهم ووقع إرادتهم، وكذلك الوظائف في الحياة العامة، قد يتولى الأفراد القيام بها ويتعاونون تتضايف مكاسبهم ويتضابط أداؤهم في المجتمع، وقد يتولى السلطان منها جانبا عاما يتضيى نظما مرسوما بدقة، أو يستلزم إيقاعا بسلطة تضبطه لا يرتبك به المجتمع، ولا يفسق فيه الشذا الخارجون على النظام والأمر العام.

المصدر : الجزيرة

المزيد من أنظمة حكم
الأكثر قراءة