الحياة العائلية في الإسلام: التقاليد والتوترات والأحكام المسبقة

خدمة كامبردج بوك ريفيوز

-اسم الكتاب:Familienleben im Islam – Traditionen, Konflikte, Vorurteile "الحياة العائلية في الإسلام: التقاليد, والتوترات والأحكام المسبقة"
–المؤلف:ريتا برور
-الطبعة: الأولى 2001
-الناشر: Germany: Freiburg

بعد أحداث الشهور القليلة الماضية انطلق سيل من الكتابات الغربية حول الإسلام والمسلمين يملأ أرفف المكتبات. ومن هذه الكتابات ما هو أكاديمي وعلمي, ومنها ما هو صحفي سريع, ومنها ما هو إثاري سطحي يبحث عن الربح والشهرة عبر ركوب الموجة السائدة.

وكتاب ريتا برور, الباحثة الألمانية, الذي نناقشه هنا, حول الحياة العائلية في الإسلام, يقع في الصنف الأول, فبرور ترى أن هناك حاجة ملحة تستدعي توضيح نمط الحياة الإسلامية لغير المسلمين؟ رغم أنها تتساءل فيما إن كان بالإمكان الاضطلاع بهذه المهمة في الأصل, من قبل باحثة أو باحث من خارج الثقافة الإسلامية نفسها؟.

مبررات ومسوغات
ولهذا فإن ريتا برور تدرج عددا من المسوغات في معرض الأسباب التي دفعتها الى معالجة هذا الموضوع. وهي تشير أولاً إلى حركة النشر الرائجة في الدول الناطقة بالألمانية مؤخرا, خاصة ألمانيا, لكتب تعالج الوجود الإسلامي واندماج المسلمين في مجتمعات غير إسلامية، منها كتب مثل "المرأة المسلمة في ألمانيا" و"كيف تعيش مع رفيقة تنتمي إلى ثقافة أخرى" و"الشادور والشرف والصراعات الثقافية" و"الأصولية والسعادة الأنثوية." ولا يتوقف سيل هذه المطبوعات التي تعد الأكاديمية بينها الأقل عددا, ككتاب آني ماري شميل "مقدمة تعريفية بالإسلام" و"القرآن" الذي ترجمه عادل خوري. وإزاء هذا العدد الكبير من الكتب التي ترى برور أنها لا تعالج بموضوعية تامة موقع المرأة والعائلة في الإسلام فهي تتقدم للقيام بهذه المهمة.


بينما أصبح محل الكباب التركي جزءا صميما ولصيقا في كل حي من الأحياء الألمانية بل والمطبخ الألماني, فإن التواصل بين الطرفين, الألماني والمسلم, ظل نادراً بل ومثيراً للمشاكل خاصة وأنه كان تواصل احتكاك سلبي أكثر مما كان احتكاك تناغم وتعاون, مما أدى إلى تعميق الازدراء واللاتفهم

والواقع أن توضيح نمط الحياة الإسلامية لغير المسلمين, في ألمانيا مثلاً, بات ضرورة ملحة بعد تنامي أعداد المسلمين من المواطنين الألمان, وأغلبيتهم من أصول تركية. وبينما أصبح محل الكباب التركي جزءا صميما ولصيقا في كل حي من الأحياء الألمانية بل والمطبخ الألماني, فإن التواصل بين الطرفين, الألماني والمسلم, ظل نادراً بل ومثيراً للمشاكل خاصة وأنه كان تواصل احتكاك سلبي أكثر مما كان احتكاك تناغم وتعاون, مما أدى إلى تعميق الازدراء واللاتفهم. ومن هنا فإن ما تأمله برور, وآخرون كثيرون, انطلاقا من تقديم معالجات منصفة وموضوعية للمسلمين هو توفير فهم أفضل للمهاجرين والثقافة الإسلامية والدين الإسلامي في ألمانيا أملا في أن يفضي ذلك إلى علاقات اجتماعية أفضل.

غير أن النوايا الطيبة الواضحة التي هي بوصلة المؤلفة في هذا الكتاب تخذلها في العديد من المواقع في بحثها. فالشكل والأسلوب المستخدم في توفير الفهم المطلوب لهذه القضية هما أمران بالغا الأهمية, وهنا يتبدى الخلل الذي وقعت فيه الكاتبة ريتا برور في كتابها "الحياة العائلية بحسب الإسلام." فرغم تأكيدها على أنها تستعرض التقاليد العائلية الإسلامية باحترام ودون احتقار أو ازدراء, في سبيل توفير فهم أفضل للمواطنين المسلمين, فإن أول ما يراه القارئ هو صورة الغلاف التي تعزز نظرة الاحتقار للتقاليد الإسلامية. وتظهر في تلك الصورة عائلة مسلمة تتألف من أب وجدة وخمسة أطفال يجلسون على الأرض فوق صفحات الجرائد ويتناولون بأيديهم الطعام من صحن واحد بينما أسلاك كهربائية تتدلى من الحائط. وبينما تظهر هذه الصورة صورة عائلة دينها الإسلام, وهناك بالتأكيد عائلات على هذا النحو, إلا أنها تغذي قدرا كبيرا واستثنائيا من الاحتقار والازدراء دفعة واحدة. فالرسالة التي تبثها هذه الصورة هي أن العائلة المسلمة التقليدية فيها أطفال كثيرون, خمسة في هذه الحالة, وأنها "بدائية" (متخلفة) في آدابها وسلوكياتها (الأكل على الأرض وبالأيدي) وأنها ليست متعلمة وتفتقد للذوق (آداب المائدة والملابس التي يرتدونها) وأغلبها رثة، ولا تهتم الأسرة بالمظهر الجسدي (زيادة الوزن) ليست جذابة المظهر (الأشخاص في الصورة ليسوا حسني الوجوه). كيف جرى اختيار هذه الصورة؟ ولم لم تعكس صورة الغلاف أناسا متعلمين حسني المظهر متحضرين أصحاب ذوق راق ناجحين وجميلين, خاصة وأن هذه المعايير لها وزن كبير في المخيلة الغربية؟ ومن المؤكد أن هناك الكثيرين من الأتراك (الألمان) الناجحين الذين يعطي مظهرهم الناجح رسالة أكثر تأثيراً في عقل ومخيلة القارئ.

بتجاوز مشكلة الغلاف, تعالج برور جملة موضوعات بينها الزواج والأطفال والطلاق والمراهقة والحياة الجنسية وأحوال المسلمين بين تقاليدهم والحداثة وسواها, بشكل يشجع غير المسلمين في إعادة النظر في الأحكام المسبقة القاسية تجاه "نمط حياة المسلمين". وتتيح معالجة برور في الجزء الأول من كتابها لقرائها الألمان لمس المظاهر الإيجابية لها أكثر من غرابتها عن المجتمع. وبهذا فان أسلوب الكاتبة نافع ومفيد وإن كان لا يخلو أحيانا من نبرة تهكمية. أما في الجزء الثاني من الكتاب فهي تحاول وضع الاسلام في السياق التاريخي لعمليات الإصلاح ومواجهة الإصلاح, وهي هنا أكثر وضوحا ووفرة بالمعلومات.


منذ ظهور الإسلام والعلماء يحاولون البحث عن كيفية ملاءمة القرآن والتقاليد مع الظروف المستجدة والعادات السائدة, وتمحور هدف هؤلاء العلماء بإقامة التهيئة النظرية المطلوبة للسماح بعملية التقدم التكنولوجي والاجتماعي والسياسي دون الإضرار أو فقدان روح الإسلام الضرورية

تقدم الكاتبة الإسلام على عكس ما ينظر إليه في الغرب, بأنه دين يعارض الإصلاح والتنمية ويتصف بالجمود. وهي تناقش أنه منذ ظهور الإسلام والعلماء يحاولون البحث عن كيفية ملاءمة القرآن والتقاليد مع الظروف المستجدة والعادات السائدة, وتمحور هدف هؤلاء العلماء بإقامة التهيئة النظرية المطلوبة للسماح بعملية التقدم التكنولوجي والاجتماعي والسياسي دون الإضرار أو فقدان روح الإسلام الضرورية. لكنها ترصد مفصلاً تاريخياً تمثل في وصول نابليون إلى مصر في عام 1798, إذ حينذاك برز صدام حضارات بشكل ما واستفز نابليون تقدم الحضارة التي مثلها التفكير الإسلامي الداخلي تجاه نمط الحياة الإسلامية. وتقول برور إن المصلحين أخضعوا العادات والتقاليد الشائعة لتدقيق غير مسبوق ونقد صارم, وخلصوا إلى أن العبادات أو العلاقة مع الله لا ينبغي المساس بها, ولكن قواعد التعامل مع الناس (من عقوبات وضرائب وقوانين عائلية ونحوها) ينبغي إعادة تفسيرها بحسب الظروف المستجدة.

تعليم المسلمات في العصور الأخيرة
تحتل مكانة المرأة في الإسلام نصيبا مهما في كتاب برور, كما هو الحال في الكتب الغربية حول العلوم الاجتماعية اليوم. وهي تقول إنه في أواسط القرن التاسع عشر أقر المفكرون المسلمون بأن عدم تعليم النساء وخضوعهن للعائلة يمثل العائق الرئيسي في وجه التنمية. وفي عام 1873 نشر المفكر المصري رفاعة الطهطاوي كتيبا دافع فيه بشدة عن تعليم الفتيات, وأبعد من ذلك أهمية مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية.

وافتتحت أول مدرسة ابتدائية للبنات في مصر بعد وقت قصير من ذلك. وعند نهاية ذلك القرن, أكد محمد عبده على تلك المطالب إلى جانب المحامي قاسم أمين. غير أن محاجتهما في المطالبة بتعليم النساء لم تنطلق من أن تعليم النساء هو هدف بحد ذاته, بل في ضرورة تعليم المرأة لتعليم أجيال المستقبل. ومهما كان حافزهما, فإن تلك الأفكار والمطالبات تظل ثورية بكل المعايير في ذلك الوقت. كما حاجج عبده وقاسم لرفع مكانة المرأة الاجتماعية, وإلغاء تعدد الزوجات وحق الرجل وحده في تطليق المرأة. وهذا وفر الأساس الذي اكتشف العلماء على أساسه فيما بعد التناقض الحاصل بشأن التعدد في القرآن نفسه: فبينما اشترطت العدالة في معاملة كل الزوجات اعتبرت السورة ذاتها أن ذلك مستحيل. وترجع هذه المدرسة الفكرية التعدد إلى الظروف التاريخية التي كانت سائدة في زمن النبي, وتزعم أن الاقتران بزوجة واحدة هو الهدف النهائي للإسلام, إلا في ظروف محددة.

رغم ذلك, فإن الإقرار السياسي لتلك المطالب الأنثوية كانت ولا تزال مشكلة. ففي مصر لم تحقق الحركة الإصلاحية موقعا لها إلا بعد ثورة ناصر في عام 1952 عندما طالب المثقفون المسلمون بتأقلم العلماء المسلمين مع الظروف الراهنة, وبتغييرها. كما استلمت النساء بأنفسهن لواء هذه القضية وبينهن الداعية النسوية ملك ناصيف (1886 وحتى 1918) وهدى شعراوي وراهنا العالمة الاجتماعية المغربية فاطمة منيسي والدكتورة المصرية نوال السعداوي, ومطالبهن الأساسية تنحصر في المطالبة بتعليم أفضل وحق تقرير مصيرهن وحقوقهن القانونية على مر القرون.

وكما هو حال كل حركة تاريخية, فإن الإصلاحيين يواجهون بمعارضي الإصلاح, وفي هذه الحالة ظهر الإخوان المسلمون عام 1928 (والأخوات المسلمات) الذين عارضوا الإصلاح بحسب النموذج الغربي. وهذان التياران تيار الإصلاحيين ومعارضيهم هما التياران المتعارضان في معظم الدول الإسلامية, وبلد مثل إيران المثال الأفضل على الانفتاح النسبي على الغرب وكيف يتبعه رد فعل متطرف لدولة ثيوقراطية. وعلى العموم فإن الكتاب يساعد القارئ الغربي على فهم أفضل للعالم الإسلامي وتقاليده, كما يزوده بإطلالة شاملة على المدارس الفكرية المختلفة في الإسلام.

المصدر : غير معروف

المزيد من الإسلام والغرب
الأكثر قراءة