الحكم العسكري الفرنسي في المغرب.. الاستعمار وآثاره

خدمة كمبردج بوك ريفيو
لا تقع أهمية هذا الكتاب في طبيعته التأريخية والتفصيلية الشارحة لحقبة من أهم حقب التاريخ المغربي في القرنين الأخيرين فحسب, أي حقبة الغزو العسكري الفرنسي المباشرة للمغرب بين 1907 و1934, بل وفي ما يقدمه من استنتاجات ورؤى تنطبق في مجملها على الكثير من الدول التي خضعت للاحتلال الأوروبي في عقود الاستعمار "الذهبية".

وأهمية حقبة الاستعمار في كل بلد من البلدان المستعمرة لا تكمن في نقطة البداية والنهاية لوجود القوات المستعمرة والإدارة الأجنبية فيه, بل في الآثار بعيدة المدى التي تتركها القوة المستعمرة خلفها وتظل تشتغل في البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي غالباً ما تتصف بالهشاشة والضعف. وهذا الاشتغال البعيد لديناميات الاستعمار -عقب مرحلة ما بعد الاستقلال- في قلب التطور والتغير الحاصل في البلد المتحرر هو الذي يعتبره البعض امتداداً غير مباشر للاستعمار، وشاهده الأكبر تلك العلاقة العضوية بين البلدان التي كانت مستعمرة والقوى



– اسم الكتاب:
 الحكم العسكري الفرنسي
 في المغرب.. الاستعمار
 وآثاره.
– المؤلف:
 موشيه غيرشوفيتش
– عدد الصفحات: 238
الطبعة: الأولى 2000
الناشر:
 
فرانك كاس – لندن.

الكبرى التي استعمرتها. فالدول الأفريقية والآسيوية التي استعمرتها فرنسا ظلت ترتبط بمستعمِرها السابق ارتباطاً قوياً ومدهشاً في مرحلة ما بعد التحرر والاستقلال الوطني. وينطبق الأمر كذلك على البلدان المستعمَرة بريطانياً أو إسبانياً أو برتغالياً (مثلاً ارتباط دول الفرانكفونية الأفريقية بفرنسا, أو دول الخليج العربي ببريطانيا, أو أنغولا بالبرتغال, أو بوروندي ورواندا ببلجيكا وفرنسا, وهكذا).

سياسات فرنسا الاستعمارية
علاقة إمبرطورية الاستعمار الفرنسي بالسكان المحليين في طول وعرض المستعمرات علاقة شائكة ومعقدة ومتناقضة، وهي التحدي الذي يشكل جوهر هذا الكتاب آخذا المغرب كحالة دراسية، ومركزاً على جانب العلاقة العسكرية سواء من زاوية الاحتلال الفوقي أو من زاوية الانخراط التحتي لأعداد كبيرة من المغاربة في الجيش الفرنسي في عقود تالية والمحاربة إلى جنب جيوش "فرنسا الحرة" في الحرب العالمية الثانية.

الأولوية القصوى للإمبرطورية بطبيعة الحال هي تأمين النفوذ الفرنسي


امتازت
فرنسا الاستعمارية
بعدد من المميزات لازالت امتداداتها ومؤثراتها مرئية حتى اليوم، وكان أبرزها
تطبيق سياسة "الإدماج"
طـوعاً أو قسراً على الشعوب المستعمرة

 في العالم, وصيانة المصالح القومية الفرنسية والدفاع عنها. وأمام هذه الأولوية الطاغية لا يهم إن تم سحق شعوب وعوالم في قارات أخرى, وتوظيفها لخدمة الأغراض الفرنسية، لكن استقرار إمبرطورية مترامية الأطراف يستلزم حداً أدنى من الرعاية تجاه الشعوب المستعمرة كانت القوة المستعمِرة تشعر بأن لا مناص عن تقديمه.

ففي نهاية المطاف وكما يشير المؤلف (ص 18) لا تحتمل فرنسا أن تصل تراكمات الظلم والعوز والحاجة الماسة إلى الحاجات الأساسية في البلدان الخاضعة للحكم الفرنسي, إلى نقطة الانفجار الكلي الذي لا يمكن التحكم به. ومن هنا, فحتى الفتات البسيط الذي كان يرمى لشعوب البلدان المنهوبة لم يكن القصد منه الحرص على رفع معيشة هؤلاء أو الاهتمام بهم بدوافع أخلاقية أو حيادية, بل إن تلك الرعاية الخجولة كانت تدور في مصالح السياسة القومية العليا الحريصة على وجود أعلى قدر من الاستقرار في البلدان التي تستعمرها.

وإذا كانت هذه السياسة الحريصة على الاستقرار وتأمين الحد الأدنى من حاجات السكان الاقتصادية يقوم منطقها على سياسات القوى المستعمِرة، فإن فرنسا الاستعمارية امتازت بعدد من المميزات لا زالت امتداداتها ومؤثراتها مرئية حتى اليوم. وأبرز مميز كان تبني وتطبيق سياسة "الإدماج" Assimilation طوعاً أو قسراً على الشعوب المستعمرة. وهذه السياسة هي اختراع فرنسي بامتياز تقول بأن لا خيار أمام الشعوب الخاضعة للحكم الفرنسي إلا أن تصبح فرنسية, فتتخلى عن تخلفها وتلحق بحضارة فرنسا وتتقدم!.

والتطبيق الأكثر بشاعة في تاريخ الاستعمار الفرنسي لهذه السياسة كان في الجزائر التي مثلت أغلى البقاع الاستعمارية على قلب باريس التي احتلتها عام 1830 وبدأت باعتبارها جزءاً من أرض فرنسا الأم عام 1848. وما زاد ثورات الجزائريين ورفضهم منطق الاندماج بما يعنيه من تخلٍّ كامل عن دينهم وثقافتهم وتقاليدهم, إلا تعنت فرنسا وإصرارها على تطبيق تلك السياسة بوحشية بالغة والتي يلخصها قادة الإمبرطورية بما يلي "يستطيع العرب أن يثوروا, لكن سوف يتم إدماجهم.. السكان المحليون يجب أن يوضعوا أمام الخيار الضيق وهو إما أن يندمجوا أو يختفوا" (ص 21).


نسبة الفرنسيين
في الفرق العسكرية المتمركزة في المغرب, انخفضت بعد الحرب لأولى إلى ما يقارب 40% فقط، في حين البقيـة مغـاربة.
وانخفضت نسبة القتـلى الفرنسييـن إلى 31%
على حساب ارتفاعها
في صفـوف
المغاربة
أما في المغرب, وحيث التركيز في هذا الكتاب على البعد العسكري فقط, فإن التأريخ الرسمي لعهد الحماية المغربية بدأ سنة 1912 بالتوقيع على معاهدة فاس بين فرنسا والسلطان المحلي، فيما كان الغزو الفرنسي العسكري على الأرض قد بدأ عام 1907, ولم ينته عملياً إلا باستقلال المغرب كلياً عام 1956. وخلال فترة الاستعمار الأولى 1912 إلى 1934 عملت فرنسا على انخراط المغاربة في جيشها الإمبراطوري الذي خاض الحرب العالمية الأولى, وزادت نسبة المغاربة في الجيش وأعداد قتلاهم بشكل كبير في حقبة ما بعد الحرب ووصولاً إلى مرحلة الحرب العالمية الثانية. وكما يرصد المؤلف (ص 167) فإن نسبة الفرنسيين في الفرق المتمركزة في المغرب, أو التي خاضت المعارك انطلاقاً من المغرب انخفضت بعد الحرب الأولى إلى ما يقارب 40% فقط، في حين كان البقية من المغاربة. كما قلت نسبة القتلى الفرنسيين ووصلت إلى 31% على حساب زيادة تلك النسبة في أوساط المغاربة.
 
ومن المعلوم أن سياسة فرنسا الاستعمارية -وكذلك بقية القوى المستعمرة في تلك الحقبة- كانت تركز بشكل كبير على تجنيد أكبر عدد ممكن في جيوشها من شعوب المناطق التي يتم إخضاعها. فالجيش الفرنسي مثلاً في الحربين العالميتين كانت معظم قطاعاته المنطلقة من أفريقيا مشكلة من جنود أفارقة سود تحت قيادة الضباط الفرنسيين للدفاع عن "مصالح فرنسا الإمبراطورية" ومحمياتها الأفريقية.
 
وكان من الآثار بالغة التدمير لتلك السياسة هو شحن العلاقات الشعبية بين المحميات الأفريقية بالتوتر والكراهية بسبب استخدام قطاعات عسكرية مكونة من شعب أفريقي معين لاحتلال أو قمع شعب أفريقي آخر. مثلاً استُخدِم السنغاليون في الحرب ضد الجزائر والمغرب, والمغاربة ضد الجزائر وهكذا, بما كان يوفر استراتيجية تفريق إقليمي تضمن عدم بروز أي روح كفاحية جماعية ضد القوة المستعمِرة نفسها, وتحويل العداء إلى ما بين الشعوب الخاضعة للقوة المستعمرة.

ويبقى السؤال الملح هنا يتعلق في أسباب ودوافع انخراط المغاربة في الجيش الفرنسي, وكيف كانت مشاعرهم ومواقفهم عندما كانوا يستخدمون في معارك ضد أبناء دينهم سواء في أفريقيا أو خارجها. لا يستطيع المؤلف معالجة هذا السؤال ويعترف بأن المصادر التي يعتمد عليها كلية لا تنقل صورة شافية في هذا المجال تساعد على الإجابة.

والواقع أن مصادر المؤلف وهي في معظمها أرشيفات الجيش والاستخبارات الفرنسية في تلك الفترة حاولت أن ترسم صورة "المغربي المنخرط بحماس في جهود الإمبراطورية الفرنسية للدفاع عنها وعن محميتها المغربية", هذا في حين أن بعض التحليلات تشير إلى أن عدم حماس القطاعات المكونة كلياً من مغاربة في الإسناد المطلوب -خاصة في الحرب العالمية الثانية- كان أحد أسباب تقهقر الجيش الفرنسي برمته. وفي كل الأحوال فإنه ما لم تقم دراسات مغربية أو محايدة تحفر في تاريخ تلك الحقبة وتنقل لنا حقيقة موقف ومكانة ومشاعر المغاربة في الجيش الفرنسي فإن هذا السؤال يظل قائماً برسم الإجابة.

لكن الآثار التي ترتبت على المشاركة المغربية -جنوداً وضباطاً ونخبا- في الجيش الفرنسي امتدت إلى فترة ما بعد الاستقلال الذي تم عبر اتفاقية 1955 مع الملك (السلطان آنذاك) محمد الخامس وأعلن عملياً في مارس/ آذار 1956. فبسبب الانتقال السلمي من الحكم الكولونيالي إلى الحكم الملكي الاستقلالي، أتيحت الفرصة لانتقال كثير من العسكريين المغاربة من الجيش الفرنسي إلى الجيش المغربي تحت التكوين, بل وشكلوا الألوية الأساسية الأولى في ذلك الجيش, وتحالفوا مع الملك ومثلوا الدرع الحامي للنظام الجديد. ومن هنا -وبتحالفهم مع الملك- فقد اتقى أولئك العسكريون النقمة الشعبية عليهم, حيث ساعدتهم ظروف الاستقلال غير العنيف, بخلاف حال الجزائر مثلاً حيث لا يمكن تصور مثل هذا الوضع.

المصدر : غير معروف

المزيد من احتلال واستعمار
الأكثر قراءة