الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي

غلاف كتاب (الجدار الحديدي - إسرائيل والعالم العربي)

عرض: خالد الحروب
كان زئيف جابوتنسكي أول زعيم صهيوني مهم يقر بأن الفلسطينيين شعب, وأنه لا يتوقع منهم التخلي طوعا عن حقهم القومي في تقرير المصير. لهذا كان يرى أنه من غير المجدي في تلك المرحلة المبكرة من المشروع الصهيوني فتح حوار معهم, ولا مفر من تنفيذ البرنامج الصهيوني من طرف واحد وبالقوة.

undefinedاسم الكتاب: الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي
المؤلف:
آفي شلايم
عدد الصفحات: 670صفحة.
الطبعة:
الأولى – 2000م
الناشر:
دبليو. دبليو نورتن آند كومباني – لندن – نيويورك.

وانطلقت رؤية جابوتنسكي لهذه القضية من ضرورة تنفيذ المشروع الصهيوني خلف جدار من حديد يعجز السكان العرب المحليون عن هدمه. غير أن نموذج جابوتنسكي لم يعارض فتح حوار مع الفلسطينيين في مراحل تاليه. بل على العكس كان يؤمن أنه وبعد أن يشج الفلسطينيون رؤوسهم بلا جدوى في هذا الجدار سيقرون مع الوقت بأنهم في وضع دائم من الضعف, وعندها يحين أو ان تدشين مفاوضات معهم حول وضعهم وحقوقهم القومية في فلسطين.


انطلقت رؤية جابوتنسكي من ضرورة تنفيذ المشروع الصهيوني خلف جدار من حديد يعجز السكان العرب المحليون عن
هدمه

الفرص الضائعة
وفي رأي آفي شلايم مؤلف كتاب "الجدار الحديدي" المقتبس كتابه من نظرية جابوتنسكي كان ذلك السيناريو هو ما حدث في الواقع, وجاء تاريخ دولة إسرائيل تأكيدا لإستراتيجية الجدار الحديدي لجابوتنسكي. غير أن مخاطر تلك الإستراتيجية, حسب شلايم, تمثلت في وقوع الزعماء الإسرائيليين في غرام مرحلة محددة منها, ليرفضوا التوصل إلى السلام مرارا وتكرارا, حتى عندما توفرت الأيدي الممدودة على الجانب الآخر. ويأسف المؤلف لتضييع إسرائيل فرص ونوايا السلام التي توفرت من جانب الدول العربية على طول سنوات النزاع الطويلة.

وفي حين يشتمل جدار جابوتنسكي على نظرية لتغيير العلاقات اليهودية الفلسطينية ويقود أيضا إلى المصالحة والتعايش السلمي, بحسب شلايم, فإنه يلاحظ أن سياسيي اليمين الإسرائيلي, مع أنهم حملة إرث جابوتنسكي, كانوا أكثر ميلا للوقوع في أسر الجدار الحديدي وتبنيه وسيلة دائمة للحياة. فمثلا تلخص فهم إسحق شامير للجدار الحديدي على أنه حصن في وجه التغيير ووسيلة للإبقاء على الفلسطينيين في حالة خضوع دائم لإسرائيل (ص 599).

في هذا الكتاب يؤرخ آفي شلايم, أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد وأحد أهم مؤسسي مدرسة التأريخ الإسرائيلي الجديد, للسنوات الخمسين الماضية من السياسة الخارجية الإسرائيلية, مع تركيز خاص على علاقة إسرائيل بالعالم العربي. وهو يقول بأن الرواية الإسرائيلية التقليدية لأسباب وملامح ومسار النزاع العربي الإسرائيلي ظلت لا تلقى تحديات خارج العالم العربي إلى حد كبير.

ومع حلول الذكرى الأربعين لتأسيس إسرائيل نشرت أربع كتب تتحدى تلك الرواية التقليدية لميلاد دولة إسرائيل وللحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948على يد مؤرخين إسرائيليين, باتوا يعرفون بـ"المؤرخين الإسرائيليين الجدد". وهذه الكتب الأربعة هي كتاب سمحا فلابن: ميلاد اسرائيل: الأسطورة والحقيقة, وكتاب بيني موريس: ميلاد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين, وكتاب ايلان بابي: بريطانيا والنزاع العربي الإسرائيلي, وكتاب آفي شلايم: تواطؤ عبر الأردن: الملك عبد الله والحركة الصهيونية وتقسيم فلسطين.

وفي حين ركز هؤلاء المؤرخون أبحاثهم على الأحداث التي سبقت ورافقت ميلاد دولة إسرائيل ونشوب حرب عام 1948بين العرب وإسرائيل, يذهب آفي شلايم في جداره الحديدي حدا أبعد بتقديم عرض نقدي لسياسات إسرائيل تجاه العالم العربي خلال الأعوام الخمسين التي تلت إقامة الدولة, ليتوقف مع وصول إيهود باراك إلى سدة الحكم.

نفس دفاعي
ومن البداية يوضح المؤلف أن كتابه لا يمثل تأريخا شاملا للنزاع العربي الإسرائيلي, ولكن دراسة للسياسات الإسرائيلية نحو العالم العربي. ولهذا انصب تركيز الكتاب على المفاهيم والرؤى وطريقة التفكير والتصرفات الإسرائيلية أثناء النزاع. ومن هذه الجهة فإن الكتاب مفيد للقارئ العربي الذي يريد أخذ صورة واضحة ومتسلسلة ومرفقة بكثير من الشروح والغوص في الخلفيات المختلفة لقرارات ومواقف المؤسسة السياسية الإسرائيلية, أي حقيقة ما كان يجري على الطرف الآخر.

في المقابل فإن القارئ سيلاحظ الاجتزاء والنقص الذي يشوب معالجة المواقف العربية وخلفياتها وغياب تناولها بالشرح والتحليل السياسي والنفسي بالدرجة التي تتوفر عند مناقشة المواقف الإسرائيلية. وهنا لا بد من التنويه إلى أن نفس الكتاب عموما, وبشكل واع أو غير واع من مؤلفه, نفس دفاعي عن الشعب الإسرائيلي.


كان تعليق رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيغن لدى علمه بحدوث مجزرتي صبرا وشاتيلا عام 1982 "ان الغوييم يقتلون الغوييم, والعالم باكمله يحاول شنق اليهود على هذه الجريمة"

فرغم الجهد الأكاديمي والموضوعي الرصين الذي بذله المؤلف في الكتاب فإن محصلة التفسيرات والشروحات بالصورة التي يسوقها قد تولد قدرا من تفهم القارئ لاعتداءات وشراسة الجانب الإسرائيلي, مع أنه ليس بالضرورة أن يتقبلها. فنجده مثلا في الصفحة 416 في الجزء المخصص لمذبحة صبرا وشاتيلا وبعد أن يعرض الأحداث والملابسات بموضوعية واضحة يورد موقف بيغن لدى علمه بحدوثها ويستشهد بما قاله آنذاك "إن الغوييم يقتلون الغوييم, والعالم بأكمله يحاول شنق اليهود على هذه الجريمة." غير أنه يوازن ذلك في السطر التالي مباشرة بموقف الحاخام آرثر هرتزبيرغ, الذي يعرف عليه بأنه زعيم ليبيرالي لليهود الاميركيين, إلى أنه ليس في وسع بيغن البقاء في منصبه "إذا كان تبديد أهم ما تملكه إسرائيل من احترام للذات واحترام العالم لها." ويردف ذلك بالدفاع عن الشعب الإسرائيلي زاعما أن الشعور بالصدمة والاشمئزاز داخل إسرائيل أرغمت حكومتها على تعيين لجنة تحقيق (ص 416).

ويندرج في هذا السياق أيضا تناوله بالشرح العميق للجانب الشخصي وحتى النفسي لرموز الحكومة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي من سطوة مآسي التاريخ اليهودي وإرهاب ذكريات الهولوكوست على مجموع الشعب الإسرائيلي وتغلغلها في عقول قادته. فرابين, مثلا, تعرض لانهيار عصبي مؤقت قبيل شن حرب 1967, وبلغت الأوصاف الإنسانية والمحزنة التي يوردها الكاتب في صفحة واحدة لحالة بيغن بعد استقالته من رئاسة الوزراء حوالي 15 نعتا (ص 419).

أسباب غياب التسوية
والسؤال المركزي الذي يحاول شلايم معالجته في مؤلفه الهام هو أسباب عدم التوصل إلى تسوية سلمية بين إسرائيل والعرب بعد كل الحروب التي خاضتها والاتفاقيات التي وقعتها. ويقول المؤلف إن الاجابة الصهيونية التقليدية على هذا السؤال تتلخص في كلمتين: التصلب العربي. وحسب روايتهم للأحداث بذل زعماء إسرائيل كل ما بوسعهم للتوصل إلى تسوية سلمية للنزاع العربي الإسرائيلي, غير أن جميع جهودهم تحطمت على صخرة التصلب العربي. وفي حين استمات الزعماء الإسرائيليون لإنجاز السلام, لم يتوفر أحد على الطرف الآخر للتفاوض معه.

غير أن المؤلف ينقض ذلك, باستعراضه لما يعتقد به فريق المؤرخين الإسرائيليين الجدد, ويتلخص في أن إسرائيل ما بعد حرب عام 1948 كانت أكثر تصلبا من الدول العربية, ولذلك فإنها تتحمل القسط الأكبر من مسؤولية الانسداد السياسي الذي تلا النهاية الرسمية للأعمال العدوانية بين الجهتين. أما الدليل الذي يهتدي به هؤلاء فيقوم في الأساس على المصادر الإسرائيلية الرسمية. ويؤكد شلايم على أن ملفات وزارة الخارجية الإسرائيلية, مثلا, تطفح بالأدلة على مقترحات السلام العربية واستعداد العرب للتفاوض مع إسرائيل من سبتمبر/ أيلول عام 1948 فصاعدا.

وتؤكد خلاصات قراءة هؤلاء على توفر خيارات سياسية حقيقية لإسرائيل بخصوص علاقاتها المستقبلية مع العرب. غير أن السؤال الحقيقي الذي شغل إسرائيل في تلك الفترة الحرجة من تاريخها لم يتمثل في إن كان السلام مع الجيران العرب ممكنا, بل ما ثمن هذا السلام. وتمحورت نقطتا الخلاف حيال مسألتين أساسيتين هما: اللاجئون والحدود. ففي حين كانت كل دولة من الدول العربية المجاورة لإسرائيل مستعدة للتفاوض مباشرة مع إسرائيل, والتقايض معها على الحدود, لم تملك أي منها منفردة حرية التصرف الكامل بمسألة اللاجئين.

كما يضيف المؤلف عائقا آخر انتصب في وجه التوصل إلى السلام, وهو الرأي العام العربي وهنا يقول "من المهم التفريق في هذا السياق بين الجماهير العربية والحكام العرب. إذ اشتدت حدة الكراهية والحقد على الصعيد العربي إزاء الدولة اليهودية حدا بعيدا في أعقاب خسارة فلسطين وتذوق مرارة الهزيمة العسكرية. غير أن الحكام العرب, في المقابل, أبدوا قدرا مدهشا من البرغماتية بعيد الأحداث نفسها. فبعد الانتباه من سكرة الهزيمة العسكرية على أيدي الدولة اليهودية الوليدة, كانوا جميعا على استعداد للاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها مباشرة, وحتى التوصل إلى سلام معها. وكان لا بد أن يدفع كل واحد منهم على حدة ثمنا من أراضي دولته مقابل السلام مع إسرائيل, كما لم يرفض أحد من هؤلاء الحديث مع إسرائيل." (ص 50).

ويسهب الكتاب في التأكيد على توفر خيار السلام لبن غوريون لو أراد اختياره, غير أن أولويات رئيس الوزراء الإسرائيلي في تلك الفترة من تاريخ إسرائيل تمثلت في بناء الدولة وزيادة أعداد المهاجرين اليهود والتنمية الاقتصادية وتدعيم استقلال إسرائيل الحديثة. وكان بن غوريون في ذلك ينطلق من شعوره بأن اتفاقيات الهدنة تحقق احتياجات إسرائيل الأساسية من اعتراف خارجي بها وتحقيق الأمن والاستقرار. ويوضح شلايم أن بن غوريون كان يدرك في قرارة نفسه أن التوصل إلى اتفاقيات سلام رسمية معناه اضطرار إسرائيل إلى التخلي عن جزء من الأراضي التي قضمتها من جيرانها, والقبول بعودة عدد معقول من اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم, ومن وجهة نظره كان التوصل إلى السلام لا يستحق مثل هذا الثمن.

ويخلص المؤلف إلى أن عدم مرونة بن غوريون كانت وراء عدم تحول اتفاقيات الهدنة إلى اتفاقيات سلام دائمة مع العرب. والسبب الرئيسي في ذلك اعتقاده أن الوقت يلعب في صالح إسرائيل. ومن هنا يمكن تفسير رفض بن غوريون لمقترحات السلام التي طرحها الملك فاروق أواخر سبتمبر/ أيلول 1948. ومبادرة حسني الزعيم ربيع عام 1949, لا بل إن المؤلف يؤكد أن الزعيم استمات لفتح حوار مباشر وعالي المستوى بين قيادة البلدين, غير أنه ما من أحد كان يصغي في الطرف الآخر, ويقول الكاتب "خلال مدة حكمه القصيرة قدم (الزعيم) كل الفرص لإسرائيل لتدفن الساطور وترفع أسس التعايش السلمي". (ص 52).

تياران متجاذبان
وطوال تاريخ الصراع مع العرب ظل تياران داخل المسرح السياسي الإسرائيلي يتجاذب بعضهما بعضا. التيار الأول يتمثل في المؤمنين بوحدة أرض الميعاد وعدم جواز التنازل عن قسم منها ولو لأجل السلام, وكانت لهؤلاء الغلبة طيلة الشطر الأطول من التاريخ الإسرائيلي, بن غوريون وغولدا مائير ومناحيم بيغن وإسحق شامير ونتنياهو, دون التعريج على المناصب المهمة الأخرى في السياسة الإسرائيلية.

 وهناك التيار الذي لا يختلف كثيرا عن هذا التيار, غير أنه يجد مصلحة جوهرية لإسرائيل في إحلال السلام بينها وبين جيرانها ولو تطلب ذلك التنازل عن قدر من الأرض, ومن هؤلاء موشيه شاريت, لاحقا في نهاية أيامه رابين, ولاحقا أيضا بيريز وباراك. وهكذا ظلت فرص السلام في المنطقة كلها مرهونة بالتجاذبات والمزايدات الحزبية والسياسية بين هذين التيارين.

المصدر : غير معروف

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة