الإرهاب والليبرالية

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
لم تكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر مجرد ضربة وجهت للقوة العظمى الوحيدة في الصميم فحسب، بل غدت مفصلا تاريخيا ومنعطفا أفرز الكثير من الظواهر، ولم تسبب تلك الهجمات أضرارا على صعيد الأرواح والممتلكات فقط، بل برزت فيما بعد أضرار أخرى من بينها الشعور الوطني المتعجرف في أميركا، والسياسة الخارجية العدوانية، والنظام الدولي المرعب الجديد.


-اسم الكتاب: الإرهاب والليبرالية
–المؤلف: بول بيرمان
-عدد الصفحات: 214
-الطبعة: الأولى 2003
الناشر: نورتون، نيويورك ولندن

ولم تنته آثار تلك الأحداث عند هذا الحد، بل أخذت تفرز ظواهر أخرى قد تكون أصغر حجما لكنها ليست أقل ضررا وإزعاجا، من بينها ردة الفعل السمجة التي باتت تظهر على صعيد الكتب والتحليلات.

والمقصود بهذا هو موجة الكتب المملة التي يمكن تسميتها بكتب "الحادي عشر من سبتمبر/أيلول" أو كتب "النظام الدولي الجديد"، التي ينشرها من باتوا يعرفون بـ "نقاد الثقافات" و"مؤرخو الأفكار" الذين يقدمون تفسيراتهم الشخصية لما حدث في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

مثل هذه الكتب تقدم للقارئ الكثير من الإدراك المتأخر والقليل من المعرفة، وتحاول أن تضع تلك الأحداث ضمن اتجاهات تاريخية واسعة ما كانت خافية على أحد بمن في ذلك مؤلفو تلك الكتب وقراؤها.

وأصبح من الصعب اليوم العثور على "مثقف" في الغرب امتنع لحد الآن عن الإدلاء بدلوه في هذا الموضوع، سواء من خلال بحث نشره أو ملاحظة عابرة أدلى بها. وفي كل تلك الإسهامات تطل من بين الكلمات تلك النبرة المتعالمة التي تقول للقارئ "ألم أقل لكم ذلك؟" ومن المؤسف أن كتاب "الإرهاب والليبرالية" الذي نحن بصدده الآن يقع ضمن هذه المجموعة من الكتب، إن لم يكن أسوأها.


يرى بيرمان أن الصراع الذي تخوضه الولايات المتحدة هو نفس الصراع الذي ظل محتدما عبر القرن الماضي ما بين الليبرالية والشمولية، والعالم الإسلامي هو الحلبة التي تدور عليها تلك الحرب في المرحلة الراهنة

الليبرالية والشمولية
ينتمي مؤلف الكتاب، بول بيرمان، إلى مجموعة نادرة من المعلقين، فهو ليبرالي مؤيد للحرب على العراق، وهو يقر بضيق الدائرة التي ينتمي إليها عندما يقول "لم يكن في البلاد كلها، أثناء حرب الخليج الأولى، أكثر من خمسة عشر أو عشرين شخصا يشاركونني موقفي كيساري ومؤيد للحرب في الوقت نفسه".

في كتابه "الإرهاب والليبرالية" يقدم بيرمان تحليله الخاص لتلك الاتجاهات في التاريخ القريب التي قادت إلى وقوع أحداث سبتمبر/أيلول بهدف وضع "بيان" لما يدعوه بـ "الإجراء التقدمي" ضد الإرهاب والديكتاتورية، أو بكلمة أخرى "التدخل الأميركي الليبرالي"، أي أنه يريد أن يدعو إلى "حرب على الإرهاب" بأجندة يسارية أخلاقية.

تتميز الطريقة التي يعتمدها المؤلف لتحقيق ذلك بدرجة عالية من الذكاء. فهو هنا يشرح وينتقد ظاهرة سياسية لا يملك أي ليبرالي إلا أن يعارضها ويؤيد بيرمان في نقدها ألا وهي ظاهرة الشمولية. ثم يجادل بأن "الإرهابيين الإسلاميين" والبعثيين الاشتراكيين هم التجسيد المعاصر للشمولية.

فالاثنان، كما يرى بيرمان، يعتمدان مفهوما تقديسيا للموت والقتل، وموقفا عدميا رومانسيا يكاد يكون أسطوريا في تمجيده للانتحار والتضحية والتدمير، وهو الموقف الذي يشترك فيه تنظيم القاعدة المعاصر مع أنظمة دول المحور الزائلة. فالطرفان يساهمان في إغناء تقاليد "الحركات الجماهيرية المهووسة بالموت" التي كتبت تاريخ العالم خلال السنوات المائة الماضية.

ويرى بيرمان أن الصراع الذي تخوضه الولايات المتحدة وحلفاؤها اليوم هو الصراع نفسه الذي ظل محتدما عبر القرن الماضي بين الليبرالية والشمولية. كما أن العالم الإسلامي هو الحلبة التي تدور عليها تلك الحرب في المرحلة الراهنة، وبالتالي فهو ليس سبب تلك الحرب أو مصدرها. ولهذا السبب ينبغي لحرب الرئيس الأميركي جورج بوش أن تستمر على أن يكون ذلك من أجل الأسباب الصحيحة وخدمة للقضية الليبرالية العظمى.

ثمة أوجه محقة في تفسير بيرمان للأحداث, لكنه لا يقدم لنا الكثير من المساعدة لفهم وموضعة وتفسير إطار الأحداث والآراء التي يقدمها إذ يكتفي بتقريرها. وكتابه "الإرهاب والليبرالية" عبارة عن عرض لأفكاره الخاصة وليس دفاعا منطقيا ومتماسكا عنها.

أما طريقته في التدرج بمواضيعه فتقوم على إطلاق التعميمات والادعاءات "الشمولية" مرفقة بشعارات لا خلاف عليها وجذابة. يضاف إلى ذلك أن بيرمان، في المقام الأول، مؤرخ رديء، ينساق باستمرار إلى استخدام الكليشيهات المملة حول الماضي، وهو أمر لا يعزز ثقة القارئ في سلامة الآراء المتعجلة التي يطلقها.

لكن بيرمان يبذل محاولة جادة لإظهار الصلات التي تربط ما بين شمولية منتصف القرن العشرين والإسلاميين الذين يرى أنهم قد ورثوا تلك الشمولية اليوم. ونجده هنا يشير إلى تأثير ستالين على الأعضاء المؤسسين لحزب البعث، وإلى الترحيب الذي يلاقيه أعضاء الأحزاب النازية في أرجاء معينة من العالم العربي. لكنه يخلص من ذلك إلى استنتاج غير مقنع يفيد بأن الأنظمة الفاسدة تشابه الأنظمة الفاسدة الأخرى وتعجب بها.


بيرمان يؤيد سياسة الرئيس بوش وشلته من المحافظين في إيمانهم بأن ما يصلح لأميركا يجب أن يصلح للعالم أجمع، بغض النظر عن كل الكلام عن "الحريات" الذي يغلفون به هذه القناعة

الفاشية و"الإرهاب الإسلامي"
العلاقة الأخرى التي يجدها بيرمان بين الأيديولوجية الفاشية وأيديولوجية "الإرهاب الإسلامي" تقدم ضمن مناقشة مطولة لأعمال المفكر الإسلامي سيد قطب. وليس من الواضح تماما ما الذي يسعى بيرمان إلى إثباته من الإشارة إلى أعمال قطب التي يحيرنا رأيه فيها، فهو من ناحية لا يخفي إعجابه بها, ومن ناحية ثانية يستمر في إدانتها بكل قوة.

فبيرمان يقول إن كتابات قطب متأنقة، ورحبة، وقد أسيء فهمها. ويرى أن المبادئ النبيلة التي نادى بها قطب قد شُوهت وأحيلت إلى أيديولوجية للقتل. ويشير بشكل خاص في هذا المجال إلى ادعاء قطب بأن التقسيم الغربي للعالم إلى "قدسي" و"دنيوي" ليس سوى "شيزوفرينيا شائنة" تنبغي محاربتها عن طريق الجهاد الإسلامي الذي سيعيد كل شيء إلى الله. وإلى هذه الفكرة حول "شيزوفرينيا" الغرب يعود التناحر الراهن بين الإسلاميين المعاصرين والليبرالية، تماما كما كانت عليه الحال مع الشمولية. ولا يفوت المؤلف هنا أن يشير إلى أن أسامة بن لادن كان تلميذا لسيد قطب. لكنه يذكر أيضا، أن طروحات قطب، رغم كل ما حفلت به من عنف، كانت بعيدة عن الفاشية.

ولا شك أن مناقشة بيرمان لأفكار سيد قطب شيقة ومفيدة لكنها، في نهاية المطاف، لا تعزز نظريته المركزية القائلة بأن "الإرهاب الإسلامي" والشمولية ليسا سوى وجهين مختلفين لنفس العملة المعادية لليبرالية. صحيح أن الطرفين قد حملا العديد من الآراء المناوئة لليبرالية ومن بينها فكرة "الشيزوفرينيا" التي سبقت الإشارة إليها، لكن ذلك لم يقتصر عليهما وحدهما بل شاركهما فيه حتى الكثير من الليبراليين كما يتجلى في حالة بيرمان نفسه.

كتاب بيرمان أنيق في شكله الظاهري وغلافه, وكذلك شيق وناجح في طريقة كتابته إذ يمتلك المؤلف لغة جميلة. والذين تولوا الترويج للكتاب وصفوا أسلوبه بأنه "باهر". لكنهم لو توخوا الدقة لكان أجدر بهم القول بأنه "باهر بإسرافه". فأسلوب المؤلف يتراوح ما بين التفخيم المبالغ فيه، مثل قوله "في جميع أرجاء العالم كانت الأفئدة تخفق واجفة بانتظار الإنجاز الآتي"، والتزويق المباشر كما في "أولئك الزعماء كانوا آلهة […] كان كل واحد منهم إلها يبهر أتباعه من المؤمنين به […] جبار كلي القدرة، بطل مخضب اليدين بالدماء، زعيم تتضاءل إزاء رباطة جأشه قيم الموت والحياة".

يضاف إلى ذلك ولع بيرمان بصياغة تأملاته في قالب من النثر الأدبي المكتفي بنفسه والعازف عمدا عن الإسناد المرجعي والمحاجة الدامغة. وفي هذا الإطار لا يبدو مستغربا أن يبث المؤلف بين السطور الكثير من الإلماحات إلى أعمال أدبية أخرى. أما ما يستخلصه القارئ من كل هذا فهو أن بيرمان الناقد ليس أفضل من بيرمان المؤرخ.

من المؤسف أن يضطر المرء إلى أن يكيل كل هذه الانتقادات لعمل حاول بحسن نية أن يخلع مظهرا أخلاقيا على الحرب ضد الإرهاب، ولكن يبدو أن الإجهاد يضر بالملكة الذهنية. ولا شك في أن المجهود الكبير الذي تكبده بيرمان في التوفيق بين كونه ليبراليا وكونه مؤيدا للحرب معا قد استنفد قدراته النقدية. فهذا الكتاب الضحل المفتقر إلى الحجة والتحليل ليس في حقيقته إلا محاولة ذاتية للتعويض عن الإحساس بعدم الارتياح من جانب المؤلف للسياسة الخارجية العدوانية التي يصطف وراءها.


الليبرالية بين الديمقراطية والإمبريالية
أما السبب الذي يدفع بيرمان إلى تأييد تلك السياسة فهو اشتراكه مع الرئيس بوش وشلته من المحافظين في إيمانهم بأن ما يصلح لأميركا يجب أن يصلح للعالم أجمع، بغض النظر عن كل الكلام عن "الحريات" الذي يغلفون به هذه القناعة.

يوجز المؤلف هذا الرأي الذي يجمعه ببوش ورفاقه بالتساؤل "هل الحريات الغربية حكر على الغربيين؟" ثم يضيف موضحا "ما من أحد يعتقد أن نفط الشرق الأوسط حكر على الشرق أوسطيين". لكن بيرمان بهذا لا يمثل الليبراليين الذين تعتقد غالبيتهم العظمى أنه حين يتعلق الأمر بالحريات أو مصادر الطاقة فإن أفضل ما يمكن أن يحدث هو أن تقوم الدول المعنية بإجراءات صائبة وخلاقة لاستثمار مواردها الخاصة على أكمل وجه.

وختاماً, فإن كان هناك فضيلة يمكن نسبتها لكتاب بيرمان فهي كشفه لمأزق الليبرالية العالمية الممزقة بين الدعوة العالمية لنشر الحريات والديمقراطية, والحيرة إزاء الاختطاف الراهن للشعار الليبرالي من قبل المحافظين الجدد الذين يزعمون أنهم يريدون نشر الليبرالية بالقوة العسكرية والإمبريالية إن لزم الأمر.

المصدر : غير معروف

المزيد من تيارات واتجاهات
الأكثر قراءة