أمن الخليج: من غزو الكويت إلى غزو العراق

عرض/ إبراهيم غرايبة
تتمتع دول الخليج بموقع استراتيجي وثروة نفطية، ولكنها تعاني من فقر في الموارد البشرية، وتعاني بسبب ذلك من هاجس أمني يستنزف مواردها ويضغط على قرارها، ويؤثر على سيادتها الوطنية.

وفي كتابها "أمن الخليج: من غزو الكويت إلى غزو العراق" تقول نصرة البستكي إن علاقة النخب الحاكمة في دول مجلس التعاون الخليجي مع العالم أجمع استمرت قائمة وودية في إطار تحالف استراتيجي قائم على معادلة الأمن مقابل النفط، وتمكنت النظم الخليجية من الاستفادة من علاقاتها مع العالم العربي في حماية استقرارها الداخلي رغم ما واجهته من مخاطر محلية وإقليمية، ولكن الاستناد إلى علاقة المنفعة المتبادلة دون عمق حضاري وقومي جعلها محكومة بحزمة من العوامل تخرج عن حدود السيطرة الخليجية، ومن أبرز هذه العوامل شكل النظام الدولي القائم، والتوجهات التي تحكمه، وحالة الاقتصاد العالمي ومدى حاجة القوى الكبرى فيه للنفط.


-اسم الكتاب: أمن الخليج: من غزو الكويت إلى غزو العراق
–المؤلفة: نصرة البستكي
-عدد الصفحات: 267
-الطبعة:
الأولى 2003
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

والحقيقة أن دول الخليج أدركت خطورة هذا الوضع، فسعت إلى إقامة كيان سياسي اقتصادي يمكنها من التعامل مع المتغيرات العالمية، ويكون أداة إقليمية تساعد في تحقيق الأمن، فكان تأسيس مجلس التعاون الخليجي، ولكن تجربة هذا المجلس بعد 22 عاما من تأسيسه لم تمض في الاتجاه النظري المتوقع لها، وقد كشفت التجربة عن جوانب خلل كثيرة فيه، فقد عجز المجلس عن مواجهة أي من الأخطار التي تعرضت لها المنطقة، واضطر إلى تغيير مواقفه المبدئية أكثر من مرة.

ويجمع بين دول الخليج مجموعة عوامل داخلية تدعو إلى إقامة مجلس تعاون بينها، مثل: التشابه الكبير في التاريخ والثقافة، والموقع، والموارد النفطية، وتشابه الأنظمة السياسية، والاعتماد على العمالة الوافدة، والظروف المناخية.

ولكن مجموعة من التحولات الإقليمية والدولية هي التي عجلت إقامة مجلس التعاون الخليجي، ومنها الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وغياب مصر عن النظام العربي الإقليمي، والحرب العراقية الإيرانية، والغزو السوفييتي لأفغانستان.


أدت أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 إلى تغيير بعض المفاهيم الاستراتيجية بعد دخول دول الخليج في الحلف الأميركي لمحاربة الإرهاب واحتلال العراق

الاستراتيجية الأميركية في الخليج
تعتبر الولايات المتحدة الخليج منطقة أمن ومصالح أميركية، ويعبر عن ذلك مجموعة من المبادئ الأميركية لحماية مصالحها في الخليج، مثل: مبدأ نيكسون الذي يهدف إلى قطع السبل أمام الزحف السوفيتي نحو الخليج بالاعتماد على قوى إقليمية مثل إيران قبل الثورة الإسلامية فيها عام 1979، وقد مارست إيران تحت حكم الشاه دور الشرطي الأميركي في منطقة الخليج، وشكلت قاعدة عسكرية للأميركان في مواجهة السوفييت.

واعتمدت الاستراتيجية الأميركية بعد فشل مشروع نيكسون في توفير الأمن في الخليج مبدأ كارتر الذي أعلنته الإدارة الأميركية في أعقاب الغزو السوفيتي لأفغانستان، وينص على الأهمية الحيوية والاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي في السياسة العالمية للولايات المتحدة وعلى تصميمها على الدفاع عن منطقة الخليج ومنع وقوعها في يد معادية لها.

وأدت أحداث سبتمبر/ أيلول عام 2001 إلى تغيير بعض المفاهيم الاستراتيجية بعد دخول دول الخليج في الحلف الأميركي لمحاربة الإرهاب واحتلال العراق، وأدى ذلك إلى إدخال اليمن في منظومة مجلس التعاون الخليجي لتشارك جزئيا في بعض فعاليات ولجان المجلس، ومن المتوقع دخول اليمن بعضوية كاملة، وربما يدخل العراق أيضا برعاية أميركية.

الأداء الأمني لمجلس التعاون الخليجي
يتضح عجز مجلس التعاون الخليجي وفشله في رأي المؤلفة في عدد من المؤشرات والأزمات، وهي:

1- تسوية المنازعات الحدودية: فقد عطلت هذه النزاعات عمل المجلس، وهيأت الظروف لتدخلات خارجية، وأفقدت هذه النزاعات المجلس أهم وظائفه كمنظمة إقليمية، وهي تسوية النزاعات التي تنشأ بين أعضائه، وكان من هذه الخلافات: الخلاف السعودي القطري، والخلاف القطري البحريني.

2- الحرب العراقية الإيرانية: فقد عجز المجلس عن التعامل المستقل مع هذه الحرب، وقررت الدول الخليجية الوقوف إلى جانب العراق، وعندما اشتدت الاعتداءات على ناقلات النفط في الخليج تقدمت الكويت بعرض لواشنطن تطلب فيه نقل نفطها على ناقلات أميركية، ولكن الولايات المتحدة رفضت العرض مؤملة أن تعقد اتفاقا أمنيا مع الكويت وليس مجرد اتفاق تجاري، فتقدمت الكويت بالعرض نفسه إلى السوفيت الذين قدموا للكويت ثلاث ناقلات نفطية، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تقديم عرض للكويت بتسجيل جميع ناقلات النفط الكويتية لديها.

3- الغزو العراقي للكويت: فلم يقتصر عجز المجلس على تسوية النزاع قبل تطوره على هذا النحو بين العراق والكويت، وإنما امتد إلى عدم قدرته على تقدير مساره، ومعالجة تداعياته على النحو الذي يبعد المنطقة عن الصراع العالمي.


الولايات المتحدة أصبحت مع نهاية عام 1991 المسؤول الأول عن حماية أمن الخليج بعدما احتوته عسكريا وسياسيا، وتراجع الدور العربي تراجعا حادا

أمن دول الخليج وتركيبتها السكانية
تعاني دول الخليج من خلل كبير في تركيبتها السكانية يؤثر على قدرتها في مجال الدفاع الجماعي، فهي دول قليلة السكان بالمقارنة بإيران والعراق، ويشكل الوافدون نسبة كبيرة فيها، فمواردها البشرية لا تساعدها على تلبية احتياجاتها الأمنية والدفاعية، ويعيش فيها أقليات لا ترغب الحكومات الخليجية في دمجها في المنظومة الأمنية لها، ويعاني المواطنون في دول الخليج من نسبة عالية من الأمية تعوق التوظيف الفعال لمواردها البشرية وقدرتها على استيعاب التقنيات المتقدمة في الأمن والإدارة والدفاع، وظلت جيوشها تعتمد عل القوات الخارجية والوافدين من جنسيات مختلفة.

والمؤسسات العسكرية في دول الخليج هي امتداد لحكم العشائر، فيحكمها ويسيطر عليها أهم الأفراد في الأسر المالكة، ويقتصر التوظيف في الجيش على عائلات معينة تدخل فيها حسابات العشائر والقبائل والولاء للأسر الحاكمة، وربما كان ذلك من أهم معوقات تكوين جيش خليجي موحد.

وبعد حرب الخليج الثانية وقعت دول الخليج بالمشاركة مع مصر وسوريا إعلان دمشق والذي نص على وجود قوات مصرية وسورية في منطقة الخليج تكون نواة لقوات سلام عربية لضمان أمن دول المنطقة وسلامتها، ولكن هذا الإعلان دفن في مهده بسبب الرفض الأميركي لأي دور مصري أو سوري في المنطقة.

والواقع أن الولايات المتحدة أصبحت مع نهاية عام 1991 المسؤول الأول عن حماية أمن الخليج بعدما احتوته عسكريا وسياسيا، وتراجع الدور العربي تراجعا حادا، وأصرت دول الخليج على تجاهل الجانب العسكري في تجربتها التعاونية.

دول الخليج وتحديات 11 سبتمبر/ أيلول
كان من أهم تداعيات أحداث 11 سبتمبر/ أيلول التحضير الفعلي لاحتلال العراق، والتحولات الداخلية في الدول العربية والدول الخليجية خاصة، وتعرضت بعض الدول وخاصة السعودية واليمن لضغوطات أميركية من أجل ملاحقة أتباع ومؤيدي شبكة القاعدة.
وربما كان من أخطر تداعيات الأحداث على نحو مباشر تكثيف الوجود العسكري الأميركي في الخليج حتى صار الأمر أقرب إلى السيطرة والحصار الكامل.

وتعرضت العلاقات السعودية الأميركية إلى أزمة حادة تصاعدت إلى وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية والتحليلات السياسية، والواقع أن الأزمة السعودية الأميركية قد بدأت منذ عام 1996، عندما رفضت السعودية مشاركة أميركية في التحقيق في أحداث الرياض والخبر التي استهدفت جنودا أميركيين في المنطقة، ولكنها أخذت بعدا كبيرا ومؤثرا بعد أحداث سبتمبر، وربما أرادت الولايات المتحدة بهذا التصعيد أن توافق السعودية على مزيد من التدخلات الأميركية في التحقيقات الأمنية والحضور العسكري.

وكان لانتماء معظم أعضاء القاعدة وقياداتها إلى الدول الخليجية واليمن أثر إعلامي وسياسي كبير في استعداء الرأي العام واستفزاز الإعلام ضد السعودية خاصة واليمن والدول الخليجية والعربية عامة.

وتباينت مواقف الدول الخليجية تجاه الحملة الأميركية على ما اعتبرته إرهابا، فقد عارضت السعودية الاندفاع الأميركي وطالبت بالتحقيق والتروي، ولفتت بوضوح وعلانية إلى الموقف الأميركي المنحاز في القضية الفلسطينية والذي أدى إلى احتقان الشارع السياسي العربي والإسلامي واستعدائه.

وفي الوقت الذي أعلنت البحرين استعدادها للتعاون التام مع الولايات المتحدة والمشاركة معها أعلنت السعودية رفضها لفتح قواعدها العسكرية للقوات الأميركية، وأعلن الاجتماع الوزاري الطارئ لمجلس التعاون والذي انعقد بمناسبة الأحداث رفضه استغلال هذه الأحداث في الإساءة إلى العرب والمسلمين، ودعا إلى أن يكون التحرك ضد الإرهاب محدد الأهداف.

وربما تكون منطقة الخليج بعد أحداث سبتمبر واحتلال العراق قد تعرض مستقبلها لترتيبات أمنية وسياسية جديدة تغير من أهميتها وموقعها النسبي في السياسة العالمية.
وتعرضت دول الخليج بسبب أحداث سبتمبر لخسائر اقتصادية بسبب انخفاض قيمة الأسهم الأميركية والتي تساهم الاستثمارات الخليجية فيها بنحو (800) مليار دولار، وتراجعت الاستثمارات الأميركية في المنطقة، وتحملت دول الخليج كلفة إضافية في التسهيلات التي تقدمها للقوات الأميركية الموجودة فيها.


أدت حرب الخليج الثانية وتداعياتها إلى تحولات كبيرة في المواقف والسياسات الخليجية، فقد شهدت توترات سياسية داخلية حادة، وتصاعدت وتيرة المطالبة الشعبية بالمشاركة في رسم مستقبل البلاد

رؤية شاملة للموقف
قدمت المؤلفة في ختام دراستها مجموعة من الحقائق والنتائج التي توصلت إليها، وسيكون مفيدا استيعابها في هذا العرض مع مخافة التكرار.

تمتلك منطقة الخليج موقعا استراتيجيا مهما في النقل البحري والتواصل بين أجزاء العالم، وفي القوة العسكرية والاستراتيجية، وأهم من ذلك أنها تمتلك مخزونا نفطيا هائلا يعتمد عليه العالم.

ولم يعكس مجلس التعاون الخليجي في عمله ولجانه أهمية المنطقة ولم يعزز دورها، ولم يتحرك تجاه الأهداف النظرية التي بررت تأسيسه عام 1981، فقد فشل المجلس في ترتيب أمن الخليج، وفي تسوية النزاعات القائمة في المنطقة، وفي تكوين قوة عسكرية فعالة.

وقد أدت حرب الخليج الثانية وتداعياتها إلى تحولات كبيرة في المواقف والسياسات الخليجية، فقد شهدت توترات سياسية داخلية حادة، وتصاعدت وتيرة المطالبة الشعبية بالمشاركة في رسم مستقبل البلاد.

وزادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول من حضور قضايا حقوق الإنسان ودور المرأة، والمطالبة بإقامة أنظمة سياسية ديمقراطية، وإجراء انتخابات شعبية وتكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات.

وشهدت السياسة الإيرانية تحولات محيرة ربما لم يتحقق فهمها وتقديرها بعد، فهي تبدو وكأنها تعاونت مع الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، ولكنها في الوقت نفسه تبدو على خلاف كبير مع الولايات المتحدة، وتبدو مهددة ومتهمة برعاية الإرهاب والسعي لحيازة أسلحة دمار شامل.

وتعرضت السعودية خاصة إلى حملة غربية واسعة وشرسة استهدفت مواقفها وسياساتها والأوضاع الداخلية فيها.

ويبدو أن أمن الخليج قد تحول إلى قشة في مهب الرياح الإقليمية والدولية، وكان للسلوك الفردي من بعض الدول الخليجية في الترتيبات الأمنية ضرر كبير على مجلس التعاون الخليجي وعلى الهوية الوطنية في دول الخليج التي قد تتجه بفعل هذه الترتيبات إلى قطيعة مع الولاءات العربية والإسلامية التي كانت عصب الوعي السياسي والنسيج الاجتماعي عبر التاريخ.

المصدر : غير معروف

المزيد من إعلام ونشر
الأكثر قراءة