الاختيار.. السيطرة على العالم أم قيادة العالم

عرض/ إبراهيم غرايبة
في كتابه "الاختيار" يذكر مستشار الأمن القومي الأسبق بالولايات المتحدة زبيغنيو بريجنسكي الأميركيين بوجوب عدم الخلط بين قوتهم والقوة غير المحدودة، فرفاهية الولايات المتحدة الأميركية متشابكة مع رفاهية العالم، والانشغال الناجم عن الخوف بالأمن الأميركي المنعزل والتركيز الضيق على الإرهاب وعدم المبالاة بشواغل الإنسانية القلقة سياسيا لا يعزز الأمن الأميركي ولا يتوافق مع حاجة العالم الحقيقية للقيادة الأميركية، وما لم توفق الولايات المتحدة الأميركية بين قوتها الطاغية وجاذبيتها الاجتماعية المغوية والمضطربة في آن معا فقد تجد نفسها وحيدة وعرضة للهجوم فيما تشتد الفوضى العالمية.

الخريطة الإستراتيجية الجديدة

-اسم الكتاب: الاختيار السيطرة على العالم أم قيادة العالم
-المؤلف: زبيغنيو بريجنسكي
عدد الصفحات: 256
-الطبعة: الأولى 2004
الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت

يعتقد بريجنسكي أن القوة الأميركية أصبحت الضامن الأساسي للاستقرار العالمي، لكن المجتمع الأميركي يحفز الميول الاجتماعية العالمية التي تضعف السيادة الوطنية التقليدية، وتستطيع القوة الأميركية والقوى المحركة الاجتماعية الأميركية معا الحض على الظهور التدريجي لمجتمع عالمي ذي مصلحة مشتركة، وإذا ما اصطدمتا أو أسيء استخدامهما فقد يجران العالم نحو الفوضى وإلى حصار الولايات المتحدة الأميركية.

لقد تفردت الولايات المتحدة بقوة عسكرية واقتصادية وتقنية وجاذبية عالمية ثقافية، ووفرت هذه العناصر لها أهمية سياسية عالمية لا نظير لها، وأصبحت في جميع الأحوال ضابط الإيقاع العالمي، وما من منافس لها على المدى المنظور.

ربما تكون أوروبا منافسا اقتصاديا، ولكن سيمر وقت قبل أن تحقق أوروبا قدرا من الوحدة التي تمكنها من المنافسة السياسية، وخرجت كل من الصين وروسيا من المنافسة، ولا يتوقع أن القوة الاقتصادية المتنامية للصين سوف تمكنها من المنافسة قبل انقضاء جيلين على الأقل.

وهكذا لا يوجد بديل واقعي للهيمنة الأميركية السائدة ودورها باعتبارها العنصر الذي لا غنى عنه للأمن العالمي، وفي الوقت نفسه تمهد الديمقراطية الأميركية الطريق لتغيرات اقتصادية وثقافية وتكنولوجية تعزز الاتصالات البينية داخل الحدود القومية وخارجها، وهذه التغييرات يمكن أن تزعزع الاستقرار الذي تسعى القوة الأميركية إلى ضمانه، بل أن تولد العداء لكل ما هو أميركي.

ومن المفارقات المهمة في دراسة القوة الأميركية أنها تواجه تهديدات من قوى أضعف منها بكثير، كما أن حالة العداء الشديد المحيطة بالولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تشجع المنافسين التقليديين على التحريض على ضربها، وإن كانوا هم (المنافسون التقليديون) شديدي الحذر في المجازفة بالتصادم المباشر مع أميركا.


يجب أن يبدأ السعي وراء سياسة خارجية حكيمة تدرك أن العولمة تعني في جوهرها التكافل العالمي

تحتاج الولايات المتحدة الأميركية لتحقيق توازن دقيق بين التعاون العالمي المتعدد الأطراف وممارسة السلطة العليا التي تبعدها عن الخمول الاستراتيجي والعزلة الذاتية ورهاب الارتياب القومي والكراهية العالمية.

إن الولايات المتحدة الأميركية القلقة المهووسة بأمنها الخاص يمكن أن تجد نفسها منعزلة في عالم عدائي، وإذا ما أفلت سعيها وراء الأمن الأحادي من عقاله فقد يحولها إلى حصن عسكري متشرب لذهنية الحصار.

وقد تزامنت نهاية الحرب الباردة مع انتشار واسع للمعرفة التقنية والقدرة اللازمة لصنع أسلحة الدمار الشامل بين البلدان وربما مجموعات سياسية ذات دوافع إرهابية.

يشعر الجمهور الأميركي بقلق يفوق حالة الرعب من المواجهة المدمرة مع الاتحاد السوفياتي التي كانت تشبه حالة العقربين في الزجاجة بسبب العنف المتسرب والعمليات الإرهابية وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وفي هذا الجو من عدم الوضوح السياسي والملتبس من الناحية الأخلاقية أحيانا والمربك لجهة عدم إمكانية التكهن السياسي غالبا.

وخلافا للقوة المسيطرة السابقة تعمل الولايات المتحدة الأميركية في عالم يشتد فيه الجوار وتقوى أواصر الألفة، فالقوى الامبراطورية السابقة مثل بريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر أو الصين في مراحل مختلفة من تاريخها الممتد آلافا من السنين أو روما خلال 500 عام لم تكن تتأثر نسبيا بالتهديدات الخارجية، فقد كان العالم الذي تسيطر عليه مقسما إلى أجزاء منفصلة لا يتفاعل بعضها مع بعض، وكانت المسافة والزمن يوفران متنفسا ويعززان أمن الوطن، وبالمقابل ربما تكون الولايات المتحدة الأميركية فريدة في قوتها في المنظور العالمي، ولكن أمنها الداخلي مهدد على نحو فريد أيضا، وقد يكون اضطرارها إلى العيش في مثل هذا الجو من انعدام الأمن حالة مزمنة على الأرجح.

وهكذا نجد أن السؤال الأساسي يدور حول ما إذا كان بوسع الولايات المتحدة الأميركية أن تتبع سياسة خارجية حكيمة ومسؤولة وفعالة وتتجنب مخاطر ذهنية الحصار وتتماشى في الوقت نفسه مع المكانة التاريخية الفريدة لها بوصفها القوة العظمى في العالم.

البيئة المحيطة بالإستراتيجية القادمة


أوجد احتلال العراق تناقضا مربكا، فلم يسبق أن كانت القدرات العسكرية الأميركية العالمية بهذا القدر من المصداقية لكن المصداقية السياسية العالمية لم تكن بهذا القدر من التدني

يجب أن يبدأ السعي وراء سياسة خارجية حكيمة تدرك أن "العولمة" تعني في جوهرها التكافل العالمي، ومثل هذا التكافل لا يضمن المساواة في المكانة ولا حتى المساواة في الأمن بين جميع الدول، لكنه يعني أنه ما من دولة تتمتع بالمناعة الكاملة من عواقب الثورة التكنولوجية التي زادت بدرجة كبيرة من قدرة الإنسان على ارتكاب أعمال العنف، ومع ذلك عززت أواصر الصلة التي تجمع على نحو متزايد بين البشر.

إن مسألة السياسة المركزية التي تواجه الولايات المتحدة الأميركية هي "ما غرض الهيمنة؟" يكمن الرهان على ما إذا كانت الأمة ستسعى لصياغة نظام عالم جديد يقوم على مصالح مشتركة، أم ستستخدم قوتها المطلقة في الدرجة الأولى لتحصين أمنها الخاص في الدرجة الأولى.

وهنا يمكن تقديم مجموعة من الأسئلة التي تبحث عن إجابة، مثل:

ما التهديدات الرئيسية التي تواجه الولايات المتحدة الأميركية؟ هل يحق للولايات المتحدة الأميركية الحصول على أمن أكثر من الأمم الأخرى بالنظر إلى مكانتها المهيمنة؟ كيف ينبغي أن تواجه الولايات المتحدة التهديدات المهلكة المحتملة التي تصدر على نحو متزايد عن أعداء ضعفاء لا منافسين أقوياء؟ هل تستطيع الولايات المتحدة أن تدير إدارة بناءة علاقاتها على المدى البعيد بالعالم الإسلامي الذي ينظر العديد من أبنائه والبالغ عددهم 1.2 مليار نسمة إلى الولايات المتحدة الأميركية على أنها العدو اللدود؟

هل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية العمل بحسم على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بالنظر إلى مطالب الطرفين المتداخلة في آن معا بالأرض ذاتها؟

ماذا يلزم لإيجاد الاستقرار السياسي في "بلاد البلقان العالمية" الجديدة المتقلبة والواقعة في الحافة الجنوبية لأوراسيا الوسطى؟

هل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية تأسيس شراكة حقيقية مع أوروبا، بالنظر إلى تقدم أوروبا البطيء نحو الوحدة السياسية وتزايد قوتها الاقتصادية؟

هل يمكن ضم روسيا التي لم تعد منافسة للولايات المتحدة الأميركية إلى إطار أطلسي بقيادتها؟

ما الدور الذي يمكن أن تمارسه الولايات المتحدة الأميركية في منطقة الشرق الأقصى، بالنظر إلى استمرار اعتماد اليابان وإن بتردد على الولايات المتحدة فضلا عن تنامي قوتها العسكرية بهدوء، وبالنظر أيضا إلى تنامي القوة الصينية؟

ما مدى احتمال أن تؤدي العولمة إلى ولادة مذهب معاكس أو تحالف معارض متماسك يواجه الولايات المتحدة الأميركية؟

هل ستكون الديموغرافيا والهجرة تهديدين جديدين للاستقرار العالمي؟

هل تتوافق الثقافة الأميركية مع المسؤولية الإمبريالية بالضرورة؟
كيف ينبغي أن تستجيب الولايات المتحدة الأميركية لبروز عدم المساواة في القضايا الإنسانية، وهي مسألة تعجل الثورة العلمية الحالية في ظهورها وتزيد العولمة من حدتها؟

هل تتوافق الديمقراطية الأميركية مع دور الهيمنة السياسية مهما كان الحرص على تمويه تلك الهيمنة؟ وكيف ستؤثر الضرورات الأمنية لذلك الدور الخاص على الحقوق المدنية التقليدية؟

السيطرة أم القيادة؟


يتعين أن يكون أمن الشعب الأميركي الهدف الأول للسياسة الأميركية العالمية لكن الأمن القومي المنفرد وهم خرافي

سيؤول كل شيء إلى الزوال، والهيمنة ما هي إلا مرحلة تاريخية عابرة، ولاحقا إن لم يكن قريبا جدا سوف تتلاشى السيطرة العالمية للولايات المتحدة الأميركية، ولذلك فليس مبكرا على الأميركيين السعي إلى تحديد شكل الميراث النهائي لهيمنتهم.

تتعلق الخيارات الحقيقية بالكيفية التي يجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تمارس هيمنتها وفقها، وكيف يمكن تقاسم هذه الهيمنة ومع من؟ وإلى أي أهداف نهائية ينبغي تكريسها؟ ما الغرض المحوري للقيادة العالمية غير المسبوقة للولايات المتحدة الأميركية؟

يتعين أن يكون أمن الشعب الأميركي الهدف الأول للسياسة الأميركية العالمية، لكن الأمن القومي المنفرد وهم خرافي، فيتعين أن يتضمن السعي وراء الأمن جهودا تبذل من أجل جمع دعم عالمي واسع، وبخلاف ذلك يمكن أن يتحول الاستياء إلى تهديد متعاظم لأمن الولايات المتحدة الأميركية.

وفي غضون السنتين اللتين تلتا أحداث 11 أيلول/ سبتمبر بدأ التضامن العالمي الابتدائي مع الولايات المتحدة الأميركية بالتحول على نحو متزايد إلى عزلة أميركية، في حين تراجع التعاطف العالمي أمام الشكوك الواسعة الانتشار بالدوافع الحقيقية لاستخدام القوة الأميركية.

لقد أوجد احتلال العراق تناقضا مربكا، فلم يسبق أن كانت القدرات العسكرية الأميركية العالمية بهذا القدر من المصداقية، لكن المصداقية السياسية العالمية لم تكن بهذا القدر من التدني، واتضح أن تبرير شن الحرب على العراق لم يكن صحيحا، وهذا ما ألحق الضرر بالموقف الأميركي العالمي، لا أمام اليسار الأميركي المعادي للولايات المتحدة باستمرار بل أمام اليمين أيضا، وبما أن الشرعية الدولية تنبع بدرجة كبيرة من الثقة فلا ينبغي أن ينظر إلى الأضرار التي لحقت بالموقف العالمي للولايات المتحدة الأميركية على أنها تافهة.

إن التركيز الأساسي على الإرهاب جذاب سياسيا على المدى القصير، فهو يتميز بالبساطة وبتضخيم عدو مجهول واستغلال المخاوف الغامضة يمكن من حشد الدعم الشعبي، لكن الاعتماد على ذلك كإستراتيجية بعيدة المدى يفتقر إلى القوة المستمرة، ويمكن أن يكون باعثا على التقسيم على الصعيد الدولي، ويمكنه أن يولد جوا من عدم التسامح مع الآخرين ويطلق العنان للعواطف العصبية، ويمكنه أن يخدم كنقطة لوصف الولايات المتحدة الأميركية الاعتباطي للدول الأخرى بالخارجة على القانون، ونتيجة لذلك فإنه يشكل خطرا من أن تصبح صورة الولايات المتحدة الأميركية في الخارج منهمكة في شؤونها الخاصة، وتكسب الأيديولوجيات المعادية للولايات المتحدة الأميركية مصداقية دولية بتسمية أميركا بأنها شرطي بلدي عين نفسه بنفسه.

أدى الجمع بين الاستنتاجات الإستراتيجية الثلاثة المستخلصة من تعريف الإرهاب بأنه التهديد المركزي للأمن الأميركي، أي كل من ليس معنا فهو ضدنا، وأن الاستباق والتدخل العسكري مبرران، وأنه يمكن أن تحل مكان التحالفات الدائمة تحالفات خاصة إلى إثارة قلق واسع في الخارج، فالأول ينظر إليه على أنه استقطاب خطر، والثاني ينظر إليه على أنه لا يمكن التنبؤ به من الناحية الإستراتيجية، والثالث مثير للاضطرابات من الناحية السياسية، وباجتماعها معا تسهم في تقديم صورة عن الولايات المتحدة الأميركية بأنها قوة عظمى تتزايد اعتباطية.

المصدر : الجزيرة

المزيد من إعلام ونشر
الأكثر قراءة