غابات بورنيو.. قبائل قلقة على الأرض والثقافة

مسارات خشبية طويلة وسط الغابات لحماية السياح والمغامرين من خطر الزواحف (الجزيرة)
مسارات خشبية طويلة وسط الغابات لحماية السياح والمغامرين من خطر الزواحف (الجزيرة)

سامر علاوي – ساراواك

ربما يكون التنوع الأحيائي أكثر ما يثير الانبهار في محمية "قلب بورنيو"، إحدى أكبر المحميات الطبيعية في العالم، التي تقع في جزيرة بورنيو وتتقاسمها ماليزيا وإندونيسيا وبروناي ودار السلام.

ومع أن الجزيرة تشكل 1% من مساحة اليابسة فإنها تضم 6% من الكائنات النباتية والحيوانية في العالم، كما أنها الرئة التي يتنفس بها أكثر من 11 مليون نسمة يعيشون في جزيرة بورنيو وتشكل الغابات مصدر رزق رئيسيا لهم.

بقيت الحياة تدب في كهوف نياه الضخمة حتى سبعينيات القرن الماضي، حيث كان تجار صينيون يصلون إلى تلك المنطقة في الأدغال الاستوائية ليتبادلوا مع سكانها البدائيين بضائعهم بالمقايضة، دون استخدام المال في البيع والشراء، وتشكل أعشاش الوطاويط أبرز ما يتم شراؤه من سكان الغابات، حيث يستفاد منها في طبخ حساء يستخدمه الصينيون في العلاج حتى الآن، ويشترونه بأثمان باهظة.

وقد عثر في هذه الكهوف على جمجمة قدر عمرها بنحو أربعين ألف سنة، وآثار حياة تعود إلى العصر الحجري، لتعتبر بذلك كهوف نياه أقدم مكان عرفت فيه الحياة البشرية في جنوب شرقي آسيا.

وفي إطار مبادرة منتدى التواصل العالمي "غلوبكوم" للتعريف بالمخاطر المحيطة بغابات بورنيو وسكانها الأصليين، كان على عشرات الطلاب السير على الأقدام مدة ساعتين للوصول إلى هذه الكهوف التاريخية.

محمية نياه في سارواك بماليزيا وتحذير من خطر التماسيح (الجزيرة)

أما المفارقة فهي أن هذه المسارات الطويلة بنيت من خشب الغابة المراد حمايتها، كي تحمي السياح من الزواحف ولا سيما الأفاعي، مما دفع الطالب في جامعة كارتين الأسترالية هميون بابر إلى التأكيد على دور مشترك للمنظمات غير الحكومية للحفاظ على الغابات، التي قال إنه لم يشاهد مثيلا لها.

أما تينا سافدار الطالبة الأميركية من جامعة إيميرسون بولاية بوسطن فتعرب عن دهشتها مما شاهدته من تنوع نباتي وحيواني يصل إلى 16 ألف نوع في المحمية الطبيعية، وفي الوقت نفسه تعرب عن قلقها من تسارع دمار الغابات في العقود الأخيرة وفقدان الحياة البرية لمواطنها الأصلي.

رغم أن مسابقة نهاية موسم الحصاد تقتضي حكم الجمهور على أطيب ما تنتجه أسر البيوت الطويلة من خمر الأرز فإنني لم أتذوق طعمه، وقد عرضت الأسر عينات من إنتاجها من خمر الأرز وسط ممر طويل ينفتح عليه نحو 120 بابا، كل منها لأسرة منفصلة، في مشهد يمزج بين نظريتي الاشتراكية وفطرة حب الملكية.

معلم آخر يبدو جليا في تراث قبائل غابات بورنيو الذي تكافح للحفاظ عليه، ألا وهو الوشم، فإلى جانب اعتباره مصدر فخر بانتماء الفرد للقبيلة، فهو وسيلة للتمييز بين الصديق والعدو، وجميع الرسومات التي قد تغطي أجزاء كبيرة من الجسد مستوحاة من حياة الغابة، فوشم بطن الضفدع يشير إلى كثرة النقل وحب السفر، ولسان التمساح يشير إلى أحد الأزهار الاستوائية الشهيرة.

أما رأس التمساح فيمثل إحدى مهارات القتال رجال الغابات الذين يفتخرون بكونهم محاربين وغزاة دائمين، حيث ما زالت رؤوس أعدائهم معلقة في صالات الضيافة، وهو تقليد سابق دأب عليه رجال القبائل من أكلة لحوم البشر، وتوقف حاليا بعد أن امتدت أذرع من سلطة الدولة إلى وسط الغابة متحدية أعرافها وتقاليدها.

رقصات قبائل الداياك تراث يمكن المحافظة عليه واستثماره سياحيا (الجزيرة)

أما الرقصات الشعبية فتمثل لسكان الغابات الأصليين في بورنيو واحدة من أبرز التقاليد التي يتم الاحتفال بها كل عام بانتهاء موسم حصاد الأرز في الأسبوع الأخير من مايو/أيار، فما زال نحو مليون من أبناء قبائل الداياك والإيبان يعيشون في موطنهم الأصلي ويحتفظون بطريقة حياتهم في بيوت طويلة تضم عشرات الأسر تحت سقف واحد.

وفي بلد يعتبر السياحة مصدر دخل قومي يمكن تحويل هذا التراث إلى مصدر ثروة اقتصادية، فقد حض وزير السياحة في الحكومة المحلية لولاية سارواك سكان المساكن الطويلة على استضافة السائحين الأجانب وإسكانهم وسطهم، لتكون السياحة بديلا عن الاستثمار في قطع الأشجار وبيع منتجات الحيوانات البرية من جلود وقرون وعظام وغيرها.

لم تعد كثير من أسر الغابات تعتمد على بيع أعشاش الخفافيش، حيث المخاطرة الكبيرة بالحياة أثناء التسلق ليلا على حبال معلقة بأسقف المغارات الشاهقة، لقطع الأعشاش التي بنتها الخفافيش من لعابها. كما هجرت أسر كثيرة مثل أسرة جوسمان مواقد الحطب واستبدلت منها مواقد حديثة على الغاز، في خطوة قد تساعد في الحد من قطع أشجار الغابة والحفاظ على البيئة.

لكن جيل الآباء والأجداد لم يستوعب بعد اهتمامات الجيل الجديد المولع بأدوات التكنولوجيا الحديثة التي وصلت أعماق الغابة، ويبدو أن الجيل القديم تقبل ظاهرة الصداقة بين الفتيات والشباب، وهي ظاهرة مصاحبة لتكنولوجيا فيسبوك، ووسائل التواصل الاجتماعي، فلم يجد جوسمان غضاضة في رؤية حفيدته المراهقة تلبس ملابس قصيرة وتشارك عشيقها اللعب في جهاز لوحي واحد.

مستعمرة حشبية وسط غابات بورنيو الاستوائية (الجزيرة)

حول أول بئر للبترول اكتشف في ماليزيا عام 1903 إلى معلم تاريخي في وسط مدينة ميري، وقد ساهم النفط على مدى أكثر من قرن في تغيير نمط الحياة في مدينة ميري بولاية ساراواك وتحويلها إلى مدينة عصرية، لكن هذا الازدهار جاء على حساب أشجار الغابات.

وما أن قاربت الآبار النفطية البرية على النضوب حتى تحولت أنظار مستكشفي الثروات النفطية إلى بحر جنوب الصين على شواطئ ميري فجلبت معها أزمات وصراعات سياسية تنذر بحروب.
لكن قلق خبراء البيئة يتجاوز آثار الصيد الجائر وقطع أشجار الغابة وتلوث بيئتها إلى التباين في أولويات وأنظمة الدول المشتركة في محمية قلب بورنيو، المحمية العابرة لحدود إندونيسيا وماليزيا وبروناي.

أما رئيس جامعة كارتين الأسترالية في ميري بروفيسور جيم مينسكوفيسكي فيرى أن الخطوة الأولى في الحفاظ على البيئة تبدأ بالتعليم، ويحذر من وقت يأتي على سكان المناطق الاستوائية يلعن فيه الخلفُ السلفَ على أنانية تسببت في تدمير بيئة ليست ملكا لجيل دون آخر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يخشى من يعرفون بالسكان الأصليين في منطقة بوس بروك بولاية كلانتان الماليزية من فقدان ما تبقى من موطنهم الطبيعي، وذلك مع استمرار زحف شركات محلية وأجنبية على أراضيهم وسط الغابات.

وصلت درجة التلوث في ماليزيا مرحلة الخطر بسبب اتساع نطاق الحرائق في ولايات إندونيسية مجاورة. وأعلنت ماليزيا أن التلوث تجاوز خمسمائة نقطة في بعض الولايات.

حذر وزراء في مجموعة دول الآسيان من خطر حدوث كارثة صحية وبيئية بسبب سحب الدخان الأسود المتصاعد جراء استمرار اشتعال النار في غابات بعض الجزر الإندونيسية. بدورها أكدت جاكرتا أن هناك صعوبات بالغة تواجهها السلطات في الحد من تصاعد الحرائق.

المزيد من المعرفة
الأكثر قراءة