جزيرة غوري.. جرح الإنسانية الغائر

إطلالة بيت العبيد على المحيط في جزيرة غوري السنغالية
إطلالة بيت العبيد على المحيط في جزيرة غوري السنغالية (الجزيرة)

الجزيرة نت – غوري/ السنغال

 

من بعيد تبدو جزيرة غوري لناظرها خالا على صفحة وجه، أو بصمة في سجل اعترافات، أو أثر جرح غائرا اندمل بعد أن نزف طويلا.. وربما هي كل ذلك.

فهذا المرتفع الجميل النائم في أحضان المحيط الأطلسي قرب العاصمة السنغالية دكار عرف بأنه بوابة المعاناة، وشهد أبشع أنواع استغلال الإنسان، وهدر كرامته وانتهاك حقوقه، وظل لقرون عديدة أكبر مركز لتجارة الرقيق.

على مدى خمس وثلاثين دقيقة تتهادى بك السفينة من ميناء دكار في اتجاه غوري، فتستدعي ذاكرتك رغما عنك ما سمعتَهُ أو قرأتَهُ عن الجزيرة عن تاريخها المظلم، وعن معالمها التي يحكي كل واحد منها فصلا أو فصولا من الظلم والقهر والاستعباد.

تشعر بالرهبة وأنت تنزل من السفينة على أديم هذه الجزيرة، لتبدأ رحلتك إلى تاريخها مجسدا في المباني وحكاياتها، والرسوم بإيحاءاتها، والمنحوتات التي تجسد برمزيتها آلام "جزيرة العبيد" وتطلعهم للحرية، أو تحكي قصص من مروا من هنا وغادروا في رحلة اللاعودة.

لم تمنعه مرارة حكاية العبيد في جزيرة غوري السنغالية من ترديده يوميا على السياح (الجزيرة)لم تمنعه مرارة حكاية العبيد في جزيرة غوري السنغالية من ترديده يوميا على السياح (الجزيرة)

الجزيرة -التي تبلغ مساحتها 17 هكتارا- شكلت منذ القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر الميلادي أكبر مركز لتجارة الرقيق ونقل العبيد إلى أوروبا وأميركا، وتوالى على احتلالها في الفترة ما بين عام 1444 و 1960 للميلاد البرتغاليون والهولنديون والبريطانيون والفرنسيون، قبل أن تعود إلى السنغال بعد استقلاله.

بصمات المستعمرين لا تزال مجسدة حتى في ألوان المباني، حيث تتميز الدور والبيوت التي بناها الهولنديون باللون الأحمر، في حين تتميز الحقبة البرتغالية باللون الأبيض، أما المباني الفرنسية والبريطانية فهي مصبوغة بالأصفر.

أحاديث وقصص الجزيرة باتت محفورة في ذاكرة سكانها، الذين يحفظ كل واحد منهم أسفارا من الآلام والمآسي ومعاناة العبيد، انتقلت إليه عبر الأجيال، وباتت جزءا من معارفه.

إمام مسجد غوري محمد جاه شيخ قارب الثمانين من العمر، لم يشهد مآسي الجزيرة لكنه سمع الكثير منها منذ كان طفلا، يقول إنه "لا يمكن أن تجد اليوم بين الأحياء من عاشوا تلك الأحداث، ومن الصعب كذلك أن تجد أشخاصا التقوا من عاصروها، لكن كل سكان هذه الجزيرة يحفظون الكثير من الحكايات المؤلمة التي تناقلوها أبا عن جد".

بهذه الأغلال امتهنت كرامة ملايين العبيد الأفارقة في جزيرة غوري السنغالية (الجزيرة)بهذه الأغلال امتهنت كرامة ملايين العبيد الأفارقة في جزيرة غوري السنغالية (الجزيرة)

ويضيف محمد جاه في حديث للجزيرة نت أن "كل بيت في الجزيرة يشكل شاهدا على تلك المآسي التي عاشتها، ويمكنك أن تتعرف على تفاصيل ما جرى حتى من الأطفال، فالكل هنا يعرف أنه خلال أربعة قرون امتُهِنَتْ كرامة الإنسان في هذه البقعة وتمت مقايضته بالبضائع، واختطف الأطفال من أحضان أمهاتهم، ومزقت السياط جلود الآباء أمام أبنائهم".

معالم الجزيرة -كما يقول محمد جاه- كلها شواهد على تاريخ مظلم، لكن أكثرها شهرة هو بيت العبيد الذي بني عام 1780, ويضم طابقه الأرضي عنابر لاحتجاز الرقيق من الجنسين، أحدها للرجال وآخر للنساء، وواحد للفتيات، وعنبر للأطفال الحديثي الولادة، إضافة إلى قاعة لوزن الأشخاص، وقبو لتعذيب المتمردين يقل ارتفاع سقفه عن متر واحد.

داخل المبنى تحس بأنات العبيد وآهاتهم، يقشعر جسدك حين تعرف أنه في هذه الأقبية الضيقة المظلمة المليئة بالحرارة والرطوبة كان الناس يتكدسون بعضهم فوق بعض، يكفي الواحد منهم نعيما أن يجلس القرفصاء مسندا ظهره إلى الحائط، في حين يستمتع السادة بالطبيعة الحالمة من شرفات الطابق العلوي للبيت.

من هذا الباب خرج خرج خمسة ملايين من العبيد الأفارقة إلى غير رجعة (الجزيرة)من هذا الباب خرج خرج خمسة ملايين من العبيد الأفارقة إلى غير رجعة (الجزيرة)

مرارات تاريخ الجزيرة لا تمنع مفوض بيت العبيد إيلو كولي من سردها، فقد باتت جزءا من يومياته، يبدأ القصة من المدخل حيث بيت الوزن: "هنا كان الرجال يوزنون، وحين ينقص وزن أحدهم عن ستين كيلوغراما يفرض على البائع تسمينه حتى يكون صالحا للبيع".

ويتنقل كولي بين مكونات البيت واصفا طريقة تجميع الناس وعزل بعضهم عن بعض، "هنا (يشير إلى عنابر ضيقة) كان الرجال يحشرون بعضهم فوق بعض، النساء يفصلن عن أطفالهن الرضع، وتعزل الفتيات لأن أثمانهن أغلى".

وفي قبو ضيق منخفض السقف، ينحني كولي ويقول "هنا يسجن من يرفضون الرضوخ لقرارات السادة، ويخضعون لأصناف شتى من التعذيب، وقد فارق الكثيرون منهم الحياة بسبب التعذيب"، وتصل التراجيديا قمتها حين يصل كولي إلى بوابة اللاعودة المطلة على المحيط، قائلا "من هذا الباب خرج أكثر من خمسة ملايين إنسان في رحلتهم الأبدية".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس السنغالي ماكي سال تطبيع العلاقات بين بلديهما بعدما تدهورت إثر تصويت دكار في الأمم المتحدة ضد الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

Published On 5/6/2017
epa06010736 Prime Minister of Israel, Benjamin Netanyahu (L) and the President of Liberia Ellen Johnson Sirleaf (R), attending a regional Economic Community of West African States (ECOWAS) summit in Margibi County, Liberia, 04 June 2017. ECOWAS is made up of fifteen member countries located in the Western African region, with cultural, geopolitical ties and shared common economic interest. EPA/AHMED JALLANZO

تواجه “غوراي” أو “جزيرة العبيد” السنغالية جملة من التحديات البيئية و المناخية، أبرزها تآكل شواطئها بفعل زحف أمواج المحيط الأطلسي، ومخاطر التلوث البيئي. وقد تعهدت قطر بالمساهمة في حمايتها.

Published On 30/5/2013
الجزيرة تستقطب السياح

تحتفظ جزيرة “غوري” السنغالية بشواهد حية تحكي قصصا مريرة عن حقبة مؤلمة عاشتها أفريقيا في الماضي، وتعتبر الجزيرة تاريخيا أحد أهم المراكز الرئيسية بالقارة، لبيع وترحيل العبيد إلى أوروبا والولايات المتحدة إبان انتعاش تجارة الرقيق.

Published On 14/7/2013
منظر علوي من الجزيرة العبيد بالسنغال

أول فكرة ترتسم في ذهن الزائر لجزيرة غوري السنغالية هي طغيان الطابع الأفريقي التقليدي على مظاهر الحياة في هذه الجزيرة الصغيرة التي تستعد هذه الأيام لاحتضان النسخة الخامسة من مهرجان التواصل مع المغتربين ابتداء من الرابع من الشهر القادم.

Published On 24/10/2010
مسجد كوري
المزيد من المعرفة
الأكثر قراءة