الأديان تتصالح في كوبا الشيوعية

رغم أن كوبا تتبنى الفكرة الشيوعية إلا أن المسيحيين يمارسون شعائرهم بحرية (الأوروبية)
رغم أن كوبا تتبنى الفكرة الشيوعية إلا أن المسيحيين يمارسون شعائرهم بحرية (الأوروبية)

غدير أبو سنينة – هافانا

حين أخبرني أصدقائي الكوبيون الذين زرتهم في مدينة ريميذيو بكوبا أن الأوعية الغريبة التي رأيتها على عتبات بيوتهم ما هي إلا أحراز يصنعها لهم عرابوهم في المدينة لحمايتهم ومنحهم القوة والطاقة لم أستنكر الفكرة الموجودة بطريقة ما في تراثنا، ولو أن الدين الإسلامي في الأغلب حد كثيرا من ظهورها.
غير أن الفزع انتابني حين أخبروني أن تلك الأحراز ما هي سوى "أموات"، استبدلوا الكلمة سريعا حين رأوا دهشتي. بـ"أرواح".

سألت، أرواح آدميين؟ فقالوا بل بها دماء حيوانات تفيد كثيرا في إمداد الحرز بالطاقة والقدرة اللازمتين لحماية الأشخاص والبيوت، بجانب الأحراز كأس من الماء أو كأس من مشروب الرون الكحولي أو سيجار تقدم كضيافة للأرواح، على جدران البيت ذاته صلبان وتماثيل لأيقونات من الديانة الكاثوليكية.

في غرفة العرافة وأيقونات من اليوروبا والكاثوليكية والوثنية (الجزيرة)

مزيج الأديان
سألت إن كان تصويري للأحراز سيزعجها، فأشاروا لي أن ألقي على الأرواح فيها التحية أولا. جلسنا القرفصاء، طرقنا الأرض بقبضات أيدينا أكثر من مرة كأنما نطرق بابا نستأذن أصحابه في الدخول. صديقي مانويل بيريس قدمني لهم أولا وأومأ لي بعينيه كي أقدم نفسي بعد تحيتهم، فعلت والتقط الصور، صور أرواح كانت يوما دجاجة، أو ديكا، أو خنزيرا.

توجهنا معا لمنزل الأب الروحي أو العراب "خيلبيرتو بيستانو" الذي يعد هذه الأحراز لبعض أفراد المدينة، إذ ثمة آخرون يحترفون هذا العمل، وعلى الأشخاص اختيار من يثقون بهم من العرابين، كان علينا أن نحجز موعدا، إذ إنه من غير اللائق ازعاج العرابين وهم مشغولون بتحضير "قديسين" لمنحهم لمريديهم، كما أنه من غير المقبول أبدا أن تناولهم مالا مباشرة في أيديهم، بل عليك أن تترك المبلغ المتفق عليه -وعلى الأغلب التسعيرة معروفة ورخيصة- في مكانه المخصص بحجرة العرابة.

الحجرة الصغيرة -التي يستقبل بها العراب زائريه- مليئة بتماثيل وأيقونات مسيحية وأفريقية، وريش يرمز للسكان الأصليين في كوبا، لكن الأهم هو بعض الأصداف التي يلقي بها كأحجار النرد على مفرش الطاولة ليكشف شخصية الزائر أو يتنبأ بمستقبله، ثم يخبره باسم القديس الكاثوليكي الذي يحرسه، ومقابله من الآلهة الأفريقية "أوشوم"، وتختلف الأحراز باختلاف الأشخاص وحاجاتهم.

لا يرى مانويل بيريس وماريا غونسالس اللذان لا يحملان أي ملامح أفريقية تناقضا في ممارسة كلتا الديانتين، ولهذا تاريخ قديم.

خيلبيرتو بيستانو أحد عرافي مدينة ريميذيو في كوبا (الجزيرة)

اليوروبا ترحل لكوبا
يسمى هذا المزج بين الديانتين "سانتيريا"، إذ هاجرت هذه الديانة الأبرز إلى كوبا مع الأفارقة النيجيريين الذين تمتد جذورهم لقبيلة اليوروبا في أفريقيا أواخر القرن الـ18 وأوائل القرن الـ19، وقد جلبهم الأوروبيون كعبيد إلى كوبا والبرازيل للعمل في مزارع السكر، وسرعان ما سميت عبادتهم "لوكومي" نسبة للتحية اليوروبية "أولوكو" التي تعني "يا صديقي".

وفي الوقت الذي سمحت به القوانين الإسبانية بالعبودية حاولت أن تظهر بعض التسامح مع العبيد بمنحهم بعض الحقوق لممارسة طقوسهم الدينية، ولو من الناحية النظرية، كان لديهم الحق في الملكية الخاصة، وممارسة تقاليدهم في الزواج والحفاظ على سلامتهم الشخصية. مع هذا، فقد كانت القوانين تلزمهم بالتعميد الكاثوليكي كشرط لدخولهم الشرعي جزر الهند الغربية.

حاولت الكنيسة تنصير الأفارقة اللوكومي، لكن النقص الكبير في عدد الكهنة والظلم الذي تعرض له العبيد جعلاهم لا يتقبلون كلام القساوسة ودروسهم عن المسيحية التي مارس أتباعها -حينذاك- كل أنواع الاضطهاد عليهم، ولهذا فقد اعتنقوا الكاثوليكية ظاهريا، بينما احتفظوا بإيمانهم وعقيدتهم في الباطن.

وفي جهودهم لإخفاء الممارسات الدينية والسحرية الأفريقية جعل اللوكوميون القديسين الكاثوليكيين مكان آلهتهم الأفريقية الخاصة بهم (أوريشاس)، مما أدى إلى التوفيق بين المعتقدات الدينية التي أصبحت تعرف اليوم باسم "سانتيريا".

 

المسلمون يمارسون عبادتهم بحرية في كوبا (الجزيرة)

الدين والثورة
مع انتصار الثورة الشيوعية في كوبا عام 1959 هاجر أكثر من مليون كوبي إلى بلدان أخرى، خصوصا الولايات المتحدة، وكان من بينهم معتنقو "سانتيريا" الذين نشروها في بيئاتهم الجديدة، كميامي ونيويورك ولوس أنجلوس.

فيما ضيقت الحكومة الكوبية العلمانية على الديانات بشكل عام -ومن ضمنها "سانتيريا"- التي اعتبرت طقوسها نوعا من الشعوذة والسحر، لكن الأمر تغير في حقبة التسعينيات، إذ خففت الكثير من القيود، ومع أن القوانين التي تمنعها لم تلغ تماما إلا أن الحكومة أصبحت تغض الطرف عن تلك الممارسات حتى أن بعض السياح يأتون كوبا قاصدين عرابيها لمساعدتهم على تأمين الأحراز، خصوصا أن قتل الحيوانات التي يستخدم دمها في الحرز ليس ممنوعا.

صحيح أن "سانتيريا" هي أشهر ديانة في كوبا إلا أن الكنيسة الكاثوليكية قدرت أن 60% من الكوبيين يعتنقون الكاثوليكية، كما يتواجد في كوبا أصحاب ديانات أخرى، كالبروتستانت، وشهود يهوه، والسبتيين، والإنجيليين، والمعمدانيين، إضافة للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، والأرثوذكسية الروسية.

وهناك أقليات أخرى كاليهود والبوذيين والبهائيين، وكنيسة مسيح قديسي الأيام الأخيرة، إضافة لثلاثة آلاف مسلم من أصل كوبي يتعايشون بسلام في ما بينهم، خصوصا بعد أن سمحت الدولة بحرية المعتقد وعقد المؤتمرات الدينية التي يجتمع فيها ممثلو كل ديانة.

أما بالنسبة للمسلمين فلهم اتحاد خاص ومقر يترأسه يحيى بيذرو في هافانا، بل إنهم يقيمون صلاة أعيادهم في أحد أكبر شوارع هافانا وهو شارع "إلبراذو"، كما أكد يحيى أنهم بصدد التخطيط لبناء أول مسجد للمسلمين بدعم من تركيا، وموافقة كاملة من الحكومة الكوبية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يتوجه البابا فرانشيسكو، اليوم الاثنين، إلى مدينة هولغوين مهد الكاثوليكية المسيحية في كوبا ومسقط رأس الأخوين فيدل وراؤول كاسترو الزعيمين الشيوعيين بهذه الدولة الجزيرة الواقعة بالبحر الكاريبي.

21/9/2015

وصل الناشط الحقوقي الأميركي القس جيسي جاكسون أمس الجمعة إلى كوبا، حيث يسعى لتحسين العلاقات بين واشنطن وهافانا والإفراج عن المقاول الأميركي ألان غروس المسجون في كوبا بتهمة التجسس.

28/9/2013

قال الرئيس الكوبي راؤول كاسترو إنه لن يغير نظام كوبا الشيوعي لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، لكنه عبر عن استعداده لمناقشة كل القضايا مع الإدارة الأميركية. وكانت وزيرة الخارجية الأميركية قالت إن واشنطن تتوقع أن تجري هافانا تغييرات مقابل تحسين العلاقات.

2/8/2009

تجري التحضيرات في كوبا للاحتفال بالذكرى الخمسين لانطلاق الثورة الشيوعية التي تحكم البلاد منذ 1959 بقيادة فيدل كاسترو. ويعتبر كاسترو أقدم زعيم شيوعي باق في السلطة على الرغم من انهيار الاتحاد السوفياتي.

26/7/2003
المزيد من المعرفة
الأكثر قراءة