ماذا أبقت السنون من أدب الثورة الكوبية؟

تمثال إرنست همنغواي في مقهى فلوريديتا بكوبا (الجزيرة)
تمثال إرنست همنغواي في مقهى فلوريديتا بكوبا (الجزيرة)

غدير أبو سنينة – هافانا

على تلة مرتفعة في مزرعة "فيهيا"، التي تبعد 15 كلم عن هافانا، ثمة بيت كبير حولته الحكومة الكوبية لمتحف، محتفظة بأثاثه وزواياه كما كانت منذ أن غادره صاحبه الكاتب الأميركي إرنست همنغواي عام 1960، أي قبل عام من انتحاره في أميركا.

الشوارع في هافانا القديمة تمتلئ بسطاتها بروايات همنغواي، وليس السبب في ذلك حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 1954 فقط، بل لأنه قضى شطرا من عمره في هافانا، تاركا فيها طيفه الذي لم يغادر المدينة أبدا. فغرفته باقية على حالها في فندق أمبوس مونذوس في هافانا القديمة الذي كان يقيم فيه قبل أن ينتقل إلى "فيهيا".

وفي مقهى "لا فلوريديتا"، يصادف الزائر تمثالا لهمنغواي وهو جالس كعادته في المقهى الذي كان يرتاده خلال إقامته في هافانا، ووراءه صورة تجمعه بفيدل كاسترو، أما ما دار بينهما من حديث خلال التقاط تلك الصورة وغيرها من الصور، فسيظل سرا عجز المؤرخون عن معرفته، ورفض كاسترو التصريح بطبيعة الصداقة القصيرة التي ربطت بينهما حين كان كاسترو في الـ32 من عمره وهمنغواي في عمر الـ62.

‪في بيت أيتانا ألبيرتي‬ مجموعة من الكتاب والأدباء الكوبيين (الجزيرة)

وفي فندق ساراتوغا في هافانا القديمة، ثمة لوحة مهداة للشاعر الإسباني رافائيل ألبيرتي وزوجته ماريا تيريسا ليون، حيث كانا يرتادان الفندق قبل أن يشتري ألبيرتي بيتا صغيرا في حي مينامار، حيث تقيم حاليا ابنته الشاعرة أيتانا ألبيرتي مع زوجها الشاعر الكوبي أليكس باوسيذس.

كان ألبيرتي قد زار كوبا قبل الثورة عام 1935، ثم زارها بعد الثورة عام 1960، وحين عاد للأرجنتين كتب رسالة للمترجم الإيطالي أوجينيو لاراغي، قال فيها "مكثت شهرا في كوبا، كم هي الكذبات الغبية التي تنشرها الصحف عن هذا البلد البطل، أناس رائعون ومستعدون لكل شيء، سيكون صعبا إسقاطهم".

أيتانا ألبيرتي التي تقيم في كوبا منذ عام 1981، تقول إنها تشعر بانتمائها لقارة أميركا اللاتينية، فقد ولدت في المنفى الأرجنتيني عوضا عن مدريد، ولا تفكر حاليا بترك كوبا، وتعتبرها البلاد التي تعوضها عن الفقدان. كما أن لأيتانا حضور واسع في النشاطات الثقافية في كوبا وتلقى اهتماما مميزا ليس فقط من الحكومة الكوبية بل من عامة الناس أيضا.

صور كثيرة على جدران الفندق الوطني في هافانا تجمع بين الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وفيدل كاسترو، وهي لا تعكس سوى جانب بسيط من الصداقة التي جمعت بينهما على مدى عقود. فقد زار ماركيز كوبا في المرة الأولى عقب انتصار الثورة كصحافي لتغطية الأحداث، وذلك قبل أن يذيع صيته. ثم وضح عام 1981 طبيعة تلك العلاقة بقوله "تجمعنا صداقة مثقفين، وحين نكون معا نتحدث في الأدب".

منزل إرنست همنغواي في فيهيا بكوبا (الجزيرة)

بل إن الثقة بينهما وصلت حدا جعلت كاسترو يستشير ماركيز في عملية السلام مع متمردي الـ أم-19، وجيش التحرير الوطني، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية، كما كان رسوله للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.

وبعد حصول ماركيز على نوبل، قضى أوقاتا طويلة في كوبا، مستمتعا بشواطئها المطلة على الكاريبي، ولطالما رافقه كاسترو في رحلاته البحرية ومنها الرحلة التي قام بها مع رئيس الحكومة الإسبانية السابق فيليب غونزالس. ثم كان ماركيز أحد القلائل الذين عادوا كاسترو في مرضه الذي أقعده عن الحكم عام 2006.

وصف ماركيز كاسترو بأنه "قارئ نهم، محب ومتذوق حقيقي للأدب الجيد في كل الأوقات. تركت له كتابا حين ودعته في الرابعة فجرا، وبعد ليلة كاملة من الحوار، وفي الساعة الثانية عشرة ظهرا وجدت أنه أنهى قراءة الكتاب".

كما أكد أنه كان يقظا جدا ودقيقا بحيث يكتشف التناقضات والمعلومات المزيفة التي لا يمكن لأحد تخيلها، ولهذا وقبل نشر "وقائع موت معلن"، فقد أحضر له المسودة التي بيّن فيها كاسترو خطأ يتعلق بمواصفات بندقية الصيد.

لقيت هذه الصداقة نقدا شديدا من كتاب آخرين يعتبرون حكم فيدل كاسترو دكتاتوريا، ويرون أن مكانة ماركيز الأدبية لا تسمح له بالتقرب من "طاغية"، وأبرز هذه الانتقادات كانت من البيروفي المعروف بميوله اليمينية ماريو فارغاس يوسا (نوبل 2011)، الذي وصف ماركيز عام 1976 بـ"تابع فيدل"، بعد أن كتب ماركيز كتاب "عملية كارلوتا، كوبا في أنغولا" تحت إشراف كاسترو.

 

الطابعة التي كان يستخدمها همنغواي في كتابة رواياته (الجزيرة)

الحديث عن الكتابة في كوبا ما بعد الثورة سيكون مختلفا. إذ ثمة أربعة أجيال أدبية منذ قامت الثورة إلى الآن، بعضهم بقي في الجزيرة، وبعضهم غادرها للمنافي، كالولايات المتحدة وأوروبا وأميركا اللاتينية، لينقسم الأدب الكوبي نفسه لما هو داخل الجزيرة وما هو خارجها الذي أصبح يعرف بـ"أدب الشتات".

اعتبر بعض النقاد، مثل خوسيه رودريغس فيو، وسيمور مينتون، أن أفضل الأدب الكوبي في النصف الأخير من القرن العشرين هو ذلك الذي يحاكي بدايات الفترة الثورية، أو تراجعها وليس ذلك الذي يحاكي ذروتها خلال عقدي الستينيات والسبعينيات. ولذلك فقد اعتبروا أن الروايات العظيمة والقصص القصيرة لأليخو كاربينتيير وخوسيه ليساما ليما وبيرخيليو بينييرا وغيرهم، تدين بطريقة ما للفترة الجمهورية التي سبقت عام 1959. أما روائيو الستينيات والسبعينيات كرينالدو أريناس وجييرمو روسالس وخيسوس دياس، فقد وضعوا الثورة وسط رواياتهم، تارة لإظهار جوانبها القاسية، وأخرى لتوثيق حطام المدينة الفاضلة.

في عقدي الثمانينات والتسعينيات، تعامل الروائيون -مثل ليوناردو بادورا، وخورخي إنريكي لاخي- مع الثورة بأسلوب مختلف، إذ حاوروها كجزء من الماضي. وفي حقل الشعر، بدأ بعض الشعراء أمثال راؤول إرناندس نوفاس ورينا ماريا رودريغس، بطرح أسئلتهم عن الثورة، مستفيدين من تحول النظام بشكل ما من عسكري لمدني، وكان ذلك في المجلة التي أنشؤوها بطريقة مستقلة باسم "الشتات"، التي بدأ يظهر فيها فعليا هذا التحول حتى يومنا هذا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لا تزال العاصمة الكوبية هافانا شاهدة على مرحلة طويلة من مسار الكاتب الأميركي إرنست همنغواي (1899-1961) حيث عاش آخر ثلاثة عقود من عمره وكتب أهم أعماله الأدبية.

يرى الروائي والصحفي الكوبي أمير بايه أوخيدا أنه يجب إقامة جسر بين الثقافتين العربية والكوبية عبر الترجمة. وهو يؤكد أن الأدب العربي يعوزه العمل ليكون معروفا بكوبا. وهذا الكاتب معروف بدعمه للحقوق العربية وخصوصا دعم الشعب الفلسطيني، ونشر في ذلك كتبا ومقالات.

يقام حاليا في القاهرة مهرجان "من النيل للأمازون.. ألوان لاتينية"، ويهدف المهرجان الذي تنظمه جمعية النهضة العلمية والثقافية إلى تعريف المجتمع المصري بثقافة شعوب أميركا اللاتينية وتجاربها في الفن والأدب والسياسة. وتستمر فعالياته حتى نهاية أبريل/نيسان المقبل.

ما تزال ذكرى الكاتب الأميركي أرنست هيمنغواي الذي قضى شطرا من حياته بكوبا مصدرا للتقارب بين البلدين اللذين يكن كل منهما عداء تاريخيا للآخر. واتفق البلدان على تبادل معلومات وبقايا من الإرث المادي والأدبي الذي تركه الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب.

المزيد من المعرفة
الأكثر قراءة