"باليك إسلام".. العودة إلى دين الفلبين القديم

صلاة الجمعة في المسجد الذهبي أكبر مساجد العاصمة مانيلا
صلاة الجمعة في المسجد الذهبي أكبر مساجد العاصمة مانيلا (الجزيرة)
صفوان جولاق – مانيلا
 
حكايات كثيرة توارثها مسلمو الفلبين من صفحات ماضيهم، لعل أبرزها قصة الجدة التي اكتشف أحفادها أنها تريد ابتلاع أوراق قبل وفاتها، وعندما سألوها عن تلك الأوراق، قالت إنها أصل ديانتهم قبل قدوم الاستعمار، ليتبين لهم أنها أوراق مصحف، فضلت ابتلاعها كي لا تهان آياته بعد وفاتها، فكان ذلك سببا في إسلامهم.

لم يترك الاستعمار الإسباني في جزر الفلبين أثرا أكبر من انتشار المسيحية الكاثوليكية، فالموت كان مصير من رفض اعتناق المسيحية بعد أن قدم عام 1521، ثم استمر الاستعمار الأميركي منذ العام 1889 بسياسات وحملات سابقة للتنصير، وتابعتها بعده الحكومات الفلبينية منذ الاستقلال عام 1946.
قرون أدت إلى سقوط إمارات المسلمين جميعها، وتراجع أعدادهم بعدما كانوا أغلبية، فأصبحوا اليوم أقلية لا تتجاوز 12-13% من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 100 مليون نسمة.

روري -عبد المهيمن- عاد إلى الإسلام بعد أن كان يريد أن يصبح راهبا (الجزيرة)
روري -عبد المهيمن- عاد إلى الإسلام بعد أن كان يريد أن يصبح راهبا (الجزيرة)

باليك إسلام
لكن العقود الماضية جاءت بظاهرة "باليك إسلام" ومعناها "العائدون إلى الإسلام"، فمسلمو الفلبين يعتبرون أن من يعتنق دينهم يعود إلى دين البلاد الأصل، وإن غيّبته قرونُ الاستعمار الطويلة.

قصة أحفاد الجدة مع الإسلام تتكرر يوميا في الفلبين، ولكن بسيناريوهات مختلفة، يلعب فيها الاحتكاك مع المسلمين أدوارا كبيرة، ليس فقط في الفلبين، وإنما في دول عربية وإسلامية تنتشر فيها العمالة الفلبينية، إضافة إلى أدوار يقوم بها تقدم وسائل الإعلام وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي.

في جزيرة منداناو بجنوب الفلبين، التقينا بروري (53 عاما)، وهو أحد "العائدين إلى الإسلام"، فحكى لنا قصة إسلامه قائلا "كنت مسيحيا متدينا طيلة حياتي.. أنهيت دراسة الهندسة الزراعية، لكني أردت أن أصبح راهبا، فدرست الرهبانية مدة عامين، ولكن أحد الأصدقاء أهداني كتابا عن نبوة السيد المسيح قلبَ حياتي، لأن المسيح أهم شخصية في الكاثوليكية".

وأضاف "كتب التاريخ في الفلبين محرفة، ولهذا استغرقتُ وقتا طويلا لأبحث عن الحقيقة.. تعمّقتُ في دراسة القرآن والإنجيل، لأخرج قبل نحو 22 عاما بنتيجة أن عليّ تصحيح المسار والعودة إلى الإسلام، ثم أحببت تغيير اسمي إلى (عبد المهيمن)".

المسجد الذهبي أكبر مساجد العاصمة مانيلا (الجزيرة)
المسجد الذهبي أكبر مساجد العاصمة مانيلا (الجزيرة)

أفواجا أفواجا
ليست قصة "عبد المهيمن" إلا واحدة من قصص كثيرة تكتب يوميا في الفلبين، فالعائدون إلى الإسلام كثر يدخلون إليه "أفواجا أفواجا"، كما يقول بعض الدعاة.

بشير حسين أحد الدعاة المتخصصين في مجال تعريف غير المسلمين بالإسلام، وهو يترأس "المركز العالمي للبحوث الإسلامية" في جزيرة منداناو التي يعيش فيها نحو أربعة ملايين مسلم يشكّلون نسبة تقارب 30% من عدد السكان.

حسين قال للجزيرة نت "يسلم أسبوعيا نحو عشرين شخصا في الجزيرة، وتزيد هذه الأعداد في فترات تتوقف فيها الحرب ويحل السلم"، في إشارة إلى المعارك السابقة بين القوات الحكومية وجبهة تحرير مورو الإسلامية.

وعن العوامل التي تدفعهم إلى الإسلام قال حسين إن "عامل الدم يحضر عند الحديث عن الإسلام في الفلبين، فالإسلام سرى في عروق الناس قبل الاستعمار، وهذا ما نلمسه عندما نزور البيوت أو المدارس أو الجامعات لنلقي محاضرات عن الإسلام وتاريخ البلاد".

وفي العاصمة مانيلا، التقينا بالداعية نجيب طاهر فقال لنا إن "أعداد العائدين إلى الإسلام فاقت 200 ألف منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي في مانيلا التي يعيش فيها نحو عشرة ملايين مسلم، وتتسارع وتيرة العودة إلى الإسلام بشكل لافت، إذ يسلم يوميا ما بين عشرة وعشرين شخصا".

طاهر اعتبر أن "العمالة في الدول العربية والإسلامية أكبر دافع يعيد الفلبينيين إلى الإسلام"، لكنه لفت إلى أن بعضهم "يعتنق الإسلام ليكسب عطف الكفيل ودعمه، فلا يطرد ولا يهجر"، وإن كانت نسبة هذه الفئة "قليلة" على حد قوله.

أحد المساجد في مناطق المسلمين في جزيرة ميندناو جنوب الفلبين (الجزيرة)
أحد المساجد في مناطق المسلمين في جزيرة ميندناو جنوب الفلبين (الجزيرة)

الواقع والتحديات
لكن الدعاة يتحدثون أكثر عن تحديات جسيمة تواجه "باليك إسلام" الذين تتزايد أعدادهم، ويواجهها الدعاة في التعامل معهم.

الداعية نجيب طاهر قال إن "الكثير من العائدين إلى الإسلام في خارج الفلبين يصدمون بواقع بيئة البلاد بعد العودة، حيث إن أعداد المسلمين لا تتجاوز 5% من إجمالي عدد السكان في مانيلا مثلا، ومظاهر الحياة المسيحية منتشرة بكثرة حولهم، وفي أسرهم التي قد تكون مسيحية متشددة ترفض الإسلام رغم انتشار الحريات، بالإضافة إلى عدم وجود مدارس وجامعات خاصة بأبناء المسلمين، وعدم وجود مناهج تحترم وجودهم على الأقل".

وأشار طاهر إلى تحدٍّ كبير في مجال الإعلام، فقال إن العائدين إلى الإسلام يتأثرون بما تنشره وسائل الإعلام بين الحين والآخر من أكاذيب واتهامات للمسلمين في الفلبين والعالم، دون وجود أي وسائل إعلام خاصة بهم، لا لترد على تلك الأكاذيب، بل لتحفظ هويتهم وتعزز الإيمان في قلوبهم أيضا.

كما لفت إلى تحدّ في الجانب الفكري، فقال إن "باليك إسلام في مانيلا لا يشاركون مسلمي الجنوب القناعة بأن القتال وسيلة للدفاع عن الأرض والهوية، لأنهم يعتبرون أن الحوار والتفاوض وسيلة وحيدة، ولهذا نشعر بهوة فكرية تصل أحيانا إلى درجة الاتهام بسوء الفهم للسياسة وحتى للدين، ولكنها هوة لم تكبر بحمد الله".

أكبر المساجد في مناطق المسلمين في جزيرة ميندناو جنوب الفلبين (الجزيرة)
أكبر المساجد في مناطق المسلمين في جزيرة ميندناو جنوب الفلبين (الجزيرة)

وعن تحديات العيش، قال سالم ديمونا مستشار الرئيس الفلبيني لشؤون المسلمين إن "معظم العائدين إلى الإسلام فقراء، ولا توجد حتى الآن إحصائيات حكومية دقيقة لأعداد المسلمين، لأن هذه الإحصائيات قد تحمّل الحكومة أعباء مالية، كتخصيص مدارس وجامعات ومناهج وحتى مقابر"، لافتا إلى أن إحصائيات ستينيات القرن الماضي الرسمية كانت تتعمد التأكيد على عدم وجود مسلمين في البلاد.

وفي سياق متصل، قال رئيس المركز العالمي للبحوث الإسلامية إن "المساعدات التي يحصل عليها المسلمون من الدول العربية والإسلامية غالبا ما تكون موجهة لبناء المساجد أو دعم الفقراء، ولكنهم بحاجة إلى مساعدات تخدم واقعهم بمنطقية".

وأوضح حسين أن مسلمي الفلبين بحاجة إلى مؤسسات تعليمية، ونوافذ إعلامية، ومشاريع تنموية، مؤكدا أن "هذه مجالات يحتاج مسلمو الفلبين إليها حتى لا يكونوا مهمشين، وتفتح لهم أبواب تطور ورزق، تخدم حاضرهم وتبني مستقبلهم".

المصدر : الجزيرة