المحاصرون في الموصل القديمة بين النهر والحرب

Iraqis wait to cross the Tigris River after the bridge has been temporarily closed, in western Mosul, Iraq May 6, 2017. REUTERS/Suhaib Salem
المحاصرون في الموصل بانتظار دورهم لعبور النهر بزوارق صغيرة هربا من الحرب (رويترز)
 
"أين المفر؟! والعدو من ورائكم والنهر أمامكم"، لسان حال المدنيين المحاصرين في المدينة القديمة من الموصل، الذين آثروا خوض نهر دجلة في رحلة الخلاص من أكثر ساحات المعركة تعقيدا ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق.

وبات النهر الذي يشطر الموصل إلى نصفين مقبرة لكثير من المدنيين، الذين كان مصيرهم القنص على يد مسلحي تنظيم الدولة أثناء إبحارهم نحو الجانب الشرقي، الذي تسيطر عليه القوات العراقية.

فبعد أشهر من الحصار ونفاد المؤن وسط القصف والمعارك، قرر أحمد عبد الحميد الفرار من منزله في القليعات، أحد أحياء المدينة القديمة المحاذية لنهر دجلة.

ويروي عبد الحميد تفاصيل فراره بالقول "في صباح أحد أيام أبريل/نيسان 2017 أبلغت عائلتي المكونة من والدتي وزوجتي وأطفالي الأربعة بالاستعداد للهرب".

 
معاناة كبيرة يقاسيها سكان الموصل للهروب من ساحة المعارك (رويترز)
معاناة كبيرة يقاسيها سكان الموصل للهروب من ساحة المعارك (رويترز)

كان الطريق المتاح أمامه هو عبور دجلة بمساعدة شخص أمّن لهم قاربين مطاطيين صغيرين مقابل سبع قطع من الذهب، تقدر قيمتها بنحو 900 دولار.

ويقول عبد الحميد إنهم تسللوا في جنح الظلام وصولا إلى ضفة النهر الغربية حيث استقلت والدته وزوجته والأطفال القاربين اللذين تولى جرهما وهو يسبح، قاصدا الضفة الشرقية، وما هي إلا دقائق حتى بدأ قناص بإطلاق النار باتجاههم.

وتابع "بعد أكثر من خمس طلقات نارية يبدو أنها كانت تحذيرية، أصابت الطلقة السادسة كتف والدتي، تبعتها أخرى في رأسها، لتفارق الحياة على الفور وتهوي في النهر".

وسط العويل وبكاء الأطفال، حاول عبد الحميد أن يسرع الخطى، لكن رصاصة القناص لم ترحم ابنته مريم ذات الـ11 ربيعا وأردتها هي الأخرى قتيلة على الفور.. عندها استسلم وترك مصيره لتيارات النهر التي دفعت بهم صوب منطقة الكورنيش الخاضعة للقوات الحكومية في الشطر الشرقي من المدينة، حيث تكفل الجنود بانتشالهم من المياه.

 هجرات واسعة تتواصل للخروج من مناطق الاشتباك في مدينة الموصل (رويترز)
 هجرات واسعة تتواصل للخروج من مناطق الاشتباك في مدينة الموصل (رويترز)

لم تفارق الدموع عينيْ عبد الحميد عند سرد قصة فراره، لكن غصة ستلازم قلبه إلى الأبد، وهي أنه لم يتمكن من دفن والدته كما يجب، وقال إنه سيتذكرها دائما كلما نظر إلى نهر دجلة.

"أبو نضال" هو الآخر فر من الموصل القديمة وتمكن قبل أسبوعين من عبور النهر بشق الأنفس.. تحدث عن أوضاع المدنيين المحاصرين بالقول إن "العائلات هناك في عداد الموتى من شدة الجوع والعطش، وكل منزل أصبح يضم من سبع إلى عشر عائلات".

وأضاف أن "المدنيين الفارين يتعرضون لإطلاق النار من قبل طرفي النزاع، مما يجعل رحلة الهروب مخاطرة كبيرة، خاصة إذا كانت بصحبة نساء وأطفال".

وأشار "أبو نضال" الذي تحفظ على ذكر اسمه الكامل لأسباب أمنية، إلى أن "أغلب المسؤولين عن تأمين ممرات للمدنيين الراغبين في الفرار، مسلحون من التنظيم أو على علاقة به، وتكون مهمتهم إيصال الأهالي إلى ضفة النهر خلال الليل فقط دون أن يتعرض لهم أحد، فضلا عن توفير وسائل عبور بدائية مقابل مبلغ مالي أو مصوغات ذهبية أو أشياء ثمينة، ثم يترك المواطن لمصيره".

وعن الوضع الإنساني في المدينة القديمة، حذر "أبو نضال" من أن "الحديث عن التخطيط لإنقاذ المحاصرين قد لا ينفع بعد أيام، لأن المدنيين لا يحصلون على شيء في الوقت الذي يوزع التنظيم سلالا غذائية على مسلحيه وعائلاتهم".

 تتضاعف معاناة المدنيين الفارين من المعارك عند نقل المقعدين وكبار السن والمرضى (رويترز)
 تتضاعف معاناة المدنيين الفارين من المعارك عند نقل المقعدين وكبار السن والمرضى (رويترز)

وحول كيفية استجابة القوات العراقية للفارين من الجانب الغربي للموصل، قال الملازم عبد الله المشهداني الضابط في جهاز الرد السريع (قوة تابعة لوزارة الداخلية) "لدى ملاحظتنا لأي حركة في مياه النهر نطلق النار في الهواء بداية، ثم نطلق نداءات عبر مكبرات الصوت للتعرف على هوية المتحرك في المياه".

وأضاف المشهداني "عند عدم الاستجابة يتم إطلاق النار على المتحرك ومطالبته بالتعريف عن هويته، وعلى هذا الأساس يتم تقديم المساعدة أو استهدافه مباشرة".

ولفت إلى أن "النساء والأطفال هم عادة من يجيبون على نداءات التحذير التي تطلقها القوات العراقية التي تبادر على الفور بتقديم العون وانتشالهم من النهر".

وذكر المشهداني أن "الناجين تكون أوضاعهم صعبة للغاية ولا يستطيعون الحركة، وغالبا ما يبحثون فور وصولهم عن كسرة خبز وشربة ماء".

لكن الضابط العراقي  يقر بأنه كان شاهدا على عشرات الحوادث المأساوية لمدنيين -بينهم نساء وأطفال ومسنون- يتم قنصهم من قبل مسلحي تنظيم الدولة عند منتصف النهر، ليغرقوا دون أن تتمكن القوات العراقية من فعل شيء، والاكتفاء فقط بمشاهدة مصارعتهم للألم في آخر لحظات حياتهم حتى تبتلعهم مياه النهر.

وتحاصر القوات العراقية أجزاء من المدينة القديمة، وحيي الشفاء، والزنجيلي، وهي آخر المناطق التي يتواجد فيها مسلحو تنظيم الدولة والواقعة على ضفة نهر دجلة غربي الموصل.

والتحدي الأكبر هو الموصل القديمة التي يعود تاريخها لنحو أربعمئة سنة، وتتميز بأزقة ضيقة تشبه المتاهات ويتعذر على المركبات المرور فيها، فضلا عن اكتظاظها بالسكان الذين يسلكون دروبا خطرة جدا للوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات العراقية.

المصدر : وكالة الأناضول