بالسلاح والمرتزقة والدعم الاستخباراتي..
كيف صنعت بعض الدول من حفتر أمير حرب؟

منذ بدء حملته العسكرية المسماة "عملية الكرامة" ببنغازي في مايو/أيار 2014 تواترت الأدلة عن حصول اللواء المتقاعد خليفة حفتر على أسلحة من الإمارات العربية المتحدة ومصر ودول أخرى رغم الحظر الأممي، لكن هجومه على طرابلس التي بدأه في 4 أبريل/نيسان 2019 وما تلاها من محاولات اقتحام العاصمة آخرها في 12 ديسمبر/كانون الأول الجاري كشف عن دعم هائل وترسانة كبيرة من هذه الأسلحة مصدرها الأساسي الإمارات ومصر، يسندهما دور فرنسي وروسي نشط على اختلاف طريقة الإسناد والغايات.

خلال الأشهر الأخيرة من حربها على طرابلس كثفت قوات حفتر غاراتها بالطائرات بدون طيار الحديثة من نوع "وينغ لونغ2" (Wing Loong 2) التي تستعمل صواريخ "بلو آرو بي أي7"، وظهرت أرتال العربات المدرعة الإماراتية من نوع "تايغر" واستعملت صواريخ "بانتسير أس 1" (Pantsir-s1) قصيرة ومتوسطة المدى المضادة للطائرات والتي تملكها كل من الإمارات ومصر وزودت بها قوات حفتر.

وفي 29 يونيو/حزيران الماضي أكد الناطق باسم الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني محمد قنونو خلال مؤتمر صحفي عقده في غريان أن قوات الوفاق استولت إثر سيطرتها على المدينة على 70 عربة سليمة ومدرعات إماراتية وطائرات مسيرة وصواريخ أميركية الصنع، كما عثر على صواريخ "جافلين" الأميركية اعترفت فرنسا بملكيتها لها.

تؤكد هذه الأسلحة المصادرة أن حفتر استفاد طوال سنوات الحرب بشكل ممنهج ومستمر من الدعم الإماراتي والمصري والفرنسي إضافة إلى دعم روسي تكثف في الأشهر الأخيرة، ليبسط سيطرته على بنغازي، ثم تعزيز نفوذه شرقا والتمدد إلى الجنوب والغرب.

وكانت السيطرة على طرابلس قطب الرحى في إستراتيجية حفتر والإمارات العسكرية والسياسية، ولذلك تكثف الدعم بالأسلحة النوعية والمرتزقة قبيل معركة طرابلس التي أطلقها في أبريل/نيسان 2019 وخلال هجومه الأخير حيث ظهرت المروحيات الهجومية الروسية من نوع "MI35"، في خرق واضح لقرار الأمم المتحدة رقم 1970 الصادر في مارس/آذار 2011 الذي يحظر صادرات السلاح إلى ليبيا.

صاروخ بلو آرو الإماراتي المصدر ااذي استخدمته طائرة يونغ لونغ في قصف طرابلس (وسائل التواصل)

رجل الحرب.. وأجندة مصر والإمارات

بداية عام 2014 بادرت مصر بتقديم دعم قوي ومستمر لحفتر بمنحه بعض الطائرات المقاتلة والمروحيات التي خرجت من الخدمة في جيشها، وبذلك وجدت ثماني طائرات من طراز "ميغ 21 أم أف" (MiG-21MF) وعشر مروحيات مقاتلة من طراز "مي 8 تي" (Mi8-T) وشحنات كبيرة من قطع الغيار والذخيرة طريقها إلى طبرق مركز سيطرة اللواء المتقاعد، ثم بدأ التعاون الإماراتي المصري الوثيق في بناء ترسانة حفتر.

وتشير التقارير إلى أن الإمارات زودت أيضا قوات حفتر في أبريل/نيسان 2015 بأربع مروحيات هجومية من طراز "مي 24 بي" (MI 24P) اشترتها من روسيا البيضاء عام 2014.

في يونيو/حزيران من العام نفسه، نشرت حسابات إلكترونية صورا لطائرة خفيفة من نوع "إيوماكس أي تي 802"(IOMAX AT-802) المعروفة أيضا باسم "إير تراكتور" (Air Tractor) أميركية الصنع وتابعة لسلاح الجو الإماراتي في قاعدة جوية ليبية، وكانت علاماتها الوطنية مخفية، وتستخدم هذه الطائرة للرش الزراعي، كما يمكن تعديلها لحمل الصواريخ والقنابل.

وكانت قوات حفتر قد استولت في أغسطس/آب 2014 على طائرات إضافية إثر سيطرتها على قاعدة الوطية الجوية (قرب مدينة العجيلات غرب ليبيا)، حيث تربض طائرات قديمة من طراز "ميراج أف 1" (Mirage- f1) الفرنسية المقاتلة وقاذفات"سوخوي22 أس" (Su-22s) الروسية التي تعود إلى زمن القذافي.

استحوذت قوات حفتر على معظم الطائرات الموجودة في مرابضها منذ سنوات من نوع "ميغ 21" (MiG-21) و"ميغ 23" (Mig 23) ومروحيات من نوع "مي 8" (MI 8) و"مي 35" (MI 35) و"مي 17" (MI 17)، ودبابات "تي 54" (T 54) و"تي 55 (T55)، وجميعها أسلحة سوفياتية معطلة يعود تاريخها إلى عهد القذافي وتستوجب إصلاحا وصيانة، وهنا جاء الدعم المصري بقطع الغيار والتدريب.

تولت مصر تدريب عدد كبير من طياري المقاتلات والمروحيات، وتشير التقارير إلى تخريج 35 منهم في يوليو/تموز 2016، كما بثت قناة "ليبيا الحدث" تقريرا في 11 مارس/آذار 2018 لتخريج دفعة من طياري "مي 24 بي ميل"(MI 24p Mil) الروسية الصنع -سبق أن زودت بها الإمارات قوات حفتر عام 2015- تلقوا تدريباتهم في مصر.

وقبل تجهيز الطيارين المؤهلين نفذ طيارون من الإمارات هجمات في ليبيا لصالح قوات حفتر، ونشر موقع "ميدل إيست آي" في سبتمبر/أيلول 2016 تسجيلات صوتية بين طيار إماراتي كان يستهدف بمقاتلته مواقع قرب بنغازي وضابط مراقبة ليبي في قاعدة بنينا الجوية في بنغازي، كما وظفت طيارين أجانب.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 ذكرت مجلة "إنتلجنس أونلاين" (Intelligence Online) المتخصصة في متابعة أجهزة الاستخبارات في العالم أن مؤسس شركة الأمن الأميركية "بلاك ووتر" (Blackwater) إريك برنس ينفذ عمليات إماراتية خاصة في ليبيا، حيث يقود مرتزقة من شركته مقاتلات تقلع من قاعدة الخادم قرب بنغازي (كانت تعرف سابقا بالخروبة).

وأواخر عام 2015، كانت الإمارات قد زودت حفتر بطائرتين مسيرتين من طراز "كام كوبتر أس 100"" (Camcopter s-100) رصدت إحداهما فوق بنغازي في مايو/أيار 2016، وتم الاعتماد ضباط إماراتيين لتسييرها انطلاقا من مطار بنينا أو قاعدة الخادم الجوية الواقعة جنوب بلدة المرج شرق بنغازي قبل تدريب كوادر ليبية.

بدعم إماراتي تكثف أيضا استخدام الطائرات المسيرة منذ عام 2016 في أجواء بنغازي باعتبار أنها معركة حفتر الرئيسية في ذلك الوقت، وقامت طائرات الاستطلاع من طراز "كام كوبتر" بمهمات وغارات في منطقة قنفودة وأحياء سوق الحوت والصابري والهواري (معاقل المعارضة) أدت إلى مقتل مدنيين.

استعملت في معارك بنغازي كذلك قنابل من طراز "أم كي 82" (Mk 82) أميركية الصنع ومصدرها الإمارات، وقد ظهرت في صور وثقها مجلس شورى ثوار بنغازي وسرايا الدفاع عن بنغازي.

حطام طائرة إماراتية بدون طيار تابعة لقوات حفتر أسقطت قرب طرابلس (الجزيرة)

في إطار الخرق الإماراتي المتواصل للحظر الأممي، كشف تقرير للأمم المتحدة في فبراير/شباط 2018 أن السلطات التشيكية أوقفت -بموجب بلاغ من الخبراء الأمميين- تسليم محركات خاصة بمروحيات من طراز "مي 24 في" (Mi-24v) إلى الإمارات حتى الحصول على مزيد من التوضيح.

وكانت شركة تشيكية مملوكة للدولة قد سلمت أبو ظبي في أبريل/نيسان 2017 سبع طائرات من هذا الطراز بموجب رخصة تصدير ممنوحة في سبتمبر/أيلول 2015، ويعتقد أن هذا الطائرات ومحركاتها لفائدة قوات حفتر في ليبيا.

ورغم قرار الأمم المتحدة فإن طائرات شحن إماراتية مجهولة الحمولة كانت تصل تباعا إلى مطار بنينا في بنغازي، ويتم تفريغها وسط إجراءات أمنية مشددة.

في 12 أبريل/نيسان 2019 تم تداول صور تؤكد وصول طائرتي شحن إماراتيتين قادمتين من دبي، واعترفت إدارة مطار بنينا بوصولهما، لكنها قالت إنهما تحملان مساعدات من مؤسسة زايد الخير، لدعم مؤسسات خيرية في الجنوب، ويرجح أن تكون الحمولة أسلحة وذخائر.

مطار الخادم.. نقطة الارتكاز الإماراتية

وفي يوليو/تموز 2016 أكدت صور الأقمار الصناعية وجود ست طائرات "أير تراكتور" وثلاث طائرات مسيرة يرجح أنها طراز "وينغ لونغ" الصينية الصنع في مطار الخادم العسكري بمنطقة المرج (الخروبة)، وتعد الإمارات ومصر ومجموعة قليلة من الدول القليلة التي تستخدم هذه الطائرة.

ونشرت وسائل الإعلام التابعة لسرايا الدفاع عن بنغازي في سبتمبر/أيلول 2016 صورا ومعلومات عن أنواع الطائرات التي قالت إنها شاركت في غارات جوية في بنغازي، مشيرة إلى أن طائرة "أير تراكتور" نفذت 27 عملية قصف، في حين قامت الطائرات المسيرة بـ235 عملية استطلاع انطلاقا من قاعدة الخادم.

أصبحت قاعدة الخادم نقطة ارتكاز الإمارات عسكريا في ليبيا، وهي تقع جنوب مدينة المرج بنحو 65 كلم، وتبعد نحو 100 كلم عن مدينة بنغازي، وهي قاعدة سرية أنشأها نظام القذافي في ثمانينيات القرن الماضي، وتبلغ مساحتها نحو عشرة كيلومترات مربعة.

وبدأت أسرار السعي الإماراتي للسيطرة على هذه القاعدة في 2016 حين كشفت مجلة "جاينس360" (Jane's 360) البريطانية المتخصصة بالأمن والدفاع عن صورة من القمر الصناعي (Airbus Defence and Space satellite )قالت إنها لقاعدة جوية إماراتية جديدة في شرقي ليبيا، وحتى يونيو/حزيران 2016 كانت هذه القاعدة عبارة عن مطار شبه مهجور.

وأوضحت المجلة أن مطار الخادم يحتوي على عدد من طائرات "وينغ لونغ" (Wing Loong) وست طائرات من طراز "AT-802 Air Tractor" مطورة، وطائرتي نقل وإسناد من طراز "يو أتش 60 بلاك هوك" (UH-60 Blackhawk) ، وأشارت أيضا إلى أن الطائرات الإماراتية تنطلق أحيانا من القواعد الجوية الغربية لمصر -وتحديدا قاعدة سيوة الجوية بمحافظة مرسى مطروح- لتنفيذ عملياتها في ليبيا.

صور أقمار صناعية تبين تطور العمل في قاعدة الخادم بين أكتوبر/تشرين الأول 2016 ومارس/آذار 2017 (وسائل التواصل)

قبل أن يتم تجهيز قاعدة الخادم، تشير المعطيات إلى أن قاعدة سيوة الجوية (45 كلم من الحدود الليبية) وقبلها قاعدة سيدي البراني (95 كلم عن الحدود الليبية) كانتا في البداية مركز الثقل الرئيسي في الجهد لمصري الإماراتي لدعم حفتر، خصوصا قبل تجهيز قاعدة الخادم وتطويرها.

تؤكد صور الأقمار الصناعية -التي نشرها موقع "فريدوم أوف رايتنغ" (Freedom of Writing) - التطوير الكبير الذي شهدته القاعدة المصرية، كما تظهر في الفترة بين 23 فبراير/شباط و1 مارس/آذار 2017 نشاطا مكثفا للطائرات المسيرة والمقاتلات، وهي نفس الفترة التي أعلنت فيها مصادر ليبية عن قصف طائرات مجهولة مواقع في الهلال النفطي وبنغازي ودرنة.

وتبرز صور الأقمار الصناعية الملتقطة في يونيو/حزيران 2017 أيضا وجود ثلاث طائرات شحن إماراتية ثقيلة بالقاعدة، اثنتان من طراز "سي 17 غلوب مستر" (C17-Globemaster) وثالثة من طراز "طراز سي 130" (C130) في القاعدة.

لكن قاعدة الخادم كانت أولوية بالنسبة للإمارات، وقد عكست صور الأقمار الصناعية الملتقطة مدى اهتمام أبو ظبي بها، والعمل الحثيث فيها سنة 2017 لتتحول إلى مركز العمليات الرئيسي، ونشر موقع "وور إيز بورينغ" (War is boring) الأميركي في ديسمبر/كانون الأول 2017 صورا تؤكد تسارع البناء في القاعدة.

من جانبه، أظهر تقرير للأمم المتحدة في يونيو/حزيران 2017 صورا لمواقف السيارات العسكرية الضخمة وملاجئ الطائرات الجديدة التي يمكن أن تستوعب المقاتلات النفاثة المتطورة في القاعدة، ويؤكد التقرير أن القاعدة شهدت بين عامي 2014 و2017 تطورا كبيرا وتوسيع ومد مدارج الطائرات، واتهم التقرير أبو ظبي صراحة بانتهاك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، وبتقديم مروحيات قتالية وطائرات حربية لقوات حفتر.

وترجح الأدلة التي نشرتها الأمم المتحدة وتقارير متعددة أن القاعدة تعد غرفة العمليات الرئيسية للقيادة والسيطرة، حيث يوجد خبراء إماراتيون وآخرون توظفهم، وقد تم تجهيزها بمنظومات تربطها بقاعدة بنينا في بنغازي ومواقع أخرى، ومنها تتم إدارة العمليات العسكرية الرئيسية لقوات حفتر.

وتظهر وثائق حصلت عليها الجزيرة نت رسالة من السفارة الإماراتية في الخرطوم إلى الخارجية السودانية بتاريخ 19 مايو/أيار 2019 تطلب فيها الحصول على تصريح دبلوماسي لطائرتي شحن من نوع (C17) تابعتين للقوات المسلحة الإماراتية للعبور والهبوط بمطار الخرطوم، خلال عبورها لنقل "ركاب وحمولات متفرقة" من الخرطوم إلى مطار الخروبة في ليبيا.

وذكرت الرسالة أن الرحلة ستكون خلال فترة زمنية تبدأ من 25 مايو/أيار الماضي إلى 26 من الشهر ذاته وأن خط سيرها سيكون من مطار أبو ظبي إلى مطار الخرطوم، ثم إلى مطار الخروبة، ثم إلى مطار أبو ظبي من جديد مرورا بالعاصمة المصرية القاهرة، ويرجح أن الحمولة عتادا وجنودا بما يؤكد أن الدعم الإماراتي استمر قبل وبعد هجوم حفتر على طرابلس.

وتشير تقارير إلى أن الإمارات تتعاون مع قائد "قوات الدعم السريع" في السودان محمد حمدان دقلو (حميدتي) في دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر بالمقاتلين، وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري كشف تقرير أممي لفريق الخبراء التابع للجنة العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا أن ألف جندي سوداني من "قوات الدعم السريع" أُرسلوا إلى الشرق الليبي في يوليو /تموز2019، وأن"حميدتي" أرسل تلك القوة لحماية بنغازي، وتمكين قوات حفتر من الهجوم على طرابلس، كما نقَل عن عدد من المصادر قولها إن "قوات الدعم السريع" تمركزت في وقت لاحق بمنطقة الجفرة بجنوبي ليبيا.

جنجويد" يعترفون بقتالهم لصالح حفتر
سفينة الكرامة التي اشترتها الإمارات لفائدة البحرية التابعة لقوات حفتر (وسائل التواصل)

عملت الإمارات أيضا على تقوية جيش البر (المشاة) التابع لحفتر بتوفير ناقلات جنود مدرعة من طراز "تايغر" الأميركية، كما وصلت إلى ميادين القتال مدرعة "نمر 2" المصرية ومدرعات أردنية والمئات من سيارات الدفع الرباعي المعدلة من نوع تويوتا التي يمكن تجهيزها برشاشات من عيار 12.7 و14.5 ومدفع عيار 106 ملم والصواريخ المضادة للدروع.

وفي مايو/أيار 2018 سلمت أبو ظبي قوات حفتر أيضا سفينة دوريات البحرية "الكرامة"، وهي قطعة بحرية بنيت في إيرلندا عام 1979 وكانت تعمل في بحريتها قبل أن يتم شراؤها في مزاد علني من قبل شركة مقرها في الإمارات.

كما حصلت البحرية التابعة لحفتر من فرنسا على عدد من الزوارق السريعة وأسلحتها وذخائرها، وأكدت مصادر في حكومة الوفاق أن بارجة فرنسية رست يوم 27 أبريل/نيسان 2019 في ميناء رأس لانوف، وأنزلت تلك الزوارق والأسلحة والمعدات تحت حراسة شديدة من قوات حفتر، ويرجح أن تكون الصفقة بتمويل إماراتي.

بالإضافة إلى جيشه، عملت أبو ظبي على رعاية حفتر شخصيا، فوفرت له فرق الحماية والدعم المالي واللوجستي، وتعود ملكية الطائرة "فالكون 900"(Falcon 900) -التي تحمل الرقم "P4-RMA" ويتنقل بها اللواء المتقاعد داخل ليبيا وأحيانا خارجها- إلى شركة إماراتية مقرها دبي.

الضوء الأخضر السعودي

يوم 27 مارس/آذار 2019، زار اللواء المتقاعد خليفة حفتر السعودية، حيث استقبله الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، وأجرى أيضا مباحثات مع وزير الداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات العامة.

جاءت الزيارة -كما اتضح لاحقا- قبيل عملية عسكرية كبرى كان يعد لها حفتر، تقضي بالهجوم على العاصمة طرابلس، وبالتالي السيطرة على المنطقة الغربية والهيمنة على الدولة الليبية وفق ما خطط له.

وأشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية -في عددها ليوم 12 أبريل/نيسان 2019- إلى أن الرياض وعدت حفتر بعشرات ملايين الدولارات للمساعدة في دفع تكاليف العملية العسكرية التي أطلقها في طرابلس يوم 4 أبريل/نيسان.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سعودي بارز -لم تسمه- قوله "لقد كنا كرماء معه"، في إشارة إلى تلقي اللواء الليبي المتقاعد دعما ماليا سخيا من المملكة لإنجاز مهمته العسكرية في ليبيا.

إضافة إلى المساعدة المالية، كان حفتر يطمح من خلال تلك الزيارة لتدخل سعودي لدى واشنطن لإقناعها بحملته على طرابلس، وأن تستخدم أيضا نفوذها على بعض الدول العربية لطمأنتها بشأن العملية وتوابعها.

عاد حفتر إلى ليبيا بعد تلقيه الدعم المالي والتطمينات اللازمة، وحصل على الضوء الأخضر لبدء الهجوم على طرابلس وتنفيذ ما يراه الجزء الأخير من مشروعه العسكري والسياسي.

قبل سنوات، كانت الرياض قد انضمت عمليا إلى كل من الإمارات ومصر في تبني مشروع حفتر في ليبيا، ففي أغسطس/آب 2017 اعتقلت ثلاثة من القياديين المحسوبين على حكومة طرابلس أثناء تأديتهم العمرة، وسلمتهم إلى سلطات شرق ليبيا الموالية لحفتر استجابة لطلب من الإمارات.

وجاء هذا الاصطفاف السعودي إلى جانب حفتر باعتبار المملكة جزءا من هذا التحالف الذي يناهض الثورات الشعبية في المنطقة ويدعم سيطرة العسكر على الحكم، كما أنه يشكل امتدادا لتحالف التيار المدخلي السلفي ذي الخلفية الوهابية في ليبيا مع اللواء المتقاعد والقتال إلى جانبه.

فحينما أطلق حفتر عام 2014 ما عرف بعملية الكرامة، أفتى الشيخ السلفي السعودي ربيع المدخلي لأتباعه في ليبيا بالقتال ضمن قوات حفتر، باعتباره "ولي أمر شرعيا" مخولا من "ولي الأمر" -أي البرلمان المنعقد في طبرق- وبناء على ذلك انضمت المئات من هذا التيار للقتال في صفوف قوات حفتر في معارك بنغازي ودرنة وغيرها، ضمن ما عرف بـ"كتائب التوحيد".

وبالإضافة إلى مئات المقاتلين الموزعين على محاور القتال، سمح حفتر بتغلغل أتباع التيار المدخلي في معظم الأجهزة والإدارات في مناطق سيطرته شرق ليبيا، وخاصة بوزارة الأوقاف ودار الإفتاء، وبالتالي سيطروا على المساجد والمنابر.

فرنسا.. التباس الدور

في 21 أغسطس/آب 2019 كشف مصدر حكومي رفيع المستوى بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية أن فرقة عسكرية فرنسية داعمة لقوات حفتر، جهزت محطة للتحكم بالطائرات المسيرة وتركيبها في مطار ميناء السدرة النفطي شمالي البلاد وتوجيهها لاستهداف الكلية والقاعدة الجوية بمدينة مصراتة، ومواقع قوات حكومة الوفاق شرق وجنوب المدينة، وفي مناطق وسط البلاد.

كما كشفت مصادر ليبية للجزيرة أن هناك فرقة فرنسية أخرى في مقر إحدى الشركات بمدينة هون في منطقة الجفرة وسط ليبيا، وتشرف من داخل غرفة عمليات عسكرية على سير المعارك جنوبي طرابلس، حيث تسعى قوات حفتر منذ أبريل/نيسان الماضي للسيطرة على العاصمة.

مصادر ليبية كشفت عن وجود فرقة فرنسية بمدينة هون تشرف على سير معركة طرابلس التي شنها حفتر

ويعود الدعم الفرنسي الخفي لحفتر إلى سنوات مضت، ففي 20 يوليو/تموز 2016 اعترفت وزارة الدفاع الفرنسية بمقتل ثلاثة عسكريين لها في بنغازي، مؤكدة بذلك للمرة الأولى المعلومات التي تحدثت عن مقتل جنود فرنسيين كانوا على متن طائرة تابعة لقوات حفتر في ليبيا، بعدما أسقطتها قوات مجلس شورى ثوار بنغازي.

وكانت باريس قد أنكرت طوال شهر كامل ما ذكره تقرير صحيفة لوموند الفرنسية عن وجود قوات خاصة فرنسية تساعد قوات حفتر، مشيرة إلى أن طائراتها تجمع معلومات عن ليبيا.

وجاءت قضية صواريخ "جافلين" المضادة للدروع -وهي صواريخ أميركية باعتها واشنطن لفرنسا عام 2010- والتفسيرات الفرنسية المرتبكة لوجودها في معقل قوات حفتر بمدينة غريان لتؤكد دور فرنسا في تسليح حفتر ودعم قواته.

ادعت وزارة الجيوش الفرنسية أن هذه الأسلحة "كانت موجهة للحماية الذاتية لفرقة فرنسية تم نشرها لأغراض استخباراتية فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، وأنها تالفة وغير صالحة للاستخدام، لذلك خزنت مؤقتا في أحد المستودعات لأجل تدميرها".

في 16 أبريل/نيسان 2019 أعلنت تونس اعتقال 13 شخصا يحمل معظمهم الجنسية الفرنسية دخلوا بطريقة غير قانونية بأسلحتهم من ليبيا، وسارعت باريس لتبرير موقفها بأن المجموعة كانت مكلفة بتأمين السفارة في طرابلس وانتهت مهامها.

لكن التفسيرات المرتبكة عززت فرضية كونهم مستشارين عسكريين كانوا يقدمون دعما لقوات حفتر في غرفة عمليات غريان، وهي المركز الرئيسي لعمليات حفتر سيطرت عليه قوات حكومة الوفاق في 27 يونيو/حزيران 2019.

وكشف تحقيق للجزيرة بث في 27 أبريل/نيسان 2019 أيضا عن قيام طائرتي تجسس ورصد مستأجرتين لفائدة الاستخبارات الفرنسية بعمليات استطلاع فوق ليبيا أكثر من مرة.

بدورها، أكدت مصادر عسكرية ليبية أن طائرة التجسس الفرنسية -التي تشغلها شركة "سي آي إي أفيايشن" (CAE Aviation) الكندية- قامت بطلعات عديدة في سماء طرابلس يومي 9 و10 أبريل/نيسان 2019، أي في أوج المعركة التي شنها حفتر على العاصمة.

وفي تقرير لها بتاريخ 17 أبريل/نيسان الماضي، خلصت صحيفة "بوليتيكو" الأميركية إلى أن باريس كانت ضالعة منذ عام 2015 على الأقل في مساعدة حفتر على بناء قواته، على أمل السيطرة على ليبيا وثروتها النفطية الكبيرة.

ورأت الصحيفة أن فرنسا تلعب "لعبة مزدوجة" في ليبيا، إذ تدعم في الظاهر عملية السلام بوساطة الأمم المتحدة وتدعو الفرقاء للحوار، في حين أنها تزود حفتر بالسلاح والتدريب والمعلومات الاستخبارية وبالقوات الخاصة أحيانا.

هذا التدخل الفرنسي لفائدة حفتر أثار انتقادات دائمة من حكومة الوفاق الوطني الليبية، آخرها البيان الذي أصدره المجلس الأعلى للدولة في ليبيا عن أن لديه "معلومات استخباراتية" تشير إلى هجوم وشيك لقوات حفتر على طرابلس مدعومة بسلاح وأفراد من قبل مصر والإمارات وفرنسا، كما كان الدور الفرنسي مثار انتقادات من إيطاليا ودول أخرى.

كما كان الدور الفرنسي مثار نقاش في البرلمان الفرنسي نفسه (الجمعية الوطنية) الذي أعلن يوم 25 يوليو/تموز 2019 تشكيل لجنة مكونة من 30 عضوا، للتحقيق في ملابسات هذا الدور "المثير للشكوك" ومدى وجود" إجراءات سرية تدبر لصالح حفتر".

روسيا..عودة الرهان القديم

منذ زيارته لحاملة الطائرات الروسية الأدميرال كوزنتسوف في البحر الأبيض المتوسط في يناير/كانون الثاني 2017 ومحادثاته مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو (عبر دائرة تلفزيونية)، بدأ حفتر يستفيد بشكل جلي من الدعم الروسي عسكريا ودبلوماسيا، ووقفت موسكو في مجلس الأمن ضد إدانة عمليته العسكرية بطرابلس.

وفي غضون أسابيع من ذلك الاجتماع، بدأت شحنات قطع الغيار لطائرات "ميغ" و"سوخوي" -وهي عماد سلاح الجو الليبي في عهد القذافي- وكذلك قطع غيار الدبابات والذخائر المختلفة في التدفق إلى قاعدة الأبرق الجوية (شرق مدينة البيضاء مقر الحكمة المؤقتة التي تدعم حفتر).

كما دعمت موسكو حفتر بالمشورة الفنية، وزودته بالخبراء خارج دائرة حظر التسليح المفروض على ليبيا، وأبرمت معه صفقات سلاح تم معظمها على نحو غير مباشر عن طريق مصر أساسا، وبأسلحة قادمة من روسيا البيضاء أو دول أخرى قريبة من موسكو.

في يوليو/تموز 2018، قالت صحيفة واشنطن تايمز الأميركية إن وكالة الاستخبارات الأميركية تراقب عن كثب الأنشطة العسكرية الروسية في ليبيا بحثا عن مؤشرات بشأن نية موسكو إنشاء قاعدة عسكرية في ليبيا.

وأشارت الصحيفة إلى أن حفتر هو من يدفع باتجاه وجود عسكري روسي في ليبيا، ولا سيما أنه أصبح من الزوار المنتظمين لموسكو منذ عام 2016.

وحسب ما أوردته الصحيفة (عدد 11 يوليو/تموز 2018)، فإن القوات الخاصة الروسية موجودة في شرقي ليبيا منذ مارس/آذار 2017، بما في ذلك شركة "آر أس بي" للاستشارات العسكرية التي نشرت عشرات من المرتزقة المسلحين في مهمات شرقي ليبيا.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يستقبل اللواء المتقاعد خليفة حفتر أثناء إحدى زياراته لموسكو (رويترز)

وذكرت "واشنطن تايمز" أن تقارير إخبارية من ليبيا تشير إلى أن عناصر شركة "آر أس بي" يشاركون في أعمال متفق عليها، ويستكشفون مواقع لقاعدة عسكرية روسية في طبرق أو بنغازي، كما تنشط شركة فاغنر -وهي أشهر شركة خدمات عسكرية روسية- في الشرق الليبي.

وتؤكد مصادر ليبية وجود مساعٍ روسية -بطلب من حفتر- لإنشاء قاعدة عسكرية شرق البلاد، وأشارت تقارير إلى وجود خبراء أسلحة روس في قاعدة جمال عبد الناصر الجوية بطبرق.

صورة من تقريرين لمجلة لوبوان الفرنسية وموقع ميدوزا الروسي يشيران إلى مقتل مرتزقة روس يقاتلون مع حفتر في ليبيا

في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2019 كشف موقع "ميدوزا" الروسي عن مقتل 35 من المرتزقة الروس من مليشيا "فاغنر" الخاصة في غارة جوية نفذها طيران حكومة الوفاق في سبتمبر/ أيلول الماضي قرب العاصمة الليبية طرابلس.

ونقلت صحيفة "لوبوان" الفرنسية في عددها ليوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 2019 عن الموقع أنّ هؤلاء المرتزقة يقاتلون لمصلحة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، مشيرة إلى أن ألكساندر كوزنتسوف أحد أبرز قادة هذه المليشيا والمعروف باسم "راتيبور" أصيب بجروح خطيرة أثناء المعارك.

من جهتها كشفت وكالة بلومبرغ الأميركية يوم ‏25‏ ‏سبتمبر/أيلول2019‏ أن أكثر من 100 مرتزق روسي من مجموعة فاغنر -التي يرأسها يفغيني بريغوزين المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين- وصلوا إلى شرق ليبيا لدعم قوات حفتر في محاولاتها للسيطرة على طرابلس وقتل بعضهم قتل أثناء المعارك. وأكدت أن عددهم وصل في سبتمبر/ أيلول الماضي، إلى 1400 جندي، بينهم 25 طيارا.

وتتقاطع هذه الأخبار في التوقيت والمكان مع ما أعلنته حكومة الوفاق يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول عن مقتل ثمانية من المرتزقة الروس من قوات حفتر بمعارك طرابلس. كما نشر قام نشطاء ليبيون في مواقع التواصل الاجتماعي صورا لمستندات وخطط عسكرية مكتوبة بخط اليد، وصور شخصية وهواتف نقالة وبطاقات ائتمان مصرفية تعود لعناصر من شركة فاغنر الروسية قتلوا في المعارك.

وأثار توسع نشاط ميليشيات "فاغنر" في ليبيا الولايات المتحدة، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2019 اتهم مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر روسيا بشكل مباشر بنشر "قوات بأعداد كبيرة لدعم الجنرال الليبي خليفة حفتر"، مشيرا إلى أن "روسيا تنشر الآن أفرادا يرتدون الزي الرسمي هناك لحسم معركة طرابلس"

وتنفي روسيا الاتهامات الأميركية والتقارير التي تؤكد وجود عناصر فاغنر، لكن المتحدث العسكري باسم قوات حفتر أحمد المسماري أكد في تصريح لوسائل إعلام محلية "وجود طاقم أو طاقمين من العسكريين الروس مهمتهم فنية، واستجلبوا لغرض صيانة المعدات والآليات العسكرية فقط" على حد تعبيره.

وعبر حفتر، تسعى موسكو إلى التعويض عن خسائرها عندما وافقت على القرار الأممي رقم 1973 لسنة 2011 بشأن ليبيا، وإعادة إحياء العديد من المشاريع المعطلة معها، ومن ذلك الاتفاق مع النظام السابق الذي يعود إلى عام 2008 لإقامة قاعدة بحرية روسية في بنغازي.

كيف يصل السلاح إلى حفتر؟

بحكم الحظر الأممي على توريد السلاح لأطراف النزاع في ليبيا يصل السلاح إلى حفتر بطرق ملتوية تلتف على القرارات الدولية، وعبر شركات وعملاء ووسطاء، خاصة في أوروبا الشرقية السابقة، حيث يوجد فائض من السلاح السوفياتي القديم (مولدوفيا، تشيكيا، روسيا البيضاء، بلغاريا)، وتكون الإمارات أو أطراف تابعة لها غالبا اللاعب الرئيسي.

ونظرا لسهولة رصد وتتبع حركة السفن المحملة بالأسلحة وإيقافها بحكم القرار الأممي الذي يسمح بتفتيش السفن قبالة السواحل الليبية، لعبت طائرات الشحن الجوي من طراز "إليوشين" و"أنتونوف" دورا كبيرا في إيصال السلاح وحتى الأموال لحفتر وقواته باعتبارها الطريقة الأنجع والأسرع.

ويظهر تحليل صور وبيانات أن طائرة الشحن "أيل 18- دي" (IL-18D) التي تحمل رقم "ER-ICS" وتملكها شركة مسجلة في مولدافيا وتستأجرها أخرى إماراتية تواجدت في الفترة بين يونيو/حزيران 2016 ويناير/كانون الثاني 2017 أكثر من مرة في مطارات الزنتان والجفرة ونالوت وبنينا (بنغازي) وقاعدة الخادم الجوية (بنغازي)، وكانت تحمل عتادا وجنودا وأحيانا أموالا كما أظهرت صور متطابقة.

كما تؤكد بيانات وصور للأقمار الصناعية -حصلت عليها الجزيرة- أن طائرات شحن تسيّر رحلات منتظمة بين مصر والأردن وإسرائيل وشرقي ليبيا، اثنتان منها من طراز "إليوشين إي أل 76"، وهي طائرات شحن روسية عملاقة.

طائرة إليوشين في قاعدة بنينا في بنغازي (الجزيرة)

تواتر وصول الطائرتين إلى مطار بنينا وقاعدتي الخادم الجوية (بنغازي) والجفرة (جنوبي البلاد) في شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان 2019 (قبيل هجوم حفتر على طرابلس يوم 4 أبريل/نيسان)، لتفريغ شحنات مجهولة يرجح أنها أسلحة، وغالبا ما تقوم معظم الطائرات الواصلة إلى مناطق سيطرة حفتر بإغلاق جهاز التتبع الخاص بها للتعتيم على مسارها ووجهتها.

وتثبت بيانات مواقع الشحن العالمية أن الطائرتين مسجلتان في كزاخستان لشركة "أير ألمانيا" ثم شركة "سيغما للطيران" التي تعد شركة "ريم ترافل" الإماراتية وكيلها التجاري وتمتلك نسبة 49% فيها، وقد ظهرت الطائرتان مرات عدة في مطارات الإمارات وفق مواقع رصد الطائرات العالمية.

ووفق مواقع رصد الطائرات العالمية، هبطت طائرتان عسكريتان من طراز "توبوليف تو- 154 أم" (Tupolev Tu-154m) تتبعان القوات الجو فضائية الروسية في قاعدة الخادم يومي 17 و22 أكتوبر/تشرين الأول 2018 قادمتين من الخرطوم، وغادرتا إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية غربي سوريا.

كما أقلعت طائرة نقل من طراز "إيل 79 (Il-76) في الرابع من الشهر نفسه من قاعدة حميميم التي تديرها روسيا في محافظة اللاذقية السورية عبر جزيرة كريت القريبة من السواحل الليبية، وأغلقت أجهزة التتبع الخاصة بها، ويرجح أنها وصلت إلى مطار الخادم.

هذا التدفق الكبير في الأسلحة بطرق التفافية وغير مشروعة في القانون الدولي مكن حفتر من اكتساب آلة حربية عززت طموحاته العسكرية والسياسية في ضرب أسس الحل السلمي في ليبيا القائم على اتفاقات دولية، ومحاولة السيطرة على كل الأرضي الليبية.

وتنظر الإمارات ومصر وكذلك فرنسا وروسيا إلى حفتر كمشروع "رجل مدجج بالسلاح" لتحقيق مصالح جيوسياسية واقتصادية في ليبيا والمنطقة، لكن هذا الرهان يصطدم بالواقع الليبي ورفض مكوناته المختلفة عودة الدكتاتورية العسكرية، وهو الآن في اختبار معركة طرابلس التي يتعثر فيها اللواء المتقاعد بما قد ينسف أهدافه العسكرية والسياسية وطموحات من يراهن عليه.

بالسلاح والمرتزقة والدعم الاستخباراتي..
كيف صنعت بعض الدول من حفتر أمير حرب؟

منذ بدء حملته العسكرية المسماة "عملية الكرامة" ببنغازي في مايو/أيار 2014 تواترت الأدلة عن حصول اللواء المتقاعد خليفة حفتر على أسلحة من الإمارات العربية المتحدة ومصر ودول أخرى رغم الحظر الأممي، لكن هجومه على طرابلس التي بدأه في 4 أبريل/نيسان 2019 وما تلاها من محاولات اقتحام العاصمة آخرها في 12 ديسمبر/كانون الأول الجاري كشف عن دعم هائل وترسانة كبيرة من هذه الأسلحة مصدرها الأساسي الإمارات ومصر، يسندهما دور فرنسي وروسي نشط على اختلاف طريقة الإسناد والغايات.

خلال الأشهر الأخيرة من حربها على طرابلس كثفت قوات حفتر غاراتها بالطائرات بدون طيار الحديثة من نوع "وينغ لونغ2" (Wing Loong 2) التي تستعمل صواريخ "بلو آرو بي أي7"، وظهرت أرتال العربات المدرعة الإماراتية من نوع "تايغر" واستعملت صواريخ "بانتسير أس 1" (Pantsir-s1) قصيرة ومتوسطة المدى المضادة للطائرات والتي تملكها كل من الإمارات ومصر وزودت بها قوات حفتر.

وفي 29 يونيو/حزيران الماضي أكد الناطق باسم الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني محمد قنونو خلال مؤتمر صحفي عقده في غريان أن قوات الوفاق استولت إثر سيطرتها على المدينة على 70 عربة سليمة ومدرعات إماراتية وطائرات مسيرة وصواريخ أميركية الصنع، كما عثر على صواريخ "جافلين" الأميركية اعترفت فرنسا بملكيتها لها.

تؤكد هذه الأسلحة المصادرة أن حفتر استفاد طوال سنوات الحرب بشكل ممنهج ومستمر من الدعم الإماراتي والمصري والفرنسي إضافة إلى دعم روسي تكثف في الأشهر الأخيرة، ليبسط سيطرته على بنغازي، ثم تعزيز نفوذه شرقا والتمدد إلى الجنوب والغرب.

وكانت السيطرة على طرابلس قطب الرحى في إستراتيجية حفتر والإمارات العسكرية والسياسية، ولذلك تكثف الدعم بالأسلحة النوعية والمرتزقة قبيل معركة طرابلس التي أطلقها في أبريل/نيسان 2019 وخلال هجومه الأخير حيث ظهرت المروحيات الهجومية الروسية من نوع "MI35"، في خرق واضح لقرار الأمم المتحدة رقم 1970 الصادر في مارس/آذار 2011 الذي يحظر صادرات السلاح إلى ليبيا.

صاروخ بلو آرو الإماراتي المصدر ااذي استخدمته طائرة يونغ لونغ في قصف طرابلس (وسائل التواصل)

رجل الحرب.. وأجندة مصر والإمارات

بداية عام 2014 بادرت مصر بتقديم دعم قوي ومستمر لحفتر بمنحه بعض الطائرات المقاتلة والمروحيات التي خرجت من الخدمة في جيشها، وبذلك وجدت ثماني طائرات من طراز "ميغ 21 أم أف" (MiG-21MF) وعشر مروحيات مقاتلة من طراز "مي 8 تي" (Mi8-T) وشحنات كبيرة من قطع الغيار والذخيرة طريقها إلى طبرق مركز سيطرة اللواء المتقاعد، ثم بدأ التعاون الإماراتي المصري الوثيق في بناء ترسانة حفتر.

وتشير التقارير إلى أن الإمارات زودت أيضا قوات حفتر في أبريل/نيسان 2015 بأربع مروحيات هجومية من طراز "مي 24 بي" (MI 24P) اشترتها من روسيا البيضاء عام 2014.

في يونيو/حزيران من العام نفسه، نشرت حسابات إلكترونية صورا لطائرة خفيفة من نوع "إيوماكس أي تي 802"(IOMAX AT-802) المعروفة أيضا باسم "إير تراكتور" (Air Tractor) أميركية الصنع وتابعة لسلاح الجو الإماراتي في قاعدة جوية ليبية، وكانت علاماتها الوطنية مخفية، وتستخدم هذه الطائرة للرش الزراعي، كما يمكن تعديلها لحمل الصواريخ والقنابل.

وكانت قوات حفتر قد استولت في أغسطس/آب 2014 على طائرات إضافية إثر سيطرتها على قاعدة الوطية الجوية (قرب مدينة العجيلات غرب ليبيا)، حيث تربض طائرات قديمة من طراز "ميراج أف 1" (Mirage- f1) الفرنسية المقاتلة وقاذفات"سوخوي22 أس" (Su-22s) الروسية التي تعود إلى زمن القذافي.

استحوذت قوات حفتر على معظم الطائرات الموجودة في مرابضها منذ سنوات من نوع "ميغ 21" (MiG-21) و"ميغ 23" (Mig 23) ومروحيات من نوع "مي 8" (MI 8) و"مي 35" (MI 35) و"مي 17" (MI 17)، ودبابات "تي 54" (T 54) و"تي 55 (T55)، وجميعها أسلحة سوفياتية معطلة يعود تاريخها إلى عهد القذافي وتستوجب إصلاحا وصيانة، وهنا جاء الدعم المصري بقطع الغيار والتدريب.

تولت مصر تدريب عدد كبير من طياري المقاتلات والمروحيات، وتشير التقارير إلى تخريج 35 منهم في يوليو/تموز 2016، كما بثت قناة "ليبيا الحدث" تقريرا في 11 مارس/آذار 2018 لتخريج دفعة من طياري "مي 24 بي ميل"(MI 24p Mil) الروسية الصنع -سبق أن زودت بها الإمارات قوات حفتر عام 2015- تلقوا تدريباتهم في مصر.

وقبل تجهيز الطيارين المؤهلين نفذ طيارون من الإمارات هجمات في ليبيا لصالح قوات حفتر، ونشر موقع "ميدل إيست آي" في سبتمبر/أيلول 2016 تسجيلات صوتية بين طيار إماراتي كان يستهدف بمقاتلته مواقع قرب بنغازي وضابط مراقبة ليبي في قاعدة بنينا الجوية في بنغازي، كما وظفت طيارين أجانب لتنفيذ عمليات قصف.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 ذكرت مجلة "إنتلجنس أونلاين" (Intelligence Online) المتخصصة في متابعة أجهزة الاستخبارات في العالم أن مؤسس شركة الأمن الأميركية "بلاك ووتر" (Blackwater) إريك برنس ينفذ عمليات إماراتية خاصة في ليبيا، حيث يقود مرتزقة من شركته مقاتلات تقلع من قاعدة الخادم قرب بنغازي (كانت تعرف سابقا بالخروبة).

وأواخر عام 2015، كانت الإمارات قد زودت حفتر بطائرتين مسيرتين من طراز "كام كوبتر أس 100"" (Camcopter s-100) رصدت إحداهما فوق بنغازي في مايو/أيار 2016، وتم الاعتماد ضباط إماراتيين لتسييرها انطلاقا من مطار بنينا أو قاعدة الخادم الجوية الواقعة جنوب بلدة المرج شرق بنغازي قبل تدريب كوادر ليبية.

بدعم إماراتي تكثف أيضا استخدام الطائرات المسيرة منذ عام 2016 في أجواء بنغازي باعتبار أنها معركة حفتر الرئيسية في ذلك الوقت، وقامت طائرات الاستطلاع من طراز "كام كوبتر" بمهمات وغارات في منطقة قنفودة وأحياء سوق الحوت والصابري والهواري (معاقل المعارضة) أدت إلى مقتل مدنيين.

استعملت في معارك بنغازي كذلك قنابل من طراز "أم كي 82" (Mk 82) أميركية الصنع ومصدرها الإمارات، وقد ظهرت في صور وثقها مجلس شورى ثوار بنغازي وسرايا الدفاع عن بنغازي.

حطام طائرة إماراتية بدون طيار تابعة لقوات حفتر أسقطت قرب طرابلس (الجزيرة)

في إطار الخرق الإماراتي المتواصل للحظر الأممي، كشف تقرير للأمم المتحدة في فبراير/شباط 2018 أن السلطات التشيكية أوقفت -بموجب بلاغ من الخبراء الأمميين- تسليم محركات خاصة بمروحيات من طراز "مي 24 في" (Mi-24v) إلى الإمارات حتى الحصول على مزيد من التوضيح.

وكانت شركة تشيكية مملوكة للدولة قد سلمت أبو ظبي في أبريل/نيسان 2017 سبع طائرات من هذا الطراز بموجب رخصة تصدير ممنوحة في سبتمبر/أيلول 2015، ويعتقد أن هذا الطائرات ومحركاتها لفائدة قوات حفتر في ليبيا.

ورغم قرار الأمم المتحدة فإن طائرات شحن إماراتية مجهولة الحمولة كانت تصل تباعا إلى مطار بنينا في بنغازي، ويتم تفريغها وسط إجراءات أمنية مشددة.

في 12 أبريل/نيسان 2019 تم تداول صور تؤكد وصول طائرتي شحن إماراتيتين قادمتين من دبي، واعترفت إدارة مطار بنينا بوصولهما، لكنها قالت إنهما تحملان مساعدات من مؤسسة زايد الخير، لدعم مؤسسات خيرية في الجنوب، ويرجح أن تكون الحمولة أسلحة وذخائر.

مطار الخادم.. نقطة الارتكاز الإماراتية

وفي يوليو/تموز 2016 أكدت صور الأقمار الصناعية وجود ست طائرات "أير تراكتور" وثلاث طائرات مسيرة يرجح أنها طراز "وينغ لونغ" الصينية الصنع في مطار الخادم العسكري بمنطقة المرج (الخروبة)، وتعد الإمارات ومصر ومجموعة قليلة من الدول القليلة التي تستخدم هذه الطائرة.

ونشرت وسائل الإعلام التابعة لسرايا الدفاع عن بنغازي في سبتمبر/أيلول 2016 صورا ومعلومات عن أنواع الطائرات التي قالت إنها شاركت في غارات جوية في بنغازي، مشيرة إلى أن طائرة "أير تراكتور" نفذت 27 عملية قصف، في حين قامت الطائرات المسيرة بـ235 عملية استطلاع انطلاقا من قاعدة الخادم.

أصبحت قاعدة الخادم نقطة ارتكاز الإمارات عسكريا في ليبيا، وهي تقع جنوب مدينة المرج بنحو 65 كلم، وتبعد نحو 100 كلم عن مدينة بنغازي، وهي قاعدة سرية أنشأها نظام القذافي في ثمانينيات القرن الماضي، وتبلغ مساحتها نحو عشرة كيلومترات مربعة.

وبدأت أسرار السعي الإماراتي للسيطرة على هذه القاعدة في 2016 حين كشفت مجلة "جاينس360" (Jane's 360) البريطانية المتخصصة بالأمن والدفاع عن صورة من القمر الصناعي (Airbus Defence and Space satellite )قالت إنها لقاعدة جوية إماراتية جديدة في شرقي ليبيا، وحتى يونيو/حزيران 2016 كانت هذه القاعدة عبارة عن مطار شبه مهجور.

وأوضحت المجلة أن مطار الخادم يحتوي على عدد من طائرات "وينغ لونغ" (Wing Loong) وست طائرات من طراز "AT-802 Air Tractor" مطورة، وطائرتي نقل وإسناد من طراز "يو أتش 60 بلاك هوك" (UH-60 Blackhawk) ، وأشارت أيضا إلى أن الطائرات الإماراتية تنطلق أحيانا من القواعد الجوية الغربية لمصر -وتحديدا قاعدة سيوة الجوية بمحافظة مرسى مطروح- لتنفيذ عملياتها في ليبيا.

صور أقمار صناعية تبين تطور العمل في قاعدة الخادم بين أكتوبر/تشرين الأول 2016 ومارس/آذار 2017 (وسائل التواصل)

قبل أن يتم تجهيز قاعدة الخادم، تشير المعطيات إلى أن قاعدة سيوة الجوية (45 كلم من الحدود الليبية) وقبلها قاعدة سيدي البراني (95 كلم عن الحدود الليبية) كانتا في البداية مركز الثقل الرئيسي في الجهد لمصري الإماراتي لدعم حفتر، خصوصا قبل تجهيز قاعدة الخادم وتطويرها.

تؤكد صور الأقمار الصناعية -التي نشرها موقع "فريدوم أوف رايتنغ" (Freedom of Writing) - التطوير الكبير الذي شهدته القاعدة المصرية، كما تظهر في الفترة بين 23 فبراير/شباط و1 مارس/آذار 2017 نشاطا مكثفا للطائرات المسيرة والمقاتلات، وهي نفس الفترة التي أعلنت فيها مصادر ليبية عن قصف طائرات مجهولة مواقع في الهلال النفطي وبنغازي ودرنة.

وتبرز صور الأقمار الصناعية الملتقطة في يونيو/حزيران 2017 أيضا وجود ثلاث طائرات شحن إماراتية ثقيلة بالقاعدة، اثنتان من طراز "سي 17 غلوب مستر" (C17-Globemaster) وثالثة من طراز "طراز سي 130" (C130) في القاعدة.

لكن قاعدة الخادم كانت أولوية بالنسبة للإمارات، وقد عكست صور الأقمار الصناعية الملتقطة مدى اهتمام أبو ظبي بها، والعمل الحثيث فيها سنة 2017 لتتحول إلى مركز العمليات الرئيسي، ونشر موقع "وور إيز بورينغ" (War is boring) الأميركي في ديسمبر/كانون الأول 2017 صورا تؤكد تسارع البناء في القاعدة.

من جانبه، أظهر تقرير للأمم المتحدة في يونيو/حزيران 2017 صورا لمواقف السيارات العسكرية الضخمة وملاجئ الطائرات الجديدة التي يمكن أن تستوعب المقاتلات النفاثة المتطورة في القاعدة، ويؤكد التقرير أن القاعدة شهدت بين عامي 2014 و2017 تطورا كبيرا وتوسيع ومد مدارج الطائرات، واتهم التقرير أبو ظبي صراحة بانتهاك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا، وبتقديم مروحيات قتالية وطائرات حربية لقوات حفتر.

وترجح الأدلة التي نشرتها الأمم المتحدة وتقارير متعددة أن القاعدة تعد غرفة العمليات الرئيسية للقيادة والسيطرة، حيث يوجد خبراء إماراتيون وآخرون توظفهم، وقد تم تجهيزها بمنظومات تربطها بقاعدة بنينا في بنغازي ومواقع أخرى، ومنها تتم إدارة العمليات العسكرية الرئيسية لقوات حفتر واستقبال طائرات الشحن العملاقة التي تأتي من الإمارات ومصر أو عن طريق السودان.

وتظهر وثائق حصلت عليها الجزيرة نت رسالة من السفارة الإماراتية في الخرطوم إلى الخارجية السودانية بتاريخ 19 مايو/أيار 2019 تطلب فيها الحصول على تصريح دبلوماسي لطائرتي شحن من نوع (C17) تابعتين للقوات المسلحة الإماراتية للعبور والهبوط بمطار الخرطوم، خلال عبورها لنقل "ركاب وحمولات متفرقة" من الخرطوم إلى مطار الخروبة في ليبيا.

وذكرت الرسالة أن الرحلة ستكون خلال فترة زمنية تبدأ من 25 مايو/أيار الماضي إلى 26 من الشهر ذاته وأن خط سيرها سيكون من مطار أبو ظبي إلى مطار الخرطوم، ثم إلى مطار الخروبة، ثم إلى مطار أبو ظبي من جديد مرورا بالعاصمة المصرية القاهرة، ويرجح أن الحمولة عتادا وجنودا بما يؤكد أن الدعم الإماراتي استمر قبل وبعد هجوم حفتر على طرابلس.

وتشير تقارير إلى أن الإمارات تتعاون مع قائد "قوات الدعم السريع" في السودان محمد حمدان دقلو (حميدتي) في دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر بالمقاتلين، وفي 9 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري كشف تقرير أممي لفريق الخبراء التابع للجنة العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا أن ألف جندي سوداني من "قوات الدعم السريع" أُرسلوا إلى الشرق الليبي في يوليو /تموز2019، وأن"حميدتي" أرسل تلك القوة لحماية بنغازي، وتمكين قوات حفتر من الهجوم على طرابلس، كما نقَل عن عدد من المصادر قولها إن "قوات الدعم السريع" تمركزت في وقت لاحق بمنطقة الجفرة بجنوبي ليبيا.

جنجويد" يعترفون بقتالهم لصالح حفتر
سفينة الكرامة التي اشترتها الإمارات لفائدة البحرية التابعة لقوات حفتر (وسائل التواصل)

عملت الإمارات أيضا على تقوية جيش البر (المشاة) التابع لحفتر بتوفير ناقلات جنود مدرعة من طراز "تايغر" الأميركية، كما وصلت إلى ميادين القتال مدرعة "نمر 2" المصرية ومدرعات أردنية والمئات من سيارات الدفع الرباعي المعدلة من نوع تويوتا التي يمكن تجهيزها برشاشات من عيار 12.7 و14.5 ومدفع عيار 106 ملم والصواريخ المضادة للدروع.

وفي مايو/أيار 2018 سلمت أبو ظبي قوات حفتر أيضا سفينة دوريات البحرية "الكرامة"، وهي قطعة بحرية بنيت في إيرلندا عام 1979 وكانت تعمل في بحريتها قبل أن يتم شراؤها في مزاد علني من قبل شركة مقرها في الإمارات.

كما حصلت البحرية التابعة لحفتر من فرنسا على عدد من الزوارق السريعة وأسلحتها وذخائرها، وأكدت مصادر في حكومة الوفاق أن بارجة فرنسية رست يوم 27 أبريل/نيسان 2019 في ميناء رأس لانوف، وأنزلت تلك الزوارق والأسلحة والمعدات تحت حراسة شديدة من قوات حفتر، ويرجح أن تكون الصفقة بتمويل إماراتي.

بالإضافة إلى جيشه، عملت أبو ظبي على رعاية حفتر شخصيا، فوفرت له فرق الحماية والدعم المالي واللوجستي، وتعود ملكية الطائرة "فالكون 900"(Falcon 900) -التي تحمل الرقم "P4-RMA" ويتنقل بها اللواء المتقاعد داخل ليبيا وأحيانا خارجها- إلى شركة إماراتية مقرها دبي.

الضوء الأخضر السعودي

يوم 27 مارس/آذار 2019، زار اللواء المتقاعد خليفة حفتر السعودية، حيث استقبله الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، وأجرى أيضا مباحثات مع وزير الداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات العامة.

جاءت الزيارة -كما اتضح لاحقا- قبيل عملية عسكرية كبرى كان يعد لها حفتر، تقضي بالهجوم على العاصمة طرابلس، وبالتالي السيطرة على المنطقة الغربية والهيمنة على الدولة الليبية وفق ما خطط له.

وأشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية -في عددها ليوم 12 أبريل/نيسان 2019- إلى أن الرياض وعدت حفتر بعشرات ملايين الدولارات للمساعدة في دفع تكاليف العملية العسكرية التي أطلقها في طرابلس يوم 4 أبريل/نيسان.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سعودي بارز -لم تسمه- قوله "لقد كنا كرماء معه"، في إشارة إلى تلقي اللواء الليبي المتقاعد دعما ماليا سخيا من المملكة لإنجاز مهمته العسكرية في ليبيا.

إضافة إلى المساعدة المالية، كان حفتر يطمح من خلال تلك الزيارة لتدخل سعودي لدى واشنطن لإقناعها بحملته على طرابلس، وأن تستخدم أيضا نفوذها على بعض الدول العربية لطمأنتها بشأن العملية وتوابعها.

عاد حفتر إلى ليبيا بعد تلقيه الدعم المالي والتطمينات اللازمة، وحصل على الضوء الأخضر لبدء الهجوم على طرابلس وتنفيذ ما يراه الجزء الأخير من مشروعه العسكري والسياسي.

قبل سنوات، كانت الرياض قد انضمت عمليا إلى كل من الإمارات ومصر في تبني مشروع حفتر في ليبيا، ففي أغسطس/آب 2017 اعتقلت ثلاثة من القياديين المحسوبين على حكومة طرابلس أثناء تأديتهم العمرة، وسلمتهم إلى سلطات شرق ليبيا الموالية لحفتر استجابة لطلب من الإمارات.

وجاء هذا الاصطفاف السعودي إلى جانب حفتر باعتبار المملكة جزءا من هذا التحالف الذي يناهض الثورات الشعبية في المنطقة ويدعم سيطرة العسكر على الحكم، كما أنه يشكل امتدادا لتحالف التيار المدخلي السلفي ذي الخلفية الوهابية في ليبيا مع اللواء المتقاعد والقتال إلى جانبه.

فحينما أطلق حفتر عام 2014 ما عرف بعملية الكرامة، أفتى الشيخ السلفي السعودي ربيع المدخلي لأتباعه في ليبيا بالقتال ضمن قوات حفتر، باعتباره "ولي أمر شرعيا" مخولا من "ولي الأمر" -أي البرلمان المنعقد في طبرق- وبناء على ذلك انضمت المئات من هذا التيار للقتال في صفوف قوات حفتر في معارك بنغازي ودرنة وغيرها، ضمن ما عرف بـ"كتائب التوحيد".

وبالإضافة إلى مئات المقاتلين الموزعين على محاور القتال، سمح حفتر بتغلغل أتباع التيار المدخلي في معظم الأجهزة والإدارات في مناطق سيطرته شرق ليبيا، وخاصة بوزارة الأوقاف ودار الإفتاء، وبالتالي سيطروا على المساجد والمنابر.

فرنسا.. التباس الدور

في 21 أغسطس/آب 2019 كشف مصدر حكومي رفيع المستوى بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية أن فرقة عسكرية فرنسية داعمة لقوات حفتر، جهزت محطة للتحكم بالطائرات المسيرة وتركيبها في مطار ميناء السدرة النفطي شمالي البلاد وتوجيهها لاستهداف الكلية والقاعدة الجوية بمدينة مصراتة، ومواقع قوات حكومة الوفاق شرق وجنوب المدينة، وفي مناطق وسط البلاد.

كما كشفت مصادر ليبية للجزيرة أن هناك فرقة فرنسية أخرى في مقر إحدى الشركات بمدينة هون في منطقة الجفرة وسط ليبيا، وتشرف من داخل غرفة عمليات عسكرية على سير المعارك جنوبي طرابلس، حيث تسعى قوات حفتر منذ أبريل/نيسان الماضي للسيطرة على العاصمة.

مصادر ليبية كشفت عن وجود فرقة فرنسية بمدينة هون تشرف على سير معركة طرابلس التي شنها حفتر

ويعود الدعم الفرنسي الخفي لحفتر إلى سنوات مضت، ففي 20 يوليو/تموز 2016 اعترفت وزارة الدفاع الفرنسية بمقتل ثلاثة عسكريين لها في بنغازي، مؤكدة بذلك للمرة الأولى المعلومات التي تحدثت عن مقتل جنود فرنسيين كانوا على متن طائرة تابعة لقوات حفتر في ليبيا، بعدما أسقطتها قوات مجلس شورى ثوار بنغازي.

وكانت باريس قد أنكرت طوال شهر كامل ما ذكره تقرير صحيفة لوموند الفرنسية عن وجود قوات خاصة فرنسية تساعد قوات حفتر، مشيرة إلى أن طائراتها تجمع معلومات عن ليبيا.

وجاءت قضية صواريخ "جافلين" المضادة للدروع -وهي صواريخ أميركية باعتها واشنطن لفرنسا عام 2010- والتفسيرات الفرنسية المرتبكة لوجودها في معقل قوات حفتر بمدينة غريان لتؤكد دور فرنسا في تسليح حفتر ودعم قواته.

ادعت وزارة الجيوش الفرنسية أن هذه الأسلحة "كانت موجهة للحماية الذاتية لفرقة فرنسية تم نشرها لأغراض استخباراتية فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، وأنها تالفة وغير صالحة للاستخدام، لذلك خزنت مؤقتا في أحد المستودعات لأجل تدميرها".

في 16 أبريل/نيسان 2019 أعلنت تونس اعتقال 13 شخصا يحمل معظمهم الجنسية الفرنسية دخلوا بطريقة غير قانونية بأسلحتهم من ليبيا، وسارعت باريس لتبرير موقفها بأن المجموعة كانت مكلفة بتأمين السفارة في طرابلس وانتهت مهامها.

لكن التفسيرات المرتبكة عززت فرضية كونهم مستشارين عسكريين كانوا يقدمون دعما لقوات حفتر في غرفة عمليات غريان، وهي المركز الرئيسي لعمليات حفتر سيطرت عليه قوات حكومة الوفاق في 27 يونيو/حزيران 2019.

وكشف تحقيق للجزيرة بث في 27 أبريل/نيسان 2019 أيضا عن قيام طائرتي تجسس ورصد مستأجرتين لفائدة الاستخبارات الفرنسية بعمليات استطلاع فوق ليبيا أكثر من مرة.

بدورها، أكدت مصادر عسكرية ليبية أن طائرة التجسس الفرنسية -التي تشغلها شركة "سي آي إي أفيايشن" (CAE Aviation) الكندية- قامت بطلعات عديدة في سماء طرابلس يومي 9 و10 أبريل/نيسان 2019، أي في أوج المعركة التي شنها حفتر على العاصمة.

وفي تقرير لها بتاريخ 17 أبريل/نيسان الماضي، خلصت صحيفة "بوليتيكو" الأميركية إلى أن باريس كانت ضالعة منذ عام 2015 على الأقل في مساعدة حفتر على بناء قواته، على أمل السيطرة على ليبيا وثروتها النفطية الكبيرة.

ورأت الصحيفة أن فرنسا تلعب "لعبة مزدوجة" في ليبيا، إذ تدعم في الظاهر عملية السلام بوساطة الأمم المتحدة وتدعو الفرقاء للحوار، في حين أنها تزود حفتر بالسلاح والتدريب والمعلومات الاستخبارية وبالقوات الخاصة أحيانا.

هذا التدخل الفرنسي لفائدة حفتر أثار انتقادات دائمة من حكومة الوفاق الوطني الليبية، آخرها البيان الذي أصدره المجلس الأعلى للدولة في ليبيا عن أن لديه "معلومات استخباراتية" تشير إلى هجوم وشيك لقوات حفتر على طرابلس مدعومة بسلاح وأفراد من قبل مصر والإمارات وفرنسا، كما كان الدور الفرنسي مثار انتقادات من إيطاليا ودول أخرى.

كما كان الدور الفرنسي مثار نقاش في البرلمان الفرنسي نفسه (الجمعية الوطنية) الذي أعلن يوم 25 يوليو/تموز 2019 تشكيل لجنة مكونة من 30 عضوا، للتحقيق في ملابسات هذا الدور "المثير للشكوك" ومدى وجود" إجراءات سرية تدبر لصالح حفتر".

روسيا..عودة الرهان القديم

منذ زيارته لحاملة الطائرات الروسية الأدميرال كوزنتسوف في البحر الأبيض المتوسط في يناير/كانون الثاني 2017 ومحادثاته مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو (عبر دائرة تلفزيونية)، بدأ حفتر يستفيد بشكل جلي من الدعم الروسي عسكريا ودبلوماسيا، ووقفت موسكو في مجلس الأمن ضد إدانة عمليته العسكرية بطرابلس.

وفي غضون أسابيع من ذلك الاجتماع، بدأت شحنات قطع الغيار لطائرات "ميغ" و"سوخوي" -وهي عماد سلاح الجو الليبي في عهد القذافي- وكذلك قطع غيار الدبابات والذخائر المختلفة في التدفق إلى قاعدة الأبرق الجوية (شرق مدينة البيضاء مقر الحكمة المؤقتة التي تدعم حفتر).

كما دعمت موسكو حفتر بالمشورة الفنية، وزودته بالخبراء خارج دائرة حظر التسليح المفروض على ليبيا، وأبرمت معه صفقات سلاح تم معظمها على نحو غير مباشر عن طريق مصر أساسا، وبأسلحة قادمة من روسيا البيضاء أو دول أخرى قريبة من موسكو.

في يوليو/تموز 2018، قالت صحيفة واشنطن تايمز الأميركية إن وكالة الاستخبارات الأميركية تراقب عن كثب الأنشطة العسكرية الروسية في ليبيا بحثا عن مؤشرات بشأن نية موسكو إنشاء قاعدة عسكرية في ليبيا.

وأشارت الصحيفة إلى أن حفتر هو من يدفع باتجاه وجود عسكري روسي في ليبيا، ولا سيما أنه أصبح من الزوار المنتظمين لموسكو منذ عام 2016.

وحسب ما أوردته الصحيفة (عدد 11 يوليو/تموز 2018)، فإن القوات الخاصة الروسية موجودة في شرقي ليبيا منذ مارس/آذار 2017، بما في ذلك شركة "آر أس بي" للاستشارات العسكرية التي نشرت عشرات من المرتزقة المسلحين في مهمات شرقي ليبيا.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يستقبل اللواء المتقاعد خليفة حفتر أثناء إحدى زياراته لموسكو (رويترز)

وذكرت "واشنطن تايمز" أن تقارير إخبارية من ليبيا تشير إلى أن عناصر شركة "آر أس بي" يشاركون في أعمال متفق عليها، ويستكشفون مواقع لقاعدة عسكرية روسية في طبرق أو بنغازي، كما تنشط شركة فاغنر -وهي أشهر شركة خدمات عسكرية روسية- في الشرق الليبي.

وتؤكد مصادر ليبية وجود مساعٍ روسية -بطلب من حفتر- لإنشاء قاعدة عسكرية شرق البلاد، وأشارت تقارير إلى وجود خبراء أسلحة روس في قاعدة جمال عبد الناصر الجوية بطبرق.

صورة من تقريرين لمجلة لوبوان الفرنسية وموقع ميدوزا الروسي يشيران إلى مقتل مرتزقة روس يقاتلون مع حفتر في ليبيا

في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2019 كشف موقع "ميدوزا" الروسي عن مقتل 35 من المرتزقة الروس من مليشيا "فاغنر" الخاصة في غارة جوية نفذها طيران حكومة الوفاق في سبتمبر/ أيلول الماضي قرب العاصمة الليبية طرابلس.

ونقلت صحيفة "لوبوان" الفرنسية في عددها ليوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 2019 عن الموقع أنّ هؤلاء المرتزقة يقاتلون لمصلحة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، مشيرة إلى أن ألكساندر كوزنتسوف أحد أبرز قادة هذه المليشيا والمعروف باسم "راتيبور" أصيب بجروح خطيرة أثناء المعارك.

من جهتها كشفت وكالة بلومبرغ الأميركية يوم ‏25‏ ‏سبتمبر/أيلول2019‏ أن أكثر من 100 مرتزق روسي من مجموعة فاغنر -التي يرأسها يفغيني بريغوزين المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين- وصلوا إلى شرق ليبيا لدعم قوات حفتر في محاولاتها للسيطرة على طرابلس وقتل بعضهم قتل أثناء المعارك. وأكدت أن عددهم وصل في سبتمبر/ أيلول الماضي، إلى 1400 جندي، بينهم 25 طيارا.

وتتقاطع هذه الأخبار في التوقيت والمكان مع ما أعلنته حكومة الوفاق يوم 5 أكتوبر/تشرين الأول عن مقتل ثمانية من المرتزقة الروس من قوات حفتر بمعارك طرابلس. كما نشر قام نشطاء ليبيون في مواقع التواصل الاجتماعي صورا لمستندات وخطط عسكرية مكتوبة بخط اليد، وصور شخصية وهواتف نقالة وبطاقات ائتمان مصرفية تعود لعناصر من شركة فاغنر الروسية قتلوا في المعارك.

وأثار توسع نشاط ميليشيات "فاغنر" في ليبيا الولايات المتحدة، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2019 اتهم مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر روسيا بشكل مباشر بنشر "قوات بأعداد كبيرة لدعم الجنرال الليبي خليفة حفتر"، مشيرا إلى أن "روسيا تنشر الآن أفرادا يرتدون الزي الرسمي هناك لحسم معركة طرابلس"

وتنفي روسيا الاتهامات الأميركية والتقارير التي تؤكد وجود عناصر فاغنر، لكن المتحدث العسكري باسم قوات حفتر أحمد المسماري أكد في تصريح لوسائل إعلام محلية "وجود طاقم أو طاقمين من العسكريين الروس مهمتهم فنية، واستجلبوا لغرض صيانة المعدات والآليات العسكرية فقط" على حد تعبيره.

وعبر حفتر، تسعى موسكو إلى التعويض عن خسائرها عندما وافقت على القرار الأممي رقم 1973 لسنة 2011 بشأن ليبيا، وإعادة إحياء العديد من المشاريع المعطلة معها، ومن ذلك الاتفاق مع النظام السابق الذي يعود إلى عام 2008 لإقامة قاعدة بحرية روسية في بنغازي.

كيف يصل السلاح إلى حفتر؟

بحكم الحظر الأممي على توريد السلاح لأطراف النزاع في ليبيا يصل السلاح إلى حفتر بطرق ملتوية تلتف على القرارات الدولية، وعبر شركات وعملاء ووسطاء، خاصة في أوروبا الشرقية السابقة، حيث يوجد فائض من السلاح السوفياتي القديم (مولدوفيا، تشيكيا، روسيا البيضاء، بلغاريا)، وتكون الإمارات أو أطراف تابعة لها غالبا اللاعب الرئيسي.

ونظرا لسهولة رصد وتتبع حركة السفن المحملة بالأسلحة وإيقافها بحكم القرار الأممي الذي يسمح بتفتيش السفن قبالة السواحل الليبية، لعبت طائرات الشحن الجوي من طراز "إليوشين" و"أنتونوف" دورا كبيرا في إيصال السلاح وحتى الأموال لحفتر وقواته باعتبارها الطريقة الأنجع والأسرع.

ويظهر تحليل صور وبيانات أن طائرة الشحن "أيل 18- دي" (IL-18D) التي تحمل رقم "ER-ICS" وتملكها شركة مسجلة في مولدافيا وتستأجرها أخرى إماراتية تواجدت في الفترة بين يونيو/حزيران 2016 ويناير/كانون الثاني 2017 أكثر من مرة في مطارات الزنتان والجفرة ونالوت وبنينا (بنغازي) وقاعدة الخادم الجوية (بنغازي)، وكانت تحمل عتادا وجنودا وأحيانا أموالا كما أظهرت صور متطابقة.

كما تؤكد بيانات وصور للأقمار الصناعية -حصلت عليها الجزيرة- أن طائرات شحن تسيّر رحلات منتظمة بين مصر والأردن وإسرائيل وشرقي ليبيا، اثنتان منها من طراز "إليوشين إي أل 76"، وهي طائرات شحن روسية عملاقة.

طائرة إليوشين في قاعدة بنينا في بنغازي (الجزيرة)

تواتر وصول الطائرتين إلى مطار بنينا وقاعدتي الخادم الجوية (بنغازي) والجفرة (جنوبي البلاد) في شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان 2019 (قبيل هجوم حفتر على طرابلس يوم 4 أبريل/نيسان)، لتفريغ شحنات مجهولة يرجح أنها أسلحة، وغالبا ما تقوم معظم الطائرات الواصلة إلى مناطق سيطرة حفتر بإغلاق جهاز التتبع الخاص بها للتعتيم على مسارها ووجهتها.

وتثبت بيانات مواقع الشحن العالمية أن الطائرتين مسجلتان في كزاخستان لشركة "أير ألمانيا" ثم شركة "سيغما للطيران" التي تعد شركة "ريم ترافل" الإماراتية وكيلها التجاري وتمتلك نسبة 49% فيها، وقد ظهرت الطائرتان مرات عدة في مطارات الإمارات وفق مواقع رصد الطائرات العالمية.

ووفق مواقع رصد الطائرات العالمية، هبطت طائرتان عسكريتان من طراز "توبوليف تو- 154 أم" (Tupolev Tu-154m) تتبعان القوات الجو فضائية الروسية في قاعدة الخادم يومي 17 و22 أكتوبر/تشرين الأول 2018 قادمتين من الخرطوم، وغادرتا إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية غربي سوريا.

كما أقلعت طائرة نقل من طراز "إيل 79 (Il-76) في الرابع من الشهر نفسه من قاعدة حميميم التي تديرها روسيا في محافظة اللاذقية السورية عبر جزيرة كريت القريبة من السواحل الليبية، وأغلقت أجهزة التتبع الخاصة بها، ويرجح أنها وصلت إلى مطار الخادم.

هذا التدفق الكبير في الأسلحة بطرق التفافية وغير مشروعة في القانون الدولي مكن حفتر من اكتساب آلة حربية عززت طموحاته العسكرية والسياسية في ضرب أسس الحل السلمي في ليبيا القائم على اتفاقات دولية، ومحاولة السيطرة على كل الأرضي الليبية.

وتنظر الإمارات ومصر وكذلك فرنسا وروسيا إلى حفتر كمشروع "رجل مدجج بالسلاح" لتحقيق مصالح جيوسياسية واقتصادية في ليبيا والمنطقة، لكن هذا الرهان يصطدم بالواقع الليبي ورفض مكوناته المختلفة عودة الدكتاتورية العسكرية، وهو الآن في اختبار معركة طرابلس التي يتعثر فيها اللواء المتقاعد بما قد ينسف أهدافه العسكرية والسياسية وطموحات من يراهن عليه.