رواد الفضاء ومخاطر الطريق إلى المريخ   
الخميس 1440/3/29 هـ - الموافق 6/12/2018 م (آخر تحديث) الساعة 19:32 (مكة المكرمة)، 16:32 (غرينتش)

هاني الضليع*

بعد النجاح الباهر لمسبار الفضاء "إنسيات" الذي حط على سطح المريخ نهاية نوفمبر/تشرين ثاني 2018 كثامن مسبار ينجح في الهبوط على سطح ذلك الكوكب الأحمر، لا يزال العلماء يأملون أن يتمكنوا من إرسال بعثة بشرية إلى سطحه في غضون السنين العشر المقبلة. وهي خطة طموحة تتطلع إليها وكالات الفضاء العالمية المختلفة. غير أن القضية ليست بتلك السهولة المتصورة.

صحيح أن عملية إنزال المسبار الأخير كانت سلسة للغاية مقارنة مع المسابير التي سبقته مثل أبورتشيونيتي وسبيريت وباث فايندر وكيريوسيتي، إلا أن عملية إرسال بشر سيكون لها إعداد مختلف كثيراً عما هو حاصل في حالة المركبات غير المأهولة.

ولو تصورنا أن المركبة التي ستحمل رواد الفضاء في رحلتهم إلى كوكب المريخ جاهزة على منصة الإطلاق، فما هي يا ترى تلك الصعوبات التي سيواجهها الرواد في الطريق وحتى وصولهم ذلك الكوكب الذي يقترب منا إلى مسافة أقلها 56 مليون كيلومتر ويبتعد عنا حتى مسافة 400 مليون كيلومتر؟ 
 
مشاكل الفضاء
تنقسم المشاكل التي يواجهها رواد الفضاء من حيث المبدأ إلى قسمين وذلك بناءً على إحصاءات علمية تراكمت عبر أربعين سنة من ارتياد الفضاء والوصول إلى خارج الغلاف الجوي والشعور بفقدان الوزن أو ما يعرف بالمايكرو غرافيتي، وهذه المشاكل بدنية ونفسية.

أما البدنية منها والمتعلقة بالجسم وأمراضه وأثر السفر عليه، فأهمها ذلك الشعور الغريب بأنك لم تعد واقفاً على أرض صلبة وأنك تطير في كل اتجاه، بل إن قوانين نيوتن في الحركة ستنطبق عليك بوضوح، فأية دفعة بسيطة ستكسبك تسارعاً في اتجاه مستقيم، وسيكتسب الجسم الذي دفعك نفس التسارع ولكن في الاتجاه المعاكس.

هذا الشعور الذي لا وزن فيه سببه أنك في حالة سقوط حر مستمر حول الأرض، فكأن شخصاً ما قذفك إلى أعلى ثم تعود إلى الأرض هاوياً نحوها بفعل قوة الجاذبية فقط، ولأنك في هذه اللحظة لا تستطيع أن تقف على ميزان وتقرأ وزنك، لأن كليكما تتسارعان معاً في نفس الاتجاه، فهو لن يقرأ لك وزناً أبداً لذلك سمي بشعور فقدان الوزن. غير أن الذي قذفك إلى أعلى لم يشأ لك العودة بل أرادك أن تتخذ مداراً حول الأرض، هذا المدار بحد ذاته يشكل سقوطاً حراً مستمراً بلا عودة إلى الأرض.

يشكل مدار محطة الفضاء الدولية حول الأرض حالة سقوط حر مستمر بلا عودة إلى الأرض مما يمنح رواد الفضاء شعورا بانعدام الجاذبية (رويترز)

وفي الوقت الذي نعلم فيه أن قيمة تسارع الجاذبية الأرضية على سطح الأرض هي مقدار ثابت ومعروف وهو 9.8 أمتار لكل ثانية مربعة، فإن تلك القيمة ستختفي تماماً فلا يبقى منها سوى جزء من مليون جزء أو أقل من ذلك تؤثر على جسم رائد الفضاء أثناء دورانه حول الأرض، لذلك سميت بالمايكرو غرافيتي، أي جزء من مليون جزء من قيمة تسارع الجاذبية على سطح الأرض.

وكل شهر يقضيه رواد الفضاء سابحين بعيداً عن الجاذبية الحقيقية يفقدون ما مقداره 2% من الكالسيوم والبوتاسيوم الذي يحصل عليه العظم في حال وجود الجاذبية. وبتراكم فقدهم ذلك يسهل تعرضهم للكسور بأبسط الحوادث.

أما السوائل وخاصة الدم -الذي اعتاد القلب أن يضخه بقوة نحو الرأس وبهدوء نحو الأرجل بسبب اتجاه الجاذبية على الأرض- فإنه لا يعود كذلك، بل إن ضخ الدم نحو الرأس يصبح أقوى من قبل، مما يؤدي إلى الشعور بصداع قوي ومستمر، وشعور بضغط دم مرتفع لدى الجدد من رواد الفضاء.

المكوث بمحطة الفضاء لا يعني البقاء دون عمل فأمام رواد الفضاء مهام عديدة يومية عليهم إنجازها (رويترز)

وليس لرواد الفضاء حاجة للعضلات في إنجاز المهمات، إذ إن إصبعاً واحداً كفيل بأن ينقلهم بدفعة صغيرة منه من مكان إلى آخر، وسيحرك كل المتاع الذي معهم، مما سيتسبب بعد فترة في ضمور بعضلاتهم. لذلك أصبح كل رائد فضاء ملزماً بممارسة الرياضة العضلية مرة أو مرتين يومياً ليحث عضلاته على الاستمرار في عملياتها الأيضية التي تحافظ على أدائها وبقائها طبيعية، وليعوض ما يفقده جسمه من كالسيوم وفوسفور وعناصر أخرى.
 
في قبو الزنزانة
لكن الأخطر من ذلك كله تلك الأشعة الكهرومغناطيسية التي تتدفق على رواد الفضاء من كل حدب وصوب لا يقيهم شرها سوى جدران المركبة الفضائية التي سيعيشون فيها بين 6و8 أشهر هي مدة رحلتهم إلى المريخ.

فالأشعة الكونية ذات الطاقة العالية والأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية المتدفقة من الشمس على طول المدة التي يتعرضون فيها للشمس، كلها كفيلة بأن تمدهم بجرعة تفوق في أسبوع واحد ما يحصلون عليه وهم على الأرض في سنة كاملة.

فماذا لو أطلق جرس الإنذار بوجود عاصفة شمسية؟ هذا يعني أن عليهم جميعاً أن يتجهوا إلى القبو، تلك المنطقة الأكثر حماية لهم من الإشعاعات داخل المركبة والتي لا تستخدم إلا في حالات الطوارئ، وسيبقون في هذا القبو -الذي لا تزيد مساحته على 4 أمتار مربعة- لمدة بقاء الخطر كأنهم في زنزانة اختيارية لا بديل لهم عنها.

وبطول التعرض لجرعات الإشعاع هذه، يصاب بعض رواد الفضاء بما يعرف بمرض إعتام عدسة العين، وربما العقم، وربما حدثت لهم طفرات جينية أو تلف في الجهاز العصبي وربما سرطان الجلد، ومن الممكن أن تؤدي بهم أخيراً إلى الموت. 
 
وحيدون بالمنفى
ربما يظن المغامرون أن السفر في الفضاء والبقاء فترة طويلة فيه متعة لا مثيل لها، لا سيما وأن تجربة الصعود إلى هناك لم يخضها سوى بضع مئات من بني البشر وبالتحديد 536 شخصاً، فهي تجربة يتنافس عليها آلاف الناس، بل يحق لكل شخص على سطح الأرض أن يقدم طلباً لوكالة ناسا للمشاركة في رحلات الفضاء، وربما يتأهل الكثيرون منهم، لكن القرعة تقع في النهاية على الأوفر حظاً حين تتساوى المؤهلات.

عند السفر إلى الفضاء يفتقد رواد الفضاء أسرهم وعائلاتهم وأي تواصل حقيقي مع العالم الذي اعتادوا عليه (رويترز)

وعلى متن محطة الفضاء الدولية، يوجد في كل رحلة ستة رواد فضاء يعيشون هناك مدة تتراوح بين 3 و6 أشهر، وربما حطم بعضهم هذا الرقم فزاد قليلاً إلى سنة أو نحو ذلك، لكن رائد الفضاء صاحب الرقم القياسي في المكث هناك كان الروسي فاليري كورشانوف الذي مكث 438 يوماً بمحطة سيوز الفضائية الروسية بين عامي 1994 و1995، لكن عزاءه في النهاية أنه قريب من الأرض. فماذا لو سافر إلى المريخ؟

يقضي رواد الفضاء معظم وقتهم في العمل، فهم موظفون مكلفون بإتمام عملهم وتجاربهم العلمية الكثيرة. غير أن لهم أوقات نوم وراحة. فنومهم غير النوم الذي نعرفه، فهم ينامون فترة أقل مما اعتادوا عليه داخل أكياس نوم مثبتة بالجدران كي لا يطير أحدهم أثناء نومه فيصطدم بجدران المحطة ويتأذى.

أما طعامهم فهو عادة مغلف أو معلب، ولا يأكلون الطعام الطازج إلا حين يصلهم الإمداد، وليس لطعامهم فضلات في العادة بل يكون مجهزاً لأن يؤكل كاملاً.

طعام رواد الفضاء معلب ومغلف ولا يأكلون الطازج إلا حين يأتيهم الإمداد (رويترز)

ولأن الروتين اليومي هو ذاته كل يوم، ولأن الأشخاص هم نفس الأشخاص يتقابلون كل صباح، ولأن مساحة العمل الضيقة هي ذاتها لا يمكنهم الخروج خارجها، لا لاستنشاق الهواء ولا لرؤية أشعة الشمس ولا للركض أو شرب فنجان قهوة مع الأصدقاء أو لركوب سيارة أو دراجة هوائية، فإن بضعة أيام داخل ذلك المجتمع كفيلة بأن تضغط رائد الفضاء نفسياً، فتشعره بالوحدة رغم وجود الإنترنت والأفلام وبعض أدوات التسلية والكتب وغيرها.

ويزيد الطين بلة الشعور بأن الفريق الذي على متن مركبة الفضاء قادم من ثقافات شعوبية مختلفة، فلهذا تقاليده التي تختلف عن زميله، فيتسبب ذلك بخلافات شخصية غالباً ما تنتهي بالمصالحة بينهم إذ لا خيار لهم سوى ذلك لقلة عددهم ولأنهم يمثلون فريقاً واحداً لمهمة واحدة.

أما الخصوصية فمعدومة كلياً، فلا خصوصية لأحد هناك سوى عند قضاء الحاجة. ولذلك فإن وجود الجنسين معاً غالباً ما يزيد من الشعور بالحرج.

وللمعتادين على الاستحمام كل يوم أن يتخلوا عن هذه العادة الجيدة مدة طويلة أيضاً، فهي غير متاحة بسهولة بسبب قلة الماء ولصعوبة العملية ذاتها، إذ يمكن للماء أن يتطاير هنا وهناك إن لم يأخذ الشخص الاحتياطات الضرورية ويعمل بالتعليمات الصارمة لذلك، وهذا ما يضغط نفسياً على رواد الفضاء بشعورهم بنقص نظافة أجسامهم إلا من بعض المناديل المعطرة التي يسمح لهم عادة باستخدامها.

كل تلك الظروف وغيرها كفيلة بأن تضع هذا الإنسان في حالة نفسية سيئة، وربما تؤدي به إلى الكآبة، فلا أهل حوله ولا أصدقاء، وهو -علاوة على أنه في غربة حقيقية- في الفضاء فليس له خيار أن يستقل طائرة ويعود إلى وطنه.

أخيراً، فإن الطريق إلى المريخ لا يزال في أوله، ولا تزال المهام الفضائية بحاجة إلى تطوير هائل، وليس من المحتمل أن يطير الناس إلى المريخ من الأرض مباشرة، فلربما انطلقوا من محطة في الفضاء، أو بنوا أولاً محطة على القمر ينطلقون منها في رحلة اللاعودة نحو الكوكب الأحمر.

فمن هم أولئك النفر الذين سيخلد التاريخ ذكرهم، وتطأ أقدامهم أرض المريخ؟ أظننا سننتظر سنوات لنعرف الإجابة.

 _______________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة