ريجيني على خطى خاشقجي.. دم الضحايا يطارد القتلة   
الخميس 1440/3/29 هـ - الموافق 6/12/2018 م (آخر تحديث) الساعة 21:05 (مكة المكرمة)، 18:05 (غرينتش)

الجزيرة نت

أعادت قضية الكاتب الصحفي جمال خاشقجي، الذي قتل في قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول، إلى الواجهة قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة قبل ثلاث سنوات، وأعطتها زخما جديدا بعد أن ظن البعض أنها كادت تموت بالتقادم.
 
أبرز القواسم المشتركة التي تجمع الباحث الإيطالي والصحفي السعودي هي البحث عن الحقيقة، وسلاح الاثنين القلم، ومن ثم دفعا حياتهما ثمنا لذلك من خلال عمليات اختطاف وتعذيب وحشية وقتل بربري.

وإذا كان خاشقجي قتل بيد مواطنيه وفي قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول وبتعليمات من مستويات عليا في الرياض، فإن السلطات المصرية كانت ولا تزال تنفي أي مسؤولية رسمية عن مقتل الباحث الإيطالي ريجيني.

الرياض أنكرت في البداية أي علاقة لها بالجريمة، ومع الإدارة التركية للأزمة اضطرت السعودية إلى الاعتراف، ثم تعمدت تقسيط الاعتراف "المنقوص" بعدة روايات غير مقنعة.

أما السلطات المصرية فكانت تعول على قتلها ستة مدنيين أبرياء من عمال مصر الفقراء، كانوا في سيارة نقل، ادعت أنهم تنظيم مسؤول عن قتل ريجيني، لكن النائب العام المصري نبيل صادق نفى لاحقا للإيطاليين أي علاقة بينهم وبين مقتل ريجيني، رغم أن الداخلية المصرية سبق أن أعلنت في بيان رسمي العثور على بعض متعلقات ريجيني في منزل أحد القتلى الستة.

ظلت السلطات المصرية تسعى إلى كسب الوقت أملا في أن تسقط قضية ريجيني بالتقادم، أو تحل باللجان واللقاءات المشتركة، أما حكومة رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي فلم تتخذ أي إجراء تنفيذي يشعر الإيطاليين باهتمامها بالقضية. وصبت تصريحات وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني في خانة استحالة ممارسة ضغوط أكثر على مصر، حيث قال في إحداها "نحن نحكم إيطاليا ولا نحكم مصر".

لكن موقف البرلمان الإيطالي بدا أقوى من موقف الحكومة فقرر قطع علاقاته بالبرلمان المصري، ودعا أسرة ريجيني لحضور إحدى جلساته، مما أحرج الحكومة الإيطالية، ودفعها لإعادة النظر في تخاذلها بشأن القضية.

اهتمام
ظلت قضية ريجيني شبه جامدة إلى أن اقتربت ذكراها الثالثة، ووقعت جريمة مقتل خاشقجي، تلك الجريمة التي ألهمت الطريقة التركية في التعامل معها المعنيين بقضية ريجيني، فطلبت روما مؤخرا التحقيق مع خمسة مسؤولين أمنيين مصريين.  

وبعد يومين من هذا الطلب، تم الكشف عن أسماء المطلوبين الخمسة للتحقيق، لكن الأسماء الخمسة التي طلبتها إيطاليا خلت -حتى الآن- من أسماء حساسة، مثل ضابط المخابرات محمود السيسي ابن الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي سبق أن تردد اسمه في القضية.

ورغم ذلك، أعلنت أليساندرا باليريني محامية عائلة ريجيني أمس الأربعاء أنه "من المستحيل" أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "لم يكن على علم باحتجاز ريجيني"، معتبرة روايات القاهرة بشأن الجريمة "مفبركة"، مؤكدة في الوقت نفسه تورط عشرين مسؤولا في الأجهزة الأمنية المصرية في قتله.

اللافت في حديث أليساندرا هو ما أكدته بشأن التحقيقات الإيطالية حول مقتل ريجيني في مصر، والتي قالت إنها "تشير إلى تورط عشرين مسؤولا أمنيا مصريا في خطفه وتعذيبه وقتله هناك عام 2016".

وقالت المحامية الإيطالية "نحن لن نغير مواقفنا القوية في هذه القضية"، كما تطرقت إلى وزير الداخلية المصري السابق اللواء مجدي عبد الغفار قائلة "إنه كان يكذب عندما قال إن هدف ريجيني من بحثه كان مغايرا لما ذكره، مضيفة أن ريجيني "تم تعذيبه لمدة ثمانية أيام قبل قتله في مصر".

المواقف الأخيرة التي اتخذتها روما من قطع العلاقات مع البرلمان المصري واستدعاء السفير المصري لديها؛ تشير إلى عزمها على المضي قدما في طريق التصعيد، التي قد تقود -إذا ظل موقف السلطات المصرية على ما هو عليه- إلى اللجوء للمحكمة الأوروبية ومجلس الأمن 

السيسي يستقبل محمد بن سلمان في جولة الأخير لكسر العزلة عنه بعد مقتل خاشقجي (الأناضول)

سيسي ولا ترامب له
وإذا كان ولي عهد السعودي محمد بن سلمان وجد -حتى إشعار آخر- في الرئيس الأميركي دونالد ترامب ملاذا للحماية من المساءلة عن تورطه في مقتل خاشقجي؛ فإن السيسي لا يملك ما تملكه السعودية من مال ونفط ونفوذ، خاصة أنه يعلم أن تسليم أي من المتهمين يعني اتهام أقرب المسؤولين له، وقد يكون عباس كامل رئيس الاستخبارات الحالي، ومن ثم يخشى السيسي ونظامه من تحرك المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي ضده.

أما أسلوب الرشى السياسية والاقتصادية التي سبق أن اتبعه السيسي مع الحكومة الإيطالية، مثل إسناد نسبة كبيرة من أعمال حقول الغاز المكتشف حديثا في شرق المتوسط إلى شركة إيني الإيطالية؛ فلن تصمد كثيرا أمام الرأي العام العالمي الآن بعد قضية خاشقجي.

ويتوقع المراقبون أن يحاول السيسي "تسوية الأمر بأي تنازلات لصالح إيطاليا، ولو على حساب الأمن القومي المصري، وإن لم ينجح فإنه سيلجأ للتسويف والاستعانة بحلفائه من الإسرائيليين والإماراتيين".

وتذهب آراء هؤلاء إلى أن أكثر ما يخشاه نظام السيسي هو أن أدلة القتل والتعذيب خارج إطار القانون واضحة في مجزرة رابعة العدوية أكثر منها في مقتل ريجيني.

وبناء عليه، يرون أنه في حالة نجاح إيطاليا في تدويل قضية ريجيني، فإن الباب سيفتح أيضا لتدويل قضايا قتل المتظاهرين في رابعة والنهضة التي حدثت بعد الانقلاب العسكري، وهذا أكثر ما يخشاه السيسي ونظامه، حيث تبدو دماء الضحايا تطارد وتحاصر قتلتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة