ما السر في غموض عدد المسيحيين بمصر؟   
الخميس 1440/3/29 هـ - الموافق 6/12/2018 م (آخر تحديث) الساعة 18:40 (مكة المكرمة)، 15:40 (غرينتش)
جدل قديم متجدد تشهده الساحة المصرية حول أعداد المسيحيين، فبينما تقول آخر إحصائية حكومية معلنة أن نسبة المسيحيين نحو 5% من عدد السكان، وفق آخر تعداد تضمن الديانة عام 1986، ترى قيادات كنسية أن النسبة تبلغ نحو 15% وفقا لتعداد داخلي تقوم به الكنيسة.

ورغم أن بطاقات الهوية وشهادات الميلاد توضح الديانة، فإن عدد المسيحيين في مصر يظل من الأسرار التي تُثير جدلا بين الحين والآخر.

آخر محطات هذا الجدل هي ما أعلنه البابا تواضروس الثاني بأن تعداد المسيحيين في مصر يبلغ نحو 15 مليونا، علاوة على مليونين خارجها يقيمون في نحو 60 دولة حول العالم.

وأشار تواضروس الثلاثاء الماضي -في حوار مع صحيفة "عرب نيوز" السعودية - إلى أن الكنيسة ليس لديها إحصاء، ولكن هناك ما تسمى "العضوية الكنسية"، التي تسجل من ينتسب للكنيسة عبر "المعمودية"، كما تسجل الكنيسة حالات الوفاة.

ووفقا لآخر إحصاء رسمي صدر العام الماضي، بلغ عد سكان مصر 104.2 ملايين نسمة، من بينهم 94 مليونا و798 ألفا نسمة في الداخل، و9.4 ملايين نسمة يعيشون خارجها، بزيادة قدرها 22 مليونا في السنوات العشر الأخيرة.

تواضروس أكد لصحيفة "عرب نيوز" السعودية أن عدد المسيحيين بمصر 17 مليونا (الصحافة السعودية)

لماذا الآن؟
تصريحات تواضروس دفعت الكاتب الصحفي جمال سلطان للتساؤل عن مغزى توقيتها، قائلا عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي تويتر "هذه المرة العشرون التي يكرر فيها البابا هذا الكلام، وهو تكرار يطرح أسئلة عن مغزاه والإصرار عليه، ثانيا: لا يقدم أي دليل أو مستند، ثالثا: جميع الإحصائيات منذ عهد الإنجليز تحدد نسبة الأقباط في مصر بنحو 6% من مجمل السكان".

وتفاعل حساب باسم "بهلول" مع تغريدة سلطان قائلا "لماذا تصر الدولة على إخفاء عدد المسيحيين، في الوقت الذي يجاهرون فيه هم بأرقام ليست رسمية، تثير الكثير من اللغط حول أهدافها ومغزاها".

كما تساءل أحمد المصري لماذا يكون هناك خلاف في النسبة، رغم أن بطاقة الرقم القومي بها خانة الديانة؟ "يعني النسبة ممكن تتعرف بضربة على الكمبيوتر في ثوان في إدارة السجل المدني". 

جدل قديم
الجدل حول تعداد المسيحيين في مصر ليس جديدا، حيث تُثار القضية بين حين وآخر، خاصة مع عدم وجود تعداد رسمي "حديث" صادر من الحكومة أو الكنيسة.

لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2010 قال البابا السابق شنودة الثالث في تصريحات تلفزيونية إن "الكنيسة تعرف أعداد الأرثوذكس المصريين عن طريق (كشوف الافتقاد) التي تعد بمثابة تعداد داخلي لكل أسرة مسيحية بالكنيسة"، مؤكدا أن العدد هو 12 مليونا، مضيفا "نستطيع معرفة عدد شعبنا، ولا يهمنا العدد المعلن".

تصريحات شنودة أثارت ردود فعل واسعة آنذاك، دفعت المفكر المسيحي جمال أسعد عضو البرلمان الأسبق إلى اعتبار إعلان التعداد على لسان البابا بمثابة إعلان لانقسام الدولة، وأنه كلام خطير جدا على مصر وسيؤدي إلى كارثة قادمة.

إعلان رسمي نادر
لكن الخطوة الأبرز في ملف نسبة الأقباط جاءت في سبتمبر/أيلول 2012 وفي ظل أجواء الحرية والانفتاح التي أعقبت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، عندما أعلن الرئيس السابق للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء اللواء أبو بكر الجندي أن عدد الأقباط 5 ملايين و130 ألفا، وذلك اعتمادا على النسبة الواردة في تعداد عام 1986، وهو آخر تعداد سكاني يشمل الديانة، حيث بلغت نسبة المسيحيين نحو 5.7%.

وأوضح الجندي أن الاقباط هم "الأعلى اجتماعيا في مصر والأكثر هجرة والأقل في الإنجاب"، مؤكدا أن هذه الإحصائيات "موثقة ولا يستطيع أحد إنكارها".

تصريحات الجندي أثارت وقتها استنكارا شديدا في الأوساط المسيحية، وقال قائم مقام البطريرك للكنيسة الأرثوذكسية آنذاك الأنبا باخوميوس إن "ما أعلنه رئيس الجهاز بشأن عدد الأقباط غير صحيح في تقديري، ولهذا أطالبه بإعلان إحصائيات عدد الأقباط في كل محافظة على حدة".

من جانبه أكد أسقف شبرا الخيمة الأنبا مرقص أن عدد المسيحيين في مصر يتراوح ما بين 15 و18 مليونا، مضيفا أن تعداد الأقباط معروف لدى الكنيسة، ولكننا لم نجمعه.

كما رفض رئيس الطائفة الإنجيلية القس صفوت البياضي ما أعلنه اللواء الجندي، مؤكدا أن إعلان عدد المسيحيين مخالف لإعلان الأمم المتحدة عام 1985 الذي أكد على عدم الاعتماد في الإحصائيات على الديانة أو السؤال عنها.

هذا الجدل حول أعداد المسيحيين دفع الناشط الحقوق نجاد البرعي إلى انتقاد "الحساسية البالغة" في أي حديث يخص معرفة العدد، مطالبا بالتزام الحكومة بالشفافية في كل ما يصدر عنها من بيانات أو إحصائيات، وعدم ترك الأمور لتصل إلى حد الالتباس والجدل الإعلامي.

آلاف الأقباط يشاركون في قداس بالمنيا لتشييع ضحايا هجوم استهدف حافلة للأقباط في مصر (رويترز)

إشكالية خانة الديانة
وتقول الحكومة المصرية إن أزمة حسم عدد المسيحيين تعود في بعض أجزائها إلى إشكالية خانة الديانة في استمارات تعداد السكان الحديثة، وفقا لتصريحات سابقة للواء أبو بكر الجندي.

إذ يعود آخر تعداد كان يرصد خصائص السكان طبقا للديانات في مصر إلى عام 1986، حيث بلغت نسبة المسيحيين نحو 5.7%، بعدها التزمت مصر بتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة بعدم التطرق إلى خانة الديانة في استمارات الإحصاء، وأن يكون هذا البند اختياريا.

وأجرت مصر التعداد ثلاث مرات منذ صدور المفاهيم الدولية للأمم المتحدة، وكانت الإجابة على خانة "الديانة" اختيارية، حيث يمكن للمواطن أن يتركها فارغة.

لكن في تعداد عام 2017 ومع اعتماد تسجيل البيانات إلكترونيا، تضمنت الاستمارات خيارات محددة يجب أن يختار المواطن بينها، ولا يمكنه تركها فارغة، والاختيارات هي مسلم أو مسيحي أو يهودي أو ديانات أخرى أو غير مبين.

وبالتالي ظلت إشكالية خانة الديانة قائمة، رغم التصريحات السابقة للواء الجندي بأن جهاز التعبئة العامة والإحصاء "على أتم استعداد لحصر ورصد الديانة للمصريين في التعداد القادم، واعتبار سؤال الديانة من الأسئلة الواجب الإجابة عنها، لو توافق المصريون على ذلك".

كتاب الدولة والكنيسة رصد أعداد المسيحيين في جميع الإحصائات السكانية منذ الاحتلال الإنجليزي لمصر (الجزيرة)

متوسط النسبة تاريخيا
في كتابه "الدولة والكنيسة" الصادر عام 2011، رصد المؤرخ المصري المستشار طارق البشري نسبة المسيحيين في كل التعدادات السكانية التي جرت منذ عام 1897.

أوضحت دراسة البشري أن نسبة المسيحيين في مصر كانت 6.3% في العام 1897، و6.4% في العام 1907، و8.1% في العام 1917، و8.3% في العام 1927، و8.2% في العام 1937، و7.9% في السنة 1947، ثم جرى إدخال المزيد من الأساليب العلمية في طريقة الإحصاء، حيث أظهر إحصاء عام 1960 أن نسبة المسيحيين بلغت 7.3%، ثم صارت 6.7% عام 1966، ونسبة 6.24% عام 1976، ثم أقل من 6% في تعداد عام 1986.

وأشار إلى أن الحكومة امتنعت في التعدادين التاليين 1996 و2006 عن إذاعة العدد ونسبته، بعد أن أثار أقباط المهجر لغطا واجهه النظام السياسي كعادته بالتراجع والتكتم، بحسب وصفه.

وأكد البشري أن نسبة المسيحيين ظلت تتراوح بين 8.3% وأقل من 6%، علما بأن النسب المرتفعة في حدود 8% كانت ترجع في جزء منها إلى شمول عناصر الاحتلال البريطاني في تعداد سكان مصر.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة