الشيعة في السعودية   
الاثنين 1428/7/23 هـ - الموافق 6/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:36 (مكة المكرمة)، 14:36 (غرينتش)

عرض/زياد منى
نادرة هي الكتب التي تتعامل بصراحة مع المعضلات الإثنية والمذهبية في العالم العربي تحديدا، مع أن ثراءه الإثني والديني والمذهبي يمكن أن يجعل منه قوس قزح يتباهى به أمام أمم العالم.

إلا أن إهمال ما يجلبه هذا التنوع من مشاكل ومعضلات يعرضه بكل تأكيد لأخطار حقيقية تهدد أمنه، بل وحتى وجود دوله وأمنها الداخلي.

- الكتاب: الشيعة في السعودية
- المؤلف: فؤاد إبراهيم
-الصفحات: 184
- الناشر: دار الساقي، بيروت
- الطبعة: الأولى/2007

وإذا كان سهلا على بعض الدول في الماضي التغطية على بعض مشاكلها الداخلية ذات الجوهر الديني وكسب دعم أحد المعسكرين اللذين كانا قائمين، فإن ذلك ما عاد ممكنا في عالم القطب الواحد الذي يبدي استعدادا متزايدا لاستخدام مشاكل الدول الصغيرة والضعيفة سلاحا لتمرير أهدافه التوسعية السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، وإجبارها على تبني سياسات لا تخدم سوى أهدافه التوسعية والعدوانية.

هذا الكتاب الثري بالمعلومات والمكثف على نحو كبير، على عكس ما يوحي به عنوانه، يتعامل مع موضوع وضع المسلمين الشيعة في المملكة العربية السعودية وموقفهم من الدولة والعكس.

ولنقل إنه يعالج موضوع الاندماج الوطني في ضوء العلاقة التاريخية المأزومة بين الشيعة والدولة السعودية.

يمكن تقسيم هذا الكتاب إلى قسمين هما: دور الدولة في إخفاق عملية الاندماج الوطني، ودور الشيعة في تعويق العملية من خلال الارتهان لخيار الاستقالة الذي جرى التخلي عنه في وقت متأخر.

وضع الشيعة في المملكة
يبدأ الكتاب بعرض عام لوضع الشيعة في المملكة السعودية، ويرى المؤلف أن التوترات بينهم وبين الدولة بدأت عام 1744، أي مع انطلاق الحركة الوهابية، لأن الدولة في ظنه اتخذت إجراءات قادت إلى التهميش والاضطهاد على خلفية مذهبية وسياسية.

والكاتب يرى أن الدولة صنفت الشيعة في خانة البدع والضلال، مما عطل في نهاية الأمر مشروع الدولة الوهابية المفترض أنه قائم أصلا على الاندماج.

ويذكر الكتاب قطاعات القوات المسلحة والحرس الوطني وأجهزة الأمن والطيران المدني على أنها مجالات مقفلة في وجه المواطنين الشيعة، رغم بروز تحسن في أوضاعهم المعيشية بعد "انتفاضة عام 1979".

لكن الكتاب يشدد على أن التمييز استمر في المجال المذهبي(محاربة الطقوس الدينية والمطبوعات والقضاء وبناء المساجد والحسينيات).

ومن بين الإثباتات التي يوردها حقيقة أن 150 مسجدا في المنطقة الشرقية، حيث الكثافة السكانية الشيعية بنيت بأموال الأهالي ومن دون ترخيص.

ونظرا للطبيعة الدينية والمذهبية للوهابية فقد صورت الوطني القومي على أنه رجس من عمل الشيطان بينما حظيت الدولة، التي يرى الكتاب أنها بدعة غربية بامتياز، بلمسة القداسة، هذه الأسباب والممارسات الكثيرة غيرها التي يعددها الكاتب، أدت إلى اعتزال شيعة السعودية سياسيا واجتماعيا.

"
الدولة الأم لم تولد بعد لأنها تعني التنوع المذهبي والاجتماعي والمناطقي وتعني الاندماج الوطني.. أما ميل الدولة السعودية إلى توصيف ذاتها عقديا فيعزز الانقسام
"
ويرى المؤلف أن الدولة الأم لم تولد بعد لأنها تعني التنوع المذهبي والاجتماعي والمناطقي وتعني الاندماج الوطني.. كما يرى أن ميل الدولة السعودية إلى توصيف ذاتها عقديا يعزز الانقسام.

وهو يرى وجود ثلاث مفارز رئيسة تفرض نفسها على التركيبة الاجتماعية المذهب والقبيلة والمنطقة، حيث ينقسم المسلمون السنة إلى المذهب الشافعي والمالكي والحنبلي والحنفي.

في الوقت نفسه يذكر الكاتب بانقسام المسلمين الشيعة إلى الاثنى عشرية في الشرق والإسماعيلية في نجران والشيعة الإمامية في المدينة المنورة والشيعة الكيسانية في منطقة ينبع.

وهناك ميل واضح لدى الكتاب لتأكيد انقسام المجتمع السعودي على أسس مذهبية وقبلية ومناطقية، بهدف إظهار إخفاق مشروع الدولة المذهبية التي لم تتمكن من صوغ هوية وطنية مستمدة من العناصر المشتركة للجماعات المنضوية داخل الدولة، مما أدى إلى تحولها إلى ممثل مصالح خاصة لآل سعود والوهابية.

لكنه يشدد على أن هدفه من استدعاء صورة الدولة هذه، في بعدها التكويني والتشريعي هو عقد مقارنة بين الحقيقة والادعاء من أجل تشخيص مكامن الأزمة والبدء في حلها.

والكاتب يتعامل بالتفاصيل مع مختلف المشاكل النظرية والتطبيقية في سياسات الدولة السعودية تجاه مواطنيها بغض النظر عن انتمائهم المذهبي، وذلك في الجزء الأول من الكتاب الذي وضع له عنوان "مقاربات أولية في الاندماج الوطني".

ويضم ذلك الجزء سبعة فصول ذات عناوين دالة (مقدمات ضرورية، مراحل الاندماج الوطني، محرضات النزوع الانفصالي، دور الدولة: أزمة التعايش الداخلي، وحدة الدولة في قسمة المجتمع، الشيعة السعوديون: هواجس وخيارات، الشيعة السعوديون ورد الفعل النمطي).

نقد الذات الشيعية
في الجزء الثاني "نقد الذات الشيعية" يمارس المؤلف نقدا ذاتيا شديدا لكثير من الممارسات، لكنه يرى أن هذا النقد يتعرض لضغط قوتين كامنتين هما: الإحساس بالخطر والمبالغة فيه، ثم الإحساس بالتمييز والمبالغة فيه.

الفصل الثاني من هذا الجزء "الشيعة وثنائية الدولة والدين" نظري صرف يتعامل فيه المؤلف مع منطلقات نظرية صرفة لكيفية اندماج الشيعة في المجتمع.

على سبيل المثال يرى الكاتب أن أهم منجز للخميني، إلى جانب قيادته الثورة، يكمن في كسر النسق التاريخي والمعرفي داخل التشيع وتطويره، مما يعني بالضرورة أن السياسة تعمل رافعة للمعتقدات.

"
التشيع الصفوي في عام 1501 أنتج وطنا وعهدا أنتجا مذهبا شيعيا إيرانيا، بينما التوهيب السعودي كان تقسيميا على الصعيد الوطني توحيديا في نجد فقط
"
كما يعقد الكاتب مقارنة مثيرة بين التشيع الصفوي والتوهيب السعودي، فيرى أن التشيع الصفوي في عام 1501 أنتج وطنا وعهدا أنتجا مذهبا شيعيا إيرانيا، بينما التوهيب السعودي كان تقسيميا على الصعيد الوطني توحيديا في نجد فقط.

وإذا كان المؤلف قد وجه نقده في القسم الأول إلى الدولة السعودية من دون التعرض من قريب أو بعيد للممارسات الوهابية، فيما يتعلق بموقفهم من الشيعة (رافضة، تكفير... إلخ)، فإننا نراه يمارس نقدا ذاتيا شديدا لممارسات شيعية مذهبية.

وهو يرى بالتالي وجود حاجة ماسة إلى مراجعة التراث الشيعي، بل ويقول إن فيه ما يستحق أن يكون طعاما للنار، ومن ذلك ما يقال بحق الخلفاء الراشدين ومنه على سبيل المثال: "فهل من الزين في شيء أن يكتب أحدهم في الخليفة عمر بن الخطاب كلاما لا يصدر إلا عن معتوه أفاك، ثم ينسب ذلك إلى أئمة أهل البيت؟ وهل من الدعوة إليهم النيل من الخليفة عثمان بكلام لا يتفوه به إلا شذاذ الآفاق؟".

ويستحضر المؤلف، في مجال إدانته تقليد السب والشتيمة، قولا منسوبا إلى علي بن أبي طالب في معركة صفين "إني أكره لكم أن تكونوا سبابِين"، كما أنه يستحضر أمثلة، أيضا من كتب التراث، على عدم صدقية بعض الأحاديث الشيعية.

ولذا فإنه يرى أنه "بقراءة المجموعات الروائية الكبرى لدى الشيعة يتضح أن هناك تناقضا حادا بين الأحاديث المنسوبة إلى الأئمة، مما يشي بأن ما حذروا منه من تسرب الكذب عليهم في كتب الحديث قد وقع بالفعل، والدليل روايات فبركها غلاة الشيعة القدامى للنيل من الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين".

والكاتب يستحضر أمثلة على تعرض بعض المصلحين الشيعة للمعاناة على أيدي الشيعة أنفسهم، ومن هؤلاء الشيخ محمد حسين النائيني والشيخ مهدي الخالصي والسيد محسن الأمين والسيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ محمد جواد مغنية والشيخ حسين علي المنتظري والشيخ محمد حسين فضل الله، "الذين أعملوا النقد الهادئ في بعض الممارسات الطقوسية الشيعية، فهاج العوام وشهرت فتاوى التكفير، طمعا في إضفاء صوت العقل وإدامة النكير".

فاضطر النائيني لسحب رسالته "تنبيه الأمة تنزيه الملة" ولطخت سمعة الشيخ الخالصي حتى بات الجهلة يطلقون اسمه على حذاء الحمام، ونزع عن الأمين نسبه الهاشمي، وتصدعت مرجعية الأصفهاني في العراق، ونال المنتظري الحيف من أقطاب الحوزة في قم، وصدرت فتاوى تكفير بحق السيد فضل الله الذي رجح رأيا في حادثة تاريخية لا تمت للعقيدة بصلة.

الحل ممكن
إذا كان المؤلف قد شدد كثيرا على عوامل التفكيك والفرقة التي أدت إليها السياسة المذهبية التي تمارسها الدولة السعودية الوهابية بحق مواطنيها، فإنه لا يرى أن الأمور وصلت فيها إلى نقطة اللاعودة.

المؤلف يرى إمكانية حقيقية للتعايش ضمن الدولة الوطنية لكل أبنائها، وهذا يتطلب بالضرورة تفكيك المقدس ووضع قياسات جديدة له.

"
رغم عوامل التفكيك والفرقة التي أدت إليها السياسة المذهبية التي تمارسها الدولة السعودية الوهابية بحق مواطنيها، فإن الأمور لم تصل فيها إلى نقطة اللاعودة
"
وإذا كان الكاتب قد استفاض في نقد الذات العقدية "الشيعية" على نحو غير معهود "الخيار الوطني بات إستراتيجيا للشيعة من أجل الانعتاق من ربقة الغيتو الثقافي؛ أمام الشيعة فرصة الاندماج في النسيج الوطني والانتقال من فئة مذهبية إلى قوة فاعلة"، فقد تجنب على نحو ذكي، نقد عقِيدة الطرف الآخر، تاركا هذه المهمة لأصحاب الأمر فيه.

وإذا كان الكاتب طرح نظرته العقدية في كيفية إدماج الشيعة في النسيج الوطني فإنه رأى أن حدث عام 2003 -حين تبلور شكل أولي من التحالف الوطني يحتضن أطيافا سياسية واجتماعية وفكرية متنوعة بهدف حث الحكومة على إدخال إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة وعاجلة- طريق مهم لتفادي انفجار المجتمع وتشظيه.

وهو يدعو، قبل أن يوقظ بعضهم الطائفية من رقادها، إلى البدء في مشروع لقاء فكري على خلفية مذهبية سعيا لإحباط المفعولات الكارثية للتمذهب، لأن الحصاد السياسي للطائفية كان دائما لمصلحة غير المتورطين فيها، والطائفية تظل الوصفة السحرية لكثير من الطامعين في تحقيق مصالح سياسية ومن لا يتعلم من التاريخ يخسر الجغرافيا.

لم يحاول المؤلف البحث عن حلول لمشاكل المملكة السعودية الداخلية عبر الدعوة إلى إقامة دولة عصرية، بل حصر تعامله وتفاعله مع المشكلات من منظور فقهي فحسب.

مع ذلك، فإن هذا الكتاب بما يحويه من صراحة واتزان في النقد، والنقد الذاتي أولا وقبل كل شيء، مثير وجريء، ويبدو دعوة صادقة إلى التقارب المذهبي على أسس وطنية جامعة.

والكتاب يكتسب أهمية إضافية من حقيقة أن المؤلف عاش في إيران فترة، حيث تلقى العلوم الدينية وحصل على شهادة الماجستير في علم الأديان والدكتوراه في الدراسات الشرقية من جامعة لندن حيث يقيم، ومن كونه ناشطا في المجال السياسي المعارض للحكومة السعودية، وله مؤلفات عديدة، ويشارك في رئاسة تحرير مجلات معارضة منها "شؤون سعودية"، كما سبق أن نشر قسم من هذا الكتاب في المجلة المشار إليها وفي يوميات أخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة