جزيرة الخوف.. كيف هزم السلطان سليمان القانوني قراصنة البحر؟

فتح جزيرة رودس 369
يرصد يلماز أوزتونا في "تاريخ الدولة العثمانية" العملية العسكرية الكبيرة التي أشرف عليها السلطان سليمان القانوني بنفسه لفتح جزيرة رودس وبعض المناطق الأناضولية النائية على البحر المتوسط (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

في كل مرحلة يتوهّم فيها العالم أن خرائط القوة قد رُسمت نهائيا، يعود البحر المتوسط ليذكر الجميع أنه المساحة الأكثر عنادا في وجه الثوابت ولا سيما في شرق المتوسط، تلك البقعة الساخنة التي تتصدّر اليوم عناوين الصراع على الطاقة والممرات والنفوذ، لم تكن في أي فترة مسرحا هامشيا، بل ظلّت دائما قلب المعادلة بين البر والبحر، وبين الدولة التي تكتفي بحدودها، وتلك التي تفهم أن أمنها يبدأ من هذه النقطة الساخنة التي تراقب الشرق الأوسط كعين صقر.

وسط هذا البحر المزدحم بالطموحات، برزت جزر صغيرة لعبت أدوارا تفوق مساحتها، وتحولت إلى عُقدٍ إستراتيجية تتحكم في طرق التجارة، وتعيد تشكيل موازين القوى، وتمنح من يسيطر عليها القدرة على خنق خصومه أو تأمين حلفائه، كما كانت بعض هذه الجزر أشبه بخناجر مغروسة في خاصرة الجغرافيا الإسلامية، لا تهدد السفن فحسب، بل تضرب فكرة الاتصال والتحالف والوحدة بين عواصم العالم الإسلامي نفسها.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

هنا، نتحدث عن لحظة فاصلة تكشف كيف فكّرت الدولة العثمانية بعقلٍ إستراتيجي تجاوز منطق الفتوحات التقليدية، ليدرك أن السيطرة على اليابسة بلا سيادة على البحر تبقى سيادة منقوصة مهدّدة، وأن حماية إسطنبول لا تنفصل عن أمن القاهرة، ولا يستقيم أحدهما دون الآخر.

ومن هذا المنطق، تُعد جزر شرق البحر المتوسط مفتاحا إستراتيجيا لمناطق مثل الأناضول وبلاد الشام ومصر، ولهذا السبب تصارعت عليها الحضارات في القديم والحديث، لإدراكها هذه الأهمية الكبيرة، ومن هنا وجدنا سيطرة الدولة البيزنطية على جزر قبرص ورودس وبحر إيجة في نفس الأثناء التي سيطرت فيها على الأناضول وبلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا.

وكذلك فعل المسلمون بعدما هزموا البيزنطيين، وخاصة في زمن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- الذي أصر على السيطرة على قبرص ورودس لتأمين مصر وبلاد الشام.

إعلان

وكما نرى عند البلاذُري في "فتوح البلدان" فقد نجح قائده جنادة بن أمية الأزدي في فتح الجزيرة، ودخول الإسلام فيها فأصبحت إحدى القلاع البحرية الإسلامية في شرق البحر المتوسط، ولكن مع ضعف المسلمين واضطراب أحوالهم سرعان ما استعاد البيزنطيون السيطرة على هذه الجزر مرة أخرى في العصور العباسية.

صورة لجزيرة رودس اليونان في القرن الـ15 مأخوذة من خريطة طبوغرافية في كتاب "رحلات القدس المقدسة" (شترستوك)

القوة المملوكية

ولئن كان المسلمون قد أصيبوا بالتشظي وضعف الخلافة وتناحر دولهم، فإن الدولة البيزنطية كانت تواجه اضطرابات داخلية هي الأخرى استغلها البنادقة والجنوبيون الذين جابوا البحر المتوسط كتجار وبحّارة بالأجرة، وسيطروا على جزيرة رودس، وجعلوها في تبعية لهم، ثم لما جاءت الحملات الصليبية أصبحت رودس ومعها قبرص جزءا من قوتهم البحرية الضاربة على البلدان الإسلامية.

لقد هدف الصليبيون إلى تدمير القوة التركية في الأناضول، والسيطرة على بلاد الشام وفي القلب منها فلسطين، وقد أشار المؤرخ سعيد عاشور في كتابه "الحركة الصليبية" إلى أن تصوّر المسيحيين في كلٍّ من الغرب والشرق لأتراك آسيا الصغرى كان حاضرا بجلاء في خطط دعاة الحملات الصليبية خلال أواخر العصور الوسطى.

فقد دعا عدد كبير من هؤلاء إلى غزو آسيا الصغرى، باعتبارها المعبر الذي يتيح للصليبيين الوصول إلى الأراضي المقدسة، فضلا عن كونها موطن القوة التركية المتنامية التي أثارت مخاوفهم، ودَفعتهم إلى السعي للقضاء عليها قبل أن يستفحل خطرها.

وفي هذا السياق، اضطلع ملوك قبرص وفرسان رودس بدور نشط في دعم تلك المشاريع، بل أبدوا استعجالا في تنفيذها، وهو ما أسهم في ترسيخ قدر ملحوظ من التنسيق والتحالف بين أتراك آسيا الصغرى وسلاطين المماليك في القاهرة، في مواجهة الخصم المشترك.

وقد عزم المماليك على مر الزمان على استئصال قوة الصليبيين من جزيرة قبرص، ولا سيما بعد هجماتهم الخطِرة والمدمرة على خطوط التجارة المملوكية والعثمانية في شرق البحر المتوسط، فضلا عن أسر وقتل المسلمين المسافرين في هذه البحار.

وأخيرا تمكن السلطان المملوكي الأشرف برسباي في عام 1427 من تدمير القوة اللاتينية القبرصية، وأسر ملكها جانوس، ومجيئه مكبلا في أغلاله في مشهد احتفالي مثير في شوارع القاهرة نقله المقريزي وابن تغري بردي في تواريخهم.

وقد فرض عليه السلطان الأشرف شروطا حتى يفك أسره، منها إعلان التبعية المطلقة للدولة المملوكية، ودفع جزية سنوية متفق عليها، وقطع العلائق مع الغرب سياسيا وعسكريا، وهي الشروط التي قبلها جانوس وأصبحت قبرص منذ ذلك التاريخ خاضعة بصورة كلية لدولة المماليك في مصر وبلاد الشام.

غير أن مشكلة شرق البحر المتوسط لم تنتهِ بالسيطرة على قبرص، فقد ظلت جزيرة رودس القريبة من البر الأناضولي التركي مشكلة كبرى، نظرا لحصانة الجزيرة، وقوة فرسان القديس يوحنا، وعملياتهم المستمرة من القرصنة والهجوم على السفن التجارية الإسلامية بين مصر والشام، ومصر والأناضول والعكس.

وأمام هذا التحدي المشترك، وبسبب انشغال السلطان العثماني مراد الثاني في عملياته العسكرية في القارة الأوروبية، طلب مرارا من المماليك في مصر مساعدته في الهجوم وإشغال هؤلاء الفرسان الصليبيين خشية أن يستغلوا انشغال العثمانيين في القارة الأوروبية ويقوموا بهجوم مباغت على الأراضي التركية في الأناضول، هذا بالإضافة إلى ما كانوا يقومون به في شرق البحر المتوسط من خطر متصاعد.

إعلان

وسنلاحظ المؤرخ ابن فضل الله العمُري يكشف في تاريخه "مسالك الأبصار" أن أمراء الأناضول بمن فيهم سلاطين العثمانيين -من قبل فتح القسطنطينية وبعدها- كانوا يتقربون من السلاطين المماليك في القاهرة حتى تعودوا "الميل إلى هذه الدولة القاهرة (المملوكية) حتى صارت الموالاة في طباعهم كالغريزة، فاتخذوا ملوك مصر، نصرهم الله، لهم ظهرا، وعدوهم للحوادث ذخرا".

وحين توفي السلطان برسباي حاول من بعده خلفه السلطان الظاهر جَقمق أن يسير على درب من سبقه في تطهير البحر المتوسط من هؤلاء الصليبيين، ولا سيما في جزيرة رودس، وقد أرسل بالفعل 3 حملات بحرية وعسكرية كبرى، ولكنها كلها فشلت في تحقيق مرادها في منتصف القرن الـ15 الميلادي، حتى رضي منهم بالكف عن الهجوم على السفن الإسلامية، وعقد هدنة طويلة الأمد معهم، كما نرى عند ابن تغري بردي في تواريخه.

فرسان رودس يهزمون أسطولا عثمانيا في معركة بحرية قبالة سواحل جزيرتهم (شترستوك)

محاولات عثمانية

ورغم كف المماليك أيديهم عن رودس، فقد سعى العثمانيون للانقضاض عليها، والانتقام من فرسانها على ضررهم البالغ في جنوب وشرق البحر المتوسط، ولهذا السبب خرج إلى بحر إيجه في صيف سنة 1454 أسطول عثماني مكوَّن من 30 سفينة حربية، تمكنت من شنّ العديد من الغارات.

وفي العام التالي أرسل السلطان محمد الفاتح هذه المرة حملة بحرية ضد رودس بقيادة حمزة بك، قامت هي الأخرى بغارات بحرية عسكرية مكثفة، تمكنت من تدمير التحصينات الواقعة على الساحل الشرقي لجزيرة رودس، ثم عادت أدراجها.

وعقب ذلك اضطر فرسان القديس يوحنا حكام رودس من تجديد المعاهدة والهدنة مع السلطان الفاتح وفق الشروط التي كانوا قد قبلوها عند جلوس السلطان على العرش، وفي عهد الفاتح أيضا نُظِّمت حملة ثالثة سنة 1467، غير أنّ هذه الحملة لم تُسفر عن أي نتيجة، وذلك ما يرصده الباحث التركي جابر دوغان في دراسته "رودس، من الفتح إلى السقوط".

وقد أدت تطورات متلاحقة مثل السيطرة العثمانية على بلاد الشام ومصر وسقوط دولة المماليك إلى تحول مساحات شاسعة من البحر المتوسط إلى بحيرة عثمانية خالصة.

وكان تدخل فرسان القديس يوحنا في صراع كل من الأمير جم والسلطان سليم الأول على العرش قُبيل وبعد وفاة والدهم السلطان بايزيد الثاني سببا آخر جعل سليم الأول يعجل من إنشاء أسطول ضخم للانقضاض على هذه الجزيرة التي أمست بمثابة الصداع المزمن في قلب السياسة الإسلامية في شرق البحر المتوسط.

على أن وفاة السلطان سليم الأول حال دون ذلك، ولكن ابنه السلطان سليمان القانوني ذلك الشاب الذي تقلد الحكم وهو ابن 26 عاما كان عازما مثل والده سليم وجده محمد الفاتح أن يتخلص من تهديد فرسان القديس يوحنا، ويحرر الجزيرة من القبضة الصليبية لتكون إسلامية عثمانية خالصة.

السلطان محمد الفاتح أرسل حملة بحرية ضد رودس تمكنت من تدمير التحصينات الواقعة على الساحل الشرقي للجزيرة ثم عادت أدراجها (مواقع التواصل)

حملة السلطان سليمان القانوني

ويرصد يلماز أوزتونا في "تاريخ الدولة العثمانية" العملية العسكرية الكبيرة التي أشرف عليها السلطان سليمان القانوني بنفسه لفتح جزيرة رودس وبعض المناطق الأناضولية النائية على البحر المتوسط التي كان يحتلها الصليبيون مثل منطقة بودرم.

فقد غادر الأسطول العثماني إسطنبول في 4 يونيو/حزيران 1522، ثم تبعه الجيش يوم 16 من نفس الشهر، يتقدّمه السلطان بنفسه، وبرفقته شيخ الإسلام زنبيلي علي أفندي، وابن أخيه الوزير الأعظم بيري محمد باشا.

حيث وصل السلطان إلى جزيرة مرمريس، ومنها انتقل إلى رودس في 28 يوليو/تموز على متن السفينة الحربية التي كان يقودها محمد رئيس، وتشير التقديرات إلى أنّ رودس كانت أشد تحصينا من بلغراد، وربما عُدَّت في ذلك الوقت أكثر القلاع تحصينا في العالم.

إعلان

وكان السلطان سليمان القانوني قد درس تجارب الحصار السابقة دراسة متأنية، واستخلص منها الدروس اللازمة، فقام بتطويق الجزيرة بالأسطول، ثم شرع في فتح الجزر الـ12 في بحر إيجة المعروفة باسم الدوديكانيز واحدة تلو الأخرى، إلى أن تمكّن من استرجاع بودروم (هاليكارناسوس)، التي كانت تُعدّ آخر موطئ قدم مسيحي في الأناضول.

وبعد يوم واحد من وصول السلطان سليمان القانوني إلى الجزيرة في 28 يوليو/تموز، انطلق حصار قلعة رودس في 29 تموز، أمّا القتال الفعلي فقد بدأ في 1 أغسطس/آب بقصف البرج الألماني بالمدافع، وقد أقام السلطان القانوني خيمته السلطانية في موضع يُمسى قِزل تبه وأدار الحصار من هناك، واستمرت الهجمات العثمانية على الجزيرة قرابة 5 أشهر.

ومع اشتداد الحصار، أيقن الفرسان أن سقوط القلعة بالقوة لم يعد سوى مسألة وقت، وأن الإصرار على المقاومة سيؤدي إلى فنائهم الكامل، فاختاروا الاستسلام في 20 ديسمبر/كانون الأول 1522.

وخلال مجريات الحصار، كان والي مصر خير بك قد أرسل في 9 أغسطس/آب أسطولا مكوّنا من 24 سفينة محمّلة بالمؤن والعتاد، غير أن خير بك لم يلبث أن تُوفي بعد ذلك بمدة قصيرة، فتولّى مصطفى باشا الوزير الثاني في الدولة العثمانية منصب والي الدولة في مصر.

Siege of Rhodes. Pierre d'Aubusson during the siege of Rhodes (Greece). In 1480. Aquatint in colour. (Photo by adoc-photos/Corbis via Getty Images)
مع اشتداد الحصار أيقن الفرسان أن سقوط القلعة بالقوة لم يعد سوى مسألة وقت وأن الإصرار على المقاومة سيؤدي إلى فنائهم الكامل (غيتي)

وفي تلك الأثناء تهاوت قدرة الفرسان على الصمود بفعل القصف العثماني المكثف، ولا سيما بعد تمكّن المدفعية باستخدام مدافع الهاون والقذائف الثقيلة من إصابات مباشرة داخل القلعة، وزاد الوضع سوءا اختراقٌ استخباراتي خطِر، إذ كان أحد الجواسيس داخل القلعة يحدد المواقع الحساسة عبر إشارات ضوئية، ولم يُكشف أمره إلا بعد أسابيع، حيث قبض عليه الفرسان ومزّقوه في 14 سبتمبر/أيلول كما يذكر أوزتونا.

لاحقا لقيت 3 جاسوسات عثمانيات داخل القلعة المصير نفسه أثناء محاولتهن إشعال الحرائق والكشف عن نقاط ضعف الفرسان، ورغم ما تعرّضن له من تعذيب وتقطيع، رفضن الإفصاح عن أسماء بقية أفراد الشبكة السرية العثمانية التي كانت تخترق الجزيرة.

ويُذكر أن عناصر هذه الشبكة الاستخباراتية، التي أُرسلت إلى رودس قبل سنوات حيث قد تظاهروا باعتناق المسيحية، بل إن بعض الروايات كما يرصد يلماز أوزتونا تُشير إلى أن الفارس الإسباني دون أندريا دأمارال، الحاصل على رتبة الصليب الأكبر، كان هو الآخر يعمل لحساب العثمانيين.

ورغم المقاومة الكبيرة التي أبداها فرسان القديس يوحنا فإنهم في نهاية المطاف اضطروا للاستسلام وفق شروط تضمن لهم النجاة بأنفسهم، وكما يقول المؤرخ التركي فريدون أمجين فبموجب الاتفاقية المبرمة بين الطرفين في 21 ديسمبر/كانون الأول 1522، سُمِح للفرسان بإخلاء الجزيرة وفق بعض الشروط.

حيث يلتزم الفرسان بإخلاء رودس وجزر الدوديكانيز (الجزر الاثني عشر) خلال مدة 10 أيام على الأكثر، ويُسمح لهم بأخذ جميع ما يستطيعون حمله من ممتلكاتهم، كما فرض عليهم عودة جميع الأسرى المسلمين والمسيحيين الموجودين في رودس وتسليمهم للدولة العثمانية.

وتفرض كذلك الاتفاقية السيطرة العثمانية العسكرية كاملة على ميناء رودس خلال مدة الإخلاء البالغة 10 أيام من بواسطة 4 آلاف جندي إنكشاري بقيادة آغا الإنكشارية، ويتولّون الإشراف على تنفيذ عملية الإخلاء كما نصت الاتفاقية على التزام الجيش العثماني بعدم الاقتراب من القلعة مسافة تزيد على ميل واحد إلى حين اكتمال الإخلاء.

وطوال فترة تنفيذ الاتفاق يبقى 25 من كبار فرسان الرهبنة الحاصلين على رتبة الصليب الأكبر، ومعهم 25 من وجهاء مدينة رودس من غير المنتمين للرهبنة، رهائن في معسكر الجيش العثماني.

وأمام هذا الهجوم الكاسح، والحصار العثماني المستميت، لم يجد فرسان القديس يوحنا بدا -أمام الجوع والقصف والموت- من الاستسلام والنجاة بأنفسهم وفق شروط مناسبة، وعند إتمام الاستسلام سُمح للفرسان بحمل أسلحتهم الخفيفة وممتلكاتهم القابلة للنقل، باستثناء المدافع، ثم صعدوا إلى سفنهم وغادروا الجزيرة.

كما وافق السلطان سليمان القانوني على استقبال زعيمهم الأستاذ الأعظم دي ليل، وكان فرنسي الأصل في 26 ديسمبر/كانون الأول 1522، حيث مثُل هذا الأخير مجددا بين يدي السلطان بعد 6 أيام، معربا عن امتنانه العميق لما أبداه السلطان من تسامح إنساني نادر في السماح للفرسان بالخروج سالمين.

إعلان

وفي تلك الأثناء، كان البابا أدريانوس الثاني يقيم طقوس عيد الميلاد في كنيسة القديس بطرس في روما، حين سقطت فجأة أحجار من حافة سقف الكنيسة قرب قدميه، فاعتبر ذلك نذير شؤم، وقال متشائما: "لقد سقطت رودس". وكان ذلك اليوم هو نفسه اليوم الذي وافق فيه السلطان القانوني على استقبال الأستاذ الأعظم.

Siege of Rhodes. Negotiations between Philippe de Villiers de L'Isle-Adam and Suleiman I (Greece). In 1522. Aquatint in colour. (Photo by adoc-photos/Corbis via Getty Images)
مفاوضات بين فيليب دي فيلييه دي ليل آدم والسلطان سليمان عام 1522 (غيتي)

وقد رصد الباحث التركي علي فؤاد أورِنج، في كتابه "رودس والجزر الاثنا عشر في تاريخنا الحديث" الإجراءات العثمانية السريعة التي أعقبت فتح الجزيرة وطرد فرسان القديس يوحنا منها، فقد اتخذت الدولة العثمانية تدابير سريعة لضمان أمن القلعة واستقرار الجزيرة، إذ صدرت الأوامر ببقاء 500 من رجال الأمن والحرس والحصون إلى جانب 500 من الإنكشارية للحراسة الدائمة.

كما وُضعت تحت تصرّف سنجق بك قوة بحرية مؤلفة من 4 سفن عسكرية كبيرة و5 قوارب، وفي إطار إعادة تأهيل المنشآت الدفاعية التي تضررت أثناء الحصار، كُلِّف أمير أمراء الأناضول قاسم بك بالإشراف على تنظيف الخنادق وترميم الأبراج والأسوار، وهي أعمال استمرّت حتى عام 1525.

وفي سياق استكمال السيطرة العثمانية على الجزر التابعة، توجّه قبطان بهرام بك على رأس قوة بحرية عثمانية إلى جزيرة إستانكوي (كوس)، حيث أعلن حراس القلعة خضوعهم للدولة العثمانية، وبموجب الاتفاق المبرم بين الطرفين أُلحقت الجزيرة بالسيادة العثمانية في 5 يناير/كانون الثاني 1523.

ويشير الرحالة العثماني أوليا جلبي في "سياحتنامه" إلى أن حملة رودس أسفرت عن دخول نحو 70 قلعة كبيرة وصغيرة مع الجزر المرتبطة بها، ضمن الحكم العثماني، وأن هذه القلاع أُحصيت وربطت بـوقف السلطان سليمان القانوني الذي أُنشئ في رودس.

والحق أن فتح رودس قد شكّل مُنعطفا مهما في تاريخ الصراع البحري في شرق المتوسط، إذ كشف بوضوح تفوق المدفعية العثمانية على نظيرتها الأوروبية، كما أن سقوط جزيرة كانت تُعدّ أحد أبرز معاقل المسيحية في مواجهة العالم الإسلامي أحدث اضطرابات واسعة في الأوساط الأوروبية.

وبالسيطرة على جزيرة ذات أهمية إستراتيجية واقتصادية بالغة، عزز العثمانيون هيمنتهم في شرق البحر الأبيض المتوسط، ونجحوا في الوقت ذاته في تحييد خصم خطِر كان يشكل تهديدا دائما لمصالحهم البحرية والتجارية.

وعند تفكيك الحدث بعيدا عن سردياته العسكرية المباشرة، يتضح أن السيطرة على رودس تجاوزت كونها إجراء أمنيا محدودا ضد نشاط بحري معادٍ، لتغدو ركنا مركزيا في تصورٍ عثماني متكامل للأمن القومي العثماني إن صح التوصيف، فقد مثّل هذا التحول خطوة حاسمة في إعادة هندسة المجال الجغرافي للدولة، إذ أتاح وصل الأقاليم العثمانية الكبرى في الأناضول وبلاد الشام ومصر ضمن نطاق واحد مترابط برا وبحرا، بما أنهى عمليا أي إمكانية لوجود فراغ بحري يمكن للقوى الأوروبية النفاذ منه لتهديد خطوط الملاحة والتجارة الحيوية بين إسطنبول والقاهرة.

وبهذا المعنى لا يمكن النظر إلى سقوط رودس إلا بوصفه علامة فارقة أعلنت انتقال الدولة العثمانية من مرحلة الاحتكاكات البحرية المتقطعة إلى طور السيطرة المنظمة على شرق المتوسط، حيث لم تعد قوة برية واسعة النفوذ فحسب، بل أصبحت فاعلا بحريا مركزيا يفرض حضوره على أهم المسارات التجارية في النظام الدولي لذلك العصر.

وهكذا انتهى وجود كيانٍ لاتينيّ كاثوليكي في شرق البحر المتوسط، كان من بقايا الحملات الصليبية التي امتد تاريخها لأكثر من 213 عاما، ليكون بذلك آخر كيان صليبي ينجح المسلمون في القضاء عليه.

غير أنّ نشاط فرسان القديس يوحنا لم يتوقف عند هذا الحد، ففي عام 1530 منحهم إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة في إيطاليا وألمانيا شارل الخامس جزيرة مالطة، فاتخذوها قاعدة جديدة، انطلقوا منها لمواصلة الاعتداء على المسلمين في وسط البحر الأبيض المتوسط دون أن يرتدعوا من هزيمتهم الثقيلة السابقة، وتلك قصة أخرى سنقف معها لاحقا.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

إعلان