لهجات هجينة وأصوات غريبة.. هوية اللسان العربي الشعبي تحت الحصار

في ركن قصي من ذاكرة كل مجتمع، تظهر اللهجة المحلية كبيت جار عليه الزمن، لكنه لا يزال يحتفظ برائحة الخبز، وحس الأم، وهمسات الجيران، وابتساماتهم الصباحية، لكن هذا البيت القديم يختنق ويتآكل كل يوم بفعل اللهجات المستحدثة والجديدة والفتية، لا بفعل اختلاف معارف كل جيل وثقافته فقط، بل نتيجة للتحوّلات الجذرية، التي تشهدها المجتمعات العربية.

تضغط العولمة الرقمية والتهجير القسري والدراما التليفزيونية والمنصات على اللهجة المحلية، فينتج ذلك نوعا ما إعادة تشكيل للهوية الصوتية لسكان المدن والقرى، وعمليات تنميط وتذويب وتهجين.
نستعرض ستة نماذج من دول عربية، شهدت تحولات حادة، وهي فلسطين وسوريا ولبنان والأردن ومصر والسعودية، ويقدم كل نموذج قصة مختلفة عن لهجة تحاول الصمود في وجه الاختطاف.
فلسطين.. لهجة المهجر تشوب ألسنة اللاجئين
لم يكن الاحتلال وحده من دمّر القرى ومزّق الأحياء في فلسطين، بل نزح الصوت أيضا. فلهجة غزة، التي كانت تعرف بنبرتها الحادّة الجازمة، أضحت تتراجع أمام سطوة لهجة أكثر نعومة وشامية الطابع، لا سيما في أوساط اللاجئين والشباب.
وقد بدأت لهجة الجيل الجديد من اللاجئين الفلسطينيين في بيروت تتغير، ثم تتأثر باللهجة اللبنانية من حيث الأصوات وطريقة بناء الجمل، لكن بعض الخصائص الفلسطينية ما تزال موجودة، وإن بشكل أقل من السابق.

تظهر دراسة بعنوان: "تقييم التغيير الناتج عن التلامس في العربية الفلسطينية: أدلة من بيروت"، للباحثين ياسمين أبو طه و"ستيفن ليفي"، أن لهجة الفلسطينيين الذين يعيشون في بيروت بدأت تتغير بسبب طول الاحتكاك مع المجتمع اللبناني، ومن تلك التغيّرات منها أن كلمات كانت تنطق فيها الألف الطويلة "آ" (/a:/) في وسط الكلمة، أصبحت تنطق بحرف "إيه" ([e:])، وهذا يعكس تأثرا بطريقة نطق اللبنانيين.
ثم إن أسلوب نفي الأفعال قد تغيّر، فبدأ الناس يبتعدون عن استخدام طرق النفي التي تعد قديمة أو مرتبطة بالريف (تطلعش = لا تخرج)، ويستخدمون بدلا منها أشكالا أبسط وأقرب للهجة اللبنانية المحيطة بهم (لا تضهر).
أما في التعبير عن المستقبل (مثلا "راح أروح"، "بدي أكتب")، فقد وجد الباحثان أن استخدام أداة "حَـ" (مثل: حَـروح) أصبح شائعا جدا، لكنه لا يزال يحتفظ بخصوصية فلسطينية إلى حد ما، ولم يندمج كليا مع الطريقة اللبنانية.
يقول الباحثان في الدراسة: نجد دليلا على التغيير الناتج عن التلامس في العربية الفلسطينية.. في الرفع المتغير للكلمة الوسطى /a:/ إلى [e:]، وكذلك في تآكل الأسس الاجتماعية للنفي اللفظي. وعلى النقيض من ذلك، في نظام الإسناد الزمني المستقبلي، فإن أدلة التقارب أقل إقناعا، بما في ذلك الارتفاع المذهل لعلامة المستقبل القريب ha- في PA".
وقد أنتج التهجير المتكرر منذ 1948، وما تبعه من تداخل مجتمعي بين اللاجئين وأبناء الضفة أو الداخل المحتل خليطا صوتيا يطمس الخصوصيات اللفظية.
ويبدو ذلك واضحا في حديث شباب اليوم بمخيمات الشتات، الذي ينطقون بلهجة أقرب إلى ما يسمعونه في المسلسلات السورية أو على إنستغرام، لا ما نطق به أجدادهم. أما في القدس، فيتقلص استعمال اللهجة المقدسية العتيقة أمام تعبيرات هجينة، تشكّلت في المدارس والجامعات والمنصات.
سوريا.. دمشق تحكم اللهجات
قبل أن تُهدم حلب وتُهجّر درعا، كانت اللهجة السورية تعرّف بأنها فسيفساء، فلكل مدينة نغمتها، ولكل ريف جملة. لكن منذ بداية العقد الماضي، أدّت الحرب السورية إلى تشتت غير مسبوق في الجغرافيا واللهجات، وأنتجت ديناميكية لغوية غريبة، بين تهجين خارجي، ودمشقة داخلية.
وتقول الباحثة كِنـان كوجا في بحث بعنوان "اللهجة كرمز للسلطة" عن اللهجة الدمشقية: بفضل عقود من الحضور الفني والدرامي، تحوّلت إلى ما يشبه "اللهجة النموذجية" للسوريين. في الشتات –سواء في برلين أو عمّان أو إسطنبول– يتحدث أبناء دير الزور أو إدلب أو السويداء بلهجة أقرب إلى صوت دمشق، وكأنهم يعقدون تسوية لغوية للتواصل والبقاء".
ويأتي الاتفاق الدمشقي على السيطرة ضمنيا، مع أن اللهجات العربية المنطوقة في سوريا متعددة، منها الشامية، والساحلية، والحورانية، والحلبية، والفراتية، والجزراوية.
وتقتصر الفروق بين هذه اللهجات أساسا على المستوى الصوتي، ولا سيما طريقة نطق بعض الأصوات اللغوية، وخاصة حرفي "القاف" و"الجيم"، اللذين يمكن أن يكونا مجهورين أو مهموسين، وهو ما يشير إليه د. طالب عبد الجبار الدغيم في مقاله "التحولات اللغوية في سورية.. تعدّد الألسن وتشكل اللهجات عبر العصور"، المنشور في موقع "ترك برس".
لبنان.. لهجة تعوم على بحر اللغات
لا تسير لهجة بيروت في خط مستقيم، بل تتمايل بين الفرنسية والإنجليزية والعربية، فالنخبة المثقفة والإعلامية تتحدث مزيجا يصعب تمييزه، أما أبناء الجنوب والبقاع فيتمسّكون بلهجة أقرب للفصحى من جهة، وللهجة الشامية من جهة أخرى.

والتبديل بين اللغات في محادثة واحدة بين اللهجة الشامية، واللهجة العربية الفصحى، والفرنسية، والإنجليزية أمر شائع جدا في لبنان، فكثير من الكلمات المستخدمة في اللهجة اللبنانية الشامية استُعيرت من الفرنسية أو من الإنجليزية، مع تغيير بعض العبارات والأفعال، لاتباع قواعد اللغة العربية الشامية.
ولا تكمن حقيقة هذا التبديل بين اللغات في المدلولات التاريخية، بل تقع في قلب الإشارات الطبقية اقتصاديا واجتماعيا.
والهوية الصوتية في لبنان تمايز طبقي أيضا، فقد أصبحت لهجة بيروت أقرب إلى "فرانكوعربية" تمثّل "الحداثة"، ويرى البعض لهجات الأطراف رموزا للريفية أو التقليدية. ويعيد الإعلام إنتاج هذه الفجوة، حتى أن الكوميديا توظف لهجات الجنوب أو الشمال أداة للسخرية، لا للتمثيل.
وحين ينشر الجيل الجديد مقاطع الفيديو على تيك توك أو يوتيوب، يجنحون إلى لهجة هجينة ملساء سهلة التهجين، تحاكي ما يسمعه من نجوم الوسيطين الجديدين.
الأردن.. تصنيع الهوية الصوتية في العاصمة
لم تكن لهجة عمان –وهي مدينة حديثة نسبيا– هي لهجة الأردن العتيقة، لكنها بسبب مركزية العاصمة أصبحت القالب الصوتي الغالب في الإعلام والسياسة والتعليم. ومع الزمن، بدأ انكماش اللهجات البدوية والريفية.
يرى الباحث اللغوي د. عبد الكريم أبو الشيخ في بحث منشور في مجلة الآداب بالجامعة الأردنية، أن لهجة العاصمة عمان تشهد تحولات صوتية واضحة، بسبب عوامل التمدّن، والاتصال الاجتماعي الكثيف، وهيمنة الإعلام المركزي.
ويقول: يظهر نوع من التخفيف الصوتي عند بعض الشباب المتحدثين بلهجة عمان، تجلّى في استبدال بعض الأصوات الصلبة كالقاف إلى همزة (اللهجة المدنية)، وهو ما يعكس تأثير اللهجات المجاورة، وتوجهات نحو لهجة أكثر نعومة وتقبّلا في الإعلام الحديث.

ويؤكد في البحث أن التحوّلات الصوتية في لهجة عمان لا تحدث بمعزل عن العوامل الاجتماعية والثقافية، بل هي نتيجة لتفاعل مستمر بين اللهجات الوافدة واللهجة الأصلية للمدينة، فيقول: إن لهجة عمان الحالية تمثّل مزيجا لهجيا ناتجا عن امتزاج لهجات القرى والبوادي والحضر، وهو ما أدى إلى بروز سمات نطقية جديدة، مثل تراجع نطق القاف التقليدي، لصالح الهمزة والخلط بين أصوات الشين والجيم والياء في بعض المواقع.
ويرى الإعلامي الأردني إبراهيم السواعير في مقابلة منشورة في صحيفة الرأي الأردنية عام 2023، أن اختفاء بعض الخصوصيات الصوتية في الإعلام، مثل استبدال اللهجة الأردنية بلهجات مجاورة، يمثل تهديدا واضحا للهوية اللغوية الوطنية، ويقول: هناك ميل إلى لهجات عربية مجاورة كالسورية واللبنانية، وهناك اضمحلال وتلاشٍ أمام اللهجة المحلية، وكل هذا يشوّه الهوية الوطنية؛ لأن اللغة هوية.
يتحدث الجيل الأردني الجديد بلهجة "أردنية حضرية"، تتخلّى تدريجيا عن القاف البدوية، وتستبدلها بهمزة ناعمة، كما هو الحال في "قال" التي تصبح "آل". كذلك تستبدل بعض التعابير العامية بكلمات ذات طابع حضري عالمي.
وقد أسهمت الهجرة الداخلية إلى عمّان، والزواج المختلط بين أبناء المحافظات، والاحتكاك اليومي مع المحتوى السعودي والخليجي في تعويم النغمة الأردنية الأصيلة في صوت جديد لا يعكس جغرافيا، بل نموذجا ثقافيا.
مصر.. تاريخ من اللهجات يهدره اليوتيوب
تأثرت اللهجات العامية المصرية بالهجرات العربية، واللغات الأجنبية كالقبطية والتركية، فاختلف نطق حرفي الجيم والقاف؛ ففي المدن الكبرى (اللهجة القاهرية)، تنطق الجيم بلا تعطيش (مثل جيم اليمن الجنوبي)، لكنها تتنوع في الأرياف بين التعطيش الخفيف (كاللكنات الشامية)، والتحول إلى الشين أو الياء.
أما القاف، فتصبح همزة في المدن (تأثرا بالفينيقية واللهجات الشامية)، أو جيما غير معطشة في الصعيد والبادية (لهجة نجد والخليج).
ومن المفردات الشائعة كلمة "شيء" ومشتقاتها (إيش، ليش، مفيش)، وجميعها حاضرة بقوة في العامية المصرية وفي الأمثال الشعبية، مع أنها مرتبطة بالبادية. وقد تسللت المفردات التركية والفارسية إلى لهجة المدن الكبرى إبان الحكم العثماني، لا سيما في مجالات الحياة اليومية والمهن والأسماء (مثل الأسماء المنتهية بالتاء المفتوحة أو الياء المشددة). وهي مفردات ميزت لهجة القاهرة عن لهجات الدلتا والصعيد.

وتتسم لهجة اليوتيوب بسرعة النطق، واستخدام مفرط للكلمات المختصرة، وتعبيرات مستوردة من الإنترنت (ميمات، صيغ ساخرة، رموز). في حين تتراجع لهجات الدلتا والصعيد، وحتى الأحياء الشعبية القديمة في القاهرة، وجيل اليوتيوب من الممثلين وأهل اليوتيوب نادرا ما يظهر أي انتماء لهويته اللهجية القديمة، محاولا تقديم خطاب "سهل الهضم" عابر للهويات الجغرافية.
السعودية.. الدراما تختزل 60 لهجة في واحدة
تعد اللغة العربية اللغة الأم في السعودية والدول العربية كافة، لكنها تطورت بمرور الزمن، وتأثرت بعوامل منها الاحتلال والاختلاط بالشعوب الأخرى، فظهرت لهجات متعددة تتباين وتتقارب في المعاني ومخارج الألفاظ.
وتتميز السعودية بثرائها اللهجي، الذي يبلغ نحو 60 لهجة رئيسية، ذلك لكونها الموطن الأصلي لأكثر القبائل العربية، وتعد لهجاتها الأقرب إلى اللغة العربية الفصحى، والأقل تأثرا باللغات الأخرى.
ويعود تعدد لهجاتها إلى تنوع تراثها الثقافي والحضاري، وكذلك تأثير الحروب والأزمات التاريخية. وتقسم هذه اللهجات بناء على محاور جغرافية وقبلية ومذهبية وتراثية، ناهيك عن تأثرها بالحجاج.
من أبرز هذه الأقسام: اللهجة الخليجية (الأحسائية والبحرانية)، والحجازية الحضرية (المرتبطة بلهجات مصر والسودان)، ولهجات شمال غرب الجزيرة، واللهجات الجنوبية (مثل لهجة السراة وجازان وخولان)، واللهجات النجدية بأقسامها الأربعة.
ومن الخصائص اللغوية المميزة لأشهر اللهجات السعودية، التلتلة في الحجاز، والتضجع في القصيم، والكشكشة في نجد وحضرموت، والطمطمانية في جازان، والعنعنة، مع أمثلة على بعض الكلمات ومعانيها في لهجات القصيم وحائل والحجاز.
وتطرح المنصات الرقمية والإنتاجات الدرامية الجديدة طرحا صوتيا جديدا، ولهجة سينمائية هجينة لا تنتمي لمنطقة بعينها.

تتجنب هذه اللهجة الجديدة اللهجات المناطقية الثقيلة، وتستخدم تعبيرات مرنة وعصرية، فتصبح مقبولة جماهيريا لكنها منفصلة عن الجذور. وقد بات بعض الشباب السعوديين يشعرون بالخجل من استخدام لهجتهم الأصلية في مقاطع الفيديو واللقاءات العامة.
كما تشتكي أسر أصيلة من أن أبناءهم لا يعرفون بعض الكلمات المحلية، وأنهم يكتسبون لغتهم من "المؤثرين"، لا من الجدّات.
واللهجة -إجمالا- ليست مجرّد وسيلة للتخاطب، بل مرآة للهوية، ومخزن للذاكرة الجمعية. وما نشهده اليوم من تراجع وتهجين واختطاف للهجات، ليس انعكاسا فقط للتحوّلات التقنية والسياسية، بل لتغيّر الذائقة العامة، وتوجّه المجتمعات نحو خطاب أكثر تسطيحا وتجانسا، لكن لا تزال في كل مدينة وقرية مقاومة هادئة، في الأغاني الشعبية، ونكت الجدّات، وتسجيلات خفية على تيك توك، وقصائد محكية يكتبها شباب يحاولون استعادة صوت المكان.
المصادر:
[1]: https://www.researchgate.net/publication/269932930_The_Lexical_Borrowing_in_Palestinian_Colloquial_Arabic?utm_source=chatgpt.com "(PDF) The Lexical Borrowing in Palestinian Colloquial Arabic."
[2]: https://www.cambridge.org/core/journals/canadian-journal-of-linguistics-revue-canadienne-de-linguistique/article/assessing-contactinduced-change-in-palestinian-arabic-evidence-from-beirut/26210037E40ED06713CA7DDEA8D65DB3?utm_source=chatgpt.com "Assessing contact-induced change in Palestinian Arabic: Evidence from Beirut | Canadian Journal of Linguistics/Revue canadienne de linguistique | Cambridge Core"
[3]: https://www.mdpi.com/2226-471X/9/11/341?utm_source=chatgpt.com "Children’s Multilectal Repertoires: Diglossic Style-Shifting by Palestinian Children and Adolescents in Syria"
[4]: https://en.wikipedia.org/wiki/Damascus_Arabic?utm_source=chatgpt.com "Damascus Arabic"
[5]: https://sanad.iau.ir/Journal/ttlt/Article/1186734/FullText?utm_source=chatgpt.com "Social Variables and Dialectal Shifts: A Study of Linguistic Changes in Karbala and Baghdad"