سيد قطب.. مفكر الإخوان المسلمين الذي ساقه قلمه إلى حبل المشنقة

سيد قطب

يعد سيد قطب أحد أبرز المفكرين الإسلاميين في القرن العشرين، وقد ترك بصمة عميقة في الفكر الإسلامي المعاصر، ولا سيما حركة الإخوان المسلمين.

وُلد في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 1906، في قرية موشا بمحافظة أسيوط المصرية، وكان من أسرة متوسطة الحال، ومع أنه نشأ في بيئة محافظة، فإن حياته الفكرية والسياسية كانت تتسم بكثير من التحولات، جعلته من أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي المعاصر.

بدأ سيد قطب حياته المهنية في مجال التعليم، فدرس بمعهد المعلمين وتخرج عام 1933، ثم عمل مدرسا، لكن سرعان ما برز شغفه بالكتابة والصحافة، فبدأ ينشر مقالاته الأدبية والفكرية في الصحف والمجلات. وقد كان بداية حياته متأثرا بالأدب العربي العتيق، وكان من المعجبين بالأدب الغربي، ولا سيما الأدب الأمريكي.

سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1948، لدراسة المناهج التعليمية، وفي تلك الرحلة لاحظ الفروق بين المجتمعات الغربية والإسلامية، ثقافةً وأخلاقا وسياسة، فشكل ذلك نقطة تحول مهمة في حياته الفكرية. فبدأ يتساءل عن السبب الذي جعل العالم الإسلامي في وضعه المتأخر، مقارنة بالدول الغربية.

"اليوم قُتل حسن البنا!"

حين عاد سيد قطب من أمريكا بداية الخمسينيات، تغيرت وجهته تجاه الحياة والمجتمع جذريا. فقد شهد حقبة من التحولات الفكرية العميقة، دفعته لانتقاد الأنظمة العربية والعالمية، ووصفها بالظلم والاستبداد، كما شعر بخيبة أمل من النظام الاجتماعي الغربي.

وقد قرر يومئذ الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها الشيخ حسن البنا عام 1928، وكانت جماعة تسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، بالعمل السياسي والاجتماعي.

الكاتب والمفكر الإسلامي سيد قطب

يروي سيد قطب ذلك بقوله: كنت أكره دعوة الإخوان المسلمين، وابتعثتني الحكومة المصرية إلى أمريكا سنة 1949 من أجل دراسة المناهج –حيث كنت مفتشا في وزارة المعارف– وهناك حدثت لي قضية شدت ناظري ولفتت انتباهي، أنني في الثالث عشر من فبراير/شباط سنة 1949 كنت نزيلا في مستشفى من المستشفيات الأمريكية، فظهرت معالم الزينة والأفراح في المستشفى، فسألت أحد الممرضين: أي عيد هذا الذي تحتفلون فيه؟

إعلان

قال الممرض وببساطة ودون تفكير: اليوم قُتل عدو أمريكا الأكبر في الشرق، اليوم قتل حسن البنا!

هذه الكلمة هزت السرير تحتي وجعلتني أنتبه، لا يمكن لإنسان يكيد له العالم هذا الكيد إلا أن يكون على حق.

وقد مدح سيد قطب الإخوان المسلمين ومؤسسهم حسن البنا فقال: في بعض الأحيان تبدو المصادفة العابرة كأنها قدر مقدور، وحكمة مدبرة في كتاب مسطور.. حسن البنا.. إنها مجرد مصادفة أن يكون هذا لقبه..

ولكن من يقول إنها مصادفة، والحقيقة الكبرى لهذا الرجل هي البناء وإحسان البناء، بل عبقرية البناء، لقد عرفت العقيدة الإسلامية كثيرا من الدعاة.. ولكن الدعاية غير البناء.. وما كان كل داعية يملك أن يكون بنّاء، وما كل بناء يوهب هذه العبقرية الضخمة في البناء.. هذا البناء الضخم.. الإخوان المسلمون.

عبد الناصر.. مودة ثم خلاف

في الخمسينيات، كان سيد قطب في قلب الحركة الإسلامية، وكانت يومئذ على علاقة متوترة مع النظام السياسي في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، وقد كان عبد الناصر أول أمره على علاقة طيبة مع سيد قطب، لا سيما في مرحلة ما بعد الثورة في 1952، وكان عبد الناصر يطمح لتوحيد قوى الثورة، والمشاركة مع القوى الإسلامية في بناء المجتمع الجديد.

لكن سرعان ما نشأت خلافات بين سيد قطب والنظام، فقد كان يرى عبد الناصر نموذجا من الطغاة الذين يقتلون الثورة الحقيقية، التي كان الشعب المصري قد خرج من أجلها، ويرى أنه -مع شعاراته- لم يكن مهتما بتحقيق العدالة الإسلامية، بل كان يلهث وراء السلطة والزعامة.

تصاعدت الخلافات بعد أن بدأ سيد قطب يتبنى أفكارا أكثر تطرفا، تركز على ضرورة تغيير النظام السياسي في مصر جذريا، بإقامة دولة إسلامية تعبر عن الشريعة الإسلامية تماما.

اتهام سيد قطب للنظام الناصري بالتحالف مع القوى الغربية وضعه خلف القضبان

ثم تفاقمت الأزمة، بعد أن نشر بعض كتبه التي تنتقد الوضع السياسي والاجتماعي في مصر، لا سيما كتابه الشهير "معالم في الطريق"، الذي ذكر فيه ضرورة بناء مجتمع إسلامي مغاير لما كان سائدا في مصر، واتهم النظام الناصري بالتحالف مع القوى الغربية، التي تسعى لإفساد الأمة الإسلامية.

لقد كان كتاب "معالم في الطريق" بمنزلة وثيقة فكرية، تدعو إلى ثورة فكرية وعملية، لإعادة تأسيس الدولة الإسلامية.

"معالم في الطريق"

كان كتاب "معالم في الطريق" من أهم كتب سيد قطب، التي أثرت على الفكر الإسلامي عموما، وعلى جماعة الإخوان المسلمين خصوصا، ويعد بمنزلة دعوة لتجديد الفكر الإسلامي، وقد تضمن مفاهيم متجددة حول علاقة المسلم بالمجتمع والحاكم، وطالب بضرورة العودة إلى الإسلام النقي، بعيدا عن التفسيرات والتحريفات التي نالت منه عبر العصور.

شكل الكتاب نقطة فارقة في حياته الفكرية والسياسية، فأصبح في هذا الكتاب شديد الانتقاد لما أسماه "الجاهلية" التي تحكم المجتمعات الإسلامية، ورأى أن الثورة الإسلامية لا بد أن تبدأ من تغيير فكري عميق، يقود إلى تطهير الأمة من آثار الاستعمار والعلمانية.

يقول محمد علي الضناوي: لم تتضح المبادئ التي حددها الإمام الشهيد (حسن البنا) إلا بالمعالم التي رسمها سيد قطب.

إعلان

ويقول الشيخ سعيد حوى: خط سيد قطب مكمل لخط البنا وليس معارضا له، كل ما في الأمر أنه عمق هذا الخط وأعطاه مداه في بعض الأمور، والأستاذ البنا هو البنا.

ويقول الشاعر والمفكر الإسلامي يوسف العظم: كان البنا مهندس الجماعة وبانيها، وكان سيد قطب نبعها الثري بزخم فكري ثري وعطاء من فور الإيمان، يقدمه منهاج حركة ومنهاج حياة لجماعة، عملت منذ وجدت، لتطبيق شرع الله في الأرض، واستئناف الحياة الإسلامية، رغم كل الظروف القاسية والمؤامرات المريبة التي لا ترحم.

الحاكمية والجهاد

يرى باحثون أن سيد قطب من أوائل المفكرين الذين أسسوا أفكار السلفية الجهادية، نظرا لاستخدام جماعات السلفية الجهادية كتبه ومفاهيمه في تفسير قضايا، منها الغلو في مسألة الحاكمية، وكان قد ربط بين توحيد الله وضرورة تطبيقه في الحياة السياسية، ورأى أن الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله بمنزلة "كافر" يجب تكفيره.

كما كانت رؤيته حول الجيوش الوطنية، ووصفه للمجتمعات الإسلامية يومئذ بأنها "مجتمعات جاهلية"، من أبرز الأفكار التي تبنتها تلك الجماعات في تأصيل نظرياتها عن الجهاد ونضال الأنظمة الحاكمة.

ويرفض الإخوان المسلمون الاتهامات التي توجه إليه بأنه كان يدعو لإقامة النظام الإسلامي بالقوة، أو الانقلاب على الحكم بالسلاح، ويؤكدون أنه لم يكن يدعو إلى استخدام القوة لفرض النظام الإسلامي، بل كان يركز في أفكاره على "رد الاعتداء"، أي الدفاع عن الحركة الإسلامية من الهجوم والاضطهاد، الذي سلطته عليها الأنظمة السياسية يومئذ.

وهم يرون أن هدفه إنما هو إحياء الأمة الإسلامية، بتغيير فكري وثقافي، لا بالعنف أو الثورة المسلحة على الحكومات القائمة.

"في ظلال القرآن"

من أبرز أعمال سيد قطب التي أحدثت أثرا كبيرا في تفسير القرآن الكريم، كتابه "في ظلال القرآن"، الذي يعد تفسيرا معاصرا فريدا للقرآن الكريم. يتميز هذا التفسير بأنه لا يقتصر على تفسير الآيات، بل يعالجها في سياق الحياة المعاصرة، ويربط معاني الآيات بالواقع المعاش، مع التركيز على القيم الإسلامية، التي تدعو إلى الحرية والعدالة والمساواة.

"في ظلال القرآن".. تفسير الحياة العصرية

لقد كان يستخدم في تفسيره أسلوبا أدبيا مميزا، فاستطاع أن يوصل معاني القرآن العميقة بيسر ووضوح للقراء، وقد أثار هذا الكتاب جدلا كبيرا، لا سيما في العالم العربي، فكان بعض الناس يراه تفسيرا ثوريا يأخذ شكلا سياسيا، ورآه آخرون تفسيرا دينيا يتسم بالروح الإسلامية التحررية.

أديب ومفكر

كانت لدى سيد قطب موهبة أدبية نابعة من أساس فكري راسخ، مع إصرار قوي على تطوير هذه الموهبة، بالبحث المستمر والتحصيل الدائم، وقد مكّنته هذه الجهود من التعبير عن نفسه وعقيدته بوضوح وقوة.

يقول: إن السر العجيب في قوة التعبير وحيويته، ليس في بريق الكلمات وموسيقى العبارات، بل في قوة الإيمان بمعاني الكلمات وما وراءها. إن السر يكمن في التصميم القوي على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حية، والمعنى المفهوم إلى واقع ملموس.

بعض مؤلفات سيد قطب الأدبية والفكرية

وعلى مدى مسيرته، كان مثالا للأديب الذي غرست فيه الطموحات والاعتزاز بالنفس، وتسلح بقوة الإرادة والصبر والعمل المستمر، لتحقيق طموحاته، فلم تستطع الحضارة الغربية أن تضلله عن رؤية ما فيها من خير وشر، بل منحته فرصة لمقارنتها بالحضارة الإسلامية.

كما جمع بين حب مصر والمشاعر الوطنية، وحب الشريعة الإسلامية والعدالة الاجتماعية، التي تبناها بانضمامه للإخوان المسلمين، محققا بذلك رؤيته لمجتمع إسلامي متكامل.

وبكلماته الصادقة، استطاع التأثير على كثير من الرجال والشباب، التفوا حوله مع ما لاقوا دون حياضه من تحديات وعقبات، وقد أصبح من الأدباء القلائل الذين قدموا حياتهم في سبيل الدعوة التي آمنوا بها.

إعلان

ثم إنه وجد ضالته في الدراسات الاجتماعية والقرآنية، بعد زمن من الضياع الفكري والصراع النفسي، تحت تأثيرات الثقافة الغربية. وكان يصف هذه الحالة بأنها آلمت كثيرا من أبناء الوطن، نتيجة للغزو الأوروبي الشامل.

ومع ذلك، فقد مكنته هذه التجربة من رفض كثير من النظريات الاجتماعية الغربية، بل رفض استقاء التصور الإسلامي المتكامل حول الألوهية والكون والحياة والإنسان من الفلاسفة، مثل ابن سينا وابن رشد والفارابي، فكان يرى أن الفلسفة التي قدموها ما هي إلا ظلال للفلسفة الإغريقية، التي لا تعكس روح الإسلام الأصيلة.

أثر باقٍ على الأجيال

في 29 أغسطس/ آب 1966، أُعدم سيد قطب على يد نظام جمال عبد الناصر، بعد سنوات من السجن بسبب آرائه السياسية والفكرية، وكان اتهامه بالتآمر على النظام ذريعة للتخلص منه، أما هو فكان يرى في ذلك تحقيقا لعدالة السماء.

وكانت الحاكمية والجاهلية من أهم المفاهيم التي أثارت جدلا في فكره، فقد كتب في كتابه الشهير "معالم في الطريق": إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع لا يُحكم فيه بشرع الله.. وكل حكومة لا تعتمد على الشريعة الإسلامية هي حكومة جاهلية.

وفق هذه الرؤية، يرى مناوئوه أنه أعاد تعريف المجتمعات الإسلامية كأنها مجتمعات كافرة، لأنها -من وجهة نظره- لا تطبق الشريعة. وهو ما صُنف تمهيدا صريحا لتكفير المجتمعات المسلمة والأنظمة القائمة، ومن ثم تبرير الخروج عليها ومحاربتها.

كان كتاب "معالم في الطريق" يدرّس منهجا مقررا في السعودية

ويرى باحثون أن هذا المفهوم استخدمته لاحقا جماعات، منها القاعدة وداعش لتكفير الأنظمة، وحتى الأفراد الذين لا يشاركونهم المنهج، بصفتهم طواغيت أو مرتدين.

"الطليعة المؤمنة"

يدعو سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" إلى إنشاء "طليعة مؤمنة"، تقود مشروع التغيير وتعيد بناء المجتمع الإسلامي. يقول: لا بد من طليعة تتحرك بهذا الدين الجديد، ولا بد أن تتحرك في المجتمع الجاهلي لتحطمه، وتبني المجتمع الإسلامي على أنقاضه.

ويرى خصومه أن هذه الطليعة ليست إلا تنظيما سريا ذا طبيعة انقلابيّة، وأنه لم يكن يدعو إلى إصلاح مجتمعي أو سياسي سلمي، بل إلى ثورة عقدية جذرية، تحمل في طياتها شرعية استخدام العنف لهدم الأنظمة القائمة.

يقول الباحث في الجماعات الإسلامية فواز جرجس: ما فعله سيد قطب هو تأصيل عقدي لفكرة الصدام، وجعلها فريضة دينية، وليس خيارا سياسيا. ومن هنا جاء الخطر.

جمال عبد الناصر وسيد قطب.. خصمان بدأت علاقتهما بالود وانتهت بالإعدام

ومن أبرز الانتقادات الموجهة له توسيعه مفهوم التكفير السياسي. فعلى خلاف منظري الإسلام الآخرين، ربط الإيمان الحقيقي بتطبيق الشريعة في السياسة، ورأى أن من لا يحكم بما أنزل الله فهو كافر.

وقد فُهمت هذه المواقف لاحقا على أنها تفتح الباب لتكفير الحكومات، ومن ثم تبرير الخروج عليها، لا بالوسائل السياسية أو الديمقراطية، بل بالسلاح. وقد تبنت تلك الأفكار لاحقا جماعات، منها جماعة التكفير والهجرة، والجماعة الإسلامية في مصر، خلال السبعينيات والثمانينيات.

منبع الحركات الجهادية المعاصرة

يرى باحثون أن سيد قطب حلقة مفصلية في تطور جماعة الإخوان المسلمين، من جماعة إصلاحية دعوية إلى حركة سياسية ذات توجه متطرف. يقول الباحث الأمريكي "لورانس رايت" في كتابه "البرج الساقط: القاعدة والطريق إلى 11 سبتمبر": بينما كان حسن البنا يطمح إلى إصلاح تدريجي للنظام، أخذ سيد قطب الجماعة نحو فكر انقلابي عنيف، يقوم على تكفير الأنظمة وتغييرها بالقوة.

كتاب "البرج الساقط.. القاعدة والطريق إلى 11 سبتمبر"

ويرى منتقدون أن كتاب "معالم في الطريق" كان بمنزلة "بيان ثوري" أكثر من كونه عملا فكريا، ويشبه إلى حد بعيد كتيّبات الثورة الماركسية، لكنه مغلف بغلاف إسلامي.

لكن الاتهام الأخطر الذي يُوجهه خصومه له، هو أنه شكّل المصدر الفكري الأساسي للحركات الجهادية المعاصرة كافة، من الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، ثم تنظيم القاعدة، ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وقد قال أيمن الظواهري، وهو زعيم تنظيم القاعدة سابقا: سيد قطب هو مفكر الصحوة، الذي فهم واقعنا، وبيّن للأمة أن المعركة الحقيقية مع الطاغوت الداخلي، قبل أن تكون مع العدو الخارجي.

كذلك أقر أبو بكر ناجي في كتابه الشهير "إدارة التوحش"، الذي يُعد دليلا لحركات الجهاد، بتأثره العميق بفكر سيد قطب، لا سيما في مسألة "الجاهلية الحديثة".

إعلان

ويبقى سيد قطب شخصية محورية في التاريخ المعاصر، لا يمكن تناولها إلا بقراءة نقدية واعية، تأخذ بعين الاعتبار السياق السياسي والاجتماعي الذي نشأ فيه، والتطورات التي طرأت على فكره. وبين من يراه شهيدا مخلصا لفكرته، ومن يحمّله مسؤولية تحولات فكرية نحو التطرف، تظل كتاباته مادة خصبة للدرس والتفكير في حاضر العالم الإسلامي ومستقبله.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان