سيدات البراري الأمازونيات.. كيف أرعبت محاربات السيثيين جيوش الإمبراطوريات؟

هل تخيّلت يوما أن تواجهك امرأة على صهوة حصان، تُمسك قوسا مسموما، وتحمل خنجرا مشحوذا، وتقاتل بجانب رجال قبيلتها بلا خوف ولا هوادة؟ هذه ليست لقطة من فيلم خيالي، بل جزء من تاريخ حقيقي يعود لقرون خلت، بطلاته نساء بدويات من شعوب السيثيين في آسيا الوسطى، اللواتي ألهمن أسطورة محاربات الأمازون.
من الأسطورة إلى الأدلة الأثرية
لطالما حيّرت محاربات الأمازون المؤرخين، فتارةً وُصفن بأنهن نساء بلا صدور، قاسيات الملامح من أرض متوحشة، وتارة أخرى ظهرن رمزا للبطولة في الأدب والفن الإغريقي. وقد بدت شخصياتهن مزيجا غريبا من الجمال والقسوة، ومن الشرف والدم.

لكن المفاجأة الكبرى، أن الأسطورة لم تكن محض خيال. لقد أثبتت التنقيبات الأثرية على مدى العقود الماضية أن هؤلاء النساء حقيقيات، ووجدت أجسادهن في مقابر السيثيين، وهم قبائل من الرحّل كانوا يسيطرون على سهوب آسيا الوسطى قرابة 1500 عام، ويخوضون حروبا ضد الفرس، ويُرهبون الممالك الكبرى.
فرسان السهوب الذين لا يرحمون
عُرف السيثيون بأنهم قوم بدو، ليست لهم دولة ولا مدينة، بل أرضهم حيثما حلت خيولهم. في القرن السادس قبل الميلاد، أصبحوا كابوسا على حدود الممالك التي جاوروها، يقاتلون بسرعة البرق، ويختفون كالدخان، وكان في مقدمة صفوفهم نساء محاربات، لسن بأقل شراسة من الرجال، بعضهن بلغن قيادة عصابات الغزو وعمليات الثأر والسطو.
أرّخت السجلات الصينية القديمة قصصا لمحاربات في صفوف السيثيين، يهاجمن حصونا حدودية. أما الإغريق فسمّوهن "الأمازونيات"، وراحوا ينقشون صورهن على المزهريات والجدران والمعابد، بوصفهن فرسات بطلات لا يُهزمن.
شعب يشرب من جماجم أعدائه
لم يكن السيثيون محاربين فقط، بل مجتمعا غريب العادات، فكان من طقوسهم شرب الخمر في جماجم الأعداء، ومن طقوس بلوغ الذكور صيد الثعابين القاتلة، وأما الرماة فاعتادوا دهن سهامهم بسم الأفاعي.

لقد كانوا قبائل مهابة الجانب، لا تخشى الموت، وتخوض غارات متكررة لسرقة الخيول والذهب والعبيد، فأما أسرى الإغريق الذين وقعوا في أيديهم، فلم ينتظرهم إلا العبودية، أو مصير مجهول في صحراء لا ترحم.
ويبدو أن تجارة الرقيق كانت كبرى نشاطاتهم الاقتصادية، فقد وجدوا سوقا نشطة بين الفرس والإغريق، وكانوا يتاجرون بالبشر، كما يتاجرون بالخرز المصري، والحرير الصيني، والعملات اليونانية.

النساء السيثيات.. رماة ومحاربات وقادة
بعيداً عن الأساطير، أثبتت التنقيبات الأثرية أن النساء السيثيات كنّ محاربات، ففي منطقة ألتاي شمال كازاخستان، اكتُشف قبر امرأة دُفن بجوار سلاحها خنجر حديدي مصقول، وتلك دلالة واضحة على مكانتها مقاتلةً.
وفي أكثر من ألف مقبرة في أراضي السيثيين، وُجدت هياكل نسائية حولها أقواس وخناجر، بعضها يدل على إصابات قاتلة في الجماجم، وأظهرت تحاليل الحمض النووي آثار التهابات المفاصل الناجمة عن كثرة ركوب الخيل، وأقداما مقوّسة منذ الطفولة، دليلا على حياة حربية شاقة.

بل إن مومياء شهيرة تُعرف باسم "أميرة الجليد"، دُفنت في جبال ألتاي، وقد زُين جسدها بوشوم مفصلة لحيوانات حقيقية وخيالية، تُرجح الدراسات أنها كانت رموزا للحماية أو تخليدا لانتصاراتها.
دينهم وحياتهم اليومية
في وادي تامغالي جنوب شرق كازاخستان -وهو موقع مدرج على قائمة اليونسكو- كان السيثيون يؤدون طقوسهم الدينية في كهوف ونقوش صخرية تُشبه المعابد. وكان أهم آلهتهم إله الشمس، وتحته حيوانات مقدسة.

يصلّي السيثيون للآلهة، ويقدّمون الألبان قرابين، ويُعدّون طقوس دفن معقدة، منها حشو الجمجمة بالأعشاب، وموكب جنائزي يطوف بالجثمان حول القبيلة لمدة عام. وعندما يُنصّب محارب أو محاربة تُقام احتفالات بالحشيش، يُتصور أنها كانت لفتح أبواب العوالم الروحية والتواصل مع الآلهة.
بين الحرب والحكمة.. النساء والسياسة
لم تكن المرأة مخلوقا هامشيا في مجتمع البدو السيثيين، بل كانت تُشارك في كل مناحي الحياة، من تربية الأبناء إلى التخطيط للغارات، ومن الصيد إلى القيادة السياسية.
كانت قادرة على اتخاذ القرارات، وعلى مواجهة الموت، وعلى عقد تحالفات بالزواج، فقد كان زواج الضيوف الغرباء أحيانا وسيلة لتجديد الدماء، وكسر حلقات العنف بين القبائل المتناحرة.

ويُقال إن إحدى ملكات الأمازون زارت الإسكندر الأكبر مع 300 محاربة، وطلبت إنجاب طفل منه، وذلك مشهد يُعبّر عن اعتداد الأمازونيات بأنفسهن.
حرب السيثيين ضد الفرس.. ملحمة نسائية رجالية
كانت معركة السيثيين ضد الفرس من أعظم معارك العالم القديم، كما تصفها المصادر. جيشان ذوا أسلوبين مختلفين، فالفرس لهم رماة بعيدون ودروع ثقيلة، والسيثيون لهم خيّالة سريعة ورماة ذوو أسهم مسمومة.

في هذه المعركة، تقدمت النساء في الصفوف الأولى، وأسهمن في النصر الساحق على الفرس، وقد أسر السيثيون ثلاثة من أبناء ملك الفرس، وأجبروه على توقيع معاهدة سلام.
ماذا بقي من السيثيين؟
لا يزال أسلوب حياة الترحال القديمة قائما اليوم لدى الكازاخ في غرب منغوليا، فمثل أسلافها تهاجر العائلات البدوية من موسم إلى آخر، بحثا عن مرعى لحيواناتها، وتعيش في خيم حياة شاقة، لكن لديهم اكتفاء ذاتيا في معظم احتياجاتهم، وقد استمر هذا النمط العتيق من الحياة منذ القرن السادس قبل الميلاد.