وثائقي"الملك المكشوف".. ثورة انتصرت ثم أحرقت أبناءها في طهران ووارسو

الثورة حالة تتنكر فيها لحاجاتك اليومية الصغيرة، وترفرف روحك في سماوات الحرية والكرامة والانعتاق، وشرط قيامها التحرر من الخوف، ومع أن جسدك حينها قد يكون منسحقا تحت هراوات الأمن السري، أو حتى تحت جنازير مدرعات الجيش، فإنك تلملم جراحك مبتسما، فقد هزمت عظامك المحطمة كبرياءهم، ومرّغت ابتسامتك الباكية جباههم في التراب.

فيلم "الملك المكشوف"

في فيلم "الملك المكشوف" -الذي عرضته الجزيرة الوثائقية على منصاتها- يصحبنا "أندرياس إتش"، وهو صحفي وصانع أفلام سويسري، في رحلة عبر الزمان، ممتدة بين أواخر 1978 وحتى أيامنا هذه، وتتسع رقعة الجغرافيا فيها، حتى تغطي بولندا في شرق أوروبا وإيران وسط آسيا، وتضيق أحيانا حتى تنحشر في دهاليز المخابرات، وظلمات السجون والقبور تحت الأرض.

يضطر الكاتب أحيانا إلى أن يحلّق خارج حدود الزمان والمكان، فتراه تارة في وارسو وأخرى في طهران، ويظهر مرة في السبعينيات، ومرة في العقد الثاني من الألفية الجديدة، فيرصد أحداث ثورتين تفجرتا في نفس الزمان، قد تكونان اشتركتا في بعض المقدمات، وليس بالضرورة أن تكون لهما نفس المآلات.

"طرف مسيطر وآخر تحت الضغط".. تجنيد العملاء

يقول "أندرياس": اسمي في سجلات المخابرات وخارج البلاد حسن، وأنا متعاون تستغلني المخابرات للعمل لها، ومهنتي حسبما وضعتها المخابرات أنني صحفي، ولي اتصال بالمعارضة السرية، وأتقن البولندية.

"زبينيو سيمياتكوفسكي"، مدير جهاز الاستخبارات البولندي السابق

ويصف مدير الاستخبارات البولندي سابقا "زبينيو سيمياتكوفسكي" تجنيد العملاء، قائلا: حين تلقى موقفا حرجا يصيبك توتر وصدمة كبيرة، فيمد أحدهم يده إليك قائلا: أستطيع المساعدة، فيصبح طرف مسيطرا وآخر تحت الضغط، والمسيطر يزيد الضغط بعرض المساعدة، والأضعف يقبل المساعدة بامتنان، فالضغط والصدمة يجعلان الطرف الأضعف يقبل التعاون.

ثم يردف قائلا: يجب أن يبقى المتعاون مراقبا حين يدخل فندقا أو أي موقع، ونتنصت على مكالماته، وقد نتفقد معارفه في بلادنا، أو نفكر في تجنيد أحدهم لتزويدنا بمعلومات عنه، وذلك معنى إخضاع إنسان لسيطرتنا، بهدف إقناعه بالتعاون معنا، أو على الأقل إبطال أي خطر من جانبه.

الصحفي والكاتب البولندي "ريتشارد كابوشنسكي" 1978

يقول "أندرياس": جئت إلى وارسو في 1978، في منحة دراسات عليا لمدة سنتين في بولندا، تناول بحثي فيها هياكل السلطة واتخاذ القرارات داخل خطة اقتصادية، كان ذلك في حقبة الحرب الباردة التي قسمت العالم، وكنا تحت النظام الاشتراكي، أردت معرفة طبيعة حياة الذين يعيشون في عالم مقسّم، وهناك التقيت الصحفي والمؤلف "ريتشارد كابوشنسكي"، وكنتُ قرأت كل ما كتبه عن الحروب الأهلية والثورات.

"الشاه متمسك بعرشه".. تقارير الثورة من قلب طهران

سافر "كابوشنسكي" إلى طهران مراسلا لوكالة الصحافة البولندية، لنقل تقارير عن الثورة الإسلامية، وعندما زرتها أنا في فبراير/ شباط 2016، لقيت الصحفي "برويز رفيع"، وأخبرني أنه لقي "كابوشنسكي" هنا إبان الثورة، وقال: كان مختلفا عن باقي المراسلين، يخاطر بتحركاته بين الحشود في الشوارع، وأظنك جئت اليوم لتكمل مهمته، وتعرف مآلات الثورة بعد 37 عاما.

برويز رفيع، صحفي إيراني سابق

في ديسمبر/ كانون الأول 1978 كتب "كابوشنسكي": شارع الشاه رضا هو موقع التظاهرات، مرت منه مظاهرات على مدّ البصر، صاحبها إضراب شامل لجميع المرافق، قُتل الآلاف لكن لم تقمع المقاومة، الشاه متمسك بعرشه والقصر لم يستسلم.

إعلان

لقد كتب يومئذ عن فساد السلطة وبؤس عامة الشعب، وعن "العتبة" التي على الشعب أن يتخطّاها حين يثور، ألا وهي التخلص من الخوف.

الشاه لحظة رحيله عن إيران إلى غير رجعة

يمكن سرد الجزء الأكبر من القصة سريعا، ففي أواخر 1978 تأججت الاحتجاجات على سياسة الشاه الأعظم، ملك الملوك، محمد رضا بهلوي وحكومته الفاسدة، فانتشرت الشرطة السرية في كل مكان، وسُجن آلاف المعارضين وعذبوا، وقتل الآلاف. وفي 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 1978، عيّن الشاه حكومة عسكرية، ثم غادر البلاد إلى غير رجعة.

"سأوجه صفعة للحكومة".. سقوط الشاه وصعود الإمام

في 1 فبراير/ شباط 1979، عاد الإمام روح الله الخميني من منفاه في فرنسا، على متن طائرة الخطوط الفرنسية، ومعه 150 صحفيا أجنبيا، خوفا من محاولة إسقاط الطائرة بأوامر من الشاه، وفي صالة المطار غنّى آلاف الطلاب نشيد الخميني، واستقبله مليونان في ردهات، وتوجه موكب السيارات فورا إلى جنة الزهراء، وهي المقبرة التي دفن فيها ضحايا الثورة.

ملايين الإيرانيين في استقبال الإمام الخميني لدى عودته من المنفى

يقول قائد سيارته محسن رفيق دوست، وقد أصبح لاحقا قائدا في الحرس الثوري: توقفت السيارة مرارا في طريقها إلى المقبرة، وفقدت توازنها لاحتكاك الجماهير بها، ثم تعطلت كليّا، فطلبنا مروحية لنقل الإمام إلى المقبرة، ثم غبت عن الوعي، ولم أفق إلا عندما أنهى الإمام خطبته، سمعته يقول: سأوجه صفعة للحكومة، وسأعين حكومة بديلة بيدي.

واليوم، تخرج الجماهير لتحيي ذكرى الثورة؛ "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل"، فالحكومة هي التي تحدد الشعارات، وفي ميدان الحرية يلقي الرئيس خطابا، هل تغيّر شيء؟ هل جنى هؤلاء البؤساء ثمار الثورة؟ هل تخالجهم مشاعر مختلفة وهم يرون صورهم أيام الثورة؟ هل ما يزالون يخافون من الشرطة السرية؟

"أمور حساسة لم تكن تُقال علنا".. ثورة عمال بولندا

ننتقل إلى بولندا في أغسطس/ آب 1980، حيث إضرابات المصانع، واحتجاجات غلاء الأسعار، وفساد السلطة، وسوء الإدارة، ودعايات الحزب الكاذبة. "يجب أن يصغي الحزب والحكومة إلى صوت العمال، للاتفاق على شروط معقولة، فالدخل قليل، والأسعار مرتفعة، ونخب السلطة لا تشعر بنا". لقد تعلّم العامل البولندي، وبات يدري ما يحصل في العالم، إذن لا بد من التغيير.

حوض بناء السفن "لينن" في كادانسك

التقطت عدسة "جاسيك بتريسكي" الصور الأولى من إضراب العمّال في أحواض بناء السفن في كادانسك. يقول: كانوا يتحدثون عن أمور حساسة، لم يكن أحد يتحدث بها علنا، وفجأة أصبحوا يتحدثون بها أمام الكاميرات ومكبرات الصوت: الحرية، والديمقراطية، والرقابة على إدارة البلاد سياسيا واقتصاديا.

وصوت العمّال يقول: طفح الكيل، سئمنا أكاذيب السنوات الماضية، نريد تحسين أوضاع الفقراء، حان الوقت لتحديد المسؤوليات، وإلقاء اللوم على المتسببين بهذه الأوضاع والمستفيدين منها، يجب أخذ أوضاع العمال بعين الاعتبار، نحن صنّاع الثروة والثورة في البلاد.

"ليخ فاونسا" رئيس حركة التضامن المهنية يخاطب العمّال بعد توقيع اتفاقية كادانسك

وكتب "كابوشنسكي" من حوض بناء السفن في كادانسك: في البلاد روح معنوية جديدة، الناس منفتحون ومتعاونون، اختفت العدوانية بينهم، وانخفضت معدلات الجريمة، وشعر الغرباء بحاجتهم لبعضهم.

يد في المخابرات وأخرى في الصحافة

يتحدث "أندرياس" عن تجربته مع جهاز الاستخبارات البولندي في زمن الإضراب، وهذه مقتطفات من التقارير التي كُتبت عنه: "أندرياس إتش" صحفي، معروف لدينا في المخابرات بالمتعاون "حسن"، حسب تقرير المراقبة فقد ذهب حسن في 14 فبراير/ شباط 1980 " إلى شارع "مارشليوفسكي"، فعاين أرقام المنازل مرارا، ودخل المنزل رقم 43، وسجّل التقرير عددا من النزلاء والمعارف.

"ستيفان بيفوفار"، أو العميل "ميداك" في جهاز الاستخبارات البولندي

ويقول أحد التقارير: تلقينا طلبا من صحيفة "تاغيس أنتسايغر" السويسرية، لتفويض الصحفي "أندرياس إتش" مراسلا دائما في وارسو، له عدة معارف في بلادنا، وتحديدا في دوائر المعارضة السرية. رُفض التفويض، يجب مراقبة معارف "إتش" في بلادنا.

إعلان

يقول "أندرياس": وصلتُ بصعوبة إلى السيد "بيفوفار"، وكنت تعرفت عليه عندما كنت ملحقا ثقافيا في السفارة البولندية في سويسرا، وكنت مسؤولا عن أسئلة الصحافة، يشار إليه في ملفي باسم "ميداك"، وهو عميل استخباراتي لجمهورية بولندا الشعبية مقيم في سويسرا.

ووجدتُ دراسة لشخصيتي في ملفات المخابرات، ويبدو واضحا أن العميل "ميداك" هو من أعدها، ورد فيها: ينتقد في منشوراته الحزب والحكومة البولندية بلهجة شديدة، لكن يحاول أن يكون مؤدبا وظريفا في الحوارات الخاصة، متهور بطبيعته ويحاول السيطرة على نفسه، يكسب ود الناس أثناء الحوار بمظهره اللطيف.

جولة في أرشيف جهاز الاستخبارات البولندي

وقد ضم الملف 481 صفحة عن المتعاون حسن، وفي آخرها خطة مفصلة عن التعليمات السابقة: يُمنح المتعاون تأشيرة دخول مفردة، وتحدد مدة إقامته بسبعة أيام، ولتمديد تأشيرته ينبغي مراجعة مكتب الجوازات في وارسو، حيث سينتظره عملينا لمقابلته، يجب الضغط بلا تهديد، إن رفض التعاون فسنصنفه غير مرغوب فيه.

"لقد حللنا مشاكلنا بالنقاش والإقناع"

في أغسطس/ آب 1980، وقع إضراب واحتلال لحوض بناء السفن "لينن" في كادانسك، واجتمعت وفود من 600 مصنع مضرب في أنحاء البلاد، وفي الأثناء كان الحزب يخطط لعملية عسكرية ضد العمال، لكنه أرسل وفدا من الحزب والحكومة للتفاوض.

وقد خاطبهم المهندس "أنزييج غوازدا" ممثل لجنة الإضراب قائلا: لا نريد أن نحيا في بلاد تفرض الوحدة الوطنية بعصيّ الشرطة، منا معتقلون بغير تهم، سوى أن آراءهم تخالف آراء المسؤولين.

المهندس "أنزييج غوازدا"، ممثل لجنة الإضراب في المفاوضات مع الحكومة

طالبت الإضرابات بحق تشكيل نقابات مهنية مستقلة عن الدولة والحزب، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وبحق الإضراب وإنهاء الرقابة، وكانت أول مرة في تاريخ الاشتراكية يتفاوض فيها حزب النخبة مع عمال مضربين. وفي 31 أغسطس/ آب 1980، وُقعت "اتفاقية كادانسك"، وتضمنت حق تشكيل نقابات مهنية، وحرية التعبير والتجمع، وإلغاء الرقابة، وحق الإضراب.

كانت تلك لحظة ولادة حركة التضامن، وفيها تحدث "ليخ فاونسا" قائلا: أقول بكل رضا: لقد حللنا مشاكلنا بالنقاش والإقناع، ناضلنا من أجل البلاد بأسرها، فزنا بحق الإضراب، ونلنا الحقوق المدنية كاملة، وأهمها حق تشكيل نقابات مهنية مستقلة ذاتية الحكم.

ثم قال وهو على منصة تحملها أكتاف الرجال: أعلن انتهاء الإضراب، سيحاولون خداعنا ولكننا متيقظون لذلك، ونتحمل جميعا المسؤولية، تلك هي القوة.

آلاف العمال المضربين يبتهجون بتوقيع "اتفاقية كادانسك"

يصف الناشط في حركة التضامن "جوزيف بينور" الثورة قائلا: تعتمد الثورة على تجاوز المخاوف الوجودية، نتجاوز حدود حياتنا اليومية، نعاود اكتشاف الأمل وإمكانية التغيير للأفضل، هذا هو "كنز الثورة المفقود"، وقد عبّر الإضراب في بولندا عن تلك الحالة، وعشتها أنا بنفسي.

وقال الصحفي "كابوشنسكي" عن الثورة: الثورة تجربة رائعة ومغامرة للقلب، تحررنا من ذواتنا وغرورنا اليومي، الذي يصبح فجأة تافها وغريبا، نكتشف طاقة مذهلة داخلنا، بإمكاننا أن نصبح نبلاء. ثم تأتي لحظة وتنتهي تلك الأجواء، تنهار الزمالة فجأة، ويعود الجميع لغرورهم السابق، يؤلمنا ذلك، ونتفادى الحوار لاحقا، وكأننا لم نعد بحاجة لبعضنا.

أزمة الرهائن.. نار أمريكا التي لم تنطفئ

نعود إلى شارع تاليغان في طهران، حيث تحلّ الذكرى السنوية لاحتلال السفارة الأمريكية، ففي 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، تسلّق طلاب وأتباع من جيش الإمام أسوار السفارة الأمريكية، وأخرجوا موظفي السفارة معصوبي الأعين، وطالبوا بإعادة الشاه من نيويورك إلى إيران، واتهموا أمريكا بالتدبير لانقلاب، لإعادة الشاه إلى السلطة، كما فعلت المخابرات الأمريكية والبريطانية في 1953.

طلّاب إيرانيون يعتلون سطح السفارة الأمريكية بعد اقتحامها

يقول كمال تبريزي، مصور مشاهد احتلال السفارة: لم يظنوا أنهم سيتمكنون من اقتحام السفارة، توقعوا أن يهاجمهم حرس السفارة ويقتل بعضهم، ثم يتراجعون وتنتهي العملية في بضع ساعات. لم يتخيل أحد أن تستمر العملية كل هذا، كنت أصور أدق التفاصيل، وتبيّن لي أن الطلاب لم يكونوا يتقنون استخدام الأسلحة، ولم يعلّمهم أحد.

إعلان

احتُجز 66 موظفا، وقالت المتحدثة باسم الطلاب معصومة ابتكار في مؤتمر صحفي: الرهائن بأيدينا ونحميهم بقوة، ولكننا مستعدون لقتلهم في حال حدوث أي تدخل عسكري.

يقول الصحفي "أندرياس": لقيتُ معصومة بعد 37 عاما، فقالت: لم أكن مشاركة في البداية، وبعد يومين جاءني أحدهم لأنني أتقن الإنجليزية وترجمة الوثائق، استأذنتُ والدي تقي ابتكار، فكانت لديه تحفظات كثيرة، وكان يومئذ وزير البيئة ونائب رئيس الحكومة "مهدي بازرغان".

معصومة ابتكار، المتحدثة باسم مقتحمي السفارة، ونائبة الرئيس الإيراني فيما بعد

وكتب الصحفي "كابوشنسكي" من طهران في 8 ديسمبر/ كانون الأول 1979: الحياة عادت إلى طبيعتها، لكن احتجاز الرهائن أعاد الحشود إلى الشوارع، أعلن الطلاب أن من بين الرهائن عناصر مخابرات أمريكيين. تقول "سي آي إيه": مصير الرهائن مجهول، ولا يبدو الإفراج ممكنا في المستقبل القريب.

هل تأكل الثورات أبناءها؟

في 13 ديسمبر/ كانون الأول 1981، حُطمت الثورة بالقوة العسكرية، وأعلن الحزب والحكومة حالة الحرب، فاستُولي على مصنع للصلب، وطالت الاعتقالات آلاف العمّال، وحُظرت حركة التضامن، ومنعت الإضرابات والاجتماعات، وعقدت المحاكمات العسكرية للمخالفين، وأخلت المعارضة المصانع، واختبأت خوفا من الاعتقال والقتل.

القوات البولندية تقتحم مصنعا للصلب بعد فرض الأحكام العسكرية والتنصل من معاهدة كادانسك

وقد سُجن الناشط "جوزيف بينور" 16 شهرا تحت الأرض، ثم اعتقل في أبريل/ نيسان 1983 وحكم عليه بالسجن 4 سنوات، بتهمة الانضمام لحركة التضامن، وبعد 8 سنوات من إعلان حالة الحرب، انهار النظام الاشتراكي القائم، وأُنهيت حركة التضامن، ولم تنهض قط.

أما في إيران، فقد أطلق سراح الرهائن الأمريكيين بعد 444 يوما، ومات الشاه في المنفى بعد الثورة بسنة، وأصبح مقر السفارة مقرا للحرس الثوري، وقتل آلاف من معارضي النظام الإسلامي، حتى من شاركوا منهم في الثورة على الشاه، وبعضهم أعدموا داخل السجون.

أمير جهلتن، كاتب إيراني

يسرد الكاتب أمير حسن جهلتن محاولة اغتيال فاشلة نفذتها قوات النظام الجديد بحقّ 21 كاتبا إيرانيا، كانوا متوجهين إلى أرمينيا لحضور مؤتمر، فيقول: غادرنا طهران ليلا، ووصلنا عند الغلس إلى معبر حدودي بمحاذاة واد عميق، ترجّل السائق وحاول دفع المركبة باتجاه الوادي، لكنها علقت بصخرة، وحينها أدركنا ما يحدث، فسحبنا المكابح اليدوية، وترجّلنا جميعا ونجونا.

ثم يقول: بعد وقت قصير، جاءت سيارة فيها ضباط مخابرات إلى المكان، واصطحبوا الكتاب إلى مركز شرطة، كان من الاحتمالات المطروحة قتلنا جميعا للتغطية على الحادثة، لكنهم أطلقونا بعد 24 ساعة، وعرضوا علينا نقلنا لأرمينيا بمروحية لكننا رفضنا بأدب.

يقول الصحفي "أندرياس": تبين فيما بعد أن اسم جهلتن كان على قائمة الاغتيالات، وسألته اليوم هل كان ذلك متوقعا أيضا، فأجاب: كلا.

ثوّار الأمس أعداء الثورة اليوم

ولكن كيف يصبح الثوار أعداء للثورة؟ الجواب أن أحلامهم قبل الثورة تختلف عن واقع ما بعد الثورة، ساعتها يكفرون بالثورة، أو يكفّرهم النظام الثوري الحاكم، ويدعو سواد الناس إلى تكفيرهم أيضا، فيصبحوا منبوذين، وتحلّ عليهم لعنات النظام والناس أجمعين.

محسن دوست، سائق الخميني وقائد سابق في الحرس الثوري

يقول محسن دوست، وكان قائدا في الحرس الثوري: في كل بلد قوى متاحة للعدو، تسمى الصف الخامس، ففي بداية الثورة مثلا كان سيأخذهم الإمام بقطار الثورة إلى السعادة، وترجّل بعضهم في الطريق لأسباب عدة، منها القيود الدينية، لم يستطيعوا التأقلم مع الثورة، القطار يسير بسرعة كبيرة، ركضوا إلى العربات الأخيرة، ثم أجبروا على الترجل.

أأنت سعيد؟ استطلاع رأي في الشارع البولندي بعد الثورة

يقول الصحفي "أندرياس": ما زال الناس في طهران ووارسو، يتلفتون حولهم قبل الإدلاء بأي تصريح، فمعظم من قابلتهم في شوارع وارسو كانوا يتلعثمون في الإجابة ويتلفتون حولهم، حين أسألهم هل هم سعداء؟

حتى صغيرتي "جوليا" الرضيعة، قالت لي مرة بعينيها: أنت إنسان طيب، ثم رفعت رأسها تلفتت حولها.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان