"ذئاب في المدينة".. قرابين الجثث التي طردت فرنسا وأنقذت ساسة تونس

"ذئاب في المدينة" فيلم وثائقي أنتجته الجزيرة الوثائقية، حول ما يعرف في التاريخ التونسي المعاصر بمعركة الجلاء، التي خاضتها القوات التونسية صيف 1961 ضد الفرنسيين، في مدينة بنزرت بأقصى الشمال التونسي.
للموضوع قدر كبير من الأهمية، فهذه المعركة لا تزال تثير الجدل حتى اليوم، وتتضارب حولها روايتان؛ الأولى الرواية التي تفرضها الدولة في مقررات التعليم الرسمي، وهي تمجد عملا ملحميا حقّق لتونس استقلالها التّام، والثانية رواية المعارضة التي تعرض في المنابر الخاصّة، وتذكر أن المعركة خيضت لحسابات سياسية ضيقة، فقد كانت تستهدف شحن رصيد بورقيبة النضالي، وتلمع صورته ضد خصوم الدّاخل والخارج في آن.
ويبدو أنّ عماد المثناني -كاتب سيناريو الفيلم ومخرجه- يؤمن بأن التاريخ يكتبه أصحاب النفوذ بما يخدم تصوراتهم ومصالحهم، فجعل فيلمه عودة إلى وقائع المعركة، لإعادة تشخيصها من زويا جديدة، تجرّح في روايات مؤرخي البلاط وساسته.
فينطلق من شهادات بعض البسطاء، الذين دفعهم حماسهم لبناء الدولة المستقلة للانضمام إلى جيش المقاومة، ومعايشة أهوال المعارك وظروفها، أو يستوحي مشاهده من سجلات تحقيقات بعثة الأمم المتحدة، ثم يجسد الأحداث تجسيدا تمثيليا صامتا، مصحوبا بصوت سارد يرد من خارج الإطار، يعلق على الأحداث ويشرحها.
سياق معركة ما بعد الاستقلال
يقتضي تمثل الفيلم استدعاء سياق المعركة التاريخي الدقيق، فقد خيضت بعد نيل تونس استقلالها الخارجي بخمس سنوات، وذلك ضروري لفهم مرامي الفيلم، وليس كل متفرّج يدركه بالضرورة، فهو يمثل تفصيلا جدّ في الستينيات، وتنزّل في سياق أعم هو تركيز الدولة التونسية المستقلة ذات النظام الجمهوري.

فوفقا لمعاهدة استقلال تونس في 20 مارس/ آذار 1956، احتفظت فرنسا بعدة امتيازات على التراب التونسي، منها مرابطة جيوشها بقاعدة سيدي أحمد العسكرية، وحرية حركته فيها، وذلك لخصوصية مدينة بنزرت جغرافيا، بما أنها تشكل مع جزيرة صقلية الإيطالية مضيقا تعبر منه شتى الأساطيل نحو الشرق الأوسط.
فذلك ما أجج الخلاف الداخلي بين رفقاء النضال، حتى بلغ الصدام المسلح، فعُدّ تفريطا في الحقوق التونسية، في نظر المعسكر الرافض لاتفاقيتي الاستقلال الدّاخلي والخارجي، بقيادة صالح بن يوسف.
ثم جاء اعتداء القوات الفرنسية على مدينة ساقية سيدي يوسف، الواقعة على الحدود الجزائرية في فبراير/ شباط 1958، فأثبت اتهام خصوم بورقيبة له بالقبول باستقلال منقوص، وكان ردة فعل على دعم تونس للمقاومة الجزائرية.

أدرك بورقيبة عندئذ ضرورة الجلاء الفرنسي التام عن الأراضي التونسية، وكان يعوّل في ذلك على القنوات السياسية والدبلوماسية، وفاء لنهجه القائم على الحوار، وتوخي سياسة المراحل.
وقد لقي تجاوبا فرنسيا في بداية الأمر، فأعلن "شارل ديغول" يوم 29 مارس/ آذار 1960 نية فرنسا الجلاء عن ثكنات المدينة، قبل 31 أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام، ووعد بمكافأة مُرضية للتونسيين، تتمثل في تحويل الأنشطة الصناعية العسكرية إلى صناعات مدنية، وتسخيرها لخدمة الاقتصاد التونسي.
تصعيد مفاجئ يعصف بالاستقرار الهش
يعرض الفيلم شهادة العقيد منجي السراي، وكان آمر المدفعية بالجيش التونسي يومئذ، حول التصعيد التونسي المفاجئ ضد القوات الفرنسية، وحول ظروف اندلاع المعركة، فقد جاءه أمر من لحبيب بورقيبة يقتصر نصه على ما يلي: أطلقوا النار على كل هدف يحاول اختراق الأجواء التونسية.
وحينها هاجمت المدفعية التونسية سربا من الطائرات الفرنسية، كانت تقوم بعمليات استطلاع فوق الأراضي التونسية يوم 19 يوليو/ تموز 1961، واستطاعت إسقاط إحداها.

أمر "شارل ديغول" بالرد السريع والضرب بقوة، واستعان بسبعة آلاف مظلي من قواته المرابطة بالجزائر، لتبدأ ما يسميه الصوت السارد "حفلة القتل"، فقُصفت الخنادق التي احتمى بها المتطوعون، وتواصلت الاشتباكات مساء في ميناء سيدي عبد الله، وفي مدينة منزل بورقيبة، وأحرقت مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية.
تعويل على الخارج وتوريط للداخل الأعزل
ما لا يذكره الفيلم، هو أن بورقيبة عول على توقد السياق العالمي، لتدارك قبوله بما عُد سيادة مبتورة واستقلالا منقوصا، بعد أن أضعف اختياره هذا موقفه أمام خصومه داخليا وخارجيا، فاستغل توسيع الفرنسيين لثكنة سيدي أحمد، للضغط عليهم دوليا.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد انخرطت في بداية الستينيات فيما سُمي "حرب القلوب الدافئة"، وأخذت تساند حركات التحرر الوطني، لإيمانها بقيمة الحرية ظاهرا، ولمناوءة بلدان القارة العجوز، وتجريدها من مستعمراتها وأسباب قوتها، ثم الحلول محلها، واقتلاع نصيب من ثرواتها بالقوة الناعمة.

يكتفي المخرج بعرض حماسة الشباب لفكرة الاستقلال التام بعيدا عن حسابات الساسة، وتبرز شهاداتهم أن خطاب بورقيبة التعبوي يوم 17 يوليو/ تموز 1961 قد أوتي أكله.
فهب المتطوعون من أنحاء البلاد كافة، ليضربوا حصارا شديدا على المدينة، وبلغ عددهم نحو 20 ألف رجل، مقابل 5 آلاف جندي فرنسي، ثم شكلوا -ارتجالا- كتائب عدة، بقيادة محمد بن ناجي، وهو أحد المدنيين المتطوعين البسطاء.
العجيب أنهم كانوا عزّلا من كل سلاح، وكانت التدريبات تمارين بدنية لا أكثر، وعندما بدأت الاشتباكات وجدوا أنفسهم في مرمى النيران الفرنسية، مجرّدين من كل حماية ووسيلة للدفاع عن النفس.
مدينة تُقدَّم حطبا لجريمة فرنسية مروعة
بعد يومين من حرب الشوارع الشرسة، دمرت القوات الفرنسية المواقع التونسية، وأعادت احتلال المدينة، ونسفت كثيرا من المباني، وفتشت قوات الجيش والحرس الوطني، وكان على هؤلاء أن يتخلوا عن ملابسهم النظامية للتخفي، وأن يتركوا أسلحتهم وراءهم وهم يهربون إلى الحقول، وأن يتنكروا للمتطوعين ويتركوهم يواجهون قدرهم، وكان على قوات الإسعاف أن تترك عشرات الجثث متناثرة في الشوارع، وأن تكتفي بإسعاف الجرحى.

لم يكن ما وقع ببنزرت معركة من منظور الفيلم، بل كان تهورا من الزعيم التونسي، الذي جعل قواته تواجه بإمكانياتها الحربية الهزيلة خصما مدجّجا بالسلاح.
ولم تكن ردّة فعل فرنسا أيضا عملا حربيا، بل كانت إجراما دمر المدينة، وحرمها من الماء والكهرباء، وأفسد في الأرض، وأحرق المحاصيل، وعذب الأسرى، فبتر أعضاءهم، وحرقهم أحياء، أو أطلق عليهم الرصاص بعد تقييدهم، وشوه جثامينهم.
وقد اضطر الفرنسيون إلى سكب الجير، لمنع التعفن وانتشار الروائح الكريهة، ودفن القتلى في مقابر جماعية باستعمال الجرافات، ثم أعلن أن عدد الضحايا قد بلغ 639 تونسيا، لكن تقارير فرنسية غير رسمية ذكرت أن العدد قتلى تجاوز 12 ألفا بين مدني وعسكري.
تنتهي الشهادات -وهذا أهم ما في الفيلم- إلى أن بورقيبة أراد هذه المواجهة، للضغط على فرنسا سياسيا، وهو يعلم أنه يقدم قواته حطبا لنار المعركة، وأنه نجح في مسعاه، فبعد أن قطعت تونس علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا، وأُسقط طلبها بإجراء تحقيق في الواقعة، اضطرت فرنسا إلى التفاوض حول إجلاء قواتها ورعاياها من المدينة.
الحرب المرتجلة.. خسائر الشعب ومكاسب الزعيم
بجعلنا الفيلم نتساءل: هل كانت حرب بنزرت المفاجئة المدمرة مواجهة حتمية لا يمكن تفاديها؟ وهل فات لحبيب بورقيبة ورجال حزبه أن يأخذوا موازين القوى بعين الاعتبار، حين واجهوا أحد أقوى جيوش العالم في منطقة منبسطة مكشوفة بصدور رجالهم العارية؟
ولعل من يعرف السياق يتساءل أيضا عن سبب الزج بعشرين ألف شاب متطوع متحمس للدفاع عن وطنه، في حرب مرتجلة، نتائجها محسومة لفرنسا أولا، واستقلال تونس التام محسوم في المنظور القريب ثانيا؟
ففي 27 فبراير/ شباط 1961، اقترح الجنرال "ديغول" على بورقيبة في محادثاته معه، أن تحافظ فرنسا على وجودها في بنزرت، حتى إجراء فرنسا تجربتها النووية، وحتى استقلال الجزائر.

ستكون الإجابة اتهاما لبورقيبة الذي كان يعيش يومئذ عزلة داخلية، بسبب حربه الأهلية مع صالح بن يوسف، رفيق نضال ما قبل الاستقلال، وأخرى خارجية بسبب ميل منظمة عدم الانحياز لخصمه، واستدعائها إياه لمؤتمرها، الذي نُظم في بلغراد سنة 1961، فقد رأت المنظمة أن الرئيس بورقيبة منحاز لفرنسا، وبسبب ميل جمال عبد الناصر وأحمد بن بلة إلى صالح بن يوسف، لكونه أقرب إلى الفكر القومي الذي يوجه نضالاتهما.
وتبعات هذه الإجابة خطيرة، فانطلاقا منها يستنتج المتفرّج، أن بورقيبة استثمر دماء التونسيين، وجعلها أداته لتصفية كل ملفاته العالقة، فقد جمع حوله المواطنين، وضيّق الهوة التي فصلته عن كثير ممن كانوا يتعاطفون مع اليوسفيين، ونال مباركة عالمية بصفته زعيم تونس الأول وضامن استقلالها.
وذلك ما جعله يمر إلى المرحلة الموالية من خطته، ألا وهي اغتيال صالح بن يوسف في ألمانيا، تلك الجريمة السياسية التي اعترف بها بورقيبة علنا.

تمثل هذه الأسئلة والأجوبة أطروحة الفيلم، فتعيد النّظر في وقائع "معركة الجلاء، التي تعد حلقة من حلقات الملحمة التونسية في مقاومة المستعمر" وفق الرواية الرسمية. ولكنها تتطلب متفرّجا عارفا بدقائق التاريخ التونسي المعاصر، ودونها سينتهي حتما إلى فكرة عدم كفاءة الساسة التونسيين، وعدم قراءتهم للموقف القراءة الجيدة.
الجانب المعتم الذي تجاهله الفيلم
ليس ما عرضناه إلا وجهة نظر، لها ما يدعمها، ولكن لها ما يحدّ منها في الآن نفسه، وقد تجاهل الفيلم ذلك الجانب، وتركه في العتمة، فالوقائع تثبت أن الوعد الفرنسي بتسليم القواعد العسكرية إلى تونس، قد نُكث إثر لقاء بورقيبة بالرئيس الفرنسي في 27 فبراير/ شباط 1961.
فقد أعلن "ديغول" رفضه الانسحاب من بنزرت، بل إنه شرع في توسعة حدود مطار القاعدة الجوية بسيدي أحمد، وتجديد مهبط الطائرات يوم 30 يونيو/ حزيران 1961. وذلك يعني أن بورقيبة لم يتحرش بفرنسا، ولم يصطنع المعركة، ولم يسع إليها.

وقد تغيّر موقف فرنسا جوهريا بعد الاجتماع الأممي الذي تناول عدوانها في 21 أغسطس/ آب 1961، وانتهى بتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية المطلقة على ضرورة فتح التفاوض بين تونس وفرنسا.
ففي 18 سبتمبر/ أيلول 1961، تعهد الفرنسيون بسحب قواتهم من بنزرت كافّة. وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول 1963، غادر آخر جندي فرنسي التراب التونسي من ميناء بنزرت، معلنا نهاية حقبة الاستعماري الفرنسي نهائيا.
فضلا عن ذلك لم تكن معركة بنزرت حرب بورقيبة وحده، فما قام به من تعبئة جماهيرية جاء بعد أن أعلن الحزب الدستوري فشل المفاوضات مع فرنسا، حول مستقبل وجودها في قاعدة بنزرت.
يقول رشيد الذوادي المختص بتاريخ بنزرت في كتابه "بنزرت أرض البطولات"، إن المعركة قد شارك فيها الجميع، بما في ذلك اليوسفيون أنفسهم "بوصفهم وطنيين، حين كان الوطن يحتاج إلى الجميع".
