"مرسيدس سوسا".. صوت أمريكا اللاتينية الذي احتضن كلمات المستضعفين

حفظ

كانت الأرجنتين تحتفل بعيد استقلالها في التاسع من يوليو/ تموز، حين ولدت "مرسيدس سوسا" عام 1935 بمدينة "سان ميغيل دي توكومان" شمال غرب البلاد، وكأن التاريخ اختار أن يولد صوت الحرية في يوم التحرر ذاته.

وُلدت "مرسيدس" في عائلة من الطبقة الكادحة، أما أمها "إيما" فتعمل غسالة، وأما أبوها "أرنستو" فيكد في حقول قصب السكر، وقد ورثت من جذورها الشقاء، ومن محيطها شغفا غريزيا بالعدالة، وأعلنت بغنائها يافعة افتخارها بالانتماء للأرض التي أتت منها ذات يوم.

وثائقي "مرسيدس سوسا" صوت أمريكا اللاتينية للمخرج "رودريغو فيلا اتش"

فحين بلغت 15 عاما، انطلقت في رحلتها الفنية الأولى المتواضعة بخطوات متخفية، واتخذت "غلاديس أوسوريو" اسما مستعارا لها، حتى لا يعلم أبوها بمشاركتها في مسابقة نظمتها إذاعة "توكومان" المحلية.

بصوت يحمل خامة الشعب وصدق الأرض، استطاعت أن تفوز بالمسابقة بأغنية " أنا حزينة " (Triste Estoy) لـ"مارغريتا بالاسيوس"، وتنال أول عقد غنائي عام 1950 مدة شهرين في محطة الإذاعة ذاتها، وكانت تلك البداية الخجولة أول اعتراف علني بموهبة ستصبح فيما بعد رمزا للقارة بأكملها.

"أنا لا أغني لأعجب أحدا، أنا أغني لأقول شيئا ما"

المغنية الأرجنتينية "مرسيدس سوسا"

ولم تكتمل أولى خطواتها الحقيقية نحو جمهورها إلا بعد 9 سنوات، حين سجلت ألبومها الأول المهدى لوالدها، وهو "صوت موسم الحصاد" (La voz de la zafra) عام 1959، ومع أنه لم يحقق النجاح الجماهيري المنتظر، فقد حمل صوتا نقيا من قلب الشعب، يشبههم في أوجاعهم وينشد أحلامهم، صوت سيغدو فيما بعد رمزا للكرامة والمقاومة، وسفيرا للأمل على امتداد القارة.

صوت لا يُنفى

لم تكن "هايدي مرسيدس سوسا" تسمي نفسها ناشطة سياسية، لكنها على امتداد مسيرتها الفنية والنضالية التزمت بأن تكون صوت من لا صوت لهم، من الكادحين والمظلومين والمهمشين، فالمطلع على مواقفها وتاريخها النضالي والموسيقي يدرك بأنها لم تكن تغني بحثا عن الإعجاب، بل عن الحقيقة، وقد قالت ذات يوم في حوار لها: أنا لا أغني لأعجب أحدا، أنا أغني لأقول شيئا ما.

إعلان

مواقف كهذه جعلتها في مرمى المضايقات، وعرضتها وأغانيها السياسية للتهديد، فطالها المنع، وبلغ القمع ذروته سنة 1979 حين اعتقلت مع نحو 200 آخرين في إحدى حفلاتها، بعدما اعتلت قوات الأمن مسرح مدينة "لا بلاتا"، ففتشوها تفتيشا جسديا، واحتجزوها -حسب روايات متطابقة- 18 ساعة بمركز الشرطة، ثم أُطلقت بعد ضغوط دولية ودفع غرامة مالية.

بعد هذه الحادثة وتضييق الخناق عليها ومنعها من الغناء والتعبير عن رأيها، اضطرت لمغادرة الأرجنتين، ونُفيت 3 سنوات من أيام الحكم العسكري المتسبد الذي استمر بين عامي 1976-1983.

المغني الإيطالي "لوتشانو بافاروتي" والأرجنتينية "مرسيدس سوسا"

وقد أقامت أولا في فرنسا، ثم استقرت في إسبانيا، لكن نفيها لم يقلل انتشارها أو يسكت صوتها، بل زاد احترام الجماهير لها ولفنها ولمواقفها، وصار صوتها يسمع من بعيد، وأغانيها تردد في قلوب محبيها، وعبرت ذات يوم عن ذلك قائلة: عندما تكون في المنفى تأخذ حقيبتك، ولكن هناك أشياء لا تتسع.

نجاح مبهر ملتزم بقضايا الإنسان

في فبراير/ شباط 1982، وبعيد سقوط النظام العسكري، وهزيمة الأرجنتين في حرب جزر "فوكلاند" (مالفيناس)، عادت الشهيرة باسم "لانيغرا" إلى وطنها، وسط استقبال جماهيري مهيب، مما يعكس شعبيتها الكبيرة.

سجلت عودتها بألبوم "مرسيدس سوسا في الأرجنتين" (Mercedes Sosa en Argentina)، الذي حقق أفضل المبيعات في تاريخ موسيقى البلد، كما أحيت 13 حفلا موسيقيا تاريخيا متلاحقا على خشبة "أوبرا بوينس آيرس"، كان لكل منها صدى وجداني لا ينسى، فأغانيها التي أدتها في الحفل وأخرى تضمنتها ألبوماتها، ظلت مرآة لمواقفها، وأثبتت التزامها الكبير بالقضايا العادلة ومناهضة القمع.

كما غنت للنساء في ألبوم "نساء أرجنتينيات" (Mujeres Argentina)، ودعت للنصر في أغنيتها الشهيرة "حتى النصر" (Hasta la victoria)، و"تساءلت هل الجنوب ممكن؟" (¿Será posible el sur؟)، وحملت صوت شعبها في أغنيتها "أحمل شعبا في صوتي" (Traigo un pueblo en mi voz).

ولم يتوقف إيمانها والتزامها العميق بحقوق الإنسان والحرية والعدالة الاجتماعية عند هذا الحد، بل امتد لأغان أخرى، منها أغنية "يرقصون وحدهم" (They Dance Alone) التي تشاركت فيها مع المغني البريطاني "ستينغ"، وهي إهداء مؤثر إلى الأمهات المختفيات في تشيلي.

ومن أعمالها الخالدة أغنية "شكرا للحياة" (Gracias a la vida)، وهي من أجمل ما غنت، والأكثر شهرة وانتشارا في العالم، تتأمل فيها الحياة بعين الامتنان، وتحتضن فيها التجارب بكل ما فيها من ألم وجمال.

كانت "مرسيدس سوسا" من أبرز الأصوات في حركة "الأغنية الجديدة" (Nueva Canción)، التي جعلت الموسيقى وسيلة نضالية، تجمع بين الكلمة القوية واللحن المميز، لتفضح الظلم وتناصر الثورة.

لم يكن غناؤها محصورا في المقاومة وحدها، بل امتد ليشمل الوطن، والهوية، والحنين إلى الأرض والجذور، وقد طالبت في أغانيها بالعدالة الاجتماعية، ورفعت صوتها دفاعا عن المهمشين والمقهورين، فغدت أغنياتها رسائل صمود تنبض بالأمل، وظلت تؤكد أن المقاومة ليست فقط فعلا سياسيا، بل طريقا لاسترداد الحقوق ونيل الحريات.

هكذا رآها العالم ورثاها النجوم

كثيرة هي الشهادات والمواقف التي تبرز مدى تقدير الجماهير والمشاهير وكبار الفنانين لشخصية "مرسيدس سوسا"، التي جذبت بفنها ومواقفها اهتمام جماهير صغار، وتركت أثرا عميقا في أكثر من جيل، لا أنها مغنية فحسب بل رمز للشجاعة والالتزام.

إعلان

وقد قال ابنها "فابيان ماتوس": عاشت سنواتها الـ74، وقد فعلت كل ما أرادت فعله تقريبا، لم يكن لديها أي نوع من الحواجز، أو أي نوع من الخوف يوقفها.

وفي نعيه لصوت أمريكا اللاتينية، قال عالم الموسيقى العرقية "جوناثان ريتر": كانت "مرسيدس" شخصية ذات أهمية وشعبية هائلة، ومن الصعب المبالغة في تقدير شعبيتها وأهميتها رمزا للموسيقى الفلكلورية، والمشاركة السياسية بالموسيقى التراثية.

حفل فني يجمع "مرسيدس سوسا" و"شاكيرا"

أما "شاكيرا" التي شاركتها أغنية "لا ماسا" (La Maza) فوصفتها بأنها "أعظم صوت للفلكلور في أمريكا اللاتينية"، ووصل تأثر الفنانة "جوان بايز" بجاذبيتها الهادئة وقوتها العاطفية أنها ركعت ذات يوم وقبلت قدميها.

فلم تجمعهما الأغاني والعروض الفنية فقط، بل مواقف كثيرة تبين عمق التقدير المتبادل والروابط المتينة، التي جمعت هاتين الفنانتين الأسطورتين، وتقاسمت المسرح مرات كثيرة ومتكررة مع كبار الفنانين، أشهرهم الإيطالي "لوتشانو بافاروتي"، وقد أديا معا سنة 1999 أغنية "كاروزو" (Caruso).

وكما حصدت محبة الفنانين واحترامهم، فقد نسجت روابط إنسانية متينة مع شخصيات من خارج الوسط الفني، عكست عمق روحها وصدقها، فقد جمعتها بأسطورة كرة القدم "دييغو مارادونا" علاقة استثنائية، قوامها الاحترام العميق والمودة الخالصة، بدأت منذ لقائهما الأول في برشلونة سنة 1983.

كما ظهرا لاحقا معا في البرنامج التلفزيوني الشهير "ليلة العاشر" (La Noche Del 10) الذي يقدمه "مارادونا"، وفي أكثر من مناسبة عبّر عن تقديره الكبير لها، واصفا علاقتهما بأنها كعلاقة أم بابنها، وكان من أبرز من حضروا جنازتها.

وقال في وداعها: كانت تغني بحرية ليست لدى أحد، لا في هذا البلد ولا في العالم، لقد رحلت واحدة من الأفضل في العالم، ولن يشبهها أحد مرة أخرى في الغناء.

ثمار مسيرة طويلة

فازت "مرسيدس سوسا" بجائزة "غرامي" اللاتينية لأفضل ألبوم ثلاث مرات، سنة 2000، و2003، و2006، كما عُينت وحملت لنضالها ونشاطها الحقوقي والإنساني لقب سفيرة النيات الحسنة لليونيسكو في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.

وقد مُنحت جائزة "سيم-يونيسكو 1996" (CIM-UNESCO 1996) من المجلس الدولي للموسيقى المخصصة للموسيقيين البارزين من جميع أنجاء العالم، ووشحت بأوسمة وتكريمات أخرى تقديرا لإسهاماتها في المطالبة بالعدالة الاجتماعية للشعوب ونصرتهم.

وفي 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2009، توفيت وقد بلغت 74 عاما، بعد تدهور حالتها الصحية، نتيجة قصور في القلب تلاه فشل كلوي، مما ألزمها دخول أحد مستشفيات العاصمة بوينس آيرس يوم 18 سبتمبر/ أيلول 2009.

وقد أقيم لها حداد 3 أيام، ووضع جثمانها في مبنى الكونغرس الوطني في العاصمة الأرجنتينية، ليتمكن جمهورها ومحبوها من إلقاء النظرة الأخيرة عليها، ثم أحرق جثمانها عملا بوصيتها، ونُثر رماده في أماكن ذات أهمية لديها، مثل مدينة بوينس آيرس، ومقاطعة ميندوزا، ومسقط رأسها توكومان.

حياة ثانية

بعد وفاة "مرسيدس سوسا"، قرر ابنها "فابيان ماتوس" وعدد من أهلها وبعض النشطاء الثقافيين، تأسيس مؤسسة ثقافية غير ربحية تحمل اسمها، لحفظ إرثها الفني ونشره وتعزيز حضوره لدى الأجيال القادمة، واتخذت أحد منازل "مرسيدس سوسا" مقرا لها، بعد اتخاذه مركزا ثقافيا مفتوحا أمام الجمهور.

ومنذ تأسيسها عام 2011، شرعت المؤسسة في مشروع شامل، لتوثيق تراثها وترميمه وحفظه، فجمعت أكثر من 10 آلاف ملف يتضمن تسجيلات صوتية وصورا ووثائقيات نادرة.

وفي إطار سعيها المستمر لإبقاء صوتها حيا في الذاكرة الجماعية، وإبراز مدى التزامها بقضايا عصرها، تنتج المؤسسة منذ عام 2020 فقرات بودكاست، لاستعراض محطات هامة من مسيرتها الفنية والنضالية.

إعلان

كما تنظم معارض دائمة تبرز مسار "سوسا" الفني والإنساني، وأخرى متنقلة تسلط الضوء على الرموز الثقافية، التي كانت حكومات الأرجنتين السابقة قد منعتها أو حظرتها، إلى جانب فعاليات فنية وموسيقية متنوعة، وبرامج تعليمية في الموسيقى والمسرح موجهة للأطفال والشباب، وتلك خطوة تترجم إيمان أصحاب المؤسسة بدور الفن في بناء الوعي وتعزيز الانتماء الثقافي.

"مرسيدس سوسا" مع المغني البريطاني "ستينغ"

ويتولى اليوم ورثتها إدارة المؤسسة، محافظين على أهدافها التي تنبع من القيم التي جسدتها طوال حياتها، وعلى رأسها الدفاع عن الثقافة اللاتينية، واتخاذ الفن وسيلة للتغيير الاجتماعي.

وقد أصبحت المؤسسة من أبرز الهيئات الثقافية في الأرجنتين، التي تستقطب آلاف الزوار من شتى أنحاء العالم، وتتعاون مع مؤسسات ثقافية دولية، تسعى إلى ترسيخ دور الفن في خدمة المجتمعات، كما تعمل الإدارة الحالية على توسيع نطاق المشاريع وتنويعها، بما يضمن استمرار رسالة "سوسا"، ويمنح صوتها امتدادا جديدا في فضاءات الفن والذاكرة والنضال.

"إذا لم أغن سأموت"

يقول الكاتب المسرحي والشاعر والصحفي الأرجنتيني "رودولفو براسيلي": قررت "مرسيدس سوسا" أن تنجز كتابا عن حياتها حين بلغت 67 عاما، ولكنها لم تشأ أن تتظاهر بأنها كاتبة، أو تكتب مذكراتها بمساعدة كاتب خفي، ولم ترغب في التباهي بذلك، بل فضلت أن تروي وتحكي عن نفسها بطريقتها.

هكذا ولد كتاب "مرسيدس سوسا، لانيغرا"، وهو من أهم السير الذاتية التي كتبتها أو كتبت عنها، وقد بُني على سلسلة من الحوارات المطولة، خاضها "براسيلي" معها.

ولم يكن يسيرا أن يجمع هذا الرصيد الهائل من الحفلات والمواقف والصعوبات والذكريات، عن مغنية تعد بحسب وصفه "أكثر ما أنتجت الأرجنتين وأمريكا اللاتينية في القرن العشرين شعبية وتأثيرا"، شخصية لم يزدها الألم إلا إصرارا على النجاح والنضال أكثر.

الكتاب الذي ألفه ابنها "فابيان ماتوس"

توقفت ذاكرة "سوسا" عند محطات السجن والمنفى، وكتب "براسيلي" تفاصيل العودة إلى الديار، وسجل انكسارات لم تنل من روحها، ثم عاد إلى لحظة الميلاد، إلى حياة المراهقة، إلى صورة البنت والأم التي كانت ترى العائلة حجر الأساس.

يقول "براسيلي" عن طبيعة هذا العمل: هذا كتاب من "مرسيدس سوسا"، وعن "مرسيدس سوسا"، عموده الفقري قصتها بضمير المتكلم، هي تحكي عن نفسها، وتكتب عن نفسها بصوت عال.

يمكن أن نسمي هذا المؤلف أهم مرجع وأكثرها شمولا، فلا يكتفي بسرد الوقائع، بل يقدم نظرة عميقة وشخصية لحياتها، من طفولتها المتواضعة في توكومان، إلى شهرتها العالمية، مرورا بنضالها ضد الاستبداد، كاشفا عن امرأة جعلت صوتها أداة مقاومة، وحياتها مرآة لوجدان شعب بأكمله.

هتف ذلك الشعب في رحيلها "لانيغرا لن ترحل"، بدل الوقوف دقيقة صمت لروحها، إنها "سوسا" التي أخبرت "براسيلي" ذات يوم بأن لديها رغبة في العيش، وإذا لم تغن فستموت، والغناء يشفيها.

حياة بين الصحائف

كُتب عن "مرسيدس سوسا" نحو 10 مؤلفات، بين السير الفنية والتاريخية، والتأملات في إرثها الموسيقي ومواقفها الإنسانية الملهمة. ويعد كتاب "مرسيدس سوسا، مامي" الذي ألّفه ابنها "فابيان ماتوس" وابنة أختها "مابي سوسا" الأكثر حميمية، إذ يركز على الجانب الشخصي والعائلي في حياتها، ويكشف شخصية الأم والخالة والعمة، بعيدا عن أضواء الشهرة.

بعض المؤلفات التي تناولت حياة "مرسيدس سوسا"

أما كتاب "كل الأصوات: مرسيدس سوسا والسياسة" للباحثة الأكاديمية "أليكسيا غييرمينا ماسهولدر"، فيتناول علاقتها بالسياسة في الأرجنتين، ويسلط الضوء على النضال السياسي والثقافي، الذي ميز البلاد خلال الستينيات والسبعينيات.

وأما كتاب "مرسيدس سوسا، صوت الشعب" للكاتبة الأمريكية الأرجنتينية "آيشا بيريز برادو"، فهو موجه للأطفال والشباب، ويقدم سيرتها المصورة بأسلوب مبسط، بقصص قوية ومؤثرة عن نضالها من أجل العدالة الاجتماعية.

وتشير المراجع إلى أن الكاتبة الدنماركية "كريستنسن أنيت" أمضت آلاف الساعات في البحث، لتقديم كتاب "مرسيدس سوسا، صوت الأمل"، الصادر باللغة الألمانية والإسبانية والفرنسية، وهو عمل موجه بدرجة أكبر للجمهور الأوروبي، فيركز على حفلاتها في أوروبا، وتأثير المنفى على مسيرتها الفنية.

وقد امتد الاهتمام بناشرة التراث الموسيقي الأرجنتيني في العالم إلى الموسوعات المتخصصة في الموسيقى والثقافة اللاتينية، فضلا عن مئات المقالات والدراسات التي تناولت دورها، بصفتها رمزا للمقاومة، وصوتا للمحرومين في أمريكا اللاتينية.

ذاكرة السينما الوثائقية

مثلما خلدت الكتب سير المشاهير، فقد حاولت السينما والأعمال الوثائقية رسم صورة مكملة ومتكاملة، عن امرأة لم تكن تدري أن أغانيها المقاومة ستجعلها أيقونة ورمزا للحريات.

إعلان

وفي هذا السياق يمكن القول إن وثائقي "مرسيدس سوسا، صوت أمريكا اللاتينية" (Mercedes Sosa: La Voz de Latinoamérica) المنتج سنة 2013، يعد من أبرز الأعمال التي تناولت حياتها.

فقد قدّم مخرجه "رودريغو إتش فيلا" صورة شاملة عن مسيرتها الفنية والسياسية، استنادا على ثروة بصرية نادرة تمتد أكثر من 20 عاما ولم تعرض من قبل.

استعرض الفيلم جوانب من حياتها العائلية، والنفي القسري التي عاشته في سنوات الحكم العسكري، وعرض شهادات مؤثرة لفنانين عالميين، تأثروا بصدقها الفني ومواقفها الإنسانية، ومنهم المغني الكوبي "بابلو ميلانيس"، وعازف البيانو الأرجنتيني "شارلي غارسيا".

لم يكتف المخرج "فيلا" بهذا العمل، بل عاد بعد 10 سنوات بوثائقي ثان أكثر حميمية، بعنوان "مرسيدس سوسا أغان غير منشورة"، فاستكمل فيه ما لم يرو في فيلمه الأول عن المغنية التي لا تزال تلهم الأجيال.

فسلط الضوء على أيامها الأخيرة، وكشف إصرارها على مواصلة الغناء مع تدهور حالتها الصحية، كما عرض لقاءات عفوية وكواليس جمعتها بفنانين من شتى الأجيال، منهم النجمة الكولومبية "شاكيرا"، مما يعكس انفتاحها على الأصوات الجديدة، وحرصها على التواصل الإبداعي المستمر.

العودة إلى الأرجنتين بعد النفي

كما سعى المخرج بهذا الوثائقي إلى إبراز قوة امرأة واجهت في الماضي نظاما قمعيا، وتقاوم اليوم المرض بنفس العزيمة، من دون أن تتخلى عن الفن الذي كان ملاذها الدائم، واستقر بعدسته في بيتها الثاني -الإستوديو- فعرض لقطات لها وهي تسجل أغانيها الجديدة برغم الألم، تفاصيل مهمة ومؤثرة أضفت على الفيلم بعدا إنسانيا عميقا، وزادت احترام الجمهور لها، وتقديره لفنها الذي ظل وفيا لقضايا الإنسان والحرية.

وفي 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1983، قدم المخرج "ريكاردو ووليشر" العرض الأول لوثائقيه بـ"مرسيدس سوسا طائرا حرا" (Mercedes Sosa: como un pájaro libre)، مستحضرا لحظة فارقة ومهمة في حياتها، تمثلت في عودة صوتها المنفي إلى أرض الوطن بعد سنوات من الغياب القسري، قضتها متنقلة بين العواصم الأوروبية.

لم تكن تلك العودة مجرد حدث فني أو عودة إلى الديار، بل تجسيدا لانتصار رمزي على الاستبداد، ورفعا لراية الأمل في وجه القمع، فاستقبلتها الجماهير الغفيرة في بوينس آيرس بفرح عارم.

ألبوم "صوت الحصاد" (La voz de la zafra)، للمغنية "مرسيدس سوسا"

ولم تكن هذه الوثائقيات الأعمال الوحيدة التي تناولت مسيرتها، بل خصصت قنوات تلفزيونية برامج وسلسلة وثائقيات للحديث عن مسيرتها الفنية والاجتماعية والسياسية، وموسيقاها التي تجاوزت حدود الأرجنتين، فألهمت أجيالا من الفنانين والجماهير حول العالم.

واليوم وبفضل كل هذا التراكم والتوثيق، أصبح العالم يدرك بأن "مرسيدس سوسا" اتخذت من صوتها وسيلة للتعبير عن آلام الشعوب وآمالها، ولهذا أصبحت أغانيها إرثا موسيقيا حيا ينتصر للمظلومين، ويحمل في طياته نضالا إنسانيا لا ينسى، ورسالة خالدة تتجاوز الإطار المكاني والزمني.

مقاربة بين رموز المقاومة الفنية

تعد "مرسيدس سوسا" و"فيكتور خارا" من تشيلي، و"سيلفيو رودريغيز" و"بابلو ميلانيس" من كوبا، من أبرز رموز "الأغنية الجديدة"، التي نشأت في أمريكا اللاتينية وامتدت إلى إسبانيا والبرتغال.

لم تكن هذه الحركة الفنية مجرد تجديد موسيقي، بل كانت فعلا مقاوما، فمزجت بين الموسيقى الشعبية والكلمات ذات البعد السياسي والاجتماعي، فأصبحت صوتا للمضطهدين، وصرخة في وجه الأنظمة القمعية المستبدة.

ثلاثي وين الملايين: جوليا بطرس وسوسن الحمامي وأمل عرفة

وعلى اختلاف السياقات التاريخية والثقافية، فإن المنطقة العربية لم تشهد حركة مماثلة بالاسم، لكنها شهدت تقاطعات فنية ونضالية عميقة، جسدها فنانون آمنوا بأن الفن ليس ترفا، بل وسيلة للتعبير والتغيير، ومرآة لآلام الشعوب وطموحاتها، وكان بينهم وبين "سوسا" مشتركات.

من تلك التقاطعات، يمكن استحضار العلاقة الرمزية بينها وبين الشاعر أحمد فؤاد نجم ورفيقه الشيخ إمام، اللذين شكلا صوت الطبقات المهمشة في مصر، ووجها نقدا لاذعا للأنظمة السياسية، فسُجنا مرارا.

كما تتجلى روح الأغنية الجديدة أيضا في تجربة الفنان اللبناني مارسيل خليفة، الذي حمل على عاتقه الدفاع عن الهوية العربية، مثلما دافعت "سوسا" وآخرون عن الهوية الثقافية اللاتينية، وارتبط مارسيل بالقضية الفلسطينية، وامتزجت ألحانه بشعر محمود درويش، فأصبحت أغانيه جزءا من الوعي العربي الفلسطيني، فصوته مسكون بالحزن، وألحانه نابضة بقضايا العودة والهوية.

"الشيخ إمام"، صوت الطبقات المهمشة في مصر

وفي سياق قد يكون مشابها إلى حد ما، تبرز فيروز رمزا فنيا نضاليا، لم تغن للأنظمة بل غنت للأوطان والمدن، من القدس وبغداد إلى بيروت، فأغنيتها "زهرة المدائن" لم تكن مجرد لحن عابر، بل نشيدا لقضية العرب الأولى، وصوتا للشعوب المؤمنة بحق أصحاب الأرض.

أما زياد الرحباني فقد دفع ثمن مواقفه السياسية المعارضة، فقد حملت مسرحياته وأغانيه نقدا ساخرا للقوى السياسية المتصارعة في لبنان، فاعتُقل.

ولا يمكن فصل الفنانة اللبنانية جوليا بطرس عن هذا المسار، فقد ارتبط اسمها بأغنية "وين الملايين" (1996)، التي دعت الشعوب العربية لمقاومة الاحتلال، كما عبرت في "أنا بتنفس حرية" عن التزامها بقضايا الاستقلال والتحرر.

وغير بعيد عن أولئك أصوات النشيد الإسلامي في سوريا، ممن واجهوا اضطهاد نظام حافظ الأسد منذ توليه الحكم عام 1969، فقد اضطر منشدان كبيران هما أبو مازن (رضوان خليل) وأبو راتب (محمد مصطفى) إلى الهرب خوفا من القتل، بسبب صوتيهما المناديين للحرية، المناهضين للظلم والقتل الممنهج آنذاك.

صحيح أن أشكال النضال الفني تتعدد وتتنوع حسب التجارب، ولكن جوهرها يبقى واحدا، ألا وهو الانتصار للإنسان والأرض، وبين المنع والسجن والاعتقال، ظلت السلطات ترى الفن الملتزم تهديدا وتحريضا، سواء كان صريحا أو رمزيا، ومع ذلك استمرت الحناجر الحرة تغني للأوطان وتدافع عن كرامة الإنسان، حاملة في نبرتها وجع الشعوب وأحلامها.

سقطة في فلسطين المحتلة

تذكر مراجع وتقارير صحفية في عام 2008، أن فنانين ونشطاء فلسطينيين، منهم أعضاء في الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية، وجّهوا رسالة مفتوحة إلى "مرسيدس سوسا"، يناشدونها العدول عن جولتها الفنية المقررة في الأراضي المحتلة.

وقد عبروا في رسالتهم تلك عن خيبة أملهم العميقة، واستغرابهم من قرار فنانة لطالما تغنت بالحرية، ودافعت عن حقوق السكان الأصليين والمضطهدين، أن تقف على مسارح أقيمت فوق أرض سلبت من أصحابها، وأن تسهم في تلميع صورة كيان استعماري قائم على الفصل العنصري، ومتهم بتهجير الفلسطينيين، وانتهاك حقوقهم، وسلب حريتهم وأرضهم منهم.

"لو أن للتراب صوتا، لكان صوت مرسيدس سوسا"

صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية

وقد رأت اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات أن زيارة "سوسا" تطبيع ثقافي مع الاحتلال الصهيوني، لا سيما في ظل الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة، وذكّرت الرسالة الفنانة بالنكبة التي هجرت مئات الآلاف من الفلسطينيين قبل 60 عاما، واستمرار الاحتلال غير الشرعي، وبناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية.

الملصق الدعائي لحفل "مرسيدس سوسا" في الأراضي المحتلة

لم تكن الرسالة مجرد احتجاج، بل نداء أخلاقيا يدعوها إلى التمسك بالقيم التي ارتبط بها اسمها، ومنها الحرية والمساواة، والكرامة الإنسانية. ومع ذلك، تذكر التقارير الإعلامية أنها أقامت حفلاتها كما كان مقررا في أكتوبر/ تشرين الأول 2008، ولم تنشر صور لتلك العروض، إلا مقالات تصف الجولة بأنها ناجحة، وذلك تناقض صارخ مع توجهها الفني والنضالي.

أثار ذلك جدلا كثيرا حول مدى التزامها بالمقاطعة الثقافية، لا سيما بعد أن عنونت صحيفة "يديعوت أحرنوت" إحدى مقالاتها بعبارة "لو أن للتراب صوتا، لكان صوت مرسيدس سوسا".

أما هي فقد دافعت عن قرارها قائلة: لم آت لأمارس السياسة، بل لأغني، نعم في العالم حروب وتوترات، ولدي ما أقوله عنها، لكن حين أصعد إلى المسرح، فإنما أفعل ذلك لأغني.

كانت تلك سقطة كبيرة في تاريخ صوت أمريكا اللاتينية، مع أنها لم تعترف بذلك.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان