راتب الإمام يعادل ألف دولار.. الرحالة ابن جبير الأندلسي يروي غرائب الإسكندرية قبل ألف عام

حفظ

حين كانت الأمة المسلمة تمتد جغرافيًّا من الصين إلى الأندلس ومن القوقاز وجنوب روسيا إلى أعماق أفريقيا، وكان ولا يزال الحج أحد أركان الإسلام، فقد تحتم على كل مسلم قادر مُستطيع أن يُتم فرض الله تعالى، ولأن ذلك الزمان كان يخلو من تعقيدات الحدود والقيود والتأشيرات؛ فإن رحلات الحج والتجارة وطلب العلم كانت أمرا سهلا على صعوبة الطريق ووعورته، وكان اختلاط المسلمين من مختلف البلدان ببعضهم ربما أكثر كثافة من أيامنا هذه التي للغرابة سهلت فيها المواصلات، وزادت فيها القيود، وصعبت فيها التأشيرات.

ولقد رأينا أن هناك لونا من ألوان الكتابة التاريخية الجغرافية اهتمت برصد مشاهد هذه الرحلات بين أرجاء العالم الإسلامي، وغرائب السكك والمسالك والأمصار، وعجائب المخلوقات، وعادات الشعوب والأقوام، منها ما اتخذ أسلوبا موضوعيا، ومنها ما اتخذ أسلوب اليوميات والمذكرات، وتأتي رحلة رجل أندلسي عاش قبل تسعمئة سنة مثالا حيا على هذا اللون الأخير من المذكرات اليومية التي تدخل في إطار "أدب الرحلات".

ذاك الرجل هو أبو الحسن محـمد بن أحمد بن جُبير البلنسي الغرناطي الكناني، العربي الأصل (540-614هـ)، وهو شاب ما إن بلغ الثامنة والثلاثين من عُمره إلا وقرر السفر للحج، ولم يكن يدري أنه سيمكث في المشرق ثلاث سنوات كانت من أعظم سنوات المسلمين في ظل حُكم السلطان العادل صلاح الدين الأيوبي الذي كان يكدّ ويجتهد لتحرير مقدسات الأمة، وطرد الصليبيين من القدس والساحل الشامي، ويعمل بلا كلل على رفع الظلم والضرائب عن كاهل رعاياه في مصر والشام والحجاز واليمن.

كانت مصر في سنوات رحلات ابن جبير الثلاثة -ما بين أعوام 578-581هـ/1183-1186م- تشهد استقرارا وطفرة عُمرانية وعلمية هائلة دعّمها السلطان صلاح الدين الأيوبي بكل قوته، فما أبرز المشاهد التي رآها الرحّالة الأندلسي ابن جبير في مصر، لا سيما في الإسكندرية؟ وكيف كان تعبيره عن آثار مصر وعجائبها، لا سيما منارتها الكبرى التي تهدّمت بعد رحلته بقرن ونيّف؟ وكيف استطاع أئمة المساجد الحصول على أكثر من ألف دولار راتبا شهريا آنذاك؟! ذلك ما سنراه في قصتنا التالية.

يبدأ ابن جبير تدوين يوميات رحلته يوم الجمعة الموافق ثلاثين لشهر شوال سنة 587هـ، الموافق 25 فبراير/شباط سنة 1183م، على متن سفينة أندلسية متجهة صوب مدينة سبتة المغربية في الجنوب التي سينطلق منها على متن سفينة مملوكة لبحّارة من أهل جنوة الإيطالية، بصحبة البنادقة والصقليين وغيرهم ممن أطلق عليهم المسلمون "الروم" ممن آثروا التجارة على الحروب، لذا تعامل معهم المسلمون في تجارتهم ورحلاتهم بين المشرق والمغرب.

إعلان

اتجهت السفينة من سبتة باتجاه جزر البليار الأندلسية (ميورقة ومنورقة وسيورقة)، ومنها إلى جزيرة صقلية الإيطالية التي كان يعيش في ظلالها آنذاك آخر بقايا المسلمين قبل أن يطردهم النورمان من أرباب الإمبراطورية الألمانية الناشئة التي كان يحكم أصحابها أجزاء واسعة من ألمانيا وإيطاليا آنذاك، ومنها انطلقت السفينة بعد هول عظيم وصفه ابن جبير قائلا: "عصمنا الله منه بريح أرسلها الله تعالى في الحين من تلقاء البر، فأخرجنا عنه، والحمد لله على ذلك. وقام علينا نوء هال له البحر، فبقينا مترددين بسببه حول برّ سردانية (قرب صقلية)، حتى اطّلع الله علينا في حال الوحشة وانغلاق الجهات بالنوء لا نميز شرقا من غرب"[1].

وبعد مرور شهر كامل في البحر وتوقف في عدة جُزر، وبعد أنواء وخوف ووجل من أهوال البحر، "وفي صبيحة يوم السبت التاسع والعشرين من ذي القعدة سنة 578هـ، أطلَع الله علينا البشرى بالسلامة بظهور منار الإسكندرية على نحو العشرين ميلا (ما يقرب 35 كم)، والحمد لله على ذلك حمدا يقتضي المزيد من فضله وكريم صنعه"[2].

أُعجب ابن جُبير بالإسكندرية إعجابا كثيرا، ولاحظ اتساع شوارعها، وعتاقة مبانيها، وكثرة سواريها، وربما قصد بها المسلات الفرعونية القديمة التي انتشرت بين أرجائها. ومن العجب في وصفه أن بناءها تحت الأرض كبنائها فوقها وأعتق وأمتن، لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها وأزقتها تحت الأرض فتتصل الآبار بعضها ببعض ويمد بعضها بعضا. وهذا يعني أن الإسكندرية قبل ألف عام كانت تشتملُ على شبكة متقدمة من مرافق ومواسير تحت الأرض لإمدادها بالمياه القادمة من النيل من خلال بعض الخلجان أو الترع التي خُصِّصت لذلك.

بيد أن أكثر ما دُهش له ابن جبير هي منارة الإسكندرية التي تُعَدُّ حتى يومنا هذا من عجائب الدنيا السبع المفقودة، فكانت من أعظم المنشآت البطلمية الإغريقية في مصر لمدة ألف وخمسمئة عام على التقريب، إذ أُنشئت في عام 270 قبل الميلاد، وهُدمت في زلزال شديد ضرب المدينة عام 1303م في عصر المماليك.

وقد شُيِّدت منارة الإسكندرية في جزيرة فاروس التي بُنيت على أطلالها قلعة قايتباي اليوم، على رُدهة تحيط بها الأعمدة، وكانت مكوَّنة من 4 طوابق، الطابق الأول كان يحوي غرفا لسكنى 300 عامل، ويعلو المنارة بناء حلزوني بداخله مصعد يُدار بقوة الماء، وذلك لرفع الوقود، ويعلو البناء الحلزوني رصيف تحوطه التماثيل الإغريقية، أما الطابق الثاني فكان مستطيلا، يعلوه الطابق الثالث وهو دائري، وفوق ذلك الطابق تستقر المنارة. ويؤكد المؤرخون والأثريون أنه لا أحد يعرف حتى الآن كيف كانت تُدار الإنارة ليلا، ولا أحد يعلم أيضا سر المرآة العجيبة التي ردَّد البعض أخبارها قديما، التي كانت تتعقب السفن نهارا، حيث كانت تلك المرآة المصنوعة من الزجاج الدقيق أو المصقول تعكس صور السفن وهي في عرض البحر[3].

ويُعتبر وصف ابن جبير لمنارة الإسكندرية قبل تهدُّمها بقرن ونصف من أدق الأوصاف لهذه المنارة، لأنها جاءت من شاهد عيان دخلها ورأى مساحتها الهائلة، وارتفاعها المهيب، وبناءها الهندسي المتقدِّم، فيقول: "ومن أعظم ما شاهدناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه الله عز وجل على يدي مَن سُخّر لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر إلى بر الإسكندرية، يظهر على أزيد من سبعين ميلا (130 كم)، ومبناه في غاية العتاقة والوثاقة طولا وعرضا، يُزاحم الجو سموا وارتفاعا، يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف، الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع. ذرعنا (أي قسناه بالذراع) أحد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفا وخمسين باعا (120 مترا) ويذكر أن في طوله أزيد من مئة وخمسين قامة (270 مترا). وأما داخله فمرأى هائل، اتساع معارج ومداخل وكثرةُ مساكن، حتى إن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضلّ طريقه"[4].

إعلان

ولا شك أن وصف ابن جبير وقياسه مساحة فنار الإسكندرية القديم هو الأقرب للدقة والصواب، ونفهم من وصفه مدى اتساعه، وكثرة غرفه وطرقاته ومسالكه الداخلية، ووجود مسؤولين من قِبَل السلطات الأيوبية في مصر عنه، بل بسبب ضخامة هذا البناء وقوته سُمح ببناء مسجد في أعلاه، يقول: "وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه، طلعنا إليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة (578هـ) وصلينا في المسجد المبارك المذكور"[5].

ولم تتوقف عجائب الإسكندرية عند هذا الوصف، لقد رأى ابن جبير تقدُّما كبيرا في النواحي الحضارية والعمرانية الأخرى التي حرص السلطان صلاح الدين الأيوبي ومسؤولو إدارته في المدينة على الاهتمام بها، فلفت انتباهه كثرة "المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطب والتعبد، يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوي إليه، ومُدرِّسا يُعلِّمه الفنّ الذي يريد تعلُّمه، وإجراء يقوم به في جميع أحواله.

وقد اتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمّامات يستحمون فيها متى احتاجوا إلى ذلك، ونصب لهم مارستانًا (مستشفى) لعلاج مَن مرض منهم، ووكل بهم أطباء يتفقدون أحوالهم، ووضع تحت أيديهم خُداما يأمرونهم للنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء"[6]. لم يقتصر الأمر على هذا الحد، حيث عرفت الإسكندرية نظاما صحيا شاملا، ببناء المستشفيات، وتوفير العلاج والأطباء والممرضين، فضلا عن إمكانية زيارة الأطباء لبيوت المرضى للكشف عليهم ممن لا يقدرون على الذهاب لهذه المستشفيات، وهي المشاهد نفسها التي نراها في عصرنا هذا بعد مرور ما يقرب من تسعة قرون.

وقد دُهش ابن جبير لصخب الإسكندرية واستمرار حركة المعاش فيها في الليل أيضا، في وقت كان الناس يعيشون فيه على المواقيد والشموع والقناديل، وهذا أمر لم يكن يُعرف في الأندلس أو المغرب آنذاك على هذه الشاكلة، إذ دأب الناسُ قبل الحداثة في العموم على السكون مع غسق الليل، يقول: "ومن الغريب أيضا في أحوال هذا البلد تصرُّف الناس فيه بالليل كتصرفهم بالنهار في جميع أحوالهم"[7]. ونفهم من هذا أن الإسكندرية عرفت معنى العالمية آنذاك، فلم تكن مجرد ميناء مصري مهم على ساحل البحر المتوسط، بل كانت على الحقيقة ملتقى التجارات والعلماء والحجاج والزوار، وموطن السادات وطلبة العلم.

ولعل هذا الاكتظاظ وحركة الوفود التي لم تتوقف ليلا ونهارا من البر أو البحر، فضلا عن حياة الساكنين، أدى إلى انبساط العُمران في هذه المدينة، ويُفهم اتساع عمرانها من كثرة مساجدها، فابن جبير يعتبرها "أكثر بلاد الله مساجد، حتى إن تقدير الناس لها… ينتهي في تقديره إلى اثني عشر ألف مسجد، والمقلل منهم يقول ثمانية آلاف، ومنهم مَن يقول غير ذلك، وبالجملة فهي كثيرة جدا، تكون منها الأربعة والخمسة في موضوع (مكان)، وكلها بأئمة مرتّبين (معيَّنين) من قِبَل السُّلطان (صلاح الدين)، فمنهم مَن له الخمسة دنانير مصرية في الشهر، ومنهم مَن له فوق ذلك".

وهذا يُدلِّل على غنى الدولة الأيوبية وعظم شأن الإسكندرية آنذاك، وعلى الأوضاع الاقتصادية المزدهرة فيها، إذ إن متوسط راتب إمام المسجد آنذاك شهريا كان خمسة دنانير مصرية أيوبية، أي ما يقارب 1200 دولار في يومنا هذا، ومنهم مَن كان يتحصَّل على أعلى من هذا القدر، وإذا نظرنا إلى عشرات الآلاف من المساجد التي انتشرت في أرجاء المدينة ورواتب أئمتها فقط، فضلا عن المؤسسات الأخرى التعليمية والدينية والصحية وغيرها، لأدركنا مدى العظمة الاقتصادية التي كانت عليها مصر والإسكندرية آنذاك.

تلك أبرز مشاهد الرحالة الأندلسي ابن جبير الغرناطي البلنسي قبل ما يقرب من ألف عام، رأينا فيها عظمة الإسكندرية وغرائبها، كما رأينا عصرها الذهبي في ظل السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي وصفه ابن جبير قائلا: "مآثر هذا السلطان ومقاصده في العدل ومقاماته في الذّب عن حوزة الدين لا تُحصى كثرة"، وذاك عصر رائق ماتع بلا شك.

إعلان

_____________________________________________________

المصادر:

  1. رحلة ابن جبير ص9.
  2. السابق ص12.
  3. «منارة الإسكندرية» فخر عروس المتوسط التي سحرت العالم وهاجمتها الزلازل، الأهرام.
  4. رحلة ابن جبير ص14.
  5. السابق.
  6. السابق ص15.
  7. السابق ص16.
المصدر: الجزيرة

إعلان