لسان ابن حزم الذي أوقع به!

"لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقان"
(ابن العريف الأندلسي)
في إحدى بيوتات قُرطبة من العام 384هـ/994م ولد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبو محمد الظاهري الذي صار عالم الأندلس، وفقيهها المبجّل، وأديبها الكبير في عصره وأوانه، يُنسب ابن حزم إلى أسرة اختلف المؤرخون في أصلها، فمنهم من ذكر أن أصولها من بلاد فارس، ومنهم من ذكر أن أصولهم من لبلة في غرب الأندلس.
نشأ ابن حزم في بيئة حفلت بالجواري والنساء، وقد حفّظنه القرآن الكريم، وعلّمنه الأدب والشعر، فتجلت هذه النشأة في نفسه، وهو يعترف للنساء بهذا الفضل، قائلاً: "لقد شاهدتُ النساء، وعلمتُ من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري؛ لأني رُبيت في حجورهن، ونشأتُ بين أيديهن ولم أعرف غيرهن، ولا جالستُ الرجال إلا وأنا في حد الشباب، وهُنّ علّمنني القرآن، وروّينني كثيرًا من الأشعار، ودرّبنني في الخط، ولم يكن كدّي وإعمال ذهني مذ أول فهمي، وأنا في سن الطفولة جدًا، إلا تعرّف أسبابهن، والبحثُ عن أخبارهنّ، وتحصيل ذلك".(2)

ورغم نشأة الرجل الناعمة بين نساء القصور والبيوتات العالية في قرطبة؛ فإن والده عيّن عليه الرقباء من النساء أنفسهن، فصرن يرقُبنه في كل شيء، في لمحات الوجه، وخلجات الأعين، هذه المراقبة كان لها أثرها في عفّة ابن حزم وأدبه، وصحبته لأهل العلم والورع، مثل أبي الحسين بن علي الفارسي الذي تأثر به ابن حزم في حياة الشبيبة فلم يرَ مثله "علمًا وعملاً، ودينا وورعًا، فنفعني الله به كثيرًا، وعلمتُ موضع الإساءة وقبح المعاصي".(3)
استكمل الشاب اليافع طلب علوم الحديث والتاريخ واللغة والنحو، ويروي بعض المؤرخين سبب تعلم ابن حزم للفقه أنه شهد جنازة لرجل كبير من أصدقاء أبيه، فجلس قبل صلاة العصر ولم يصل تحية المسجد، ثم حملوا الجنازة ودفنوا الميت، ثم رجعوا إلى المسجد مرة أخرى حيث كان العزاء يُؤخذ فيه، لكنه هذه المرة أراد أن يصلي تحية المسجد، فقيل له: "اجلس اجلس ليس هذا وقت صلاة، فانصرفتُ عن الميت، وقد خزيت ولحقني ما هانت عليّ به نفسي، وقلتُ للأستاذ: دلّني على دار الشيخ الفقيه المشاور أبي عبد الله بن دحّون فدلّني فقصدته من ذلك المشهد، وأعلمتُه بما جرى فيه وسألته عن الابتداء بقراءة العلم، واسترشدته، فدلّني على كتاب الموطّأ لمالك بن أنس".(4) وكان ابن حزم قد بلغ من العمر 26 سنة، ومنذ تلك اللحظة صار ابن حزم عاكفًا على طلب العلم بنهم وشراهة، حتى شاهده الناس في مدينة بلنسية الأندلسية وقد بزّ أقرانه في طلب العلم، بل كان قد اشتهر صيته لمناظراته العلمية الشهيرة في الفقه والحديث وغيرها وهو لـمّا يزال شابًا في ريعان الشباب.

لم يقنع ابن حزم بمذهب مالك، وقد راح يطّلع على ما كتبه الشافعي وتلامذته فأعجب به، ثم إنه أمعن في دراسة الفقه المأثور وغيره، ولكن روحه التي لا ترضى بأن تبقى في إطار مذهبي لا تعدوه لم ترض أن تبقى ساكنة تحت سلطان المذهب الشافعي، وكان من بين مَن تعلم على أيديهم شيخه الفقيه مسعود بن سليمان بن مفلت، وهو عالم زاهد يميل إلى القول بالظاهر، والاختيار من بين الأقوال المختلفة، فراقَ له ذلك المنظر لأنه يُطلق حرية فكره، فلا يتقيد بالمذاهب المشهورة، بل يتقيد فقط بالنصوص والآثار، ولذا كان يقول: "أنا أتبع الحقّ وأجتهد ولا أتقيّد بمذهب".(5)
ظل ابن حزم أموي الهوى والنزعة، وكانت هذه الأموية تتأكد بمرور الأيام، وفي كل انقسام كانت الأندلس تمر به، ولم يكن والحال هذه إلا أن يعود إلى راحته في العلم والانتقال إليه، ما بين شاطبة وألمرية وقرطبة وبلنسية، يدرس ويدارس، ويختلب بآرائه وبيانه نفوس الشباب، وقد كان له أثر واضح في تفكيرهم، حتى إن أبا الوليد الباجي الذي التقى به في جزيرة ميورقة وناظره وعارضه، لما جاء من رحلته المشرقية التي استمرت طويلا، وعاد إلى بلده الأندلس "وجد لكلام ابن حزم طلاوة إلا أنه كان خارجًا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرُت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه".
ويعين المقّري تاريخ اللقاء بين الفقيهين الكبيرين ابن حزم والباجي سنة 440هـ في جزيرة ميورقة، وقد كان لابن حزم أنصار وأعوان وطلاب ينهلون على يديه، لكن مناظرات الباجي لابن حزم سرعان ما ألّبت الجماهير والساسة عليه، وصدر القرار بطرده من ميورقة في معاناة متكررة، ورحلة لا تكاد تنقطع بالرجل الذي لم يكن يلقى ما يجب من الاحترام والتقدير لعلمه، لكن كيف لهم أن يتقبلوه ولسانه كأنه السيف المسلط على رقاب المخالفين، وقد صدقوا حين قالوا: "لسان ابن حزم وسيف الحجاج بن يوسف شقيقان".(6)

كان قرار المعتضد ومن شايعه إحراق كُتب ابن حزم ويالها من عقوبة شنيعة على عالم كبير كابن حزم، لكن العقوبة نفّذت جراء آراء ابن حزم التي لم تكن تُعجب كثيرا من فقهاء الأندلس، لا سيما فقهاء السلطان منهم، لقد راح الرجل يقول لهم في عزة وثقة:
فإن تحرقوا القِرطاس لا تحرقوا الذي ** تضمّنه القِرطاس بل هو في صدري
يسيرُ معي حيث استقلّت ركائبي ** وينزل إذ أثوي ويُدفن في قبري!
ضاقت الأندلس بما رحبت بابن حزم؛ ذلك أن فريقا من الفقهاء قد وضعوا أنفسهم في أفق محدود لا يعدونه وهو مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وحسبوا أن الحق لا يعدوه، ويبدو أن التعصّب للمالكية هذا قد أوقف من إبداع الأندلسيين في بعض الأمور، وقد اتخذه ملوك الطوائف تكأة لتثبيت أركان إماراتهم المتناحرة؛ وإذا كان الأمر كذلك، فابن حزم في أعينهم مارق غير مصيب؛ ثم هو أموي النزعة قد كان أبوه وزيرا للمنصور العامري الذي لم يجرؤ على إسقاط الخلافة، وكان هو وزير لأحد آخر خلفاء بني أمية، وطالما دافع عنهم بقلمه ولسانه، ورأى في حكمهم أمن الأندلس ووحدته، وهذه الصفات لا يقبل بها هؤلاء الملوك اللقطاء المحبين للانقسام والتشرذم.
أمام كل هذه الحقائق التي صارت جلية للكافة، قال ابن حيان مؤرخ الأندلس: "طفق الملوك يُقصونه عن قُربهم، ويُسيّرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به إلى منقطع أثره بتُربة بلده من بادية لبلة" في غرب الأندلس، وفي هذه البقعة "منت ليشم"، مسقط رأس آبائه وأجداده عاش الرجل أخريات عمره يؤلف ويكتب، فاتحا ذراعيه لكل قاصديه من طلبة العلم في هذه القرية الصغيرة التي كانت ملكا لعائلته، وظل الرجل على هذه الحالة إلى أن وافته المنية مكبا على العلم والتعليم في شعبان سنة 456هـ/1064م، عن عمر ناهز الاثنان والسبعون سنة، ولا شك أن مثل هذه الشخصية الثورية في تاريخ الأندلس، والتي جاءت في عصر انقسام الجزيرة الأكبر، ملوك الطوائف، قد دوّنت بمرارة وصدق مجريات تلك الأحداث، وأبدى الرجل فيها رأيه، ودافع عن الأندلس والأندلسيين – برغم ما لا قاه من مرارة وكيد – أشد الدفاع في إظهار أمجادهم وآثارهم وتراثهم، وسنقف في بعض مقالاتنا القادمة حول هذه الأمور المهمة في عالم ابن حزم الأندلسي.
