"الرسالة الأخيرة".. معركة العثمانيين التي كسرت شوكة الغرب


بمناسبة مرور أكثر من مئة عام على معركة "تشناق قلعة" أو غاليبولي التي دارت رحاها في شبه الجزيرة التركية عام 1915، بين الأتراك من جهة والقوات البريطانية والفرنسية من جهة أخرى؛ أطلق المخرج التركي أوسان إيرين فيلمه الجديد "الرسالة الأخير"" (The Last Letter) الذي يتمحور على النصر الكبير الذي حقّقته الإمبراطورية العثمانية بالتعاون مع ألمانيا، ضد القوات البريطانية والفرنسية التي هُزمت شرّ هزيمة، وخسرت 55 ألف قتيل، بينما ضحّى الجيش التركي بتسعين ألف قتيل ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين من كلا الطرفين.
لم يُرِد المخرج "أوسان إيرين" أن يُنتج فيلمًا تاريخيًا على وجه التحديد لأنه يرى أن المآثر البطولية يجب ألا تنحصر في شخصية محددة، حتى وإن كانت عظيمة الأهمية مثل كمال أتاتورك. فمن حق عامة الناس أن يكونوا أبطالا أيضا، ويتجاوزوا فكرة "أن الأمم تُبنى بآحادها".
فلا غرابة إذن أن يسند المخرج أدوار البطولة إلى ثلاث شخصيات رئيسية، وهي الممرضة نهال (جسّدت الدور بشكل مُبهر الفنانة التركية من أصول أذربيجانية "نسرين جواد زادة")، والنقيب الطيّار صالح أكرم (تألّق في تأدية دوره الفنان "تانسيل أونغيل"). كما أن هناك شخصيات أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها، لعل أبرزها الممرضة "إريكا" (لعبت الدور بإتقان شديد الفنانة النمساوية "باربارا زوتيلسيك").
طيار الخلافة.. رحلة تستطلع تحركات الأساطيل الغربية
قبل أن نلج في القضايا الخلافية وردود الأفعال التي أثارها الفيلم من قِبل بعض النقاد والباحثين الأتراك لا بد لنا من التوقف عند القصة الأساسية للفيلم الذي يجمع بين الجوانب التاريخية والحربية والدرامية. يستهل المخرج فيلمه بشخصية النقيب الطيار صالح أكرم، وهو في الثلاثينات من عمره، يفقد زوجته أثناء ولادة ابنته "غولملك".
وفي عام 1915 ومع أولى هجمات الأسطول البحري البريطاني يُوكِل مهمة رعاية ابنته الصغيرة "غولملك" إلى أمه، ويغادر إسطنبول إلى غاليبولي ليقود واحدة من الطائرات الأولى لجيش الإمبراطورية العثمانية، ويُكلَّف بمهمات استطلاعية لجمع المعلومات عن تحركات الأساطيل البريطانية والفرنسية التي تحاول الاقتراب من غاليبولي، أو مضائق الدردنيل كما يسميها البريطانيون، وهدف التحالف هو احتلال إسطنبول وتقديمها هدية للعرش القيصري الروسي إن هم صمدوا بوجه القوات العثمانية والألمانية التي تقاتل الروس في الجبهة الشرقية.
وبينما كان النقيب صالح منهمكا في إحدى المهمات الاستطلاعية يهبط لإنقاذ مفرزة طبية تركية تعرضت لغارة معادية أودت بحياة بعض المدنيين، ومنهم جدّة الطفل فؤاد الذي ظل يتيما يبكي حظه العاثر، لكن نهال سرعان ما ضمّته بين ذراعيها لتعامله معاملة الأم الرؤوم، كما وجدت فيه صورة مطابقة لأخيها الصغير الذي فقدته في غارة قامت بها عصابات بلغارية في السنوات التي سبقت حروب البلقان.
لم تكن الممرضة نهال وحدها التي تحدب على الطفل اليتيم فؤاد، فقد كان النقباء الضباط نصرت وحقي والدكتور راغب وزوجته "إريكا" يرون أطفالهم في معالم وجهه ويلقبونه بالمقاتل الصغير، ويبذلون قصارى جهدهم لحمايته في أيام الحرب المسعورة التي روّعت المدنيين، وفتكت بعشرات الآلاف منهم.
صالح ونهاد.. حب عذري تصل رسائله بعد 40 عاما
ربما تكمن أهمية الصبي فؤاد في تعميق العلاقة بين النقيب صالح أكرم والممرضة نهال اللذين يقعان في حُب عذري صادق يهزّ مشاعر المتلقين رغم خلو العلاقة من أي لمسة أو قُبلة أو احتضان. وحينما تعود نهال إلى مقرّ عملها في إسطنبول تزداد قصة حبهما توهجًا عبر الرسائل الحميمة التي تكشف عن قصة عاطفية نبيلة تنسجم تمًاما مع طبيعة المجتمع التركي المحافظ الذي كان يعيش قبل قرنٍ من الزمان.
تتعدد مسارات القصة السينمائية لتغطي أحداثًا كثيرة وشخصيات إيجابية متعددة تبدأ بالنقيب الطيار صالح وتنتهي بفؤاد الذي أصبح في خاتمة المطاف ضابطا طبيبا بفضل نهال التي كرّست حياتها له، لأنه لا يختلف عن أخيها المرحوم أبدا، مثلما هو لا يختلف عن بقية الأطفال الذين شرّدتهم الحروب وحرمتهم من نعمة الأبوة والأمومة.

لقد ظلت نهال تبحث في كل مكان عن "غولملك" حتى وجدتها، وعرفت منها أنها قد تزوجت وأنجبت ولدا أسمته صالح أكرم، وهو صالح حقًا ومهذّب وغارق بذات المحبة التي كان يحملها جده الراحل للآخرين. أما نهال التي أحبت صالح وانقطعت لحبه، فقد ظلت تنتظر الرسالة التي كتبها، وقد وصلت لكن بعد أربعين عامًا بالضبط!
لقد استشهد صالح مثلما استشهد عدد من رفاقه وأصدقاء دراسته لكي يظل الوطن عزيزًا، ويبقى شرف التركيات مُصانًا ضمن حدود الوطن المنيعة على الأعداء والطامعين.

غياب أتاتورك.. زوبعة انتقادات فكرية وعسكرية للفيلم
أثار هذا الفيلم زوبعة كبيرة من الانتقادات الموجهة من قبل الإسلاميين المعتدلين الذين لا يزالون يدافعون عن الإمبراطورية العثمانية وطريقتها في الحكم، بل إنهم يعزون الانتصار الكبير الذي حققه الجيش التركي عام 1915 إلى الإيمان بالله وقيم الإسلام التي تحضُّ على الشهادة إذا ما انتهِك دين الإنسان وشرفه وماله وعِرضه ووطنه. وقد رأينا عددا من الضباط الميدانيين يحثّون جنودهم على الاستشهاد دفاعا عن الوطن.
لا ينطوي الفيلم على نظرة عدائية أو روح انتقامية، فحينما بدأت المدفعية التركية تدك سفن الأسطول البريطاني وتصيب سفنه المقاتلة إصابات مباشرة لا تُبقي ولا تَذر، تأسّف أحد الجنرالات الأتراك قائلا: "يا للخسارة، لقد أُزهقت كل هذه الأرواح على أراضٍ أجنبية، وفقدت عوائل أحباءً لها وأبناء". وهذا يعني من بين ما يعنيه أن أفراد الجيش التركي ليسوا قتلة، ولا طلاب حرب، وإنما هم يدافعون عن أرضهم وعِرضهم ومالهم إذا ما انسدّت أمامهم كل السبل ولم يبقَ سوى سبيل الحرب.
كثيرة هي الآراء التي اعترضت على فيلم "الرسالة الأخيرة" (2008) للمخرج "أوسان إيرين"، ويبلغ 120 دقيقة، ويروي قصة حقيقية لـ120 طفلا فارقوا الحياة عام 1915، لأنهم كانوا يحملون ذخيرة حيّة إلى معركة ساريكاميش ضدّ الروس خلال الحرب العالمية الأولى، لكن أقوى هذه الآراء وأشدّها وقعًا هو رأي الجنرال "إيكلر باشبوغ" الرئيس السابق للأركان العامة، فقد اعترض على ذكر اسم القائد كمال أتاتورك مرة واحدة في الفيلم، وقد جاءت هذه المرّة في رسالة لتأطير السرد آخذين بنظر الاعتبار أن أتاتورك كان موجودا في المعركة المصيرية المذكورة.
أما مخرج الفيلم فله وجهة نظر أخرى يمكننا أن نتفحصها بدقة، فهو يقول إن هذا الفيلم ليس بريًّا لكي نسلط الضوء على كمال أتاتورك أو غيره من قادة القوة البريّة، وإنما هو فيلم بحري وجوي بامتياز، وقد شاهدنا عددا من اللقطات والمَشاهد الجوية والبحرية الحابسة للأنفاس التي تدفع المُشاهد لأن يجلس فعلاً على حافة كرسيّه مترقبّاً ما ستؤول إليه الأحداث المثيرة.
أسباب النصر.. صراعات بين الإسلاميين والقوميين
ذهب بعض الباحثين والدارسين الأتراك إلى أبعد من ذلك، حينما صوروا الأمر على أنه خلاف بين الإسلاميين المعتدلين الذين يؤازرون رؤية الحكم العثماني، وبين القوميين العلمانيين الذين يقفون خلف أتاتورك المتماهي كليًا مع قيم الحضارة الغربية والساعي لتكريسها في المجتمع التركي، وتتطلع حكومته المتفتحة لأن تكون جزءًا من نسيج القارة الأوروبية مهما كان ثمن التضحيات كبيرا.
ومن بين هؤلاء الباحثين الأستاذ "محمد أوميت نجف" الذي أرجع الاختلاف إلى ثلاث نقاط أساسية وهي الصراع بين المركز والأطراف، وأرخنة انهيار الدولة العثمانية وأسبابها الموضوعية في ظل الظروف القائمة آنذاك، وتفسير معنى النصر في معركة تشناق قلعة أو غاليبولي أو مضايق الدردنيل سواء أكان يعود إلى دوافع الشهادة، أم إلى التقنيات الحديثة للطائرات والمدافع الثقيلة التي كانت تقصف السفن والبوارج البريطانية والفرنسية، حين وصلت إلى مشارف غاليبولي وسواها من مناطق التماس بين تركيا وجيوش الحلفاء البريطانيين والأستراليين والنيوزلنديين والفرنسيين، بعد أن بلغوا مشارف الحدود التركية الصامدة التي لم تتح مجالاً للخرق أو التسلل.
انحياز هوليود.. تجاهل لقصة تحييها السينما المحلية
حري بنا أن نشير إلى رأي الناقد السينمائي التركي الحصيف "سردار أكبيّيك" الذي يقول إن هوليود قد أهملت معركة غاليبولي أو تشناق قلعة لأنها انتهت بنصر تركي، وهوليود لا تريد إنتاج أفلام تتمحور على نصر تركي خاصة أو إسلامي بشكل عام، فهي تصبو دائمًا إلى دغدغة مشاعر المجتمع الأوروبي خاصة، وتمجيد انتصارات المجتمع الغربي بشكل عام، لأنها تركز دائمًا على الطبيعة الشريرة لأعدائها، سواء أكانوا عربًا أم مسلمين أم من قوميات وأديان كونية أخرى.
لا يُنسب كل هذا النجاح الكبير للمخرج وحده، فقد تابع المصور أغور إشباك تصوير عمليات الاستطلاع والاشتباكات الجوية، وقصف السفن والبوارج الحربية بطريقة مذهلة آزره فيها المونتير "علي أوستنداغ"، فقد منح الفيلم انسيابية قلّ نظيرها في مثل هذه الأفلام المعقدة التي تحتاج إلى جهود فنية ومؤثرات صوتية وبصرية مرهفة الدقة، كي يكون الفيلم بهذا المستوى الفني اللافت للانتباه.
ولا ننسى الأداء المُعبِّر للنجمين اللذين تقاسما دور البطولة وهما "تانسيل أونغيل" و"نسرين جواد زادة"، فقد منحا كل لقطة ومشهد حقهما من الناحية الفنية والإنسانية، وقد استحوذا على مشاعر المتفرجين وجعلهم جزءا من الحدث.
